بعد مرور أربع سنوات من الزواج .. أربع سنوات من قصص الحب الوردي .. تسافر فيها الأحلام الوالهة إلى المطلق اللانهائي , وتحمل فيها نسماتُ تشرينَ خفقاتِ القلوبِ الوديعةِ إلى شواطئ المستحيل , فتشرق في قوى الروح , كلماتُ الأمل الدافئ, دافقة من الغيب , وتنبتُ في تصوراتِ الوجدان أحاديثَ القمر التـَّم, وهمساتِ الشفاه الندية , ومفارشِ الليمون الوثيرة ! إنها سنوات الزواج الأولى مطلولة بمياه التفاح , مخلقة من حُبيبات القلوب , فما تذكرها نفسٌ إلا انفتحت لها طاقة من نور , ولا تسمع بها أذن إلا وصارت كل جارحة أذنا تشرب حكاية القطاف , وفماً يروي شهيَّ الكلام ! تظل الروح الشقية تنعق كالغربان في شعاب العزوبية, تصلى في عروق الشياطين مالم يكن لها من الله سكن هنيئ , وماء بارد ,وظل وارف , وساعد بض , ونفَسٌ طيب , ووجهٌ سارّ , ويد حانية .. وأذن تسمع فينفّسُ بها المرء عن جواه , وقلب يرقُّ متى كان كل شيء يبعث على الضجر , فتهدأ النفسُ الثائرة , ويسكنُ الطائرُ القلق . فإذا ما طالت ساعات العمل خارج البيت , وانحدرت شمس الغروب أعماق البحر, وأطبق الظلام , واهتز ضوء الشموع, تحرك القلب الولهان فنادى في جنون :
أقبل الليل وناداني حنيني
وسرت ذكراك طيفا هام في بحر ظنوني
ياهدى الحيران في ليل الضنى
أين أنت الآن ؟ بل أين أنا ؟!
مرت على ساعة الرحمن أربعُ سنوات ,لكن الناس أكثرت في الزوجين الحميمين القالة , وكان من عادة المجتمعات الصغيرة والتي يتبطّلُ فيها أهلها , أن تتعطل مداركُ التفكير العام إلى التفكير الخاص , أخذ الناس يهمسون : أما من مولود ؟ أما من جنين ؟ أهو العقيم أم هي ؟ أما من كشف طبي ؟ أما من تحليل ؟ وما مصير الزواج إن كان في الأمر عقمٌ ؟ أيستمر الحال على ما هو من هناء العيش وكريم المعشر ؟ أم سيتبدل الحال إلى النقيض , فتسقط الأقنعة , وتنقشع الهالات , ويبين الوجه الكالح , ويبدو القلب الضغن ؟! استسلم الزوجان الحبيبان , فاستجابا إلى صوت الأهل والأقارب , حتى تُستطلع جليّةُ الأمر! فكان أن ذهب الزوجان إلى المشفى وخضعا للفحوص والتحاليل المتكررة , وكانت المفاجأة ! ماذا سيقول الناس يارب ؟! كان الزوج يفكر , وكانت الزوجة تفكر, وكان الطبيب مترددا , وكانت عين الله ترقب كل شيئ!
- زوجتك ياسيدي ! زوجتك عقيم !قال الدكتور وهو يدير ظهره إلى الزوج .
كانت رائحة (الديتول) على بلاط الغرفة يزكم الأنوف ! شعر الزوج باختناق!
- طيب يادكتور ! أطلب منك طلبا واحدا .
- قال الدكتور وهو يمسك بيد الزوج إلى الصالة , وما هو ؟
- أن تقول لزوجتي أن الله قدّر عليَّ بهذا المرض الذي ليس منه شفاء !
- حرك الدكتور حاجبيه مندهشا , ثم لما بلغا غرفة الجلوس , التفت الدكتور إلى الزوجة قائلا وعلامات الانكسار والأسف بادية على هيئته : إن زوجك عقيم ياسيدتي , فاحتسبيه عند الله . دارت الأرض الفضاء بالزوجة , لم تكد تصدق , لكن صمت الزوج كان إقرارا بما قيل ! فأخذت تُصبّر زوجها وتقول : الحمدلله على كل حال , نحن معا .. نحن معا ! هذا أهم شيئ فلا تحزن! شكرها الزوج على مشاعرها الطيبة , وعادا إلى البيت . لم يكن البيتُ بيتا عاديا , كان بيتا كريما هانئا لا ضغينة فيه ولا أحقاد وما تفعل هذه الألفاظ الخبيثة في بيت من الحب ؟! طارت الشياطينُ بالخبر كل مكان من الأرض .
- ها ! الزوج عقيم
- مسكين .. كيف ستكون مشاعره أمام زوجته وأهله ؟
- مسكينة .. يالحظها المشؤوم ؟!
- الزوج عقيم .. الزوج عقيم.
مرت خمس سنوات من الصبر والمصابرة , ومن الضجر والمضاجرة , الزوجة التي كانت تنتظر زوجها آخر دوامه حتى تتطيب نفسها بالعشاء معه, صارت تتعشا وحدها , وتنام قبل رؤية حبيبها ! الزوجة التي كانت يدها تسبق إلى فم زوجها حتى لا يقول كلمة حزن أو جزع أو يأس , صارت على حالها من اليُبس , فمهما قال الزوج , ومهما ضاق به الحال , فلن يرقّ له أحد ! ولن يجلس إليه أحد!
اللهم إنك لطيف بعبادك , فأعني وخذ بيدي , إن أغرب الناس عني فإليك لا لسواك المشتكى , املأ قلبي بالأنس بك , أكاد يارب أن أجن فسامحني وساعدني وحقق مرادي , كان هذا الدعاء لا يفارق لسان الزوج .
حتى كان مساء ليلة من ليالي الشتاء القارس , جاء الزوج على عادته فاستقبلته زوجته متجهمة على غير العادة :
- لقد صبرتُ معك وماقصّرت ! تسع سنوات بلا أطفال .. لا أرجوك أنا لا أستطيع ! صرت لاأقدر على الخروج .. ضيوفنا في بيت أمي يلمزنني خفية , وزميلاتي في المدرسة يشمتن بي , ماذا أفعل ؟ هذا فوق قدرة البشر , سامحني أرجوك طلقني طلقني طلقني!
نزل الكلام على الزوج كالصاعقة , كاد أن ينفجر باكيا , فيقول الحقيقة , لكن حبه لزوجته, وحرصه على مشاعرها من أن يخدشها أو يجرحها شيئ , منعه من ذلك بالقوة .
- حبيبتي ! لقد وعد الله الصابر وبشره بكل خير , والدنيا وما فيها من أموال وبنين ظل زائل , ولا يبقى إلا المعروف بين الناس !
- اسمعني جيدا , سأصبر معك هذه السنة فقط .. هذه السنة .. نهاية هذه السنة أريد ورقة طلاقي ! أريد أن أتزوج وأتدارك مع زوجي الجديد مافاتني منك ! ثم ولت مغضبة إلى غرفتها وأغلقت الباب بقوة .
- لا حول ولا وقوة إلا بالله يسترجع الزوج .
بعد شهرين من هذه المحادثة المؤذية , والتي تركت أثرا سيئا في ذهن الزوج وفي نفسه .
- ألو فلان ؟
- نعم
- استعلامات المشفى معك , زوجتك في حالة من الغيبوبة ! جن جنون الزوج , لا مواعيد مهمة , ولا أوراق ينبغي أن تسلم إلى مسؤول العمل , تتداخلت الشوارع في بعضها , تحول المسكين إلى عاصفة !
- ماذا هناك ؟
- زوجتك مصابة بفشل كلوي .
- حسبنا الله ونعم الوكيل , طبع قبلة على جبين زوجته : اصبري أيتها الغالية , طهور إنشاء الله ! لا بأس عليك
- هذا كله بسببك , أنت السبب ( تقول الزوجة باكية)
- طيب أنا السبب , وسأصلح غلطتي .
جاء اليوم الثاني
- اسمعي يافلانة أنا ذاهب إلى دولة شقيقة , فقد وجدتُ بها متبرعا بكلية. يقول الزوج في حضرة عمته وعمه وأخو زوجته .
بعد أسبوع يعود الزوج برفقة رجل مدعيا أنه صاحب الكلية المتبرع , بعد عملية الفحوصات والتحاليل , قال الزوج لزوجته : سأغيب خمسة أيام وسأعود .
- أأنت زوج ؟ العملية يتم التحضير لها خلال ساعة , وتتركني في أمس الحاجة إليك ؟؟!!
دخلت الزوجة من هنا إلى غرفة العمليات , ودخل الزوج من هنا الغرفة المجاورة , ودون استشارة أحد , ودون طلب من أحد ,ودون علم من أحد, كان المتبرع الحقيقي بكليته هو الزوج المحب , الخالص الحب ! وتمر الأيام وأغاني الطفولة تهزج في قلب الزوجة ,ويجمح الخيال بها فإذا بها تلبس طفلها الجديدَ من الثياب , وتشم في رقبته , وتقبل بين عينيه , والضيوف يحفون به , وتتمنى اليوم الذي ينادى عليها : ماما .. ماما .. ماما وبينما هي تسير إلى الغرفة , تجد على الطاولة الصغيرة بالقرب من السرير أوراقا ومستندات مالية ,ودفتر اليومية لزوجها .. كان الزوج وهو يحضر لسفرية جديدة خارج البلاد قد نسيه هناك .. هناك على الطاولة .. يارب ماذا يجري ؟!! وإذا باتصال يأتي الزوج , يفتح الزوج الجوال : وإذا بالزوجة تغرق في نوبة من البكاء فيفطن الزوج إلى الأمر , فيشد على يديه أسفا أن نسي دفتر اليومية هناك .. هناك على الطاولة ! بعد أن عاد الزوج لم تستطع الزوجة النظر إلى وجه زوجها ثلاثة أشهر.. وشاء اللهُ أن يثيبَ الزوجَ على صبره وإخلاصه فحملت الزوجة واستيقظت الأحلام الدفينة ,وعم البيتَ الفرحُ والسرور , ووضعت مولودا هو من الجمال موسيقى الروح .
أقبل الليل وناداني حنيني
وسرت ذكراك طيفا هام في بحر ظنوني
ياهدى الحيران في ليل الضنى
أين أنت الآن ؟ بل أين أنا ؟!
مرت على ساعة الرحمن أربعُ سنوات ,لكن الناس أكثرت في الزوجين الحميمين القالة , وكان من عادة المجتمعات الصغيرة والتي يتبطّلُ فيها أهلها , أن تتعطل مداركُ التفكير العام إلى التفكير الخاص , أخذ الناس يهمسون : أما من مولود ؟ أما من جنين ؟ أهو العقيم أم هي ؟ أما من كشف طبي ؟ أما من تحليل ؟ وما مصير الزواج إن كان في الأمر عقمٌ ؟ أيستمر الحال على ما هو من هناء العيش وكريم المعشر ؟ أم سيتبدل الحال إلى النقيض , فتسقط الأقنعة , وتنقشع الهالات , ويبين الوجه الكالح , ويبدو القلب الضغن ؟! استسلم الزوجان الحبيبان , فاستجابا إلى صوت الأهل والأقارب , حتى تُستطلع جليّةُ الأمر! فكان أن ذهب الزوجان إلى المشفى وخضعا للفحوص والتحاليل المتكررة , وكانت المفاجأة ! ماذا سيقول الناس يارب ؟! كان الزوج يفكر , وكانت الزوجة تفكر, وكان الطبيب مترددا , وكانت عين الله ترقب كل شيئ!
- زوجتك ياسيدي ! زوجتك عقيم !قال الدكتور وهو يدير ظهره إلى الزوج .
كانت رائحة (الديتول) على بلاط الغرفة يزكم الأنوف ! شعر الزوج باختناق!
- طيب يادكتور ! أطلب منك طلبا واحدا .
- قال الدكتور وهو يمسك بيد الزوج إلى الصالة , وما هو ؟
- أن تقول لزوجتي أن الله قدّر عليَّ بهذا المرض الذي ليس منه شفاء !
- حرك الدكتور حاجبيه مندهشا , ثم لما بلغا غرفة الجلوس , التفت الدكتور إلى الزوجة قائلا وعلامات الانكسار والأسف بادية على هيئته : إن زوجك عقيم ياسيدتي , فاحتسبيه عند الله . دارت الأرض الفضاء بالزوجة , لم تكد تصدق , لكن صمت الزوج كان إقرارا بما قيل ! فأخذت تُصبّر زوجها وتقول : الحمدلله على كل حال , نحن معا .. نحن معا ! هذا أهم شيئ فلا تحزن! شكرها الزوج على مشاعرها الطيبة , وعادا إلى البيت . لم يكن البيتُ بيتا عاديا , كان بيتا كريما هانئا لا ضغينة فيه ولا أحقاد وما تفعل هذه الألفاظ الخبيثة في بيت من الحب ؟! طارت الشياطينُ بالخبر كل مكان من الأرض .
- ها ! الزوج عقيم
- مسكين .. كيف ستكون مشاعره أمام زوجته وأهله ؟
- مسكينة .. يالحظها المشؤوم ؟!
- الزوج عقيم .. الزوج عقيم.
مرت خمس سنوات من الصبر والمصابرة , ومن الضجر والمضاجرة , الزوجة التي كانت تنتظر زوجها آخر دوامه حتى تتطيب نفسها بالعشاء معه, صارت تتعشا وحدها , وتنام قبل رؤية حبيبها ! الزوجة التي كانت يدها تسبق إلى فم زوجها حتى لا يقول كلمة حزن أو جزع أو يأس , صارت على حالها من اليُبس , فمهما قال الزوج , ومهما ضاق به الحال , فلن يرقّ له أحد ! ولن يجلس إليه أحد!
اللهم إنك لطيف بعبادك , فأعني وخذ بيدي , إن أغرب الناس عني فإليك لا لسواك المشتكى , املأ قلبي بالأنس بك , أكاد يارب أن أجن فسامحني وساعدني وحقق مرادي , كان هذا الدعاء لا يفارق لسان الزوج .
حتى كان مساء ليلة من ليالي الشتاء القارس , جاء الزوج على عادته فاستقبلته زوجته متجهمة على غير العادة :
- لقد صبرتُ معك وماقصّرت ! تسع سنوات بلا أطفال .. لا أرجوك أنا لا أستطيع ! صرت لاأقدر على الخروج .. ضيوفنا في بيت أمي يلمزنني خفية , وزميلاتي في المدرسة يشمتن بي , ماذا أفعل ؟ هذا فوق قدرة البشر , سامحني أرجوك طلقني طلقني طلقني!
نزل الكلام على الزوج كالصاعقة , كاد أن ينفجر باكيا , فيقول الحقيقة , لكن حبه لزوجته, وحرصه على مشاعرها من أن يخدشها أو يجرحها شيئ , منعه من ذلك بالقوة .
- حبيبتي ! لقد وعد الله الصابر وبشره بكل خير , والدنيا وما فيها من أموال وبنين ظل زائل , ولا يبقى إلا المعروف بين الناس !
- اسمعني جيدا , سأصبر معك هذه السنة فقط .. هذه السنة .. نهاية هذه السنة أريد ورقة طلاقي ! أريد أن أتزوج وأتدارك مع زوجي الجديد مافاتني منك ! ثم ولت مغضبة إلى غرفتها وأغلقت الباب بقوة .
- لا حول ولا وقوة إلا بالله يسترجع الزوج .
بعد شهرين من هذه المحادثة المؤذية , والتي تركت أثرا سيئا في ذهن الزوج وفي نفسه .
- ألو فلان ؟
- نعم
- استعلامات المشفى معك , زوجتك في حالة من الغيبوبة ! جن جنون الزوج , لا مواعيد مهمة , ولا أوراق ينبغي أن تسلم إلى مسؤول العمل , تتداخلت الشوارع في بعضها , تحول المسكين إلى عاصفة !
- ماذا هناك ؟
- زوجتك مصابة بفشل كلوي .
- حسبنا الله ونعم الوكيل , طبع قبلة على جبين زوجته : اصبري أيتها الغالية , طهور إنشاء الله ! لا بأس عليك
- هذا كله بسببك , أنت السبب ( تقول الزوجة باكية)
- طيب أنا السبب , وسأصلح غلطتي .
جاء اليوم الثاني
- اسمعي يافلانة أنا ذاهب إلى دولة شقيقة , فقد وجدتُ بها متبرعا بكلية. يقول الزوج في حضرة عمته وعمه وأخو زوجته .
بعد أسبوع يعود الزوج برفقة رجل مدعيا أنه صاحب الكلية المتبرع , بعد عملية الفحوصات والتحاليل , قال الزوج لزوجته : سأغيب خمسة أيام وسأعود .
- أأنت زوج ؟ العملية يتم التحضير لها خلال ساعة , وتتركني في أمس الحاجة إليك ؟؟!!
دخلت الزوجة من هنا إلى غرفة العمليات , ودخل الزوج من هنا الغرفة المجاورة , ودون استشارة أحد , ودون طلب من أحد ,ودون علم من أحد, كان المتبرع الحقيقي بكليته هو الزوج المحب , الخالص الحب ! وتمر الأيام وأغاني الطفولة تهزج في قلب الزوجة ,ويجمح الخيال بها فإذا بها تلبس طفلها الجديدَ من الثياب , وتشم في رقبته , وتقبل بين عينيه , والضيوف يحفون به , وتتمنى اليوم الذي ينادى عليها : ماما .. ماما .. ماما وبينما هي تسير إلى الغرفة , تجد على الطاولة الصغيرة بالقرب من السرير أوراقا ومستندات مالية ,ودفتر اليومية لزوجها .. كان الزوج وهو يحضر لسفرية جديدة خارج البلاد قد نسيه هناك .. هناك على الطاولة .. يارب ماذا يجري ؟!! وإذا باتصال يأتي الزوج , يفتح الزوج الجوال : وإذا بالزوجة تغرق في نوبة من البكاء فيفطن الزوج إلى الأمر , فيشد على يديه أسفا أن نسي دفتر اليومية هناك .. هناك على الطاولة ! بعد أن عاد الزوج لم تستطع الزوجة النظر إلى وجه زوجها ثلاثة أشهر.. وشاء اللهُ أن يثيبَ الزوجَ على صبره وإخلاصه فحملت الزوجة واستيقظت الأحلام الدفينة ,وعم البيتَ الفرحُ والسرور , ووضعت مولودا هو من الجمال موسيقى الروح .
تعليق