ثرثرة فوق النت..!!
تشويق و فلسفة ، سخرية و رمزية ، عبثية و جدية ، و لغة فريدة متفرّدة ، و شخوص متشابهون بقدر ما هم مختلفون .الوصف دقيق جدا، حتى أنك لتكاد تحسّ بالعوامة تهتز تحت قدميك و ترى بأم عينك زرقة النيل ، و ضوء القمر متسلّلا من بين أغصان الجازورينا و الأكاسيا ، و عمّ عبده بقامته العملاقة التي تناطح السقف ..
الحوار يشدّني بقوّة ، لكن السطور تتراقص أمامي و الكلمات تتداخل من فرط شعوري بالنعاس .. لم أستطع فتح عينيّ كأنّ أكياسا من الرمل فوق أجفاني .
صدق من قال النوم سلطان !
وضعت الرواية جانبا و استلقيت على سريري منهكة ، استرخيت و حاصرتني لجج الأحلام ، لكنّ ما هي إلا ثوانٍ حتى طار النوم ، لا أدري كيف ، هكذا طار تماما ، و وجدتني جالسة إلى الحاسوب . تصفّحت بعض المواقع ، ثم فتحت المسنجر فظهرت على الشاشة دعوة للإضافة إلى قائمة الأصدقاء .
لم أكن لأهتم للأمر لولا غرابة الإسم : نجيب محفوظ !
قلّبت شفتيّ استغرابا و استهزاءً ثم غلبني الفضول فضغطت زر الموافقة .
- مساء الخير سيّدتي .
- مساء النور . ممكن أعرف من أنت ؟
- نجيب محفوظ .
- هههههه...ماذا ؟ إن لم تخبرني من أنت فعلا فسأضطر لحذفك نهائيا المسنجر.
- معك نجيب محفوظ سيدتي ..
- مزحة سخيفة يا أنت .
- لا تصدّقينني ؟
- لا تمزح معي أرجوك..نجيب محفوظ ميت .
- عجبا ... تهتمّين بالأدب و لا تعلمين أن الأدباء لا يموتون ؟
- الشهداء لا يموتون .
- و هل من فرق ؟.
- ماذا تقصد ؟
- هناك شهيد الحرية و شهيد الثورة و شهيد الحب ، و ... شهيد الأدب .، و من الأدباء من تلحق بهم الشهادة و لو بعد موتهم بعشرات السنين مثل الذي استشهد لحظة قرّروا حظر " أيامه " !
- آه ..تقصد عميد الأدب .
- عميد ، فقيد ، شهيد ، تعدّد الشهداء و القاتل واحد !
- من يومين فقط كنت أقرأ عن الإحتفاء بذكرى ميلادك المئوية و " مائة عام من الدهشة ".. لا أفهم كيف أنّك لا تزال على قيد الحياة ؟
- حسنا سأروي لك ما حدث ... كنا في العوامة على ضفاف النيل الساحر نثرثر و الجوزة تدور بيننا ...أحمد نصر ، مصطفى راشد ،علي السيد ، خالد عزّوز و ليلى زيدان و أنا ...و لكن عم عبده غطّ في نوم عميق على غير عادته، و غفل عن الحبال فجرفنا التيار و غرق الجميع ، عدا أنا نجوت بأعجوبة .
- يا إلهي !
- سبحت لساعات و كان البحر حانقا والموج ثائرا متلاطما ...أيقنت بأني هالكٌ لا محالة و فجأة لمحت شيئا يطفو قادما نحوي ...لا ...لم يكن كتابا بل مجلّد كبير جدا ، ضخم ، كأنّه الجبل ، و كانت له أذرع كأذرع الأخطبوط على شكل حروف ...تعلّقت بإحداها ...كان حرف الألف على ما أذكر ، و وصلت الجزيرة بسلام .
- الجزيرة ؟
- نعم ... جزيرة نائية ليس فيها جنس بشر ...أقمت بها ... جاورت الثعابين و الأسود و عاشرت الطيور و الجوارح .
- غريبة ...ألم تتأذّ منهم ؟
- أبدأ ..بالعكس ...كانوا يحمونني ويعتنون بي ، و منهم من كان يأتيني بأخبار العالم ومصر و الثورة أوّل بأوّل .
- جميل أنك تابعت الثورة ... يمكن الآن القول أنّك ابن الثورات الثلاث لا الثورتين !
-........................
- على ذكر الثورة أعتقد أنه عليك أن تراجع مقولتك من أنّ " الثورات يخطط لها الدهاة،و يخوضها الشجعان،و يكسبها الجبناء! "
- أوَ لم يخضها الشجعان ؟
- بلى و لكن الجبناء لا يمكن أن يكسبوا شيئا...أبدا ... ربما في السابق ...أما اليوم فلا مكسبَ لجبان .
- و ماذا ترين بديلا عن مقولتي ؟
- أرى أنّ الثورة يخطط لها الشجعان ، و يخوضها الشجعان و يكسبها ... النّزهاء !
- ربما أنت محقّة ... لكن أتدرين ما الذي أشعل فتيل الثورات و أتى بالربيع يختال باكيا ضاحكا فوق بساط أحمر؟
- هي أمور كثيرة .
- لا .. هو أمر واحدٌ فقط .
- لا تقل لي أنّها الأيادي الخفيّة للكائنات الفضائية المندسّة أو ... أنّه مفعول السحر الأسود !
- ههههه .لا . طبعا .
- ؟؟؟؟؟؟؟
- إنّه التحرّر من الخوف ...الخوف و الثورة لا يلتقيان .
- نعم ... تذكّرت الآن قول علي السيد : " لأننا نخاف البوليس و الجيش و الانجليز و الامريكان و الظاهر و الباطن فقد انتهى بنا الأمر إلى ألا نخاف شيئا ! "
- صحيح ...كل شيء يصل حدّه ينقلب إلى ضدّه ! و حين اكتمل في القلوب المقهورة نصاب الخوف ، و بدأ في النقصان ظهرت تباشير الثورات .
- لابد إذا أنك كتبت شيئا عن ذلك .
- رغم عجز يدي اليمنى بعد أن هاجمني تمساح ، إلا أنّني بصدد الكتابة بيدي اليسرى...هي ثلاثية عن الثورة... لم أصرّح بالعناوين لأحد ...أقصد هنا في الجزيرة ، و لكن لا بأس أن أخبركِ بها أنت : عهد الفرعون ، البلطجيّة ، و بين العهدين .
- جميل ... أكيد سوف تحمل فكرك عن الثورة و التحرّر و الحق و الباطل .
- الحق المسلوب لا يسترجع إلا بالثورة ... "و لكي يبقى الإنسان إنسانا فعليه أن يثور و لو كل سنة مرّة ! " على رأ ي سمارة .
- الإنسان العربي ...تقصد .
- ...................
- نوبل العرب ...هل أنت معي ؟
- ...................
- خرجت ؟
-..................
توقّفت عن النقر ، أحسست بأن جسدي يتجمّد فقد كانت مياهٌ باردة تتدفّق من شاشة الحاسوب و تغمر وجهي و رأسي و ذراعي . شعرت بالبرد و ... فتحت عينيّ ، قلّبت نظري في الغرفة ، وقفت ، اتّجهت صوب النافذة التي فتحتها بإصرار رياح الربيع الخجولة ، نظرت إلى الليل ، باسطا ظلمته على المدينة ، و بدت لي قوافل النجوم المتلألئة كأنّها جواهر توشم جبين السماء ، ثم تناهت إلى سمعي خشخشة ورق ، استدرت ، ابتسمت ، و أنحنيت على الأرض عند أقدام السرير لألتقط رواية " ثرثرة فوق النيل " !
هامش :
* الأسماء الواردة في النص هي لشخصيات في رواية ثرثرة فوق النيل .
* " مائة عام من الدهشة " مقال عن مئوية نجيب محفوظ للكاتب مولاي علي ولد مولاي علي ، نُشر في مجلة أصوات الشمال .
تشويق و فلسفة ، سخرية و رمزية ، عبثية و جدية ، و لغة فريدة متفرّدة ، و شخوص متشابهون بقدر ما هم مختلفون .الوصف دقيق جدا، حتى أنك لتكاد تحسّ بالعوامة تهتز تحت قدميك و ترى بأم عينك زرقة النيل ، و ضوء القمر متسلّلا من بين أغصان الجازورينا و الأكاسيا ، و عمّ عبده بقامته العملاقة التي تناطح السقف ..
الحوار يشدّني بقوّة ، لكن السطور تتراقص أمامي و الكلمات تتداخل من فرط شعوري بالنعاس .. لم أستطع فتح عينيّ كأنّ أكياسا من الرمل فوق أجفاني .
صدق من قال النوم سلطان !
وضعت الرواية جانبا و استلقيت على سريري منهكة ، استرخيت و حاصرتني لجج الأحلام ، لكنّ ما هي إلا ثوانٍ حتى طار النوم ، لا أدري كيف ، هكذا طار تماما ، و وجدتني جالسة إلى الحاسوب . تصفّحت بعض المواقع ، ثم فتحت المسنجر فظهرت على الشاشة دعوة للإضافة إلى قائمة الأصدقاء .
لم أكن لأهتم للأمر لولا غرابة الإسم : نجيب محفوظ !
قلّبت شفتيّ استغرابا و استهزاءً ثم غلبني الفضول فضغطت زر الموافقة .
- مساء الخير سيّدتي .
- مساء النور . ممكن أعرف من أنت ؟
- نجيب محفوظ .
- هههههه...ماذا ؟ إن لم تخبرني من أنت فعلا فسأضطر لحذفك نهائيا المسنجر.
- معك نجيب محفوظ سيدتي ..
- مزحة سخيفة يا أنت .
- لا تصدّقينني ؟
- لا تمزح معي أرجوك..نجيب محفوظ ميت .
- عجبا ... تهتمّين بالأدب و لا تعلمين أن الأدباء لا يموتون ؟
- الشهداء لا يموتون .
- و هل من فرق ؟.
- ماذا تقصد ؟
- هناك شهيد الحرية و شهيد الثورة و شهيد الحب ، و ... شهيد الأدب .، و من الأدباء من تلحق بهم الشهادة و لو بعد موتهم بعشرات السنين مثل الذي استشهد لحظة قرّروا حظر " أيامه " !
- آه ..تقصد عميد الأدب .
- عميد ، فقيد ، شهيد ، تعدّد الشهداء و القاتل واحد !
- من يومين فقط كنت أقرأ عن الإحتفاء بذكرى ميلادك المئوية و " مائة عام من الدهشة ".. لا أفهم كيف أنّك لا تزال على قيد الحياة ؟
- حسنا سأروي لك ما حدث ... كنا في العوامة على ضفاف النيل الساحر نثرثر و الجوزة تدور بيننا ...أحمد نصر ، مصطفى راشد ،علي السيد ، خالد عزّوز و ليلى زيدان و أنا ...و لكن عم عبده غطّ في نوم عميق على غير عادته، و غفل عن الحبال فجرفنا التيار و غرق الجميع ، عدا أنا نجوت بأعجوبة .
- يا إلهي !
- سبحت لساعات و كان البحر حانقا والموج ثائرا متلاطما ...أيقنت بأني هالكٌ لا محالة و فجأة لمحت شيئا يطفو قادما نحوي ...لا ...لم يكن كتابا بل مجلّد كبير جدا ، ضخم ، كأنّه الجبل ، و كانت له أذرع كأذرع الأخطبوط على شكل حروف ...تعلّقت بإحداها ...كان حرف الألف على ما أذكر ، و وصلت الجزيرة بسلام .
- الجزيرة ؟
- نعم ... جزيرة نائية ليس فيها جنس بشر ...أقمت بها ... جاورت الثعابين و الأسود و عاشرت الطيور و الجوارح .
- غريبة ...ألم تتأذّ منهم ؟
- أبدأ ..بالعكس ...كانوا يحمونني ويعتنون بي ، و منهم من كان يأتيني بأخبار العالم ومصر و الثورة أوّل بأوّل .
- جميل أنك تابعت الثورة ... يمكن الآن القول أنّك ابن الثورات الثلاث لا الثورتين !
-........................
- على ذكر الثورة أعتقد أنه عليك أن تراجع مقولتك من أنّ " الثورات يخطط لها الدهاة،و يخوضها الشجعان،و يكسبها الجبناء! "
- أوَ لم يخضها الشجعان ؟
- بلى و لكن الجبناء لا يمكن أن يكسبوا شيئا...أبدا ... ربما في السابق ...أما اليوم فلا مكسبَ لجبان .
- و ماذا ترين بديلا عن مقولتي ؟
- أرى أنّ الثورة يخطط لها الشجعان ، و يخوضها الشجعان و يكسبها ... النّزهاء !
- ربما أنت محقّة ... لكن أتدرين ما الذي أشعل فتيل الثورات و أتى بالربيع يختال باكيا ضاحكا فوق بساط أحمر؟
- هي أمور كثيرة .
- لا .. هو أمر واحدٌ فقط .
- لا تقل لي أنّها الأيادي الخفيّة للكائنات الفضائية المندسّة أو ... أنّه مفعول السحر الأسود !
- ههههه .لا . طبعا .
- ؟؟؟؟؟؟؟
- إنّه التحرّر من الخوف ...الخوف و الثورة لا يلتقيان .
- نعم ... تذكّرت الآن قول علي السيد : " لأننا نخاف البوليس و الجيش و الانجليز و الامريكان و الظاهر و الباطن فقد انتهى بنا الأمر إلى ألا نخاف شيئا ! "
- صحيح ...كل شيء يصل حدّه ينقلب إلى ضدّه ! و حين اكتمل في القلوب المقهورة نصاب الخوف ، و بدأ في النقصان ظهرت تباشير الثورات .
- لابد إذا أنك كتبت شيئا عن ذلك .
- رغم عجز يدي اليمنى بعد أن هاجمني تمساح ، إلا أنّني بصدد الكتابة بيدي اليسرى...هي ثلاثية عن الثورة... لم أصرّح بالعناوين لأحد ...أقصد هنا في الجزيرة ، و لكن لا بأس أن أخبركِ بها أنت : عهد الفرعون ، البلطجيّة ، و بين العهدين .
- جميل ... أكيد سوف تحمل فكرك عن الثورة و التحرّر و الحق و الباطل .
- الحق المسلوب لا يسترجع إلا بالثورة ... "و لكي يبقى الإنسان إنسانا فعليه أن يثور و لو كل سنة مرّة ! " على رأ ي سمارة .
- الإنسان العربي ...تقصد .
- ...................
- نوبل العرب ...هل أنت معي ؟
- ...................
- خرجت ؟
-..................
توقّفت عن النقر ، أحسست بأن جسدي يتجمّد فقد كانت مياهٌ باردة تتدفّق من شاشة الحاسوب و تغمر وجهي و رأسي و ذراعي . شعرت بالبرد و ... فتحت عينيّ ، قلّبت نظري في الغرفة ، وقفت ، اتّجهت صوب النافذة التي فتحتها بإصرار رياح الربيع الخجولة ، نظرت إلى الليل ، باسطا ظلمته على المدينة ، و بدت لي قوافل النجوم المتلألئة كأنّها جواهر توشم جبين السماء ، ثم تناهت إلى سمعي خشخشة ورق ، استدرت ، ابتسمت ، و أنحنيت على الأرض عند أقدام السرير لألتقط رواية " ثرثرة فوق النيل " !
هامش :
* الأسماء الواردة في النص هي لشخصيات في رواية ثرثرة فوق النيل .
* " مائة عام من الدهشة " مقال عن مئوية نجيب محفوظ للكاتب مولاي علي ولد مولاي علي ، نُشر في مجلة أصوات الشمال .
تعليق