إلى اللواء أحمد شكري قائد هذا اللواء المصري في اليمن خلال الثورة . وسفيرمصرلاحقا في اليمن
إلى كل الشهداء المصريين الذين قضوا في اليمن .
إلى محمد شعبان الموجي وربيع عبد الرحمن وسواهم المصريين في هذا المنتدى .
إلى كل المصريين .
هذه حكاية من أجمل الحكايات العربية تحققت في الواقع العربي بشهادتي أنا الذي لازلت على قيد الحياة ... حكاية ساهمت في تشكيلي بأجمل الالوان .. حكاية غيرتلك التي تحكى عن الدورالعسكري للمصريين في اليمن .
إنها حكاية عن إبداع مصري في غاية التفرد تم على خارطة قرية يمنية نسيها التاريخ .
تعالوا لنقرأ حكاية المصريين : -_
________________-
عبس * وأم الدنيا **
__________________
إنتشر المصريون حول القرية ببزاتهم الميري البيج , تلتحف أقدامهم أحذية ضخمة , وعلى رؤوسهم يعتمرون البريه بمظلته الأمامية ,
في اللوحة وفي شكلين هندسيين يعلو أحدهما الآخر, تتراص العشش (1)كبيرة وصغيرة ومتزاحمة :الأسطوانة في الأسفل من شجر العلب , تتحول في الأعلى إلى مخروط تشده دوائر من الجريد لفت عليه وتم ربطها بحبال من السعف 0
العشش متزاحمة , يشد بعضها بعضا , كتفا إلى كتف ,قدما الى قدم , كأنها تقف للصلاة : سدوا الخلل , لا تتركوا للشيطان ثغرة بين أقدامكم 0
خلف القرية شرقا نرى ألوان الطيف تنعقد في قوس قزح حول جبلين متتاليين إليك , أصغرهما :الحبطة , يسبق أكبرهما : دامغ 0
في الجنوب من القرية تنفلق أوراق زهرة البردقوش على هضبة كحلان (2)بمجمل مرافق الدولة اليمنية , المدنية والعسكرية , الإمامية والجمهورية
البيت في القرية من عشة وحيدة محاطة بسجف (3)من شجر العلب أو بمزراب (4)من شجر السلام الشائك بعلو لايتجاوز المتر الواحد يتم تعريضه عادة ليعيق أي محاولة للقفز عليه إلى الداخل
العشة الواحدة هي المرقد والمطبخ والمخزن ولكل الأغراض سوى الحمام الذي سيكون في العراء : حول العشة للأطفال , أوفي الغائط الحر في الحقول الزراعية الصغيرة حول القرية في أي وقت : للكبار من الذكور, وفي المساء بعيد المغرب : للنساء في جماعات .
لو طورنا اللوحة إلى تقنية الفيديو فسنشاهد العشش في المساء مضاءة من الداخل بلون بنفسجي باهت قادم من سراج صغير يعبأ بالكيروسين الذي يغذي بالطاقة فتيلة عارية صاعدة من جوف السراج ستنطفئ إذا هبت أي ريح في أي درجة كانت
وإذا كنت على سفر إليها , فلن تشاهد القرية إلا حين تكون بين يديك , حين تخلي العشش أمام عينيك لعينيك الطريق إلى شعلة السراج في عشة مقابلة , وقد تشاهد قبل أن تدخل القرية ضوء سراج واحد أو سراجين أو ثلاثة لتعود فتختفي ولا تعود اوتعود غيرها وكأنك تتمشى في حلم , إلا انك تعرف انك ستدخل القرية قريبا , غيران الراحلة تحتك لن تدخلك الآن فهي لن تستطيع اختصار الخطوات اللازمة لها لتدخلك إلى القرية , أو أن أحدا يسحب القرية من تحتك متى بدأت الراحلة أول خطوة فيها حتى وان كنت تشاهد سراجا أو اخرمن أسرجة القرية.
لو أننا طورنا تقنية الفيديو إلى ريبورتاج فإننا سنرى الأطفال وهم يذهبون إلى مسجد القرية ليتعلموا على يدي الفقيه الواحد , وستنتهي كافة مراحل الدراسة أو لاتنتهي أبدا خلال عام اوعامين على يدي هذا الفقيه الواحد , وسيتخرج الدارس متى ما أكمل كيفما اتفق قراءة كل سورا لقرآن , وحصل على شهادة الفقيه الغير مكتوبة في قدرته على قراءة أي سورة من سور القرآن في أي مناسبة قادمة .
سنعرف من خلال الريبورتاج أن ليس كل أولياء الأمور يرسلون أبناءهم إلى الفقيه في المسجد , وليس كل الدارسين قد أكملوا تعلم قراءة القرآن بل ودفعوا قيمة الرخصة للفقيه ليتسربوا وإلى الأبد , وأن تعلم القرآن لايقترن بالضرورة بتعلم القراءة والكتابة والتي حذقها القلة منهم باجتهادهم وليس باجتهاد الفقيه
..... تلك هي قرية الرنف (مدينة عبس حاليا )......
(إسبت ) . فجأة ينبري أمامنا العسكري المصري وكأن الأرض قذفت به اللحظة قبالة صدورنا ليصيح : اسبت . فنرد عليه وبصوت عال : إخوان . شيئ أشبه بالشفرة , فيخلي لنا الطريق , ويسمح لنا بمعاودة السير مرة أخرى , فنقفزفوق حفرة الخندق أو نهبط إلى الأسفل منه لنعود فنصعد من الخندق والذي عرفناه الآن للتو ولأول مرة مع المصريين
يسأله أحدنا أو أكثرنا أو جميعنا : السينما الليلة فين ؟ فيرد علينا بأحد المواقع التالية : الدفاع . المهندسون. الصاعقة. الإشارة . فنتجه صوب الموقع الذي حدده لنا من بين هذه المواقع في داخل المعسكر المصري والتي صارت مألوفة للكثير من أبناء عبس الذين يسمح لهم بالدخول إلى المعسكر في النهار للقيام ببعض التبادلات للسلع الاستهلاكية , ولان هناك علاقات وصداقات تكونت بين المصريين وبين أبناء عبس .
أحيانا كنا نهتدي إلى موقع العرض السينمائي في معسكر المصريين بأسلوب آخر: لقد وصلنا , ألا تسمعون أم كلثوم ؟ . أقول للمجموعة في مرتي الأولى التي رافقتهم فيها إلى السينما . فيرد احدهم أو أكثرهم أوكلهم : لم نصل بعد . لكنني أسمع حنجرة أم كلثوم تصدح في إذني : كل ليلة وكل يوم اسهر لبكرة في انتظارك ياحبيبي . فكري طول الليل في ليلك والنهار كله ف نهارك ياحبيبي . ياترى يا وحشني بتفكر في مين . عامل ايه الشوق معاك عامل ايه إيه الحنين . سهرت السهر ف عيني. صحيت المواجع في . كل ساعة وكل ليلة وكل يوم بعدما اطمن عليك حيجيني نوم ياحبيبي ياحبيبي . ............. ( ألا تسمعون معي ) أصر على رفاقي الذين سيرد أحدهم أو أكثرهم أوكلهم : هذا هو الميكرفون يأتيك بأم كلثوم من بعيد . كانت هي المرة الأولى التي اسمع فيها صوتا من مكبر الصوت يصلني عن بعد أقوى من الصوت الطبيعي عند أذني
في العادة كان صوت ام كلثوم يصدح من مكبر الصوت في الموقع الذي سيتم فيه العرض السينمائي من معسكر المصريين فنظل نتتبعه : - بعدما اطمن عليك حيجيني نوم ياحبيبي - حتى نصل 0
هاأنذا أعودمن معسكرالمصريين إلى قريتي , إلى عشتي الصغيرة , في العراء , عيناي في السماء بين أجرام جاليليو, مدهوشا بحياة تتمشى أمام عيني في معسكر المصريين على خرقة بيضاء مربوطة إلى هيكل ناقلة الجند الفيرجو الروسية . حياة يقذف بها ضوء عمودي في اقتدار مستحيل على هذه الخرقة البيضاء قادما من عدسة صغيرة في جهازصغيريستند على طاولة صغيرة خلفنا .
أين تكون هؤلاء البشر ؟ أين تخلقت هذه الحيوات لتنطلق على هذه الخرقة ؟ كيف تسع هذه الخرقة البشر والمدن والطائرات والصحاري والبحار والأرض والسموات ؟ من أين أتت هذه الأنثى المسماة فا تن حمامة بشعرها المقصوص في ناظري لأول مرة ؟ وببولوزتها الغنوجة . وبمقاطع السيمفونية لأول مرة في أذني ترافق الزمان والمكان والأحداث ولتحلق بي في فضاء موسيقي رحيب يراود مغاليق تلك الأحلام التي تبهر طفولتي كل ليلة حين أنام . وهذا العبد الناصر بشحمه ولحمه يلوح بيديه للعسكر وللأمة وعلى لسانه القومية العربية أبدا وما يفل الحديد إلا الحديد . كل هذا مع طفل من عشر سنوات ليس في عشته غير سراج الكيروسين بفتيلته العارية ولونه الكابي وكربونه المترسب بالأسود .
( سنتحرك جمعا إلى المخيم في المطار) . أمرنا الفقيه فانطلقنا معه إلى تلك الخيام التي كنا نشاهد المصريين قبل هذا ينصبونها هناك . والمنطقة ليست مطارا فعليا إنما درج أبناء عبس على تسميتها بالمطار منذ كان الإمام أحمد قد احتجزها بغرض إقامة مطار عليها قبل أيام من وفاته , إلا انه توفي قبل أن ينفذ ما أراد , وتبعت وفاته بأسبوع واحد ثورة 26 سبتمبر1962م , وهومايستوقفنا هنا , إذ يؤكد على الأهمية التي تكتسبها الرنف قبل أن تصير عبس , بالنظرالى موقعها الجغرافي والاقتصادي وإن أصبت : السيادي , والذي حدسه وتنبه إليه الإمام احمد منذ 50 عاما مضت وكأن هناك من يصب العمى في زمننا الحاضر في عيونهم هؤلاء في كل مرة سيتوجهون بأنظارهم إلى مدينة عبس .
عند وصولنا إلى الخيام تم جمعنا في خيمة كبيرة وتعرضنا لاختبارات من المدرس المصري ببزته الميري (بعد ذلك سنكون في مقابلة أكثرمن مدرس واحد وببدلاتهم المدنية الرسمية ) وخلال يومين تم توزيعنا على ثلاث مجموعات وحتى الصف الثالث ابتدائي .
إنفصلنا أنا وبعض الزملاء في مجموعة مستقلة وقيل لنا : انتم في الصف الثالث . لأول مرة اسمع رقما وصفا دراسيا لأعرف أن هناك مراحل دراسية مرتبة على أزمنة مقدار كل منها عام واحد .
في العام التالي انتقل بعضنا إلى الصف الرابع وبقي البعض منا في الصف الثالث 0 إذن فهم يعنون مايقولون , لقد أصبحنا في صف غير الصف وصرنا نحمل رقما يزيد عن سابقه ببنط واحد , وبدأنا ننظر إلى الإمام
كنا ونحن نتلقى التعليم في الخيام على أيديهم نشاهد المصريين يسرعون في البناء . وفي العام 65- 66 م كنا نتلقى التعليم داخل مبنى من فصول دراسية في مدرسة الثورة التي أسسها وبناها وافتححها المصريون الذين ابتدعوا لأبناء عبس التعليم الحديث والعملية التعليمية ولأول مرة بعد قيام الثورة .
فمنذ الآن عرفنا الدفتر والسبورة والقلم والمسطرة والفيرجارونصف القطر والمنشور الثلاثي والكسر العشري والدورة الدموية وفتح مكة والربع الخالي وفرديناند ديليسبس وكاكاو غانا .
في هذه الاثناء شرع المصريون وعلى مساحة صغيرة لاتتعدى 90000 مترا مربعا توفرت لهم حينها ينشئون مستشفى جنوب المدرسة ,وجامعا جنوب المستشفى , وملعبا رياضيا شرق المدرسة والمستشفى , ودارا للسينما شمال الملعب , وهناك وفي الغرب من عبس كان العمل يجري نهارا بليل وحثيثا لانجازمطارعبس بمهبطه الباهرالفائق الجمال والذي أضفته عليه صخور عارض شقحة المرخمة بمتزاوجاتها من الاحمروالابيض والأصفر.
لم تكن هناك مقدمات لما يتم الآن أمام أعيننا , لم تصل بعد مدارك الناس إلى توقعات بهذا , حتى الطوب والاسمنت الذي تشيد به هذه المرافق لم تكن معروفة لدى أبناء عبس , ولا التراكتار وهو يسوي الأرض , ويعلن رائحتها في أنوفنا لإقامة هذه المرافق عليها . كان استحداثا وابتداعا خارقا للعادة , وللعقل الظاهر, والباطن ,ولثقافة القوالب الموروثة .
أن يجلس طفل من عبس سموه الآن بالتلميذ على مقعد في فصل دراسي تعليمي "وليس على حصيرة سعف في المسجد ", وأمامه السبورة يخط عليها اكثرمن مدرس واحد , وعلى منضدته كراسة " وليس قطعة ورق ملصوقة بعجينة الدقيق الأبيض على مزقة كرتون " وبين يديه علبة هندسة كأنها أنزلت إليه من السماء , وبين أصابعه الثلاث قلم حامل للحبر لأيام قادمة , "وليس قصبة خيزران خالية الوفاض لاتحمل غير حرف واحد أوحرفين لينحت بها حرفا أوحرفين ليس إلا فوق مزقة الكرتون ", وأن يتداول التلميذ تعليما لاسابق له على يد اكثرمن معلم "وليس على يد فقيه يعيد إنتاج أميته ويكرسها" وأن يزور ابن عبس الدكتور في المستشفى ليشخص له حالته المرضية "وليس إلى المشعوذ ليفتح له مكتاب " وألا يكتفي ابن الرنف بلعب الجادي والمسحر(5)بل ويضيف إليها الفوتبول والفولي بول(6) .
ذهبت إلى مستشفى الثورة , لم يكن هناك افتتاحا ولاطنابل ولا تهريج , كان أبناء عبس والقرى المجاورة يتوافدون إلى المستشفى يدخلون إلى غرفة الدكتور المصري بالمجان ويخرجون الى غرفة الصيدلاني المصري يحضر لهم العلاج ويناولهم بالمجان ويغادرون المستشفى عائدين إلى منازلهم أويبقون في المستشفى لإجراء عملية جراحية .
(هذا فيتامين يخليك مثل الحصان ). هكذا كان يتحدث أبناء عبس داخل المستشفى
(بتشتكي من إيه ). يسألني الدكتور المصري . (أنا تعبان يادكتورعاوزفيتامين )
اليوم وبعد الظهيرة يكاد أبناء عبس يحوطون ملعب الثورة الرياضي . فاليوم سنلعب الماتش - هكذا يسمي المصريون المباراة بالمفردة الانجليزية - لأول مرة ., فلقد شكل أبناء الرنف فريقين في لعبتي الفوتبول والفولي بول هما فريقي الشرق والوحدة , ولأول مرة سيقف المصريون خارج الملعب كمشجعين وليس داخل الملعب كلاعبين
في لقاء قادم سيكون هناك ناد هو نادي شباب عبس وفريق هوفريق شباب عبس يضم مجموعة من أبناء الرنف واثنين اوثلاثة من المصريين , وسيلعبون الماتش مع ميدي بحضورالجمهورمن أبناء الرنف وشفروالربوع ودرنية وبني زيد وأسلم والمحرق (7)
سنتوقف هنا لنصحح في المعلومة التالية : نادي شباب عبس تأسس قبل العام 1968, وهو العام الذي عادت فيه القوات المصرية إلى مصر , ونادي شباب عبس هوبالفعل من الأندية العميدة في اليمن , والتي أسست للعبتي كرة القدم وكرة الطائرة , وكانت فرقها في هاتين اللعبتين من أوائل الفرق في اليمن بعد قيام الثورة , فقد سبقت عبس بحراكها الرياضي مع المصريين عملية التأسيس والهيكلة للعملية الرياضية في اليمن , فجاء تشكيل وزارة للشباب والرياضة وإصدارها التراخيص لإنشاء الأندية الرياضية ومن ثم الاعتراف الرسمي بهذه الاندية متخلفا عن التأسيس الفعلي والحراك الرياضي لشباب عبس
كثيرهوماتعلمناه من المصريين , ومنه ماهومرتبط بالمظهر والسلوك الإنساني مثل : قص الشعر, واستخدام فرشاة الأسنان , ولبس الأحذية 0
كان الختان للذكورلايتم بعد الولادة , وتصاحبه احتفالية تتفوق على احتفالية الأعراس , ويراعى عادة أن يسبق الختان حراك البلوغ حتى لا يتأذى المختون , وأفضل علاج حينها أن يسيرالمختون الذي يراوح الآن بين الطفولة والمراهقة ولعله اقرب إلى الثانية حافي القدمين فوق أرض رملية , ويستحسن أن تكون تربة سائلة الوادي , وفي الظهيرة حين تكون الحرارة على أشدها , وفي فصل الصيف , ولعدة ساعات في اليوم 0
وحين نذهب إلى المسجد من يوم الجمعة لأداء الصلاة نظل نقفز من الظل إلى الظل هربا من رمضاء الأرض اللاهبة تحت أقدامنا الحافية إلا أننا لانجد ظلا في كل مرة وليس في الأعم غيرا لرمضاء0
قال لنا المعلم المصري : من الغد سيأتي كل تلميذ منكم الى المدرسة وفي قدميه حذاء0
للمرة الأولى في حياتنا تطعم جلدة أقدامنا نكهة الملمس الرطب للحذاء الصيني الفاقع الألوان , وحين يدخل احدنا المسجد فان مرأى حذاء في حاشية المسجد يعني أن هناك تلميذ ممن يدرسون لدى المصريين هوالان في داخل المسجد يصلي
في المساء : نحن الآن لسنا في معسكر المصريين , نحن الآن في عبس ذاتها , والشاشة الآن أمامنا لم تعد خرقة تستند على هيكل ناقلة الجند الفيرجو الروسية , إنها الآن مبنية من الطوب والاسمنت والحديد تمت تسويتها وتلميعها إلى أنظارنا باللون الأبيض , والى الخلف منا ماكينة السينما فوق برج صغير, ونحن الآن لانفترش الأرض بل نقعد فوق مقاعد إسمنتية ومنعمة
( لقد بنى المصريون دارا للسينما في قرية عبس )
يهتف أحد ضباط الصف المصريين بصوت عال ويردد وراءه الضباط والجنود المصريون ونحن معهم:
0عاش جمال عبد الناصر .
0عاش المشير عبد الحكيم عامر .
وهانحن في انتظار انفلاق عين السينما عن عمود الضوء الحامل للدراما في تقنية مراوغة لكل الحوامل الأدبية والفنية والثقافية عموما
هنا النص , والسيناريو, والمونتاج ,هنا الممثل , والصوت , والضوء , هنا الحركة , هنا المخرج , وقبل ذلك ومن اجل ذلك هنا الكاميرا , هنا تتضافر كل الفعاليات حية في زمن تم تكثيفه إليك كمشاهد لتصير بطريقة اوبأخرى حاملا اجتماعيا للدراما
وأعود إلى قريتى في الرنف في العراء حول عشتي أطفئ سراج الكيروسين وأسافربخيالاتي وأخلد الى النوم حين القمر في العلا لي 0
كم آنت متواضع أيها القمر:
تعبر السماء فوق عبس وفوق معسكر المصريين في صمت ودون ضجيج .
...................
الهامش
*عبس قرية صغيرة لايزيد عدد سكانها عن 5 ألف نسمة عندما تواجدت بها القوات المصرية وكانت تمثل بموقعها الجغرافي محورا للقوات المصرية لملاحقة فلول االقوات الإمامية وهي اليوم مدينة ومركزميديرية في محافظة حجة
** مصر
1- العشة : الكوخ
2- كحلان : هضبة تطل على عبس وتقع عليها مباني الادارات الحكومية في العهد الامامي والتي استغلت بعض منها كسكن ومقار للقيادات العسكرية اليمنية في السنوات الاولى من الثورة ومبنية بالياجورعلى الطرازاليمني في البناء
3- السجف حائط من العيدان يتم شده ولفه حول الكوخ
4- المزراب حائط حول الكوخ من نبات شوكي
5- الجادي لعبة شبيهة بلعبة الرجبي . والمسحرلعبة شبيهة بلعبة الهوكي
6- القرى الاقرب من منطقة عبس
إلى كل الشهداء المصريين الذين قضوا في اليمن .
إلى محمد شعبان الموجي وربيع عبد الرحمن وسواهم المصريين في هذا المنتدى .
إلى كل المصريين .
هذه حكاية من أجمل الحكايات العربية تحققت في الواقع العربي بشهادتي أنا الذي لازلت على قيد الحياة ... حكاية ساهمت في تشكيلي بأجمل الالوان .. حكاية غيرتلك التي تحكى عن الدورالعسكري للمصريين في اليمن .
إنها حكاية عن إبداع مصري في غاية التفرد تم على خارطة قرية يمنية نسيها التاريخ .
تعالوا لنقرأ حكاية المصريين : -_
________________-
عبس * وأم الدنيا **
__________________
إنتشر المصريون حول القرية ببزاتهم الميري البيج , تلتحف أقدامهم أحذية ضخمة , وعلى رؤوسهم يعتمرون البريه بمظلته الأمامية ,
في اللوحة وفي شكلين هندسيين يعلو أحدهما الآخر, تتراص العشش (1)كبيرة وصغيرة ومتزاحمة :الأسطوانة في الأسفل من شجر العلب , تتحول في الأعلى إلى مخروط تشده دوائر من الجريد لفت عليه وتم ربطها بحبال من السعف 0
العشش متزاحمة , يشد بعضها بعضا , كتفا إلى كتف ,قدما الى قدم , كأنها تقف للصلاة : سدوا الخلل , لا تتركوا للشيطان ثغرة بين أقدامكم 0
خلف القرية شرقا نرى ألوان الطيف تنعقد في قوس قزح حول جبلين متتاليين إليك , أصغرهما :الحبطة , يسبق أكبرهما : دامغ 0
في الجنوب من القرية تنفلق أوراق زهرة البردقوش على هضبة كحلان (2)بمجمل مرافق الدولة اليمنية , المدنية والعسكرية , الإمامية والجمهورية
البيت في القرية من عشة وحيدة محاطة بسجف (3)من شجر العلب أو بمزراب (4)من شجر السلام الشائك بعلو لايتجاوز المتر الواحد يتم تعريضه عادة ليعيق أي محاولة للقفز عليه إلى الداخل
العشة الواحدة هي المرقد والمطبخ والمخزن ولكل الأغراض سوى الحمام الذي سيكون في العراء : حول العشة للأطفال , أوفي الغائط الحر في الحقول الزراعية الصغيرة حول القرية في أي وقت : للكبار من الذكور, وفي المساء بعيد المغرب : للنساء في جماعات .
لو طورنا اللوحة إلى تقنية الفيديو فسنشاهد العشش في المساء مضاءة من الداخل بلون بنفسجي باهت قادم من سراج صغير يعبأ بالكيروسين الذي يغذي بالطاقة فتيلة عارية صاعدة من جوف السراج ستنطفئ إذا هبت أي ريح في أي درجة كانت
وإذا كنت على سفر إليها , فلن تشاهد القرية إلا حين تكون بين يديك , حين تخلي العشش أمام عينيك لعينيك الطريق إلى شعلة السراج في عشة مقابلة , وقد تشاهد قبل أن تدخل القرية ضوء سراج واحد أو سراجين أو ثلاثة لتعود فتختفي ولا تعود اوتعود غيرها وكأنك تتمشى في حلم , إلا انك تعرف انك ستدخل القرية قريبا , غيران الراحلة تحتك لن تدخلك الآن فهي لن تستطيع اختصار الخطوات اللازمة لها لتدخلك إلى القرية , أو أن أحدا يسحب القرية من تحتك متى بدأت الراحلة أول خطوة فيها حتى وان كنت تشاهد سراجا أو اخرمن أسرجة القرية.
لو أننا طورنا تقنية الفيديو إلى ريبورتاج فإننا سنرى الأطفال وهم يذهبون إلى مسجد القرية ليتعلموا على يدي الفقيه الواحد , وستنتهي كافة مراحل الدراسة أو لاتنتهي أبدا خلال عام اوعامين على يدي هذا الفقيه الواحد , وسيتخرج الدارس متى ما أكمل كيفما اتفق قراءة كل سورا لقرآن , وحصل على شهادة الفقيه الغير مكتوبة في قدرته على قراءة أي سورة من سور القرآن في أي مناسبة قادمة .
سنعرف من خلال الريبورتاج أن ليس كل أولياء الأمور يرسلون أبناءهم إلى الفقيه في المسجد , وليس كل الدارسين قد أكملوا تعلم قراءة القرآن بل ودفعوا قيمة الرخصة للفقيه ليتسربوا وإلى الأبد , وأن تعلم القرآن لايقترن بالضرورة بتعلم القراءة والكتابة والتي حذقها القلة منهم باجتهادهم وليس باجتهاد الفقيه
..... تلك هي قرية الرنف (مدينة عبس حاليا )......
(إسبت ) . فجأة ينبري أمامنا العسكري المصري وكأن الأرض قذفت به اللحظة قبالة صدورنا ليصيح : اسبت . فنرد عليه وبصوت عال : إخوان . شيئ أشبه بالشفرة , فيخلي لنا الطريق , ويسمح لنا بمعاودة السير مرة أخرى , فنقفزفوق حفرة الخندق أو نهبط إلى الأسفل منه لنعود فنصعد من الخندق والذي عرفناه الآن للتو ولأول مرة مع المصريين
يسأله أحدنا أو أكثرنا أو جميعنا : السينما الليلة فين ؟ فيرد علينا بأحد المواقع التالية : الدفاع . المهندسون. الصاعقة. الإشارة . فنتجه صوب الموقع الذي حدده لنا من بين هذه المواقع في داخل المعسكر المصري والتي صارت مألوفة للكثير من أبناء عبس الذين يسمح لهم بالدخول إلى المعسكر في النهار للقيام ببعض التبادلات للسلع الاستهلاكية , ولان هناك علاقات وصداقات تكونت بين المصريين وبين أبناء عبس .
أحيانا كنا نهتدي إلى موقع العرض السينمائي في معسكر المصريين بأسلوب آخر: لقد وصلنا , ألا تسمعون أم كلثوم ؟ . أقول للمجموعة في مرتي الأولى التي رافقتهم فيها إلى السينما . فيرد احدهم أو أكثرهم أوكلهم : لم نصل بعد . لكنني أسمع حنجرة أم كلثوم تصدح في إذني : كل ليلة وكل يوم اسهر لبكرة في انتظارك ياحبيبي . فكري طول الليل في ليلك والنهار كله ف نهارك ياحبيبي . ياترى يا وحشني بتفكر في مين . عامل ايه الشوق معاك عامل ايه إيه الحنين . سهرت السهر ف عيني. صحيت المواجع في . كل ساعة وكل ليلة وكل يوم بعدما اطمن عليك حيجيني نوم ياحبيبي ياحبيبي . ............. ( ألا تسمعون معي ) أصر على رفاقي الذين سيرد أحدهم أو أكثرهم أوكلهم : هذا هو الميكرفون يأتيك بأم كلثوم من بعيد . كانت هي المرة الأولى التي اسمع فيها صوتا من مكبر الصوت يصلني عن بعد أقوى من الصوت الطبيعي عند أذني
في العادة كان صوت ام كلثوم يصدح من مكبر الصوت في الموقع الذي سيتم فيه العرض السينمائي من معسكر المصريين فنظل نتتبعه : - بعدما اطمن عليك حيجيني نوم ياحبيبي - حتى نصل 0
هاأنذا أعودمن معسكرالمصريين إلى قريتي , إلى عشتي الصغيرة , في العراء , عيناي في السماء بين أجرام جاليليو, مدهوشا بحياة تتمشى أمام عيني في معسكر المصريين على خرقة بيضاء مربوطة إلى هيكل ناقلة الجند الفيرجو الروسية . حياة يقذف بها ضوء عمودي في اقتدار مستحيل على هذه الخرقة البيضاء قادما من عدسة صغيرة في جهازصغيريستند على طاولة صغيرة خلفنا .
أين تكون هؤلاء البشر ؟ أين تخلقت هذه الحيوات لتنطلق على هذه الخرقة ؟ كيف تسع هذه الخرقة البشر والمدن والطائرات والصحاري والبحار والأرض والسموات ؟ من أين أتت هذه الأنثى المسماة فا تن حمامة بشعرها المقصوص في ناظري لأول مرة ؟ وببولوزتها الغنوجة . وبمقاطع السيمفونية لأول مرة في أذني ترافق الزمان والمكان والأحداث ولتحلق بي في فضاء موسيقي رحيب يراود مغاليق تلك الأحلام التي تبهر طفولتي كل ليلة حين أنام . وهذا العبد الناصر بشحمه ولحمه يلوح بيديه للعسكر وللأمة وعلى لسانه القومية العربية أبدا وما يفل الحديد إلا الحديد . كل هذا مع طفل من عشر سنوات ليس في عشته غير سراج الكيروسين بفتيلته العارية ولونه الكابي وكربونه المترسب بالأسود .
( سنتحرك جمعا إلى المخيم في المطار) . أمرنا الفقيه فانطلقنا معه إلى تلك الخيام التي كنا نشاهد المصريين قبل هذا ينصبونها هناك . والمنطقة ليست مطارا فعليا إنما درج أبناء عبس على تسميتها بالمطار منذ كان الإمام أحمد قد احتجزها بغرض إقامة مطار عليها قبل أيام من وفاته , إلا انه توفي قبل أن ينفذ ما أراد , وتبعت وفاته بأسبوع واحد ثورة 26 سبتمبر1962م , وهومايستوقفنا هنا , إذ يؤكد على الأهمية التي تكتسبها الرنف قبل أن تصير عبس , بالنظرالى موقعها الجغرافي والاقتصادي وإن أصبت : السيادي , والذي حدسه وتنبه إليه الإمام احمد منذ 50 عاما مضت وكأن هناك من يصب العمى في زمننا الحاضر في عيونهم هؤلاء في كل مرة سيتوجهون بأنظارهم إلى مدينة عبس .
عند وصولنا إلى الخيام تم جمعنا في خيمة كبيرة وتعرضنا لاختبارات من المدرس المصري ببزته الميري (بعد ذلك سنكون في مقابلة أكثرمن مدرس واحد وببدلاتهم المدنية الرسمية ) وخلال يومين تم توزيعنا على ثلاث مجموعات وحتى الصف الثالث ابتدائي .
إنفصلنا أنا وبعض الزملاء في مجموعة مستقلة وقيل لنا : انتم في الصف الثالث . لأول مرة اسمع رقما وصفا دراسيا لأعرف أن هناك مراحل دراسية مرتبة على أزمنة مقدار كل منها عام واحد .
في العام التالي انتقل بعضنا إلى الصف الرابع وبقي البعض منا في الصف الثالث 0 إذن فهم يعنون مايقولون , لقد أصبحنا في صف غير الصف وصرنا نحمل رقما يزيد عن سابقه ببنط واحد , وبدأنا ننظر إلى الإمام
كنا ونحن نتلقى التعليم في الخيام على أيديهم نشاهد المصريين يسرعون في البناء . وفي العام 65- 66 م كنا نتلقى التعليم داخل مبنى من فصول دراسية في مدرسة الثورة التي أسسها وبناها وافتححها المصريون الذين ابتدعوا لأبناء عبس التعليم الحديث والعملية التعليمية ولأول مرة بعد قيام الثورة .
فمنذ الآن عرفنا الدفتر والسبورة والقلم والمسطرة والفيرجارونصف القطر والمنشور الثلاثي والكسر العشري والدورة الدموية وفتح مكة والربع الخالي وفرديناند ديليسبس وكاكاو غانا .
في هذه الاثناء شرع المصريون وعلى مساحة صغيرة لاتتعدى 90000 مترا مربعا توفرت لهم حينها ينشئون مستشفى جنوب المدرسة ,وجامعا جنوب المستشفى , وملعبا رياضيا شرق المدرسة والمستشفى , ودارا للسينما شمال الملعب , وهناك وفي الغرب من عبس كان العمل يجري نهارا بليل وحثيثا لانجازمطارعبس بمهبطه الباهرالفائق الجمال والذي أضفته عليه صخور عارض شقحة المرخمة بمتزاوجاتها من الاحمروالابيض والأصفر.
لم تكن هناك مقدمات لما يتم الآن أمام أعيننا , لم تصل بعد مدارك الناس إلى توقعات بهذا , حتى الطوب والاسمنت الذي تشيد به هذه المرافق لم تكن معروفة لدى أبناء عبس , ولا التراكتار وهو يسوي الأرض , ويعلن رائحتها في أنوفنا لإقامة هذه المرافق عليها . كان استحداثا وابتداعا خارقا للعادة , وللعقل الظاهر, والباطن ,ولثقافة القوالب الموروثة .
أن يجلس طفل من عبس سموه الآن بالتلميذ على مقعد في فصل دراسي تعليمي "وليس على حصيرة سعف في المسجد ", وأمامه السبورة يخط عليها اكثرمن مدرس واحد , وعلى منضدته كراسة " وليس قطعة ورق ملصوقة بعجينة الدقيق الأبيض على مزقة كرتون " وبين يديه علبة هندسة كأنها أنزلت إليه من السماء , وبين أصابعه الثلاث قلم حامل للحبر لأيام قادمة , "وليس قصبة خيزران خالية الوفاض لاتحمل غير حرف واحد أوحرفين لينحت بها حرفا أوحرفين ليس إلا فوق مزقة الكرتون ", وأن يتداول التلميذ تعليما لاسابق له على يد اكثرمن معلم "وليس على يد فقيه يعيد إنتاج أميته ويكرسها" وأن يزور ابن عبس الدكتور في المستشفى ليشخص له حالته المرضية "وليس إلى المشعوذ ليفتح له مكتاب " وألا يكتفي ابن الرنف بلعب الجادي والمسحر(5)بل ويضيف إليها الفوتبول والفولي بول(6) .
ذهبت إلى مستشفى الثورة , لم يكن هناك افتتاحا ولاطنابل ولا تهريج , كان أبناء عبس والقرى المجاورة يتوافدون إلى المستشفى يدخلون إلى غرفة الدكتور المصري بالمجان ويخرجون الى غرفة الصيدلاني المصري يحضر لهم العلاج ويناولهم بالمجان ويغادرون المستشفى عائدين إلى منازلهم أويبقون في المستشفى لإجراء عملية جراحية .
(هذا فيتامين يخليك مثل الحصان ). هكذا كان يتحدث أبناء عبس داخل المستشفى
(بتشتكي من إيه ). يسألني الدكتور المصري . (أنا تعبان يادكتورعاوزفيتامين )
اليوم وبعد الظهيرة يكاد أبناء عبس يحوطون ملعب الثورة الرياضي . فاليوم سنلعب الماتش - هكذا يسمي المصريون المباراة بالمفردة الانجليزية - لأول مرة ., فلقد شكل أبناء الرنف فريقين في لعبتي الفوتبول والفولي بول هما فريقي الشرق والوحدة , ولأول مرة سيقف المصريون خارج الملعب كمشجعين وليس داخل الملعب كلاعبين
في لقاء قادم سيكون هناك ناد هو نادي شباب عبس وفريق هوفريق شباب عبس يضم مجموعة من أبناء الرنف واثنين اوثلاثة من المصريين , وسيلعبون الماتش مع ميدي بحضورالجمهورمن أبناء الرنف وشفروالربوع ودرنية وبني زيد وأسلم والمحرق (7)
سنتوقف هنا لنصحح في المعلومة التالية : نادي شباب عبس تأسس قبل العام 1968, وهو العام الذي عادت فيه القوات المصرية إلى مصر , ونادي شباب عبس هوبالفعل من الأندية العميدة في اليمن , والتي أسست للعبتي كرة القدم وكرة الطائرة , وكانت فرقها في هاتين اللعبتين من أوائل الفرق في اليمن بعد قيام الثورة , فقد سبقت عبس بحراكها الرياضي مع المصريين عملية التأسيس والهيكلة للعملية الرياضية في اليمن , فجاء تشكيل وزارة للشباب والرياضة وإصدارها التراخيص لإنشاء الأندية الرياضية ومن ثم الاعتراف الرسمي بهذه الاندية متخلفا عن التأسيس الفعلي والحراك الرياضي لشباب عبس
كثيرهوماتعلمناه من المصريين , ومنه ماهومرتبط بالمظهر والسلوك الإنساني مثل : قص الشعر, واستخدام فرشاة الأسنان , ولبس الأحذية 0
كان الختان للذكورلايتم بعد الولادة , وتصاحبه احتفالية تتفوق على احتفالية الأعراس , ويراعى عادة أن يسبق الختان حراك البلوغ حتى لا يتأذى المختون , وأفضل علاج حينها أن يسيرالمختون الذي يراوح الآن بين الطفولة والمراهقة ولعله اقرب إلى الثانية حافي القدمين فوق أرض رملية , ويستحسن أن تكون تربة سائلة الوادي , وفي الظهيرة حين تكون الحرارة على أشدها , وفي فصل الصيف , ولعدة ساعات في اليوم 0
وحين نذهب إلى المسجد من يوم الجمعة لأداء الصلاة نظل نقفز من الظل إلى الظل هربا من رمضاء الأرض اللاهبة تحت أقدامنا الحافية إلا أننا لانجد ظلا في كل مرة وليس في الأعم غيرا لرمضاء0
قال لنا المعلم المصري : من الغد سيأتي كل تلميذ منكم الى المدرسة وفي قدميه حذاء0
للمرة الأولى في حياتنا تطعم جلدة أقدامنا نكهة الملمس الرطب للحذاء الصيني الفاقع الألوان , وحين يدخل احدنا المسجد فان مرأى حذاء في حاشية المسجد يعني أن هناك تلميذ ممن يدرسون لدى المصريين هوالان في داخل المسجد يصلي
في المساء : نحن الآن لسنا في معسكر المصريين , نحن الآن في عبس ذاتها , والشاشة الآن أمامنا لم تعد خرقة تستند على هيكل ناقلة الجند الفيرجو الروسية , إنها الآن مبنية من الطوب والاسمنت والحديد تمت تسويتها وتلميعها إلى أنظارنا باللون الأبيض , والى الخلف منا ماكينة السينما فوق برج صغير, ونحن الآن لانفترش الأرض بل نقعد فوق مقاعد إسمنتية ومنعمة
( لقد بنى المصريون دارا للسينما في قرية عبس )
يهتف أحد ضباط الصف المصريين بصوت عال ويردد وراءه الضباط والجنود المصريون ونحن معهم:
0عاش جمال عبد الناصر .
0عاش المشير عبد الحكيم عامر .
وهانحن في انتظار انفلاق عين السينما عن عمود الضوء الحامل للدراما في تقنية مراوغة لكل الحوامل الأدبية والفنية والثقافية عموما
هنا النص , والسيناريو, والمونتاج ,هنا الممثل , والصوت , والضوء , هنا الحركة , هنا المخرج , وقبل ذلك ومن اجل ذلك هنا الكاميرا , هنا تتضافر كل الفعاليات حية في زمن تم تكثيفه إليك كمشاهد لتصير بطريقة اوبأخرى حاملا اجتماعيا للدراما
وأعود إلى قريتى في الرنف في العراء حول عشتي أطفئ سراج الكيروسين وأسافربخيالاتي وأخلد الى النوم حين القمر في العلا لي 0
كم آنت متواضع أيها القمر:
تعبر السماء فوق عبس وفوق معسكر المصريين في صمت ودون ضجيج .
...................
الهامش
*عبس قرية صغيرة لايزيد عدد سكانها عن 5 ألف نسمة عندما تواجدت بها القوات المصرية وكانت تمثل بموقعها الجغرافي محورا للقوات المصرية لملاحقة فلول االقوات الإمامية وهي اليوم مدينة ومركزميديرية في محافظة حجة
** مصر
1- العشة : الكوخ
2- كحلان : هضبة تطل على عبس وتقع عليها مباني الادارات الحكومية في العهد الامامي والتي استغلت بعض منها كسكن ومقار للقيادات العسكرية اليمنية في السنوات الاولى من الثورة ومبنية بالياجورعلى الطرازاليمني في البناء
3- السجف حائط من العيدان يتم شده ولفه حول الكوخ
4- المزراب حائط حول الكوخ من نبات شوكي
5- الجادي لعبة شبيهة بلعبة الرجبي . والمسحرلعبة شبيهة بلعبة الهوكي
6- القرى الاقرب من منطقة عبس
تعليق