دقات الساعة تعلن أن الوقت قد تجاوز منتصف الليل...
وهو جالس في نفس مكانه منذ أكثر من ساعة يغير محطات التلفاز بسأم ولا يكاد يستقر على قناة إلا ويصيبه الملل مما يشاهده بعد قليل.
لقد رجع إلى شقته التي يعيش فيها وحيداً بعدما انفصل عن زوجته..التي أخذت أولادهما ورحلت...رحلت بدون أن يفكر يوماً لم طلبت الطلاق ..أو يفكر فيما يضايقها من حياتها معه...أو حتى يحاول أن يتغير كما طلبت منه ...
رجع فلم يجدها بانتظاره ...لم يجد أصوات أولاده العاليه التي كانت تملأ المكان ...والتي كانت تغضبه أحياناً ..وتشعره بالملل أحياناً أخرى ..إنه يفتقد ذلك الضجيج الآن ..وقد يكون مشتاقاً إليه ..
شعر ببرودة تسري في جسده المتعب كالبرودة الي تجتاح جميع حياته ...أسرع إلى غرفته ليحضر غطاءً يمنحه الدفء ...لعل هذا الدفء يتغلغل إلى داخل نفسه ...
فتح دولاب ملابسه ..وقعت عيناه على ألبوم صور في أحد الأرفف ...تذكر ذلك الألبوم ..لقد إشتراه هو وزوجته ليجمعا كل صورهما وذكرياتهما معاً ..إلتقط الألبوم ...واتجه به إلى مكانهما المفضل دون أن يدري ..حيث كان يجلس معها عل أريكة خضراء بجانب النافذة في غرفتهما .
جلس وكله لهفة لرؤية تلك الصور مرة أخرى ..لم يكن يعيرها إنتباه من قبل ..بدأ يستعيد ذكرياته الضائعة في زحمة إنشغالاته ..
تلك صورهما يوم خطبتهما ..كانا يشعران بسعادة بالغة ..وكان هو يشعر أنه امتلك العالم بأسره يوم ارتبط بمن أحب ..لمح السعادة في عينيها هي أيضاً ..تكاد الصورة تنطق بها ...وتلك الصور لهما في مركب في النيل ..كانت تحتفل بيوم ميلاده ..تذكر هديتها الرقيقة له ..
وتلك صور الزفاف ...وهذه صورهما مع أول بنت لهما ..وتلك ..وتلك ...ظل يحدق في كل صورة ويسترجع ذكرياته معها ...توقفت عيناه عند صور لم يراها من قبل ..صور زفاف أخيها ..لم يذهب معها في ذلك اليوم ..كان منهمكاً في عمله ..
حدق في وجهها كثيراً ...ولأول مرة يلاحظ في عينيها حزناً دفيناً ..كانت تفتقد وجوده معها ..نعم كانت تفتقده ..
شرد قليلاً ..وهتف داخله صوت رج أركان كيانه ..
نعم كان يجب أن أكون معها .
إستمر في جولته مع الذكريات ..ولكنه إكتشف أنها لم تعد ذكرياته هو ...فلقد كانت كل الصور التالية خالية منه ..كانت هي والأولاد وفقط ..وفي عينيها نفس النظرة الحزينة التي تبحث عن شيء ما ..
أين كنت ...تساءل ...وظل صامتاً ...
كنت منشغلاً بالعمل وفقط ..ألم يكن عندي بعض الوقت لها ولأولادي ..!!!
تذكر توسلاتها ...بكاءها ..الذي لم يكن يؤثر فيه ...كانت تنتظر أن يشاركها حياتهما ..بكل ما فيها ..أن يشعر حتى بوجودها ..لم تكن تريد سوى ذلك ..ولكنه بخل عليها بالوقت وبالمشاعر وبحلاوة المشاركة ..وآثر عمله على كل شيء
ظل صامتاً مكانه ..وصوت بداخله يعاقبه ..يسأله ...
لم فرطت فيها بسهولة ..؟
أحس بقشعريرة وبرودة مرة أخرى ..تذكر أنه لم يحضر شيئاً يمنحه الدفء ...تحرك من مكانه ...رفع سماعة الهاتف ..
حبيبتي ..أشتاق إليك ..أحتاج لوجودك معي ..
وكانت هي تسمعه كعادتها.
تعليق