حكايات عائليّة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وحيد محمد الأمين حمادي
    عضو الملتقى
    • 24-04-2011
    • 14

    حكايات عائليّة



    أسدل الليل ستائره فآوت فاطمة إلى مخدعها , بدأت كعادتها تصارع الأرق و السّهاد و شريط حياتها يمرّ أمام عينيها سريعا , حنّت إلى تلك الأيّام التي كانت فيها الدّار تعجّ بأبنائها الذين أصبحوا اليوم رجالا و نساء و مضى كلّ إلى غايته و قدره , عزاؤها الوحيد هو ابنها صابر الذي يجاورها فهو يزورها يوميّا و يقضي لها شؤونها كلّها رفقة زوجته . كان يلحّ عليها للانتقال للعيش معه لكنّها كانت ترفض مغادرة البيت الذي تعبق منه رائحة عزّوز زوجها المتوفَّى و تسكنُ فيه روحُه...

    هي دائما تحِنّ إلى فلذات كبِدِها و تأْملُ أن يجتمعوا لديها و لو مرّة واحدة قبل رحيلها لملاقاة الحبيب , فمشاغلهم تمنعهم عن ذلك و قلبها المليء بحبّهم يعذرهم و لا يدع لها مجالا للومهم , بقيت المسكينة تحاول الرُّقاد حتّى خارت قُواها و لم يعُد جسدُها النّحيل يقوى على المقاومة فغلبها النّعاس و استسلمت لنوم عميق.....

    بعد أقلّ من أسبوع امتلأت الدّار بأبنائها و تحقّقت أمنيتها فكادت تطير من الفرح و السّعادة , كان أوّل الوافدين ابنها البكر محمّد و زوجته ثمّ لحقت بهما بنتاها مريم و ريم و زوجاهما ثمّ اكتمل الجمع بقدوم أنس آخر العنقود ابنها الأصغر و زوجته . نسيت فاطمة ألآم مفاصلها و طفقت تصنّف الأكلات العديدة لأفراد عائلتها و تعدّ لكلّ واحد طبقه المفضّل وهي تشعر بسعادة غامرة و تدندن بلحن شجيّ ظنّت أنّها نسيته منذ زمن....

    التأم شمل العائلة حول مائدة الطّعام و علت ضحكاتهم و هم يتندّرون بطُرف و أحداث جرت في طفولتهم . كانت فاطمة في قمّة السّعادة تحثّ هذا على الأكل و تضع الطّعام في فم ذاك و تلاطف تلك و تتذكّر رفيق دربها فتشعر بحسرة سرعان ما تمحيها ضحكة بريئة لأحد أحفادها , ضلّت على تلك الحالة من الانتشاء الممزوج ببعض الكدر حتّى فرغ الجميع من طعامهم....

    بعد الفراغ من الأكل انتقل الجميع إلى قاعة الاستقبال لشرب الشّاي و تجاذب أطراف الحديث . بادر صابر الجمع بالكلام فقال : لقد سعدت برؤيتكم و حضوركم الذي أعلم سببه و إن أردتم أبوح به حتّى أزيل عنكم الحرج ... احتار الحضور من كلامه فأشار إليه شقيقه الأكبر أن واصل حديثك فاستجاب له و قال : لقد حضرتم اليوم حتّى تطلبوا تقسيم الميراث كما أنّ كلّ واحد منكم قرّر أن يبيع نصيبه , أليس كذلك ؟ ازدادت حيرة الإخوة فقد كان كلامه صحيحا لكن كيف علم ؟ من أخبره بذلك ؟ لكنّه لم يترك لهم المجال للحديث و استطرد قائلا : أنا مستعدّ لشراء نصيب كلّ فرد منكم و دفع ثمنه الآن ... قاطعه كبير الإخوة بقوله : كيف لك أن تدفع ثمن نصيبنا مجتمعين ؟ لا بدّ أنّك كنت تسرقنا طوال هذه المدّة ... نحن المخطئين بتوكيلك للتّصرّف في أرضنا ... عقّب صابر على اتّهام أخيه له دون غضب فقد كان يكنّ له المحبّة و الاحترام و قال : عهدي بك لا تلقي التّهم جزافا و أنت الخبير فينا بشؤون القضاء لذا أطلب منك بكلّ لطف أن تصحبني إلى غرفة المرحوم - غرفة كان يستقلّها والدهم فأطلقوا عليها اسمه – ففيها جميع الوثائق التي تبيّن ان كنت أمينا على الأملاك أم مختلسا؟!.....

    لم يجد الشّقيق الأكبر بدّا من مرافقته إلى حيث أشار . دخل صابر الحجرة و فتح خزانة صغيرة سحب منها ملفّا يحوي عديد الوثائق قدّمه لأخيه قائلا : تفضّل تفحّص المستندات بدقّة و إن شئت أخذها معك فلك ذلك , سأتركك الآن لألتحق ببقيّة العائلة , ثمّ خرج و أغلق الباب وراءه......

    رجع صابر إلى الجمع في قاعة الاستقبال و اتّخذ له مقعدا بجانب والدته التي بدت على وجهها علامات الحسرة و خيبة الأمل فهي كانت تعتقد أنّ أبناءها حضروا لزيارتها و الاطمئنان عليها لكن تبيّن لها أنّ قدومهم سببه ماديّ صرف , و استبدّت بها الخشية من عدم اتّفاقهم حول مسألة الإرث . لكنّ صابر أذهب عنها مخاوفها ببشاشته المعهودة و برّه بها. طال مكوثه معهم ولم يحضر شقيقه ولم يناديه ليستفسره فاستأذن و ذهب ليطمئنّ عليه .... طرق باب الحجرة ثمّ فتحه و دخل فوجد شقيقه مُطْرِقًا فكلّمه بصوت خافت : سِيدِي – كان يناديه بذلك الاسم احتراما – يعلم الله أنّي لم أكن أنوي إطلاعكم على هذه الأسرار لكنّكم أنتم من أجبرني على ذلك , و أقترح عليك أن تبقي الأمر سرّا بيننا فلا فائدة من إطلاع البقيّة عليه ...زَفَرَ محمّد زفرة طويلة ثمّ رفع رأسه فظهرت في عينيه آثار دموع حاول إخفاءها ثمّ قال : أعلم ذلك يا صابر و أنا أعتذر عن سوء ظنّي بك فقد غَلَبتني وساوس شياطين الإنس و الجنّ , كما أنّي أعترف لك بأنّي لستُ أهلا لأخٍ مثلِكَ ...ثمّ تقدّم نحو صابر و ضمّهُ إليه بحرارة و أجهش الاثنان بالبكاء ....



    التعديل الأخير تم بواسطة وحيد محمد الأمين حمادي; الساعة 14-01-2012, 11:13.
  • محمد فهمي يوسف
    مستشار أدبي
    • 27-08-2008
    • 8100

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة وحيد محمد الأمين حمادي مشاهدة المشاركة


    أسدل الليل ستائره فآوت ( أوت ) فاطمة إلى مخدعها , بدأت كعادتها تصارع الأرق و السّهاد و شريط حياتها يمرّ أمام عينيها سريعا , حنّت إلى تلك الأيّام التي كانت فيها الدّار تعجّ بأبنائها الذين أصبحوا اليوم رجالا و نساء و مضى كلّ إلى غايته و قدره , عزاؤها الوحيد هو ابنها صابر الذي يجاورها فهو يزورها يوميّا و يقضي لها شؤونها كلّها رفقة زوجته . كان يلحّ عليها للانتقال للعيش معه لكنّها كانت ترفض مغادرة البيت الذي تعبق منه رائحة عزّوز زوجها المتوفَّى و تسكنُ فيه روحُه...

    هي دائما تحِنّ إلى فلذات كبِدِها و تأْملُ أن يجتمعوا لديها و لو مرّة واحدة قبل رحيلها لملاقاة الحبيب , فمشاغلهم تمنعهم عن ذلك و قلبها المليء بحبّهم يعذرهم و لا يدع لها مجالا للومهم , بقيت المسكينة تحاول الرُّقاد حتّى خارت قُواها و لم يعُد جسدُها النّحيل يقوى على المقاومة فغلبها النّعاس و استسلمت لنوم عميق.....

    بعد أقلّ من أسبوع امتلأت الدّار بأبنائها و تحقّقت أمنيتها فكادت تطير من الفرح و السّعادة , كان أوّل الوافدين ابنها البكر محمّد و زوجته ثمّ لحقت بهما بنتاها مريم و ريم و زوجاهما ثمّ اكتمل الجمع بقدوم أنس آخر العنقود ابنها الأصغر و زوجته . نسيت فاطمة ألآم ( آلام ) مفاصلها و طفقت تصنّف الأكلات العديدة لأفراد عائلتها و تعدّ لكلّ واحد طبقه المفضّل وهي تشعر بسعادة غامرة و تدندن بلحن شجيّ ظنّت أنّها نسيته منذ زمن....

    التأم شمل العائلة حول مائدة الطّعام و علت ضحكاتهم و هم يتندّرون بطُرف و أحداث جرت في طفولتهم . كانت فاطمة في قمّة السّعادة تحثّ هذا على الأكل و تضع الطّعام في فم ذاك و تلاطف تلك و تتذكّر رفيق دربها فتشعر بحسرة سرعان ما تمحيها ( ما تمحوها ) ضحكة بريئة لأحد أحفادها , ضلّت ( ظلت ) على تلك الحالة من الانتشاء الممزوج ببعض الكدر حتّى فرغ الجميع من طعامهم....

    بعد الفراغ من الأكل انتقل الجميع إلى قاعة الاستقبال لشرب الشّاي و تجاذب أطراف الحديث . بادر صابر الجمع بالكلام فقال : لقد سعدت برؤيتكم و حضوركم الذي أعلم سببه و إن أردتم أبوح به حتّى أزيل عنكم الحرج ... احتار الحضور من كلامه فأشار إليه شقيقه الأكبر أن واصل حديثك فاستجاب له و قال : لقد حضرتم اليوم حتّى تطلبوا تقسيم الميراث كما أنّ كلّ واحد منكم قرّر أن يبيع نصيبه , أليس كذلك ؟ ازدادت حيرة الإخوة فقد كان كلامه صحيحا لكن كيف علم ؟ من أخبره بذلك ؟ لكنّه لم يترك لهم المجال للحديث و استطرد قائلا : أنا مستعدّ لشراء نصيب كلّ فرد منكم و دفع ثمنه الآن ... قاطعه كبير الإخوة بقوله : كيف لك أن تدفع ثمن نصيبنا مجتمعين ؟ لا بدّ أنّك كنت تسرقنا طوال هذه المدّة ... نحن المخطئين ( المخطئون ) بتوكيلك للتّصرّف في أرضنا ... عقّب صابر على اتّهام أخيه له دون غضب فقد كان يكنّ له المحبّة و الاحترام و قال : عهدي بك لا تلقي التّهم جزافا و أنت الخبير فينا بشؤون القضاء لذا أطلب منك بكلّ لطف أن تصحبني إلى غرفة المرحوم - غرفة كان يستقلّها والدهم فأطلقوا عليها اسمه – ففيها جميع الوثائق التي تبيّن ان ( إن ) كنت أمينا على الأملاك أم مختلسا؟!.....

    لم يجد الشّقيق الأكبر بدّا من مرافقته إلى حيث أشار . دخل صابر الحجرة و فتح خزانة صغيرة سحب منها ملفّا يحوي عديد الوثائق قدّمه لأخيه قائلا : تفضّل تفحّص المستندات بدقّة و إن شئت أخذها معك فلك ذلك , سأتركك الآن لألتحق ببقيّة العائلة , ثمّ خرج و أغلق الباب وراءه......

    رجع صابر إلى الجمع في قاعة الاستقبال و اتّخذ له مقعدا بجانب والدته التي بدت على وجهها علامات الحسرة و خيبة الأمل فهي كانت تعتقد أنّ أبناءها حضروا لزيارتها و الاطمئنان عليها لكن تبيّن لها أنّ قدومهم سببه ماديّ صرف , و استبدّت بها الخشية من عدم اتّفاقهم حول مسألة الإرث . لكنّ صابر أذهب عنها مخاوفها ببشاشته المعهودة و برّه بها. طال مكوثه معهم ولم يحضر شقيقه ولم يناديه ليستفسره فاستأذن و ذهب ليطمئنّ عليه .... طرق باب الحجرة ثمّ فتحه و دخل فوجد شقيقه مُطْرِقًا فكلّمه بصوت خافت : سِيدِي – كان يناديه بذلك الاسم احتراما – يعلم الله أنّي لم أكن أنوي إطلاعكم على هذه الأسرار لكنّكم أنتم من أجبرني على ذلك , و أقترح عليك أن تبقي الأمر سرّا بيننا فلا فائدة من إطلاع البقيّة عليه ...زَفَرَ محمّد زفرة طويلة ثمّ رفع رأسه فظهرت في عينيه آثار دموع حاول إخفاءها ثمّ قال : أعلم ذلك يا صابر و أنا أعتذر عن سوء ظنّي بك فقد غَلَبتني وساوس شياطين الإنس و الجنّ , كما أنّي أعترف لك بأنّي لستُ أهلا لأخٍ مثلِكَ ...ثمّ تقدّم نحو صابر و ضمّهُ إليه بحرارة و أجهش الاثنان بالبكاء ....



    ===============
    مع تحيات
    خدمات رابطة محبي اللغة العربية

    تعليق

    يعمل...
    X