القلــب الأبيـــض
.. ذهب مسرعاً إلى المستشفى ـ قبل أن ينتهي من فض أمتعته – اتجه رأساً إلى سريرها؛ لم يجدها..!! فانتابته هواجس شتى, حاول أن يطرد عنه تلك الوساوس التي داهمته, إلى أن قابل أحد زملائه, سأله في لهفة عنها. نظر إليه ملياً, ظل لبرهة كالدهر صامتاً. ثم أمسك بيده قائلاً:
- تعال معي لأريك إياها..!!..عرفها بحكم عمله الذي جعله شديد القرب من مآسي البشر و آلامهم , بطبيعته التي اعتادت البحث عن أنات القلوب الجريحة و الأنفس الحائرة , و قلب يحب ذاك اللون من الشجن الشفيف , الذي يلهب أوتار مشاعره , فيجد سعادته في مشاركة الآخرين أحزانهم – إن لم يجد منها شيئاً داخله – ذلك الأنين الصاخب, و تلك الصرخات المكتومة الصامتة , و الأماني التائهة و الآمال الضائعة. هذه اللمسات الحسية و المشاعر الإنسانية الصادقة التي توقظ أحاسيسه الخاملة ما بين آونة و أخرى . تمنحه وقود حياته الذي يعينه على احتمال رتابة مهنته. لذا تراه دائماً يفتش عنهم بعينٍ فاحصةٍ و قلبٍ شغوفٍ, يبحث عن أصدقائه في رحلة العذاب و الألم بكل اللهفة و الحب؛ كي يبكي معهم وحدتهم و وحدته, و يشاركونه غربته.
.. رآها لأول مرة, وجدها تختلف عنهم جميعاً في شيءٍ ما - لم يكن يعرفه في بادئ الأمر..!!- شديدة بياض البشرة, كزهرة أوركيد بيضاء, شفافة الملامح؛ حتى تحسبها ملك من الملائكة, حورية من حور الجنة, أو إن كانت تنتمي إلي عالمنا؛ أقرب الشبه إلي قطعة من المرمر الأبيض, ناعمة كالحرير, باسمة الثغر, هادئة الطبع. تغللها تلك المسحة من الحزن ؛ التي ما كان ليخطئها أبداً , تلك الدموع التي تترقرق في العيون , و لا تسقط إلا في الخفاء , و ذاك الرأس المرتفع في كبرياء يرفض الاستسلام للمرض , و ينفي هذا الادعاء في إباء. يحسبها من يرها لأول وهلة؛ أنها واحدة من ملائكة الرحمة , تخطر بخطوات رقيقة باسمة بين الأسرّة, توزع البسمات و الضحكات و الكلمات المطمئنة , تحلق كالفراشات ؛ لولا تلك التحاليل و الأشعات اللعينة , ما صدق أبداً أن هذا القلب الرقيق الجميل عليل , يحتاج إلى جراحة عاجلة ؛ كي تهبه القدرة علي مواصلة العطاء و تعينه على البقاء.
.. كانت شديدة القرب إلى سائر زملائها, تبث فيهم روح الأمل و الإيمان و الصبر؛ حتى أطلق عليها البعض لقب زهرة الصبار. لأنها تشقى بالعطش ولا تشكو منه , تروي الظمآن من دماء حياتها, و لا تبكي أبداً من أجلها لكن من أجل غيرها. تتحمل آلامها بصبر, و ثقة , و نفس راضية , قانعة . و سكينة ما بعدها سكينة.
ذات يومٍ وجدها على شفى الانهيار وسط أنهار من الدموع الصامتة ؛ إثر وفاة صديقة لها أثناء إجراء جراحة في صمامات القلب , كانت قريبة الشبه بحالتها, كثيراً ما جلستا تحلمان معاً بأحلام الفتيات , و تخططان لمستقبل حياتهما , انخرطت في بكاءٍ دامٍ متواصل ؛ حتى أنها فقدت القدرة على النطق و سقطت في غيبوبة تامة . غابت عن عالم الوعي لأيام وسط عالم الأجهزة التي ترصد أنات قلبها الصامتة , و أنفاسها المرتعشة الخافتة.
ظلت لعدة أيام ما بين الحياة و الموت. ذلك الجسد الهزيل , و تلك الروح المرهفة , تنتفض كفراشة تحاول التحليق , بعدما غاصت في بحيرة من الظلام الدامس . قاومت.. و قاومت حتى تفتحت أعينها علي الحياة من جديد, و استنشقت رحيقها ثانية؛ بعدما رأت الموت بعينيها, حقيقة لا مجازاً..!!
.. تماثلت للشفاء سريعاً , وسط دهشة الجميع . تألقت عيناها من جديد , و التمعت بذاك البريق . عادت إلى طبيعتها زهرة ندية في صباح ربيعي جميل . توقع الجميع أن ترفض إجراء الجراحة بعد ما حدث لصديقتها؛ إلا أنها على عكس ذلك. بدت متفائلة, هادئة, مطمئنة, باسمة دوماً, تلك الابتسامة الغامضة؛ التي تجمع ما بين الأمل و اليأس, الفرح و الحزن, الثقة و الخوف. لم يكن أحدٌ يدري ماذا يدور بخلدها..؟ لأنها أبداً لم تشكو لأحدٍ يوماً ما بها, أو تحدثهم بحقيقة مرضها الذي بدأ معها منذ صغرها, و قضت سنوات عمرها معه في رحلة العذاب و الألم.
.. شاءت الأقدار أن يسافر في أحد المؤتمرات العلمية خارج البلاد ؛ بعثة للتدرب على نوعية جديدة من الجراحات الخاصة بتغيير الصمامات . فذهب إليها ليودعها , ربت على يدها , و شد على أناملها مطمئناً , ثم سألها في ود :
-ماذا تريدين أن أحضر لك من الخارج..؟!
فقالت له , بعيون دامعة:
- أحضر لي معك حياة جديدة.. و أملاً لي.. و لغيري من أصحاب القلوب الموجوعة.
ابتسم قائلاً :
- سأحضر لكِ معي قلباً جديداً .. بدلاً من ذلك القلب ذو الصمامات المتهالكة..!!
أهدت له مصحفاً كي يحفظه من الشرور, ودعها بابتسامة مطمئنة, نصحها ألا تجهد نفسها لحين عودته. و إجراء عمليتها.
.. مكث هناك قرابة الشهر. عاد يحمل معه صمامين حديثي الاختراع , قد ثبت نجاحهما بنسبة تفوق التسعين بالمائة . تملؤه اللهفة , و الشوق إليها, فقد اكتشف في فترة غيابه مدى حبه لها , و تعلقه بها . شرد مفكراً و هو على متن الطائرة ؛ يتخيل لحظة لقائهما . ينظر بكل الحب إلي تلك السلسلة التي تحمل قلباً أبيضاً من البلاتين.
أهدت له مصحفاً كي يحفظه من الشرور, ودعها بابتسامة مطمئنة, نصحها ألا تجهد نفسها لحين عودته. و إجراء عمليتها.
.. مكث هناك قرابة الشهر. عاد يحمل معه صمامين حديثي الاختراع , قد ثبت نجاحهما بنسبة تفوق التسعين بالمائة . تملؤه اللهفة , و الشوق إليها, فقد اكتشف في فترة غيابه مدى حبه لها , و تعلقه بها . شرد مفكراً و هو على متن الطائرة ؛ يتخيل لحظة لقائهما . ينظر بكل الحب إلي تلك السلسلة التي تحمل قلباً أبيضاً من البلاتين.
.. ظلا سائرين في ردهة طويلة مطرقي الرأس, صامتين صمت الموتى , انتابته مشاعر متضاربة , و خوف دفين . توقف زميله فجأة عند أحد الأبواب ؛ التي يعرفها جيداً , دخلا حيث كان يرقد وافدٌ جديدٌ داخل صندوقٍ زجاجيٍ . سرت قشعريرة رهبة في جسده, نظر في ذهول إلى ذلك القلب الأبيض؛ الذي عرفه, استشعر فيه روحها الوادعة , و عبق عطرها الأخاذ. سقط متهالكاً علي أقرب المقاعد إليه, فاضت عيناه بالدموع, دفن رأسه بين كفيه؛ كي يواري قطرات أبت إلا أن تسقط بين يدي صاحبة القلب الأبيض, و ارتجت القاعة لصرخته.
تعليق