
جناية الرقم الخاطئ


أخذت نفسا طويلا كمن يدخن سيجارة و يقذف دخانها الكثيف في الهواء باحثا في أبخرتها المسمومة عن الراحة .. جلست متوترة على كرسي تهزه أعصابُها المتشنجة بشدة قبل أن تعاود الاتصال بصديقتها صفاء. كاد رنين الهاتف الجوال يثقب أذنيها المرهفتين .مر يوم كامل دون أن تتلقى ردا يشفي غليل حيرة أدخلتها هوة سحيقة من القلق..تبا! حتى الهاتف الثابت معطل بسبب الفاتورة المرتفعة التي أفزعت أرقامها الخيالية والد صديقتها فقرر إلغاء الاشتراك. استسلمت للهواجس والوساوس تتسلق أعصابها المتوترة وتلسعها كالحيات.. كل مصائب الدنيا استفزت خيالها كما تسمع في نشرات الأخبار أو تقرأ على صفحات الجرائد... ترى ماذا حدث ؟طاف بذهنها حادث سقوط والد صديقتها مغشيا عليه بسبب انسداد شرايين قلبه.. التصق جسدها الممتلئ الواهن على الكرسي كمسمار قديم علاه الصدأ و تشبث بأحد أطرافه، حملقت في الساعة الحائطية والدموع تتلألأ في حدقتيها فإذا النهار قد ولى وحل الظلام الذي أسدل ستاره القاتم على نافذة غرفتها المطلة على الشارع الرئيسي للمدينة، ووقع المطر يعزف سمفونيته المسائية على زجاج النافذة. داعب أجفانها النعاس فلم تستطع مقاومته لتعانق روحها عذوبة النوم و تلج عالم الأحلام بعد يوم شاق.
استيقظت باكرا مكدودة قبل أن يتنفس الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.. لم تغادر حلاوة دفء سريرها حتى قفزت إلى ذهنها صورة صفاء، أدت صلاتها بعد الآذان ..فجـأة تذكرت رقم خط شقيقتها كانت قد دونته في كراسة صغيرة. بسطت تقاسيم محياها المليح علامات الارتياح.. اتصلت وانتظرت ردا أكيدا هذه المرة ،فإذا بها تسمع صوتا غريبا لصاحب الهاتف يرد عليها .لم يكن صوت أخت صديقتها الرخيم. اندهشت وشرد فكرها قليلا ، ثم نزلت من خيالها إلى واقعها لتسمع الصوت الغريب من جديد. كان الصوت خشنا يجيبها بنبرة هادئة لطيفة :
- سيدتي لقد حددت رقما خاطئا، لست من تطلبين.
- سيدي هل هذا رقم خطك ؟
طلب منها التأكد من صحة الرقم ثم انقطع الاتصال.. كان القلق يمزق أحشاءها ويطاردها كالشبح المخيف في القصورالغوطية المهجورة، عاودت الاتصال عدة مرات، ظنت أن الخطوط الهاتفية تشابكت كخيوط العنكبوت وأن التشويش حدث في المركز الهاتفي، وكان الصوت الخشن يرد بلهجة مهذبة .. اضطربت نفسها وطارت شعاعا و الحيرة تفترسها منغصة راحتها.. عادت إلى البيت بعد الدوام لتستريح من التعب الشديد والتفكير العقيم الذي أنهك قواها وأربك عقلها..جلست ترتشف فنجان قهوة مركزة قبالة والدتها تسرد أيام الدراسة الحلوة..رن هاتفها لتسمع صوت صفاء تعتذر عن التأخر في الرد وتخبرها بأنها نسيت هاتفها الجوال في حقيبة يدها بعد عودتها إلى البيت حتى فرغت بطاريته من الشحن ،و خلا من الرصيد فلم تتمكن من الاتصال.أما أختها فقد استبدلت الشريحة القديمة بشريحة أخرى... اضطجعت على سريرها لتهدأ وخزات الصداع ، وتسترخي عضلاتها من التوتر الذي كاد يفجر مخها ، توسدت شعرها المنسدل على كتفيها، و الصوت الخشن الهادئ يرن في أذنيها إيقاعا عذبا، تذكرته وهي تنظر إلى الضوء المنبعث من مصباح الشارع بعينين ثقيلتين مطبقتين والبسمة الرقيقة ترتسم على شفتيها .
كان إصرارها على إزعاجه مريبا ساورته شكوك غير بريئة تراقصت في ذهنه ، مازال صوتها المضطرب يتردد في سمعه كموسيقى موج البحر مدا وجزرا.راودته فكرة جهنمية متسلطة ربما تعمدت الخطأ، انتفضت نفسه المتعطشة إلى الحديث توسوس في صدره وتحرضه على الاتصال بها..
- سيدي من أنت ؟ماذا تريد ؟
- سيدتي أنت من اتصلت بي يوم أمس .
- سيدي لقد حددت رقما خاطئا.
- أزعجتني أكثر من مرة ، هاتفي الجوال ممتلئ عن آخره بمكالماتك .فهل تبحثين عن... ؟
أربكتها الكلمة الأخيرة "تعارف" ،اعتذرت وعبرت عن عميق أسفها حتى لايسبح خياله في كل جهات الكرة الأرضية بزواياها الأربع ويظن بها الظنون .لم يصغ إليها وراح يكلمها ،تدفعه رغبة جامحة من الفضول الرهيب ..انجذاب ممتع لم يستطع الانفلات منه.. كان شعوره الرهيب بالوحدة عبئا ثقيلا ينغص عليه حياته والملل اللعين يضيق عليه الخناق.. إحساس غريب يلح عليه أن يتبادل معها أطراف الحديث ،هل حركت الأحاسيس الجميلة النائمة بسلام المتجمدة في عمق ثلاجة اللاشعور منذ سنين ؟ أحست بحمرة خجل شديد تتصاعد إلى وجنتيها وبخار الارتباك يتصاعد إلى دماغها وهي تسمع كلامه المهذب ثم انتبهت وأنهت المكالمة في الحين.
اتصل في يوم آخر وحدثها بلغة جميلة يختار ألفاظها بعناية فائقة.. كان مهذبا جدا وراقيا جدا . شدت رقة كلامه انتباهها وراقها هدوءه.. كان الهاتف الجوال الناقل الأمين للمشاعر الطيبة والأحاديث الراقية.. كان مثقفا جدا حدثها عن السياسة والاقتصاد وأحوال البلاد المنهارة وأوضاع العباد المتردية وحتى أخبار الرياضة التي لم تسلم هي الأخرى من التردي..
أسرها صوته الدافئ وهمساته المتميزة في سلاسل وأغلال لا تدرك كنهها. تساءلت : ألا يملك قلبا يرق لهمسات تحمل روحه إلى ما وراء العالم، وترسو به العذوبة على شواطئ السعادة؟! متى يبدأ الخطوة الأولى كما يفعل الرجال في مجتمعها ؟تنهدت وارتدت الصبر الجميل و انتظرت الوقت المناسب.
كان مؤدبا جدا، ومتحفظا جدا.. نسمة عذبة حركت كيانه وخلخلت تفكيره ،لكنه لايريد أن يصارحها خشية أن تطلب رؤيته خارج دائرة الخطوط السابحة في الفضاء اللازوردي ،فحاول السيطرة على جماح مشاعره المتراكمة وكبتها في دهاليز أعماقه الغائرة .
لم تطق معه صبرا أكثر ،فكرت مليا في هذه العلاقة الآثمة في نظرها ،يجب أن تكون تحت مظلة تبعدها عن أصابع الشبهات أو تذهب إلى جحيم النهاية ، فتنقذ نفسها من تأنيب الضمير خشية الوقوع في الإثم الذي يقض مضجعها كلما وضعت رأسها على وسادتها لتنام فيهرب النوم من جفونها. أرّقًَها طوفان الأفكار وهام بها في كل واد.. انتفضت واعتدلت على السرير، هل وقعت في شباك شخص أحبته دون أن تراه وتنظر إليه ؟ ألا ينبغي أن ترى من جعلها تحلم كل لحظة بشعاع الأمل يتلألأ في وجهها ويدعوها إلى استنشاق هواء السعادة ؟أمن المعقول أن تبقى علاقتهما حبيسة الهاتف ولا ترى النور أبدا ؟
تقلبت في فراشها ذات اليمين وذات الشمال دون أن تعرف للنوم طعما حتى بدت في الأفق الرحيب خيوط الفجر الجديد وامتدت أشعة الشمس تغطي الأرجاء.جال في خاطرها أن تطلب منه لقاء يتحدثان وجها لوجه دون حجاب حاجز.. فاتحته في الموضوع، اضطرب صوته الهادئ الرزين وتلعثم ،صمت قليلا كأنه ابتلع لسانه أو تقطعت حبال صوته وانفجرت تتدلى خارج الحلق .آه لقد أتت لحظة الحقيقة ولا مناص منها! تنهد بعمق ثم قال لها بنبرة حزينة متألمة ينفطر منها الفؤاد:
- أخاف أن يهتز موقفك ويتغير رأيك.. .
ردت بلهفة والكلمات تتبعثر في حلقها المتوهج:
- لا ،تعلم جيدا أني.......
– ألا تندمين مهما كان الظرف؟
- هلا قلت شيئا جميلا يثلج صدري.
دغدغتها أحلام وردية ككل امرأة حالمة تبحث عن سعادة تغير مجرى حياتها الرتيبة ،كانت مستعدة أن تقبل العيش معه ، خارج كوكب الأرض أوعلى سطح القمر غير مهم.. استلذت أحلامها وتألقت في خيالها لحظات سعيدة سريعة زادتها إصرارا على اللقاء.
فكر أسبوعا كاملا ثم حدد موعدا ،وصف لها المكان و لون البدلة التي سيرتديها.. وصفت له لون معطفها وحقيبتها وهي تنظر إلى اليوم الموعود بعين كلها أمال عريضة تصنع فرحتها العارمة التي طال انتظارها بشغف.
كان الفصل شتاء والجو قارسا لبست معطفها الأسود وحملت حقيبتها الرمادية بعد أن وقفت أمام المرآة ساعة من الزمن تصلح زينتها ، خرجت منتصف النهار إلى مكان اللقاء في حديقة صغيرة جميلة تراقب شاطئ البحر برماله الذهبية كسنابل القمح ،أجواء شاعرية بنغمات رياح منعشة آتية من البحر تضرب وجهها وتخضب خديها بلون الورد وطعم الملح يتسلل إلى شفتيها، فكرت في لحظات اللقاء الأول.. مسلسل السعادة ستبدأ أولى حلقاته بعد حين ..لحظات لذيذة ستبقى خالدة في دولاب الذكريات الجميلة ..تخيلت شكل أحمد ، قامته،لونه بشرته...هل هي في مستوى جمال روحه ورقي فكره ؟
وصلت إلى مدخل الحديقة مسحت المكان بطرف خفي ونظرت نظرة استحياء. خطواتها بطيئة كأنها تمشي على لؤلؤ تخشى أن يخدش بريقه ويتشوه ملمسه. لم تكن الحديقة مكتظة بالناس في هذا الجو البارد والسماء مكفهرة قد تراكمت فيها السحب السوداء كأنها ارتدت جلبابا قاتما،تقدمت قليلا تبحث عنه بين الموجودين ،هل ترى أحدا يرتدي بدلة زرقاء داكنة ؟ نبضات قلبها تتسارع كعقارب الساعة شعرت أنه سيتخلى عنها في هذه اللحظات الحاسمة العذبة وينتفض خارج قفص صدرها .
رمقت رجلا تحت الشجرة ببدلة زرقاء أنيقة يجلس على كرسي متحرك يتصفح جريدة، التفتت يمنة ويسرة علها ترى شخصا غيره.. لم يكن هناك أحد قربه، ولم يأت أحد بعده . دنت نحوه قليلا وهي ترتجف من الحمى رغم برودة الطقس..التقى بصرهما:
- أنت أحمد أليس كذلك؟
أومأ بنعم ثم بقي ينظر كلا منهما إلى الآخر.. أحست بشرارة تصعق جسدها من الرأس إلى أخمص القدمين ، فقالت له بصوت راعش :
- لمَ أخفيت عني الحقيقةّ ؟
وقفت واجمة برهة من الزمن لم تنبس ببنت شفة تتأمل الكرسي المتحرك بعينين مغرورقتين مشدوهتين ثم عادت أدراجها تمسح الدموع.- سيدتي لقد حددت رقما خاطئا، لست من تطلبين.
- سيدي هل هذا رقم خطك ؟
طلب منها التأكد من صحة الرقم ثم انقطع الاتصال.. كان القلق يمزق أحشاءها ويطاردها كالشبح المخيف في القصورالغوطية المهجورة، عاودت الاتصال عدة مرات، ظنت أن الخطوط الهاتفية تشابكت كخيوط العنكبوت وأن التشويش حدث في المركز الهاتفي، وكان الصوت الخشن يرد بلهجة مهذبة .. اضطربت نفسها وطارت شعاعا و الحيرة تفترسها منغصة راحتها.. عادت إلى البيت بعد الدوام لتستريح من التعب الشديد والتفكير العقيم الذي أنهك قواها وأربك عقلها..جلست ترتشف فنجان قهوة مركزة قبالة والدتها تسرد أيام الدراسة الحلوة..رن هاتفها لتسمع صوت صفاء تعتذر عن التأخر في الرد وتخبرها بأنها نسيت هاتفها الجوال في حقيبة يدها بعد عودتها إلى البيت حتى فرغت بطاريته من الشحن ،و خلا من الرصيد فلم تتمكن من الاتصال.أما أختها فقد استبدلت الشريحة القديمة بشريحة أخرى... اضطجعت على سريرها لتهدأ وخزات الصداع ، وتسترخي عضلاتها من التوتر الذي كاد يفجر مخها ، توسدت شعرها المنسدل على كتفيها، و الصوت الخشن الهادئ يرن في أذنيها إيقاعا عذبا، تذكرته وهي تنظر إلى الضوء المنبعث من مصباح الشارع بعينين ثقيلتين مطبقتين والبسمة الرقيقة ترتسم على شفتيها .
كان إصرارها على إزعاجه مريبا ساورته شكوك غير بريئة تراقصت في ذهنه ، مازال صوتها المضطرب يتردد في سمعه كموسيقى موج البحر مدا وجزرا.راودته فكرة جهنمية متسلطة ربما تعمدت الخطأ، انتفضت نفسه المتعطشة إلى الحديث توسوس في صدره وتحرضه على الاتصال بها..
- سيدي من أنت ؟ماذا تريد ؟
- سيدتي أنت من اتصلت بي يوم أمس .
- سيدي لقد حددت رقما خاطئا.
- أزعجتني أكثر من مرة ، هاتفي الجوال ممتلئ عن آخره بمكالماتك .فهل تبحثين عن... ؟
أربكتها الكلمة الأخيرة "تعارف" ،اعتذرت وعبرت عن عميق أسفها حتى لايسبح خياله في كل جهات الكرة الأرضية بزواياها الأربع ويظن بها الظنون .لم يصغ إليها وراح يكلمها ،تدفعه رغبة جامحة من الفضول الرهيب ..انجذاب ممتع لم يستطع الانفلات منه.. كان شعوره الرهيب بالوحدة عبئا ثقيلا ينغص عليه حياته والملل اللعين يضيق عليه الخناق.. إحساس غريب يلح عليه أن يتبادل معها أطراف الحديث ،هل حركت الأحاسيس الجميلة النائمة بسلام المتجمدة في عمق ثلاجة اللاشعور منذ سنين ؟ أحست بحمرة خجل شديد تتصاعد إلى وجنتيها وبخار الارتباك يتصاعد إلى دماغها وهي تسمع كلامه المهذب ثم انتبهت وأنهت المكالمة في الحين.
اتصل في يوم آخر وحدثها بلغة جميلة يختار ألفاظها بعناية فائقة.. كان مهذبا جدا وراقيا جدا . شدت رقة كلامه انتباهها وراقها هدوءه.. كان الهاتف الجوال الناقل الأمين للمشاعر الطيبة والأحاديث الراقية.. كان مثقفا جدا حدثها عن السياسة والاقتصاد وأحوال البلاد المنهارة وأوضاع العباد المتردية وحتى أخبار الرياضة التي لم تسلم هي الأخرى من التردي..
أسرها صوته الدافئ وهمساته المتميزة في سلاسل وأغلال لا تدرك كنهها. تساءلت : ألا يملك قلبا يرق لهمسات تحمل روحه إلى ما وراء العالم، وترسو به العذوبة على شواطئ السعادة؟! متى يبدأ الخطوة الأولى كما يفعل الرجال في مجتمعها ؟تنهدت وارتدت الصبر الجميل و انتظرت الوقت المناسب.
كان مؤدبا جدا، ومتحفظا جدا.. نسمة عذبة حركت كيانه وخلخلت تفكيره ،لكنه لايريد أن يصارحها خشية أن تطلب رؤيته خارج دائرة الخطوط السابحة في الفضاء اللازوردي ،فحاول السيطرة على جماح مشاعره المتراكمة وكبتها في دهاليز أعماقه الغائرة .
لم تطق معه صبرا أكثر ،فكرت مليا في هذه العلاقة الآثمة في نظرها ،يجب أن تكون تحت مظلة تبعدها عن أصابع الشبهات أو تذهب إلى جحيم النهاية ، فتنقذ نفسها من تأنيب الضمير خشية الوقوع في الإثم الذي يقض مضجعها كلما وضعت رأسها على وسادتها لتنام فيهرب النوم من جفونها. أرّقًَها طوفان الأفكار وهام بها في كل واد.. انتفضت واعتدلت على السرير، هل وقعت في شباك شخص أحبته دون أن تراه وتنظر إليه ؟ ألا ينبغي أن ترى من جعلها تحلم كل لحظة بشعاع الأمل يتلألأ في وجهها ويدعوها إلى استنشاق هواء السعادة ؟أمن المعقول أن تبقى علاقتهما حبيسة الهاتف ولا ترى النور أبدا ؟
تقلبت في فراشها ذات اليمين وذات الشمال دون أن تعرف للنوم طعما حتى بدت في الأفق الرحيب خيوط الفجر الجديد وامتدت أشعة الشمس تغطي الأرجاء.جال في خاطرها أن تطلب منه لقاء يتحدثان وجها لوجه دون حجاب حاجز.. فاتحته في الموضوع، اضطرب صوته الهادئ الرزين وتلعثم ،صمت قليلا كأنه ابتلع لسانه أو تقطعت حبال صوته وانفجرت تتدلى خارج الحلق .آه لقد أتت لحظة الحقيقة ولا مناص منها! تنهد بعمق ثم قال لها بنبرة حزينة متألمة ينفطر منها الفؤاد:
- أخاف أن يهتز موقفك ويتغير رأيك.. .
ردت بلهفة والكلمات تتبعثر في حلقها المتوهج:
- لا ،تعلم جيدا أني.......
– ألا تندمين مهما كان الظرف؟
- هلا قلت شيئا جميلا يثلج صدري.
دغدغتها أحلام وردية ككل امرأة حالمة تبحث عن سعادة تغير مجرى حياتها الرتيبة ،كانت مستعدة أن تقبل العيش معه ، خارج كوكب الأرض أوعلى سطح القمر غير مهم.. استلذت أحلامها وتألقت في خيالها لحظات سعيدة سريعة زادتها إصرارا على اللقاء.
فكر أسبوعا كاملا ثم حدد موعدا ،وصف لها المكان و لون البدلة التي سيرتديها.. وصفت له لون معطفها وحقيبتها وهي تنظر إلى اليوم الموعود بعين كلها أمال عريضة تصنع فرحتها العارمة التي طال انتظارها بشغف.
كان الفصل شتاء والجو قارسا لبست معطفها الأسود وحملت حقيبتها الرمادية بعد أن وقفت أمام المرآة ساعة من الزمن تصلح زينتها ، خرجت منتصف النهار إلى مكان اللقاء في حديقة صغيرة جميلة تراقب شاطئ البحر برماله الذهبية كسنابل القمح ،أجواء شاعرية بنغمات رياح منعشة آتية من البحر تضرب وجهها وتخضب خديها بلون الورد وطعم الملح يتسلل إلى شفتيها، فكرت في لحظات اللقاء الأول.. مسلسل السعادة ستبدأ أولى حلقاته بعد حين ..لحظات لذيذة ستبقى خالدة في دولاب الذكريات الجميلة ..تخيلت شكل أحمد ، قامته،لونه بشرته...هل هي في مستوى جمال روحه ورقي فكره ؟
وصلت إلى مدخل الحديقة مسحت المكان بطرف خفي ونظرت نظرة استحياء. خطواتها بطيئة كأنها تمشي على لؤلؤ تخشى أن يخدش بريقه ويتشوه ملمسه. لم تكن الحديقة مكتظة بالناس في هذا الجو البارد والسماء مكفهرة قد تراكمت فيها السحب السوداء كأنها ارتدت جلبابا قاتما،تقدمت قليلا تبحث عنه بين الموجودين ،هل ترى أحدا يرتدي بدلة زرقاء داكنة ؟ نبضات قلبها تتسارع كعقارب الساعة شعرت أنه سيتخلى عنها في هذه اللحظات الحاسمة العذبة وينتفض خارج قفص صدرها .
رمقت رجلا تحت الشجرة ببدلة زرقاء أنيقة يجلس على كرسي متحرك يتصفح جريدة، التفتت يمنة ويسرة علها ترى شخصا غيره.. لم يكن هناك أحد قربه، ولم يأت أحد بعده . دنت نحوه قليلا وهي ترتجف من الحمى رغم برودة الطقس..التقى بصرهما:
- أنت أحمد أليس كذلك؟
أومأ بنعم ثم بقي ينظر كلا منهما إلى الآخر.. أحست بشرارة تصعق جسدها من الرأس إلى أخمص القدمين ، فقالت له بصوت راعش :
- لمَ أخفيت عني الحقيقةّ ؟

تعليق