
نبض تائه و متهوّر تسلل إلى قلبي ،
...
تجاوز كل الممنوعات
و انتهك كل المحرمات ،
فتح الشرايين المغلقة للدماء الحبيسة
لتتفجّر في عروق جفّت لسنين كبيسة.
انتبه العقل لهذا العصيان ،
لهذا الغدر الذي ما كان في الحسبان .
أُعلِنَتْ حالة الاستنفار في جميع الأقطار ،
فُتِحَتْ معسكرات الأحزان
و جُنِّدَتْ الجنود ثم أُرْسِلَتْ كالطوفان ؛
ذكريات ظننت أني دفنتها في مقبرة النسيان.
أمر العقل العروق بالانحباس
فأجاب القلب بالسيلان ،
و احتدم الصراع و أضحت معركة بدّدت الأمان
و غيّرت تاريخ الإنسان.
لقد تمّ نقض معاهدة الصلح بين العقل و الوجدان.
حكّموني فوجدت اليَبَسَ في اللسان ؛
كلاهما يدعي الحق و أنا بينهما حيران:
العقل يحاججني: " الحب لعبة جميلة لدى الصبيان
و قد مضى الصبا يا صاحبي مع الزمان "
و القلب من جهته يَحتجُّ و يستنكر هذا الهذيان؛
دعواه أن الإنسان بلا حب ذكرى إنسان .
و هكذا بين الأطروحة و الأطروحة المضادة ،
بين الدّحض و النقض ،
بين الشجب و الندب ،
صرخت العين فأسالت فيضان...
ثم ككل الليالي ، أفنيت ليلتي أحادث الجدران
علِّي أجد العزاء و السلوان .
و رحت بخيالي أهيم حتى توهّمت أناسا يخرجون من الجدران
- " لا تجزع يا إنسان ،
لا تخف ... عليك الأمان "
- " أعينوني في حيرتي هذه فإني للحلول عطشان "
- " يا إنسان ، ما يخيفك ما دام في قلبك بعض الإيمان ؟!
إنّه لا يخاف إلاّ من أتى العصيان،
العقل و الوجدان نعمتان غاليتان
فلا تُهدرهما عبثا فذاك هو الخسران،
العقل تاج و القلب سلطان
و لا قيمة للتاج من دون سلطان
كما القلب ،من دون التاج لا يملك السلطان ،
كفاك حيرة و هروبا فأنت لست بالجبان،
اطرد الظلمة من قلبك و توكّل على الرحمان
و تذكّر أن الحزن يُمِيتُ الإنسان ،
فلا تستسلم لذاك السجّان ..."
فتحت فمي و هممت بالشكر و التعبير عن الامتنان
لكنّهم اختفوا و عاد الجدار كما كان.
كففت الدموع المحتشدة في عيني،
أمسكت وسادتي و دفنت فيها وجهي
ثم صرخت قدر استطاعتي
أُنَفِّسُ عن غضبي ، عن سخطي ...و عن ألمي .
صمتت للحظات أروّي فيها أمري
ثمّ أصدرت حكمي :
" اليوم سوف أعود إلى الحياة و أبتدي ،
اليوم سأخرج من عزلتي ،
فيا عقلي و يا قلبي ،
اليوم أستردُّ منكما سلطتي
و أُعلِنُكُما عبادا تحت إمرتي ."
ثم فتحت الباب للنور لتتبدد ظلمتي .
تعليق