من مظاهر التمثل الحسي لمفهوم النظم
لمفهوم "النظم" تاريخ عريق، فقد " ترددت كلمة النظم على أقلام النحاة قبل عبد القاهر بمئات السنين، وقبل أن يحيلها عبد القهار إلى نظرية بلاغية كبرى" (1).
وترجع المحاولات الأولى للتفكير في النظم - من الناحية البلاغية والجمالية- إلى عهد المعتزلة " الذين أكدوا أن القرآن الكريم معجز بنظمه وتأليفه، فكان عليهم أن يوجهوا فضل عنايتهم إلى البحث في مزايا النظم القرآني، ويحللوا أسلوبه تحليلا بلاغيا موضوعيا، ويكشفوا عن أسراره، ودقائقه الفنية، ليبرهنوا على أن بلاغته فوق بلاغة البلغاء، وأن نظمه وتركيبه خارق لعادة الفصحاء"(2).
وقد بدت هذه الجهود البلاغية لمقاربة النظم في أعمال الجاحظ(3)، الذي لم يكتف بالبرهنة على نظم القرآن، بل تسعى إلى وضع اليد على الطابع المميز للنظم عموما، بعقد الصلة بينه وبين بعض أشكال الصياغة الفنية المستوحاة من الصنائع في البيئة العباسية، ذات المستوى الحضاري. وردت هذه المقارنة في نص خطابه المشهور، الذي أعلن فيه عن القيمة البيانية للفظ، منتقدا رأي شيخه أبي عمرو الشيباني، الذي كان انشغاله منصبا حول إثبات قيمة المعاني الشعرية.
أكد أن الرؤية البلاغية عند أبي عمرو تندرج ضمن المباحث النقدية التي لا تأخذ بعين الاعتبار الدور الفني الذي تقوم به الصياغات اللفظية، والإيقاعية . فقال : " وذهب الشيخ إلى استحسان المعنى والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي، والعربي، والبدوي، والقروي، والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير"(4).
ولا يخفي أن هذا الخطاب النقدي قد آثار إشكالية "اللفظ" و"المعنى" التي أضحت من المحاور الكبرى، في الفكر النقدي العربي ؛ طوال عصوره اللاحقة، لكنه فتح المجال - في نفس الآن- لتأمل العلاقة بين النظم، وأشكال فنية، ذات طابع صناعي، مستوحاة من البيئة، الاجتماعية السائدة. "كالتصوير"، و"النقش"، وما شابه ذلك، مما يدل على جمال "الرصف"، وحسن "البناء".
لقد استوعب النقاد فرضية الجاحظ، وأدركوا مضمونها في بعده الإجرائي لتقريب صورة "النظم"، وجماله، وسحره، من الفهم، فتمثلوا أسلوبه في الاستدلال، وطريقة المقاربة، ولم يتخل عن ذلك حتى الذين أعلنوا معارضتهم لموقفه من قضية اللفظ والمعنى، كعبد القاهر الذي لم يتردد في قياس النظم بكل مظهر صناعي محكم البناء، مؤتلف العناصر وتمثله نفس الصورة، كلما بدا له الاستدلال ضروريا لإبراز التجليات الجمالية لحسن التأليف، فهو يرى - مثلا- أن واصف الكلام المؤتلف ملزم منهجيا، بأن لا يبدي تصوره للنظم من خلال الوصف العام، بل يجتهد في وضع اليد على السمات المميزة لجماله الفني، انطلاقا من ملاحظة التماثل بينه، وبين باقي الأشكال الأخرى، كتب يقول : " بقي أن تعلمونا مكان المزية في الكلام، وتصفوها لنا، وتذكروها ذكرا، كما ينص الشيء ويعين، ويكشف عن وجهه ويبين ... كما يذكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش، ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو يعلمه بين يديك، حتى ترى عيانا كيف تذهب تلك الخيوط وتجيء ؟ وماذا يذهب منها طولا وماذا يذهب منها عرضا ؟ وبم يبدأ، وبم يثنى، وبم يثلث ؟ وتبصر من الحساب الدقيق، ومن عجيب تصرف اليد ما تعلم معه مكان الحذق، وموضع الأستاذية"(6).
وعلى هذا النحو استهوى الجرجاني "النظم"، وأغري بطريقة تمثله الحسي فتحدث عن : "نسج الديباج الكثير التصاوير"(7) و "الإبريسم الذي في الديباج"(8) وطرق وضع القطع "كل آجرة من الآجر في البناء البديع"(9).
ثم أنهى تأمله باستنتاج لا يخلو من تأثر بمضمون الإشارة الذكية للجاحظ حول العلاقة بين النظم وباقي الأشكال الفنية. فقال : ولأجل كل هذا "استعاروا النسج، والوشي، والنقش، والصياغة، لنفس ما استعاروا له النظم"(10).
إن فرضية الجاحظ السابقة الذكر، لم تزل قائمة المعالم، بصرف النظر عن مضمونها، وعن المقاصد المتوخاة منها ،فهي حاضرة ضمن جهود عبد القاهر كأسلوب لقياس النظم، وتقريب صورته من
ذهن المتلقي، حتى يراه عيانا و"لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل"(11).
.................................................. .................................
1 - عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم : د عبد القادر حسين، م الفكر العربي ص : 145 عدد : 46-1987م
2- المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن د. أحمد أبو زيد :
3- أذكر أن للجاحظ كتابا مفقودا هو " نظم القرآن"، وله إسهامات بلاغية خاصة في موضوع النظم في كتابيه "البيان" و"الحيوان
4- الحيوان : 3/131-132
5 - دلائل الإعجاز : 36.
6- نفسه.
7- نفسه.
8- نفسه : 376.
09- دلائل الإعجاز : 53.
10- وردت هذه الفرضية في سياق دفاعه عن اللفظ كأسلوب في فن القول، لاحظ النص السابق
الدلائل : 53.
11- الدلائل : 53
لمفهوم "النظم" تاريخ عريق، فقد " ترددت كلمة النظم على أقلام النحاة قبل عبد القاهر بمئات السنين، وقبل أن يحيلها عبد القهار إلى نظرية بلاغية كبرى" (1).
وترجع المحاولات الأولى للتفكير في النظم - من الناحية البلاغية والجمالية- إلى عهد المعتزلة " الذين أكدوا أن القرآن الكريم معجز بنظمه وتأليفه، فكان عليهم أن يوجهوا فضل عنايتهم إلى البحث في مزايا النظم القرآني، ويحللوا أسلوبه تحليلا بلاغيا موضوعيا، ويكشفوا عن أسراره، ودقائقه الفنية، ليبرهنوا على أن بلاغته فوق بلاغة البلغاء، وأن نظمه وتركيبه خارق لعادة الفصحاء"(2).
وقد بدت هذه الجهود البلاغية لمقاربة النظم في أعمال الجاحظ(3)، الذي لم يكتف بالبرهنة على نظم القرآن، بل تسعى إلى وضع اليد على الطابع المميز للنظم عموما، بعقد الصلة بينه وبين بعض أشكال الصياغة الفنية المستوحاة من الصنائع في البيئة العباسية، ذات المستوى الحضاري. وردت هذه المقارنة في نص خطابه المشهور، الذي أعلن فيه عن القيمة البيانية للفظ، منتقدا رأي شيخه أبي عمرو الشيباني، الذي كان انشغاله منصبا حول إثبات قيمة المعاني الشعرية.
أكد أن الرؤية البلاغية عند أبي عمرو تندرج ضمن المباحث النقدية التي لا تأخذ بعين الاعتبار الدور الفني الذي تقوم به الصياغات اللفظية، والإيقاعية . فقال : " وذهب الشيخ إلى استحسان المعنى والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي، والعربي، والبدوي، والقروي، والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير"(4).
ولا يخفي أن هذا الخطاب النقدي قد آثار إشكالية "اللفظ" و"المعنى" التي أضحت من المحاور الكبرى، في الفكر النقدي العربي ؛ طوال عصوره اللاحقة، لكنه فتح المجال - في نفس الآن- لتأمل العلاقة بين النظم، وأشكال فنية، ذات طابع صناعي، مستوحاة من البيئة، الاجتماعية السائدة. "كالتصوير"، و"النقش"، وما شابه ذلك، مما يدل على جمال "الرصف"، وحسن "البناء".
لقد استوعب النقاد فرضية الجاحظ، وأدركوا مضمونها في بعده الإجرائي لتقريب صورة "النظم"، وجماله، وسحره، من الفهم، فتمثلوا أسلوبه في الاستدلال، وطريقة المقاربة، ولم يتخل عن ذلك حتى الذين أعلنوا معارضتهم لموقفه من قضية اللفظ والمعنى، كعبد القاهر الذي لم يتردد في قياس النظم بكل مظهر صناعي محكم البناء، مؤتلف العناصر وتمثله نفس الصورة، كلما بدا له الاستدلال ضروريا لإبراز التجليات الجمالية لحسن التأليف، فهو يرى - مثلا- أن واصف الكلام المؤتلف ملزم منهجيا، بأن لا يبدي تصوره للنظم من خلال الوصف العام، بل يجتهد في وضع اليد على السمات المميزة لجماله الفني، انطلاقا من ملاحظة التماثل بينه، وبين باقي الأشكال الأخرى، كتب يقول : " بقي أن تعلمونا مكان المزية في الكلام، وتصفوها لنا، وتذكروها ذكرا، كما ينص الشيء ويعين، ويكشف عن وجهه ويبين ... كما يذكر لك من تستوصفه عمل الديباج المنقش، ما تعلم به وجه دقة الصنعة، أو يعلمه بين يديك، حتى ترى عيانا كيف تذهب تلك الخيوط وتجيء ؟ وماذا يذهب منها طولا وماذا يذهب منها عرضا ؟ وبم يبدأ، وبم يثنى، وبم يثلث ؟ وتبصر من الحساب الدقيق، ومن عجيب تصرف اليد ما تعلم معه مكان الحذق، وموضع الأستاذية"(6).
وعلى هذا النحو استهوى الجرجاني "النظم"، وأغري بطريقة تمثله الحسي فتحدث عن : "نسج الديباج الكثير التصاوير"(7) و "الإبريسم الذي في الديباج"(8) وطرق وضع القطع "كل آجرة من الآجر في البناء البديع"(9).
ثم أنهى تأمله باستنتاج لا يخلو من تأثر بمضمون الإشارة الذكية للجاحظ حول العلاقة بين النظم وباقي الأشكال الفنية. فقال : ولأجل كل هذا "استعاروا النسج، والوشي، والنقش، والصياغة، لنفس ما استعاروا له النظم"(10).
إن فرضية الجاحظ السابقة الذكر، لم تزل قائمة المعالم، بصرف النظر عن مضمونها، وعن المقاصد المتوخاة منها ،فهي حاضرة ضمن جهود عبد القاهر كأسلوب لقياس النظم، وتقريب صورته من
ذهن المتلقي، حتى يراه عيانا و"لا يشك في أن ذلك كله تشبيه وتمثيل"(11).
.................................................. .................................
1 - عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم : د عبد القادر حسين، م الفكر العربي ص : 145 عدد : 46-1987م
2- المنحى الاعتزالي في البيان وإعجاز القرآن د. أحمد أبو زيد :
3- أذكر أن للجاحظ كتابا مفقودا هو " نظم القرآن"، وله إسهامات بلاغية خاصة في موضوع النظم في كتابيه "البيان" و"الحيوان
4- الحيوان : 3/131-132
5 - دلائل الإعجاز : 36.
6- نفسه.
7- نفسه.
8- نفسه : 376.
09- دلائل الإعجاز : 53.
10- وردت هذه الفرضية في سياق دفاعه عن اللفظ كأسلوب في فن القول، لاحظ النص السابق
الدلائل : 53.
11- الدلائل : 53