كلام الليل
ضاع علي في الموكب الكبير، بعد أن صار كُرة تتقاذفها الأجساد المتزاحمة، وغاص في فراغ الزمن المملوء بغبار الأيام، ودخان المصانع، ومشى بدون وعي مع الموكب عاقدا يديه أمام بطنه ،هادئا، خاشعا، يخطو بحذر، يتنفس بحذر، متجهّم الوجه، متصنّع الوقار احتراما للموت لا الميت،وكان يسير بين رجال مُعظمهم لف نفسه بعبيّ سوداء سميكة واسعة،يحتمي بها من حرّ الشمس التي تستفز الناس،وكان الرجال المتلفعين بعبيهم يبعثون جوّا روحانيا، يدفن الخطيئة قبل أن تولد، وكانت مجموعة من الرجال يتزاحمون على قيادة الموكب، يهللون ويسبحون بحزن، يودّعون به الميت، كما يوّدع أي ميّت محترم، وكانت المقبرة الصارخة بأدب، والمستسلمة بصمت، قد أصبحت وسط المدينة بعد ان كان كثيرون من المشيّعين يتهربون من السير إليها لبُعدها،وأحاطت بها البيوت من كل الجوانب، وصار أبناء الليل يأوون إليها بعد أن تُطفأ قناديل الكهرباء، وبعد أن يبسط الظلام صفاءه على المدينة ، توفيرا لميزانية المدينة، وتخفيفا من العبء عليها، مما حدا بسكان المقبرة وجيرانها المنزعجين من السلوك غير المؤدب،إلى رفع شكاواهم إلى البلدية، ثمّ إلى الشرطة أكثر من مرة.
اقترب من علي صاحبُهُ صالح ومشى بجانبه وقال له:
_أتعرف الميّت؟
_عزَّ المعرفة
_ألا توافقني على أن العزاء واسع على الميت!؟
_لا تجوز على الميت إلاّ الرحمة.
_ لكن قد يظن الغرباء أن "تحت القبة شيخ" !
_قلت لك أن تصمت احتراما للموت.
_وهل تضمن أن يصمتَ الميّتُ إن صمتُ أنا؟
لم يرد علي على صديقه صالح الذي تابع كلامه:
_ انتظر قليلا، لا بُدّ أن يخرج صاحبُك من تابوته.. أو على الأقل سيُخرج يده او لسانه ....
إنه لا يطيق الهدوء، أو السكينة.
_ لكنه سيطيق سكينة القبور.
_سيبعث بها حياة صاخبة!
كان الموكب قد وصل ساحة قريبة من المقبرة واسعة، وُضِع التابوت في وسطها، واصطف أهل الميت وأقرباؤه وأصدقاؤه حول التابوت على شكل نصف دائرة، وانتظم الأئمة بصف مستقيم قرب التابوت ، تهيؤا للصلاة على الميت ، وتحلّق الموكب الكبير حول أطراف الساحة المستديرة، ينتظرون انتهاء الصلاة وكلمات التأبين، وكان بين أقارب الميت شاب صغير في مقتبل عمره، طويل القامة، أسود الشعر، يلبس جاكتة خضراء غير نظيفة وغير مكويّة، يجلس القرفصاء، كأنه يتحفّز لأي أمر طارئ، يبدو الحزن في عينيه ، ويبدو أيضا انه لا يحسّ بمن حوله من المشيعين، كأن المصيبة خدّرت عقله، وحجّرت عينيه، وبدا يسترجع في ذاكرته أسراره مع الميت .
كان الميت شابا في الثلاثين ذا ماض مريب، تحوم حوله الشبهات، لعلاقته بالشرطة التي اعتقلته أكثر من مرة بتهم تهريب المخدرات،ثم أطلقت سراحه، وحين ثارت حوله الشكوك انه عميل للشرطة وما أطلقت سراحه إلا ليكون جسرا لها حتى تصل إلى المهربين الحقيقيين،
لكنها، عادت واعتقلته مرة أخرى بتهمة مشينة، ثم أطلقت سراحه بعد يومين من توقيفه... ولم يمر أسبوع حتى فوجئ الناس بموته الذي جاء دون انتظار أو إنذار، وبموته حُرِمت مشاريع كثيرة من تبرعاته السخيّة التي لا يُعرف مصدرها، وكان بواسطتها يمحو كلام الليل الذي يدور خلف الجدران عن سلوكه الشفاف، وعن مصادر أمواله المريبة والمجهولة.
وعندما انتهى الخطباء من كلمات التأبين، رفعت مجموعة من الشباب التابوت على أكتافهم، وساروا به إلى القبر الذي فتح فمه كالحيوان المتحفز لابتلاع فريسته، وبقي الشاب ذو الجاكتة الخضراء، غير النظيفة وحيدا مُقرفِصا في الساحة التي خلت تماما من المشيعين، يجترُّ ماض مزدحم بالأسرار والأحداث والذكريات إلى أن أحسّ بالتعب يأكل أعصابه، ويسري في عضلاته ، فنهض يلتفت حوله خوفا من أن يكون قد رآه احد، يفتش عن الناس الذين سار بينهم.. ثم مشى بخطوات بطيئة إلى غرفته المظلمة، الضيقة التي تبدو كقبر صاحبه والتي تطل على زقاق ضيّق، وليس فيها سوى شباك صغير، وسرير خشبي منهك من ماض يلازمه، ويرفض أن يفارقه.
استلقى على السرير المسحوق ، ينظر إلى السقف الأبيض، المتساقط بعض طينه وأغمض عينيه وغاص في عتمة كثيفة، رأى من خلالها حُفر السقف نجوما تطل عليه ومعها قمر، يطل ويختفي من وراء غيوم مغبرة ، وفجأة اختفى القمر وبان مكانه وجه حبيبته، فسألها:
_ منذ متى أنتِ هنا؟
_ انتظرتكَ كثيرا.
_ كنتُ أُشيّع صديقا عزيزا.
_ أعرف سرَّ صداقتكما.
_من أخبركِ!؟
_ العصفورة والمرآة.
_ كان نشيطا وقويا كالجبابرة.
_وكنت كريما معه.
_ لقد ذهب لحال سبيله مزودا بالرحمات.
اختفى وجهها وراء غيمة وقحة ، ناداها فأطلّت
_ اين كنت ؟
_ تواريت وراء الغيمة.
_ لماذا؟؟؟
_كي لا يسمعك أحد تتكلم عن صديقك، فيضحك بأعلى صوته ويفضحنا.
_سأطلبُ منكِ طلبا!
_ أطلب.
أرجو أن تلاقيني في الزقاق الضيّق.
_ في الظلامّ؟؟
_ كي لا يرانا أحد.
_أخافُ!
_ أتخافين وأنت معي!؟
_ أخافكَ أكثر من الناس!
_لماذا؟؟؟
_لأنك تأكلني بعينيك!!!
_سنذهب مشوارا.
_ إلى أين؟
_ إلى مكان أستطيع أن أرى وجهك تحت ضوء القمر:
_إنك تطلب المستحيل.
_ ألا تحبينني؟؟؟
_ بلى
_قوليها.
_ انت تعرف.
_أريد سماعها!
_ أحبك
_إذا، وافيني في الزقاق المظلم.
مرت غيمة أخرى كبيرة، فاختفت وراءها ، فنهض ينفض الغبار عن جاكتته الخضراء وغير النظيفة، وعن بنطلونه المتجعد، ثم خرج إلى الزقاق المظلم ، فابتلعته العتمة كمما ابتلعت عتمة القبر صديقه الميت، وصل قبلها، وعندما وصلت سألها:
_ تأخرتِ!
_خمس دقائق.
_مرّت كخمسة ايام!
_حتى أقنعت أمّي.
_ماذا قلتِ لها؟؟
_ إني ذاهبة إلى حلقة تذكر الله!
_ وهل صدّقتكِ؟
_ تصدق كل شيء عندما تذكر لها الله!
أمسك يدها وضغط عليها.
_ أترك يدي.
جذبها قليلا ، فالتصقت به وهي تقول:
_ أترك يدي ، سأصرخ.
احتواها بين ذراعيه، فاستسلم جسدها كما يستسلم العصفور الصغير، قالت وهي تصفعه بيدها الناعمة:
_ساصرخ.
قرّب وجهه من وجهها، وبحث عن شفتيها، وما أن احتضنت شفتاه شفتيها حتى أحسّ بدفء جسدها يشعل أعصابه، فانتشت شرايينه بفرح جسدها، فضغط عليها بذراعيه القويتين، وهي تزداد التصاقا به واستسلاما له....وفجأة انتفضت بين ذراعيه كمن لسعته نار الخطيئة، فابتعدت عنه قليلا ، ثم انطلقت لتضيع في يمّ الظلام الشره، بينما ظلّ واقفا كالملسوع الذي لدغته أفعى، حتى استفاق على وقع خطوات..فرفع نظره ورأى شبحا يقترب منه، وكان الشبح صديقه عليا فسأله عليّ:
_ماذا تفعل في الظلام؟
_انتظر الموت.
_ الموت لا ياتي الذين ينتظرونه، ولا يقطع مواعيد مع أحد.
_ سيأتي هذه المرة من أجلي!
_الموت لا يقترب من التعساء.
_إذا لمن سيأتي؟؟؟
_ هو أدرى بأحوال الناس.
_سيأتي ليأخذ الأغنياء.
_ ولماذا الأغنياء؟
_ كي يتركون بيوتهم مفتوحة، وخزائنهم مشرعة.
_وماذا ستستفيد؟؟
_سأدخل البيوت من أبوابها، وأجمع ما في خزائنهم، وأصبح غنيا!
_ لتسرقهم؟؟؟
_ بشرف.
_أول مرة أسمع لصا شريفا!!
_وماذا تشتري بالمال؟
_ أجمل زوجة.
_الزوجة لا تُشترى.
_ المرأة تحب المال، وأنا سأصبح غنيا، وعندها ستحبني ألف امرأة!
_ ولكن الموت لن يجيء ، ولن يأخذ الأغنياء
_هكذا قالوا لنا.
_من قال لكم هذا؟؟
_قيادة الحزب.
_وماذا قالوا أيضا؟؟
_بعد أن يموت الأغنياء يغنى الفقراء.... ويتساوى الناس.
_باعوكم بضاعة خاسرة، الفقراء يزدادون كل يوم ، والناس طبقات، والاستبداد متفشٍ كالجنس، الزوج يستبد بزوجته، والأب يستبد بأبنائه، ورئيس البلدية بالناس والحاكم بشعبه، والدول العظمى تستبد بالدول الصغرى!
_ لكن سينتصر الحق في النهاية.
_ إذا كان قويا.
_الحق دائما قوي.
_ عندها لن يكون حقا!
_ ماذا سيكون؟
_ سيكون حقّ القوّة، وسيلحق أصحاب الحقّ ليطردهم من بيوتهم، ويهدمها، ويقتل أطفالهم ونساءهم!
تذكّر أمّه التي لا يعرفها، كان عمره أقل من سنة عندما طردوها من بيتها ونقلوها وراء الحدودـ وتذكّر أخاه الأكبر منه ، إنه اليوم في الخامسة والثلاثين، فرآه بعين خياله حين أطلق الجنود النار عليه فأصابوه، وانفجر الدم من صدره، إنه يكره رؤية الدم، ويخاف منه كثيرا!
فتح عينيه ونظر من الشباك الضيّق، وكان النهار قد طلع، وتسرّب الضوء عبر الشباك المطلّ على الزقاق الضيّق الذي امتلأ بضوء يوم جديد، وكانت الشمس قد انتهت من مسح الظلام، وأخذت تتقدم لتملأ فضاء المدينة وتمسح كلام الليل وأحزان الأمس.
اقترب من علي صاحبُهُ صالح ومشى بجانبه وقال له:
_أتعرف الميّت؟
_عزَّ المعرفة
_ألا توافقني على أن العزاء واسع على الميت!؟
_لا تجوز على الميت إلاّ الرحمة.
_ لكن قد يظن الغرباء أن "تحت القبة شيخ" !
_قلت لك أن تصمت احتراما للموت.
_وهل تضمن أن يصمتَ الميّتُ إن صمتُ أنا؟
لم يرد علي على صديقه صالح الذي تابع كلامه:
_ انتظر قليلا، لا بُدّ أن يخرج صاحبُك من تابوته.. أو على الأقل سيُخرج يده او لسانه ....
إنه لا يطيق الهدوء، أو السكينة.
_ لكنه سيطيق سكينة القبور.
_سيبعث بها حياة صاخبة!
كان الموكب قد وصل ساحة قريبة من المقبرة واسعة، وُضِع التابوت في وسطها، واصطف أهل الميت وأقرباؤه وأصدقاؤه حول التابوت على شكل نصف دائرة، وانتظم الأئمة بصف مستقيم قرب التابوت ، تهيؤا للصلاة على الميت ، وتحلّق الموكب الكبير حول أطراف الساحة المستديرة، ينتظرون انتهاء الصلاة وكلمات التأبين، وكان بين أقارب الميت شاب صغير في مقتبل عمره، طويل القامة، أسود الشعر، يلبس جاكتة خضراء غير نظيفة وغير مكويّة، يجلس القرفصاء، كأنه يتحفّز لأي أمر طارئ، يبدو الحزن في عينيه ، ويبدو أيضا انه لا يحسّ بمن حوله من المشيعين، كأن المصيبة خدّرت عقله، وحجّرت عينيه، وبدا يسترجع في ذاكرته أسراره مع الميت .
كان الميت شابا في الثلاثين ذا ماض مريب، تحوم حوله الشبهات، لعلاقته بالشرطة التي اعتقلته أكثر من مرة بتهم تهريب المخدرات،ثم أطلقت سراحه، وحين ثارت حوله الشكوك انه عميل للشرطة وما أطلقت سراحه إلا ليكون جسرا لها حتى تصل إلى المهربين الحقيقيين،
لكنها، عادت واعتقلته مرة أخرى بتهمة مشينة، ثم أطلقت سراحه بعد يومين من توقيفه... ولم يمر أسبوع حتى فوجئ الناس بموته الذي جاء دون انتظار أو إنذار، وبموته حُرِمت مشاريع كثيرة من تبرعاته السخيّة التي لا يُعرف مصدرها، وكان بواسطتها يمحو كلام الليل الذي يدور خلف الجدران عن سلوكه الشفاف، وعن مصادر أمواله المريبة والمجهولة.
وعندما انتهى الخطباء من كلمات التأبين، رفعت مجموعة من الشباب التابوت على أكتافهم، وساروا به إلى القبر الذي فتح فمه كالحيوان المتحفز لابتلاع فريسته، وبقي الشاب ذو الجاكتة الخضراء، غير النظيفة وحيدا مُقرفِصا في الساحة التي خلت تماما من المشيعين، يجترُّ ماض مزدحم بالأسرار والأحداث والذكريات إلى أن أحسّ بالتعب يأكل أعصابه، ويسري في عضلاته ، فنهض يلتفت حوله خوفا من أن يكون قد رآه احد، يفتش عن الناس الذين سار بينهم.. ثم مشى بخطوات بطيئة إلى غرفته المظلمة، الضيقة التي تبدو كقبر صاحبه والتي تطل على زقاق ضيّق، وليس فيها سوى شباك صغير، وسرير خشبي منهك من ماض يلازمه، ويرفض أن يفارقه.
استلقى على السرير المسحوق ، ينظر إلى السقف الأبيض، المتساقط بعض طينه وأغمض عينيه وغاص في عتمة كثيفة، رأى من خلالها حُفر السقف نجوما تطل عليه ومعها قمر، يطل ويختفي من وراء غيوم مغبرة ، وفجأة اختفى القمر وبان مكانه وجه حبيبته، فسألها:
_ منذ متى أنتِ هنا؟
_ انتظرتكَ كثيرا.
_ كنتُ أُشيّع صديقا عزيزا.
_ أعرف سرَّ صداقتكما.
_من أخبركِ!؟
_ العصفورة والمرآة.
_ كان نشيطا وقويا كالجبابرة.
_وكنت كريما معه.
_ لقد ذهب لحال سبيله مزودا بالرحمات.
اختفى وجهها وراء غيمة وقحة ، ناداها فأطلّت
_ اين كنت ؟
_ تواريت وراء الغيمة.
_ لماذا؟؟؟
_كي لا يسمعك أحد تتكلم عن صديقك، فيضحك بأعلى صوته ويفضحنا.
_سأطلبُ منكِ طلبا!
_ أطلب.
أرجو أن تلاقيني في الزقاق الضيّق.
_ في الظلامّ؟؟
_ كي لا يرانا أحد.
_أخافُ!
_ أتخافين وأنت معي!؟
_ أخافكَ أكثر من الناس!
_لماذا؟؟؟
_لأنك تأكلني بعينيك!!!
_سنذهب مشوارا.
_ إلى أين؟
_ إلى مكان أستطيع أن أرى وجهك تحت ضوء القمر:
_إنك تطلب المستحيل.
_ ألا تحبينني؟؟؟
_ بلى
_قوليها.
_ انت تعرف.
_أريد سماعها!
_ أحبك
_إذا، وافيني في الزقاق المظلم.
مرت غيمة أخرى كبيرة، فاختفت وراءها ، فنهض ينفض الغبار عن جاكتته الخضراء وغير النظيفة، وعن بنطلونه المتجعد، ثم خرج إلى الزقاق المظلم ، فابتلعته العتمة كمما ابتلعت عتمة القبر صديقه الميت، وصل قبلها، وعندما وصلت سألها:
_ تأخرتِ!
_خمس دقائق.
_مرّت كخمسة ايام!
_حتى أقنعت أمّي.
_ماذا قلتِ لها؟؟
_ إني ذاهبة إلى حلقة تذكر الله!
_ وهل صدّقتكِ؟
_ تصدق كل شيء عندما تذكر لها الله!
أمسك يدها وضغط عليها.
_ أترك يدي.
جذبها قليلا ، فالتصقت به وهي تقول:
_ أترك يدي ، سأصرخ.
احتواها بين ذراعيه، فاستسلم جسدها كما يستسلم العصفور الصغير، قالت وهي تصفعه بيدها الناعمة:
_ساصرخ.
قرّب وجهه من وجهها، وبحث عن شفتيها، وما أن احتضنت شفتاه شفتيها حتى أحسّ بدفء جسدها يشعل أعصابه، فانتشت شرايينه بفرح جسدها، فضغط عليها بذراعيه القويتين، وهي تزداد التصاقا به واستسلاما له....وفجأة انتفضت بين ذراعيه كمن لسعته نار الخطيئة، فابتعدت عنه قليلا ، ثم انطلقت لتضيع في يمّ الظلام الشره، بينما ظلّ واقفا كالملسوع الذي لدغته أفعى، حتى استفاق على وقع خطوات..فرفع نظره ورأى شبحا يقترب منه، وكان الشبح صديقه عليا فسأله عليّ:
_ماذا تفعل في الظلام؟
_انتظر الموت.
_ الموت لا ياتي الذين ينتظرونه، ولا يقطع مواعيد مع أحد.
_ سيأتي هذه المرة من أجلي!
_الموت لا يقترب من التعساء.
_إذا لمن سيأتي؟؟؟
_ هو أدرى بأحوال الناس.
_سيأتي ليأخذ الأغنياء.
_ ولماذا الأغنياء؟
_ كي يتركون بيوتهم مفتوحة، وخزائنهم مشرعة.
_وماذا ستستفيد؟؟
_سأدخل البيوت من أبوابها، وأجمع ما في خزائنهم، وأصبح غنيا!
_ لتسرقهم؟؟؟
_ بشرف.
_أول مرة أسمع لصا شريفا!!
_وماذا تشتري بالمال؟
_ أجمل زوجة.
_الزوجة لا تُشترى.
_ المرأة تحب المال، وأنا سأصبح غنيا، وعندها ستحبني ألف امرأة!
_ ولكن الموت لن يجيء ، ولن يأخذ الأغنياء
_هكذا قالوا لنا.
_من قال لكم هذا؟؟
_قيادة الحزب.
_وماذا قالوا أيضا؟؟
_بعد أن يموت الأغنياء يغنى الفقراء.... ويتساوى الناس.
_باعوكم بضاعة خاسرة، الفقراء يزدادون كل يوم ، والناس طبقات، والاستبداد متفشٍ كالجنس، الزوج يستبد بزوجته، والأب يستبد بأبنائه، ورئيس البلدية بالناس والحاكم بشعبه، والدول العظمى تستبد بالدول الصغرى!
_ لكن سينتصر الحق في النهاية.
_ إذا كان قويا.
_الحق دائما قوي.
_ عندها لن يكون حقا!
_ ماذا سيكون؟
_ سيكون حقّ القوّة، وسيلحق أصحاب الحقّ ليطردهم من بيوتهم، ويهدمها، ويقتل أطفالهم ونساءهم!
تذكّر أمّه التي لا يعرفها، كان عمره أقل من سنة عندما طردوها من بيتها ونقلوها وراء الحدودـ وتذكّر أخاه الأكبر منه ، إنه اليوم في الخامسة والثلاثين، فرآه بعين خياله حين أطلق الجنود النار عليه فأصابوه، وانفجر الدم من صدره، إنه يكره رؤية الدم، ويخاف منه كثيرا!
فتح عينيه ونظر من الشباك الضيّق، وكان النهار قد طلع، وتسرّب الضوء عبر الشباك المطلّ على الزقاق الضيّق الذي امتلأ بضوء يوم جديد، وكانت الشمس قد انتهت من مسح الظلام، وأخذت تتقدم لتملأ فضاء المدينة وتمسح كلام الليل وأحزان الأمس.
تعليق