صــــــرخــــــة كــــــنــــــــز
أصوات مجلجلة حفرت أخدودا في ذاكرته كلما تذكرها تدفقت كل المآسي عبر الأخدود وسالت كل المآقي عن عبراتها الدائمة . ارتشف جرعات متتالية دون تريث من كاس شاي ساخن ؛ جرجرت في حلقه ضاق صدره واستجمع قواه فانتصب واقفا والكأس أسير قبضته . تأمل حثالته فقطب جبينه وفاض من الغيظ . ثم قرقع الكأس فوق الطاولة ؛ ولوح بيده لصاحب المطعم مودعا دون أداء الواجب .
تسلق الحافلة التي غمرت المكان بضجيجها وصفق الباب خلفه . تفحص الوجوه الشاحبة والعيون الغائرة للقرويين الذين تكدسوا حتى في الممر الضيق من دون كراسي في اتجاه السوق الأسبوعي ؛ فعلم أن مصيره هو ثني ركبتيه على ظهر الحافلة كما لو جلس للتشهد في الصلاة .....لاشيء يغني عن هذا المشهد في ظل أزمة يقتات الفقراء من معاناتها ؛ ويتلذذون بعبارات التشويق الإصلاحي عندما يعدهم رئيس المقاطعة بأنه امتلك الحل السحري لتحرير القرية من مخالب العزلة وبطشها .
ضغط السائق على زر المنبه فصم الأذان بصوته الحاد ؛ وانطلقت الحافلة متدحرجة بين الحفر كقطعة جبل زلزلت أركانه . البرد القارس يلفح الوجوه .. تصلبت الأبدان ويبست الشفاه فتحولت المركبة إلى مستودع لنقل الأموات .
لم يشعر القرويون أنهم في مأمن من كل مكروه . كل واحد منهم يبسط ذراعيه كالغريق ليمسك بتلابيب الأخر. تبدو الأيادي متشابكة في صورة خيوط العنكبوت ؛ فيصيح المساعد بأعلى صوته الجهور - وهو يدوس فوق الأجساد - ( شكون باقي ما خلص)* وصل عند(عبد الودود) سحب من محفظته الجلدية التي شربت غبار السنين وأوساخه ؛ ورقة صغيرة ؛ مستطيلة الحجم ؛ تبتسم بمظهرها الساخر في وجه الجميع . رسم في أعلاها صورة حافلة من الطراز الحديث الفخم ، بألوانها الزاهية تستهوي الناظر وتنعش أحلامه الميتة . تغري بركوبها وتسبح بالخيال بعيدا كأنها في الوسط الباريسي . وفي أسفلها كتب رقم المقعد .(1 ) وهو أصلا مخصص للسائق . وكتب بخط مضغوط منمق (20) درهم . وفي النهاية عبارة ( من تأخر عن الموعد لن قبل منه شكاية )
صاح المساعد بصوته المتهدج خذ أنت.... مد عبد الودود أطراف أصابعه التي تحترق بالبرد القاسي فأخذ الورقة ودسها في جيب معطفه ،لا يعلم بتفاصيلها غير أداء واجب الرحلة . ثم اعتصر جيبه اليابس باليد الأخرى فسحب الورقة النقدية من سروال (الدجين) بصعوبة بالغة . مدها إليه مطوية في قبضته ؛ متنهدا كما لو أنها قطعة من كبده... استسلمت الحافلة لمصير تدحرجها بين الحفر؛ واستسلم القرويون لضرباتها التي تؤلم الأجساد ؛ واندس المساعد بين الجموع غير مبال بما يحدث . يحصد النقود بأطراف أصابعه كما لو أنه يجمع التبرعات .
عند المنعطف توقفت المركبة في أقصى اليمين ؛ فصاح السائق بأعلى صوته المبحوح : (المقبرة المقبرة ..) ابتلع عبد الودود... ريقه وتنفس الصعداء فانتصب واقفا مرتعشا كالمصعوق ؛ يداري زحمة الأجساد بمنكبيه العريضين وهي تموج ؛ دافعا بجسده إلى الأمام ليشق طريقه في اتجاه الباب الخلفي المشرع صائحا (اسمع بَلاَك آبنادم ؛ اسمع بَلاَك آبنادم ) ** تبعثر معطفه الرث فوق جسده واصطكت أسنانه ؛ فبسط يده الطويلة ممسكا بالمشجب . ثم اعترك مسافة ذراع ليرى النور ؛ ويصل إلى بر الأمان ... نط كالأرنب و بصق . ابتعد خطوات وسحب من جيبه الورقة . حدق في الصورة التي زادها الضوء بريقا ؛ ونظر إلى الحافلة جاثمة أمامه كالتابوت . لملم أفكاره الجريحة ؛ و لم يفهم أي شيء. أعادها إلى كفنها كي لا يتذكر مآسيها.
اتجه نحو المقبرة ؛ قدم هدية مجانية للبواب ودخل يتفحص القبور . يفرك عينيه المتعبتين وقد فاضتا من الدمع. ثم وقع بصره على قبر أمه فثقلت قدماه وخارت قواه ؛ وسمع صوتا منبعثا من أعماقه يصرخ في وجهه قائلا :أحلامك التي كانت تزن الجبال ماتت بموت أمك ؛ بدّدتَ ثروتها بسوء تدبيرك، ها أنت اليوم تجني صنيع يديك؛ وثمار أفكارك التي ترفل في ظلام الجهل . لا تفتح لك مغالق الأشياء ... خدعتك الدنيا ببريقها الوهاج فأهديتها كل ما تملك في لمح البصر، وانتبهت اليوم فوجدت نفسك بين القبور صفر اليدين . لمن يا ترى ترثي حالك؟ ! ومن يسمع أنينك الذي يخيط أكفان أيامك ؟....
تسمر في مكانه وفغر فاه كالمشدوه ثم مسح على شاربه الكث ومد يديه في عنان السماء داعيا لأمه بالمغفرة ومحو الذنوب ...مد بصره في كل الأرجاء وجال به في كل القبور. فبدت له الدنيا هباء ...حياة وموت ..لكن أي معنى لحياة يستنجد فيها كالغريق وقد تقاذفته أمواج الأزمات . لم يستمتع بإشراق الشمس ولا بضياء القمر عندما تتراقص الأحلام في ظلال مخيلته يعزف على اوتار الامل ويغني انشودة الصباح السعيد.....لكن أزمات الجيب التي تقــتص من حاجياته الضرورية في كل لحظة تعكر صفو حياته ...وأزمات تفكيرالضبابي تلسع ضميره طوال الوقت ؛ أي معنى لحياة امتطاها فتاه بين دروب أحزانها لا يلوي على شيء من المسرات ؟. عندما يرى تجاعيد وجهه يعلم أنها هرولت به في اتجاه هذا المكان قبل الأوان .
اعتصر حلقه فُـؤاق شديد فتنبه من هذيانه ، وانحنى راكعا ليعقد خيوط حذائه التي تبعثرت في زحمة المهالك ؛ فوقع بصره على ورقة صغيرة متلاشية كتب على ظهرها بخط باهت وبلون الزعفران : هنا كنز .
أخذها بين أطراف أصابعه . حدق فيها وطواها في قبضة كفه . ثم اختفى عن الأنظار في زاوية خارج السور.. نادى على طفل يلهو بمحفظته ، ويشيل بها. .أمره أن يتهجى حروفها فقرأ : "هنا كنز ."
عاد مسرعا إلى المكان بخف حنين متمتما بكلمات ؛ ومرددا عبارة (سلم سلم ) بحث بأطراف أصابع يديه مكان الورقة فلمس صفيحة من قصدير . علم أنه هنا .
استعار فأسا قصيرة المقبض ومكث بجوار المقبرة حتى جن الليل ، وسال لعابه للغنيمة . حمل الفأس وتسلل بين القبور بتؤدة فتألمت أصابع رجليه التي يمشي عليها كاتما صوته ؛ متحسسا في الظلام الدامس المكان ؛ والبرد القارس يلفح وجهه . جثم على ركبتيه لاهثا ؛ و مرددا (هنا...هنا.... اللهم سلم ). انتفض كالمذعور وتصلبت يداه على المقبض ...حمل الفأس وهوى بها فانغرست في الأرض ولم يقو على سحبها بعدما تطايرت أشلاء من الورق وغمرت وجهه كله كما لو أنها كومة نحل تضج في المكان ؛ فألقت بغبارها في عينيه الجاحظتين وهي تتلو بصوتها المرتل ( اقرأ باسم ربك الذي خلق؛ خلق الإنسان من علق...............) .
* المراد (من لم يؤد ثمن الرحلة .)
** المراد (افسح الطريق يا بني آدم)
أصوات مجلجلة حفرت أخدودا في ذاكرته كلما تذكرها تدفقت كل المآسي عبر الأخدود وسالت كل المآقي عن عبراتها الدائمة . ارتشف جرعات متتالية دون تريث من كاس شاي ساخن ؛ جرجرت في حلقه ضاق صدره واستجمع قواه فانتصب واقفا والكأس أسير قبضته . تأمل حثالته فقطب جبينه وفاض من الغيظ . ثم قرقع الكأس فوق الطاولة ؛ ولوح بيده لصاحب المطعم مودعا دون أداء الواجب .
تسلق الحافلة التي غمرت المكان بضجيجها وصفق الباب خلفه . تفحص الوجوه الشاحبة والعيون الغائرة للقرويين الذين تكدسوا حتى في الممر الضيق من دون كراسي في اتجاه السوق الأسبوعي ؛ فعلم أن مصيره هو ثني ركبتيه على ظهر الحافلة كما لو جلس للتشهد في الصلاة .....لاشيء يغني عن هذا المشهد في ظل أزمة يقتات الفقراء من معاناتها ؛ ويتلذذون بعبارات التشويق الإصلاحي عندما يعدهم رئيس المقاطعة بأنه امتلك الحل السحري لتحرير القرية من مخالب العزلة وبطشها .
ضغط السائق على زر المنبه فصم الأذان بصوته الحاد ؛ وانطلقت الحافلة متدحرجة بين الحفر كقطعة جبل زلزلت أركانه . البرد القارس يلفح الوجوه .. تصلبت الأبدان ويبست الشفاه فتحولت المركبة إلى مستودع لنقل الأموات .
لم يشعر القرويون أنهم في مأمن من كل مكروه . كل واحد منهم يبسط ذراعيه كالغريق ليمسك بتلابيب الأخر. تبدو الأيادي متشابكة في صورة خيوط العنكبوت ؛ فيصيح المساعد بأعلى صوته الجهور - وهو يدوس فوق الأجساد - ( شكون باقي ما خلص)* وصل عند(عبد الودود) سحب من محفظته الجلدية التي شربت غبار السنين وأوساخه ؛ ورقة صغيرة ؛ مستطيلة الحجم ؛ تبتسم بمظهرها الساخر في وجه الجميع . رسم في أعلاها صورة حافلة من الطراز الحديث الفخم ، بألوانها الزاهية تستهوي الناظر وتنعش أحلامه الميتة . تغري بركوبها وتسبح بالخيال بعيدا كأنها في الوسط الباريسي . وفي أسفلها كتب رقم المقعد .(1 ) وهو أصلا مخصص للسائق . وكتب بخط مضغوط منمق (20) درهم . وفي النهاية عبارة ( من تأخر عن الموعد لن قبل منه شكاية )
صاح المساعد بصوته المتهدج خذ أنت.... مد عبد الودود أطراف أصابعه التي تحترق بالبرد القاسي فأخذ الورقة ودسها في جيب معطفه ،لا يعلم بتفاصيلها غير أداء واجب الرحلة . ثم اعتصر جيبه اليابس باليد الأخرى فسحب الورقة النقدية من سروال (الدجين) بصعوبة بالغة . مدها إليه مطوية في قبضته ؛ متنهدا كما لو أنها قطعة من كبده... استسلمت الحافلة لمصير تدحرجها بين الحفر؛ واستسلم القرويون لضرباتها التي تؤلم الأجساد ؛ واندس المساعد بين الجموع غير مبال بما يحدث . يحصد النقود بأطراف أصابعه كما لو أنه يجمع التبرعات .
عند المنعطف توقفت المركبة في أقصى اليمين ؛ فصاح السائق بأعلى صوته المبحوح : (المقبرة المقبرة ..) ابتلع عبد الودود... ريقه وتنفس الصعداء فانتصب واقفا مرتعشا كالمصعوق ؛ يداري زحمة الأجساد بمنكبيه العريضين وهي تموج ؛ دافعا بجسده إلى الأمام ليشق طريقه في اتجاه الباب الخلفي المشرع صائحا (اسمع بَلاَك آبنادم ؛ اسمع بَلاَك آبنادم ) ** تبعثر معطفه الرث فوق جسده واصطكت أسنانه ؛ فبسط يده الطويلة ممسكا بالمشجب . ثم اعترك مسافة ذراع ليرى النور ؛ ويصل إلى بر الأمان ... نط كالأرنب و بصق . ابتعد خطوات وسحب من جيبه الورقة . حدق في الصورة التي زادها الضوء بريقا ؛ ونظر إلى الحافلة جاثمة أمامه كالتابوت . لملم أفكاره الجريحة ؛ و لم يفهم أي شيء. أعادها إلى كفنها كي لا يتذكر مآسيها.
اتجه نحو المقبرة ؛ قدم هدية مجانية للبواب ودخل يتفحص القبور . يفرك عينيه المتعبتين وقد فاضتا من الدمع. ثم وقع بصره على قبر أمه فثقلت قدماه وخارت قواه ؛ وسمع صوتا منبعثا من أعماقه يصرخ في وجهه قائلا :أحلامك التي كانت تزن الجبال ماتت بموت أمك ؛ بدّدتَ ثروتها بسوء تدبيرك، ها أنت اليوم تجني صنيع يديك؛ وثمار أفكارك التي ترفل في ظلام الجهل . لا تفتح لك مغالق الأشياء ... خدعتك الدنيا ببريقها الوهاج فأهديتها كل ما تملك في لمح البصر، وانتبهت اليوم فوجدت نفسك بين القبور صفر اليدين . لمن يا ترى ترثي حالك؟ ! ومن يسمع أنينك الذي يخيط أكفان أيامك ؟....
تسمر في مكانه وفغر فاه كالمشدوه ثم مسح على شاربه الكث ومد يديه في عنان السماء داعيا لأمه بالمغفرة ومحو الذنوب ...مد بصره في كل الأرجاء وجال به في كل القبور. فبدت له الدنيا هباء ...حياة وموت ..لكن أي معنى لحياة يستنجد فيها كالغريق وقد تقاذفته أمواج الأزمات . لم يستمتع بإشراق الشمس ولا بضياء القمر عندما تتراقص الأحلام في ظلال مخيلته يعزف على اوتار الامل ويغني انشودة الصباح السعيد.....لكن أزمات الجيب التي تقــتص من حاجياته الضرورية في كل لحظة تعكر صفو حياته ...وأزمات تفكيرالضبابي تلسع ضميره طوال الوقت ؛ أي معنى لحياة امتطاها فتاه بين دروب أحزانها لا يلوي على شيء من المسرات ؟. عندما يرى تجاعيد وجهه يعلم أنها هرولت به في اتجاه هذا المكان قبل الأوان .
اعتصر حلقه فُـؤاق شديد فتنبه من هذيانه ، وانحنى راكعا ليعقد خيوط حذائه التي تبعثرت في زحمة المهالك ؛ فوقع بصره على ورقة صغيرة متلاشية كتب على ظهرها بخط باهت وبلون الزعفران : هنا كنز .
أخذها بين أطراف أصابعه . حدق فيها وطواها في قبضة كفه . ثم اختفى عن الأنظار في زاوية خارج السور.. نادى على طفل يلهو بمحفظته ، ويشيل بها. .أمره أن يتهجى حروفها فقرأ : "هنا كنز ."
عاد مسرعا إلى المكان بخف حنين متمتما بكلمات ؛ ومرددا عبارة (سلم سلم ) بحث بأطراف أصابع يديه مكان الورقة فلمس صفيحة من قصدير . علم أنه هنا .
استعار فأسا قصيرة المقبض ومكث بجوار المقبرة حتى جن الليل ، وسال لعابه للغنيمة . حمل الفأس وتسلل بين القبور بتؤدة فتألمت أصابع رجليه التي يمشي عليها كاتما صوته ؛ متحسسا في الظلام الدامس المكان ؛ والبرد القارس يلفح وجهه . جثم على ركبتيه لاهثا ؛ و مرددا (هنا...هنا.... اللهم سلم ). انتفض كالمذعور وتصلبت يداه على المقبض ...حمل الفأس وهوى بها فانغرست في الأرض ولم يقو على سحبها بعدما تطايرت أشلاء من الورق وغمرت وجهه كله كما لو أنها كومة نحل تضج في المكان ؛ فألقت بغبارها في عينيه الجاحظتين وهي تتلو بصوتها المرتل ( اقرأ باسم ربك الذي خلق؛ خلق الإنسان من علق...............) .
* المراد (من لم يؤد ثمن الرحلة .)
** المراد (افسح الطريق يا بني آدم)
تعليق