سفـــــر الأحــــلام
في الكثير من الأحيان , نفقد الإحساس بالزمان و المكان , نهيم مع الخيال في دنيا الأحلام , فيختلط داخلنا الواقع بالأوهام , نتخبط في أفكار مبهمة , و صور متداخلة , و ذهن مشتت .. !!
.. التقت أعينهما صدفة , لم يعرفها في بادئ الأمر ؛ كانت تذكره بشخص ما , عزيز عليه , قريب إلى قلبه ..!! اعتصر ذاكرته , إنه يعرف ذلك الوجه و هاتين العينين , يرى فيهما خيالات الماضي و ذكرياته الأليمة . شرد عائداً بشريط الذاكرة للوراء , الصور تتلاحق في ذهنه , الملامح تتغير , و الشهور , و السنون تمضي, و العمر ينقضي . الوجوه قد تتبدل , تشوبها إمارات الإثم , و تهجرها البراءة , قد تذبل و يضيع منها بريق الصبا , الشيب يزحف حثيثاً , الذاكرة قد تضعف , لكن العيون تبقى على حالتها , بصمة الوجوه , صامدة أمام فرشاةالزمن .
أراد أن يبدد حيرته , و يتغلب على الصمت المفروض على جلال الموقف, يطرد عنه قلقه الخفي , و يقطع وحدة السفر بحديث يذهب الوحشة , استجمع شجاعته من جديد , حاول أن يحدثها , فتلعثمت الكلمات في حلقه , نظرت إليه باسمة .. ياإلهي .. !! إنه يعرف هذه البسمة رغم شحوبها , تلك الابتسامة , طالما خلبت منه اللب و جعلته يهيم في بحور الأحلام , و هاتين العينين أو شبيهتيهما , كثيراً ما أرق ليله يتعبد في محرابهما , شعر برعدة تعتري جسده , و قشعريرة تسري في أوصاله حينما نما إلى ذهنه ذلك الخاطر ..!!
ازدرد لعابه في صعوبة , حاول تهدئة قلبه الذي تقافز في صدره , فكاد يقفز من حلقه , اتسعت حدقتاه في هلع , سألها في صوت متحشرج:
ـ أنت .. ؟!
أجابته بإيماءة من رأسها , فصرخ دهشاً:
ـ هذا مستحيل .. !!
أطرقت صامتة , عاد يصرخ لاهثاً:
ـ كيف أتيت إلى هنا .. ؟!
هز رأسه في عنف ـ ليطرد عنه أفكاره تلك , و استطرد مستنكراً:
ـ لا .. أنت لست هي .. !! أنت وهم .. أنت أكذوبة .. !!
نظرت إليه و الدموع ملء عينيها , فتهاوى معها صموده , إنه لم يقو على احتمالها يوماً , و يضعف أمامها دوماً ـ ظل واجماً , ساكناً في مكانه ـ فعقله يرفض أن يصدق كل ما هو غير منطقي , كيف بالله يحدث هذا .. ؟!! لابد أن في الأمر خدعة .. !! ـ إنها لم تعد بعد ملك عالمه .. كيف أتت إليه إذن .. ؟! أم تراه هو من ذهب إليها .. !! أيكون واهماً .. ؟!
بينما كان حائراً بين أفكاره , هرولت مبتعدة عنه , فتنبه فزعاً , و هتف بها منادياً - عجباً ..!!- لقد ناداها بإسمها .. !! لقد عرفها .. !!إنها هي ولا شك , توقفت للحظات ؛ لم يلحظ تلك الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها لبرهة و اختفت في سرعة . اقترب منها , كانت مطرقة برأسها تبكي , فأمسك بذقنها بأنامله , و رفع وجهها إليه. رآها كما ودّعها آخر مرة . كفكف دموعها , احتضن يديها بين يديه , و لثم جبينها .
ثم أحاط جيدها بيديه في حنان , و مضيا , الضباب يغلفهما , يعبران بوابة الحياة , يحلقان معاً فوق سحب الذكريات , و يعلو صوتهما بالضحكات . في غمره سعادته تنبه إلى أن الطريق تنحرف بهما إلى اتجاه خاطئ , سألها عن وجهتهما , فابتسمت له مطمئنة , أراد أن يحذرها , لكنها كانت لا تسمعه , تخطو مسرعة , كأنها على موعد ما .. !!
حاول التملص منها , إلا أنها كانت تجرّه في قوة , تدفعه إلى الهاوية , تقوده إلى حتفه , تريد أن تقتله , لتستأثر به ..!! تسلبه حتى أحلامه و حقه في الحياة , تريد أن تحطم عالمه . غريبٌ أنه صدقها و استسلم لخدعتها , إنها ليست هي .. ليست ذاك الملاك الطاهر الذي كان يحبه .. !! إنه يكاد يرى تلك النار التي تستعر في عينيها , لا .. لا يجب أن يستسلم لها , لابد أن يستعيد قياد نفسه , يستعيدحياته .. !!
حاول .. و حاول أن يقاومها , و هي تصرخ ضاحكة , ضحكة شيطانية مدوية , تصم الآذان , أخذ يتلوي من الألم , يتصبب عرقاً , استنجد صارخاً :
ـ بالله ربي إنقذني .. !! امنحني الأمل .. !!
فرأى وميضاً يبزغ من بين الغيوم , و شاهد فتاة تتهادي في ثوب أبيض فضفاض , فوق درجات من نور , تقترب منه , حتى لامست جبينه , و هو راكعٌ عن قدميها , ثم غطته بجناحيها , و ضمته في قوة . فارتعشت روحه في جسده , ثم جفل فزعاً من نومه ؛ لتتفتح عيناه على فجر الحياة من جديد .
تعليق