لا ثمـن للحريـة.. قصص قصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د .أشرف محمد كمال
    قاص و شاعر
    • 03-01-2010
    • 1452

    لا ثمـن للحريـة.. قصص قصيرة




    (1)


    ..عندما كنت صغيراً؛ كنت أعشق الحرية, أحب الانطلاق في البرية , أركض بين أحضان الطبيعة , أتنفس نسمات الحقول الشذية , أداعب الأزهار , و أتسلق الأشجار العالية .
    ذات يوم أمسكت بسمكة صغيرة في أحد الجداول البعيدة . فوضعتها في كيس مملوء بالمياه , و عدوت مسرعاً نحو منزلنا , الفرحة تكاد تقفز من عيني و تسبقني إليه , أخذت أتقافز ,و أنا أخبر أمي بتلك المغامرة العجيبة ,و ذاك الانتصار السعيد ؛ إلا أنني وجدت ملامح الأسى , و الحزن تكسو وجهها الحبيب, ثم قالت لي بصوتها العذب: حبيبي .. لكن السمكة لن تكون سعيدة بالأسر..!!
    فسألتها في دهشة بريئة: لما..؟!
    فأجابتني بعبارة ؛ لم أفهمها وقتها: لأنها تعشق الحرية..
    انصرفت غير عابئ بكلامها , و وضعت السمكة في آنية زجاجية . و ظلت السمكة الصغيرة هي شغلي الشاغل لفترة طويلة ؛ أطعمها كل يوم فتافيت الخبز , و أبدل لها الماء كل يوم , و كنت أراها دائماً تحاول جاهدة أن تقفز خارج القفص الزجاجي , فأضحك منها , و أتعجب من مثابرتها , و عدم يأسها..!!
    و في أحد الأيام عدت من المدرسة , و ذهبت إليها مسرعاً كعادتي , فلم أجدها , انتابني الفزع , و أخذت افتش عنها بلهفة ؛ حتي عثرت عليها ترقد بلا حراك أسفل الطاولة , و قد فارقت الحياة.
    عندها أمسكتها بين يدي , ثم ابتسمت و الدموع في عيني . فقد عرفت أنها أخيراً قد حصلت على حريتها المنشودة ؛ حتي و لو كانت حياتها هي الثمن .
    خبر صغير بالجريدة الرسمية , شاب يفجر نفسه في موقف لحافلات جنود الاحتلال .
    التعديل الأخير تم بواسطة د .أشرف محمد كمال; الساعة 06-01-2012, 17:16.
    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
    فتفضل(ي) هنا


    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم
  • د .أشرف محمد كمال
    قاص و شاعر
    • 03-01-2010
    • 1452

    #2

    (2)


    ..كان يتقفقف من البرد ؛ رغم أنه يرتدي معطفا صوفياً أسوداً طويل ,و يلف كوفية حمراء حول عنقه . يمسك لافته بيضاء كتب عليها ( حرية- مساواة - عدالة اجتماعيه ).
    ظل مرابطاً في الميدان لمدة ثلاثة أيام , نسى فيهم كل حياته ؛ عمله , أهله , فراشه الوثير . انمحى من ذاكرته كل ماضيه ,و غابت عنه أحلامه و أمانيه . بقي هناك هدف واحد أمام عينيه , بزغ كشمس منيرة وسط دياجير الظلام الذي كان يعيش فيه . حب هو الأول الذي عرف معانيه , يوم أن وطأت رأسه أراضيه , و صافح النور عينيه . حب ملك فؤاده , و خلب لبه , شعور ليس له ما يدانيه.
    هتف بكل ما أوتي من قوه و الملايين من حوله : الشعب يريد إسقاط النظام .. الشعب يريد اسقاط النظام ..
    و كأن أبواب السماء فُتحت لتلاقيه. فرأى النور بعينيه ,وأحس بالدفء أخيراً , و هطل الفرح من السماء دموعاً . فهللت الجماهير مستبشرة , ثم رفعوه فوق أكتافهم جاهرين : الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله.. الشهيد حبيب الله..
    إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
    فتفضل(ي) هنا


    ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

    تعليق

    • د .أشرف محمد كمال
      قاص و شاعر
      • 03-01-2010
      • 1452

      #3

      (3)

      .. لم يكن يتصور أنه سيحمل سلاحاً في يوم من الأيام ؛ و هو الفنان , رقيق المشاعر , مرهف الحس ؛ الذي كان يجذع من مجرد مشاهدة الدماء . لكنه وجد رفقائه و أقرانه يتساقطون من حوله الواحد تلو الآخر , دون ذنب جنوه سوى أنهم خرجوا ليعبروا عن رأيهم الحر بطريقة سلمية. كأحد أهم ممارسات الديمقراطية التي يدعيها الحكام العرب في كل مكان , و يتشدق بها أبواق النظام من الإعلام , و المستفيدون من بقاء تلك الفئة الفاسدة في سدة الحكم .


      .. ضاعت سُدى كل محاولاته لعلاج من سقط شهيداً برصاصات الغدر في رأسه أو منتصف صدره . حاول جاهداً أن يستجمع رباطة جأشه , أن يوقف الدماء بيديه , أن يستدع أحداً لم يكن موجوداً ..!! كان الكل مابين قتيل , و جريح , و فار يحاول أن ينجو بحياته من تلك المذبحة. فجأة رأى بندقية أحد الجنود الذين سقطوا أيضا في ساحة المعركة - و قد فارق الحياة - حاول الوصول إليها رغم الرصاص المنهمر من حوله . زحف على الأرض بضعة أمتار قليلة حتى أمسك بها , ثم كر عائداً إلى مكانه , أحس بسهم من النار يخترق ساقه , و دماءٍ غزيرة تنزف منه . إلهبت الدماء الحاره مشاعره , فصرخ غاضباً , ثم وقف على ساق واحدة كاشفاً صدره , غير أبهاً بالموت .

      سادت لحظة صمت الكون من حوله . وجد نفسه يلتفت بلا سبب محدد؛ نحو أحد الأبنية العالية , فوقع نظره على واحدٍ من القناصة المتمترسين خلف أحدى لوحات الإعلان , أمسك ببندقيته , و أحكم تصويبها نحوه, تلاقت عيناهما سوياً , نظر إليه بتحد ؛ فجفل الآخر فزعاً للحظة , لكنه عاد , و ابتسم ساخراً , ثم اعتصر زناد بندقيته التلسكوبية , فانطلقت الرصاصة نحو هدفها المنشود ,و سقط على الأرض مدرجاً في دمائه.

      إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
      فتفضل(ي) هنا


      ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

      تعليق

      • د .أشرف محمد كمال
        قاص و شاعر
        • 03-01-2010
        • 1452

        #4
        (4)


        ..لم يُقدر له أن يرى والده بوعي كامل ؛ فقد استشهد عندما كان في عامه الثاني . ربته أمه و أخوته على الخوف . لكنها لم تكن تعرف أنها قتلت من فرط خوفها ؛ خوفهم منه..!!
        كان بعد صغيراً غير مدركٍ لحقائق الأمور؛ حين ماتت أخته الكبرى (فاطمة) . لكنه علم فيما بعد أنها من قتلت نفسها..!! و لم يدر لمه..؟! أمه أبداً لم تكن تريح أسئلته الحيرى بأية أجوبة..!! فقط كان يرى دموعها الصامته تنسال في حرقةٍ.
        ظل يسمعها دوماً تحذر أخيه الأوسط (ياسين) ؛ كي يبتعد عن أعمال المقاومة. تتوسل إليه باكية.. فهما كل ماتبقى لها من حطام الدنيا .هم زادها الذي يعينها على شظف العيش - الذي لا يكادون يجدونه إلا بالذلة و الهوان - .
        ..لا يدري لما كان يعتصره فؤاده , و يشعر بغصة في حلقه كلما شاهد أولائك الجنود ذوي البشرة الحمراء , و العيون القططية , يفتشون والدته بكل وقاحة و عنف . رافعة يديها مباعدة مابين ساقيها في حسرة و ألم ؛ بينما يعبثون في جسدها , و دموعها الصامتة تسيل في قهر على خديها..!! حتى هو كانوا يسخرون من نظراته النارية المتحدية ؛ فيضربونه بأيديهم على مؤخرة رأسه , و يدفعونه بأرجلهم بقوة . و يغرسون بنادقهم الآلية في ظهره .
        حكى له (ياسين) ذات مرة , كيف اغتالوا أبيه برصاصات الغدر , و هو يؤم المصلين في صلاة الجمعة. يحثهم فى خطبته على الجهاد - حتى أنه أطلق عليه نفس الأسم تيمناًكيف رآه مدرجاً في دمائه مع عشرات المصلين , حين نطق الشهادتين , مبتسماً , رافعاً أصبعيه علامة النصر .
        كان أخوه (ياسين) مثله الأعلى , من علمه أول حروف العزة , و معنى الكرامة . فقد كان يشارك سراً في حركات المقاومة . رآه ذات يوم يخبئ الأسلحة , و العبوات الناسفة في ساحة منزلهم الخلفية . فأمّنه سره , و طلب منه ألا يخبر والدته . شاهد ذات مرة في التلفاز شريطاً مصوراً لأحد منفذي العمليات الإستشهادية يبثه إلى أهله. كان المحللون يشرحون تفصيلاً كيف تمت تلك العملية ؛ التي يصفونها بالإرهابية..!!
        .. في ذلك اليوم سمع أخيه يتحدث مع أمه بصوت مرتفع . يهتف قائلاً:
        - لابد أن أنتقم من أجل أبي الذي اغتالوه..من أجل أختي التي هتكوا عرضها .. من أجل كرامتنا التي داسوها في التراب ..من أجل وطني الذي استولوا عليه .. و نهبوه .. و جعلونا نرزح في الفقر.. من أجلك أمي .. و من أجل أخي الصغير.. كي تستنشقوا هواءاً نظيفاً ..لم تسممه أنفاسهم الكريهة ..!!
        جثت على الأرض , تتوسل إليه باكيه , تشبثت بقدميه زاحفة ؛ لكنه تركها , و دلف مسرعاً إلى حجرته , ثم أخرج حقيبة كان يخبئها تحت فراشة , و أمسك شيئاً - لم يكن يعرفه في بادئ الاًمر- و ارتداه أسفل ملابسه . ثم ربط خيطاً رفيعاً في سبابته , وأشار إليه بيده اليمني علامة النصر , و قال بكل فخر:
        - هذا هو طريقنا إلى الجنة..و سوف يذهبون إلى الجحيم..
        فجأة سمعا طرقات عنيفة , و سريعة على الباب . فخلع أخوه الحزام الناسف في عجل , ثم وضعه داخل الحقيبة , و قفز من النافذة , و أسرع يخبئها في الساحة الخلفية , ثم أمره أن يفتح الباب في حذر , و يحذره إذا ما وجد شخصاً لا يعرفه . ذهب صاغراً. فوجد جارهم (ياسر) – و كان يعلم أنه مع أخيه في جماعات المقاومة - سأله في لهفة:
        - أين ياسين..؟!
        أشار إليه بيده , فقفز مسرعاً إلى الداخل , سمعه يخبر أخيه قائلاً:
        - لابد أن تغادر المنزل الآن ..هناك من خاننا ..و أبلغ عن العملية..!!
        استشاط (ياسين) غضباً , و همّ بالدخول لجلب الحقيبة. فاستوقفه (ياسر) قائلاً:
        - لا يوجد متسعاً من الوقت..هناك سيارة تنتظرنا بالخارج ..و سوف تواجهنا نقاط تفتيش من الشرطة ..و لن نستطيع الوصول إلى هدفنا المنشود..
        انطلقا في سرعة .. و ماهي إلا لحظات ؛ حتى سُمع دوي إنفجار مروع هز الحي بأكمله. انطلقت أمه إلى الشارع ؛ تصرخ في لهفة , فألفت ابنها , و صديقه جثتين متفحمتين . أخذت تولول , و تلطم خديها , و تعفر وجهها بالتراب . ربت على كتفيها , و هو يبكي , ثم قبل رأسها , فاحتضنته بقوة . همس لها في أذنها:
        - لا تحزني يا أمي .. لقد بشرني أخي ..أننا سنلقاه إن شاء الله في الجنة ..
        في نفس ذات اليوم ؛ خرجت كل القنوات الفضائية تتحدث عن العملية الإستشهادية الجديدة , التي قُتل فيها عشرات من جنود الإحتلال ؛ عند حاجزاً أمنياً. و أن منفذ العملية طفلاً لم يتجاوز التاسعة.
        إذا لم يسعدك الحظ بقراءة الحكاوي بعد
        فتفضل(ي) هنا


        ولا تنسوا أن تخبرونا برأيكم

        تعليق

        يعمل...
        X