عبس ... وأم الدنيا . ( مهداة لكل المصريين )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الرحمن محمد الخضر
    أديب وكاتب
    • 25-10-2011
    • 260

    عبس ... وأم الدنيا . ( مهداة لكل المصريين )

    إلى اللواء أحمد شكري قائد هذا اللواء المصري في اليمن خلال الثورة . وسفيرمصرلاحقا في اليمن
    إلى كل الشهداء المصريين الذين قضوا في اليمن .
    إلى محمد شعبان الموجي وربيع عبد الرحمن وسواهم المصريين في هذا المنتدى .
    إلى كل المصريين .
    هذه حكاية من أجمل الحكايات العربية تحققت في الواقع العربي بشهادتي أنا الذي لازلت على قيد الحياة ... حكاية ساهمت في تشكيلي بأجمل الالوان .. حكاية غيرتلك التي تحكى عن الدورالعسكري للمصريين في اليمن .
    إنها حكاية عن إبداع مصري في غاية التفرد تم على خارطة قرية يمنية نسيها التاريخ .
    تعالوا لنقرأ حكاية المصريين : -_


    ________________-
    عبس * وأم الدنيا **
    __________________

    إنتشر المصريون حول القرية ببزاتهم الميري البيج , تلتحف أقدامهم أحذية ضخمة , وعلى رؤوسهم يعتمرون البريه بمظلته الأمامية ,
    في اللوحة وفي شكلين هندسيين يعلو أحدهما الآخر, تتراص العشش (1)كبيرة وصغيرة ومتزاحمة :الأسطوانة في الأسفل من شجر العلب , تتحول في الأعلى إلى مخروط تشده دوائر من الجريد لفت عليه وتم ربطها بحبال من السعف 0
    العشش متزاحمة , يشد بعضها بعضا , كتفا إلى كتف ,قدما الى قدم , كأنها تقف للصلاة : سدوا الخلل , لا تتركوا للشيطان ثغرة بين أقدامكم 0
    خلف القرية شرقا نرى ألوان الطيف تنعقد في قوس قزح حول جبلين متتاليين إليك , أصغرهما :الحبطة , يسبق أكبرهما : دامغ 0
    في الجنوب من القرية تنفلق أوراق زهرة البردقوش على هضبة كحلان (2)بمجمل مرافق الدولة اليمنية , المدنية والعسكرية , الإمامية والجمهورية
    البيت في القرية من عشة وحيدة محاطة بسجف (3)من شجر العلب أو بمزراب (4)من شجر السلام الشائك بعلو لايتجاوز المتر الواحد يتم تعريضه عادة ليعيق أي محاولة للقفز عليه إلى الداخل
    العشة الواحدة هي المرقد والمطبخ والمخزن ولكل الأغراض سوى الحمام الذي سيكون في العراء : حول العشة للأطفال , أوفي الغائط الحر في الحقول الزراعية الصغيرة حول القرية في أي وقت : للكبار من الذكور, وفي المساء بعيد المغرب : للنساء في جماعات .
    لو طورنا اللوحة إلى تقنية الفيديو فسنشاهد العشش في المساء مضاءة من الداخل بلون بنفسجي باهت قادم من سراج صغير يعبأ بالكيروسين الذي يغذي بالطاقة فتيلة عارية صاعدة من جوف السراج ستنطفئ إذا هبت أي ريح في أي درجة كانت
    وإذا كنت على سفر إليها , فلن تشاهد القرية إلا حين تكون بين يديك , حين تخلي العشش أمام عينيك لعينيك الطريق إلى شعلة السراج في عشة مقابلة , وقد تشاهد قبل أن تدخل القرية ضوء سراج واحد أو سراجين أو ثلاثة لتعود فتختفي ولا تعود اوتعود غيرها وكأنك تتمشى في حلم , إلا انك تعرف انك ستدخل القرية قريبا , غيران الراحلة تحتك لن تدخلك الآن فهي لن تستطيع اختصار الخطوات اللازمة لها لتدخلك إلى القرية , أو أن أحدا يسحب القرية من تحتك متى بدأت الراحلة أول خطوة فيها حتى وان كنت تشاهد سراجا أو اخرمن أسرجة القرية.
    لو أننا طورنا تقنية الفيديو إلى ريبورتاج فإننا سنرى الأطفال وهم يذهبون إلى مسجد القرية ليتعلموا على يدي الفقيه الواحد , وستنتهي كافة مراحل الدراسة أو لاتنتهي أبدا خلال عام اوعامين على يدي هذا الفقيه الواحد , وسيتخرج الدارس متى ما أكمل كيفما اتفق قراءة كل سورا لقرآن , وحصل على شهادة الفقيه الغير مكتوبة في قدرته على قراءة أي سورة من سور القرآن في أي مناسبة قادمة .
    سنعرف من خلال الريبورتاج أن ليس كل أولياء الأمور يرسلون أبناءهم إلى الفقيه في المسجد , وليس كل الدارسين قد أكملوا تعلم قراءة القرآن بل ودفعوا قيمة الرخصة للفقيه ليتسربوا وإلى الأبد , وأن تعلم القرآن لايقترن بالضرورة بتعلم القراءة والكتابة والتي حذقها القلة منهم باجتهادهم وليس باجتهاد الفقيه

    ..... تلك هي قرية الرنف (مدينة عبس حاليا )......

    (إسبت ) . فجأة ينبري أمامنا العسكري المصري وكأن الأرض قذفت به اللحظة قبالة صدورنا ليصيح : اسبت . فنرد عليه وبصوت عال : إخوان . شيئ أشبه بالشفرة , فيخلي لنا الطريق , ويسمح لنا بمعاودة السير مرة أخرى , فنقفزفوق حفرة الخندق أو نهبط إلى الأسفل منه لنعود فنصعد من الخندق والذي عرفناه الآن للتو ولأول مرة مع المصريين
    يسأله أحدنا أو أكثرنا أو جميعنا : السينما الليلة فين ؟ فيرد علينا بأحد المواقع التالية : الدفاع . المهندسون. الصاعقة. الإشارة . فنتجه صوب الموقع الذي حدده لنا من بين هذه المواقع في داخل المعسكر المصري والتي صارت مألوفة للكثير من أبناء عبس الذين يسمح لهم بالدخول إلى المعسكر في النهار للقيام ببعض التبادلات للسلع الاستهلاكية , ولان هناك علاقات وصداقات تكونت بين المصريين وبين أبناء عبس .
    أحيانا كنا نهتدي إلى موقع العرض السينمائي في معسكر المصريين بأسلوب آخر: لقد وصلنا , ألا تسمعون أم كلثوم ؟ . أقول للمجموعة في مرتي الأولى التي رافقتهم فيها إلى السينما . فيرد احدهم أو أكثرهم أوكلهم : لم نصل بعد . لكنني أسمع حنجرة أم كلثوم تصدح في إذني : كل ليلة وكل يوم اسهر لبكرة في انتظارك ياحبيبي . فكري طول الليل في ليلك والنهار كله ف نهارك ياحبيبي . ياترى يا وحشني بتفكر في مين . عامل ايه الشوق معاك عامل ايه إيه الحنين . سهرت السهر ف عيني. صحيت المواجع في . كل ساعة وكل ليلة وكل يوم بعدما اطمن عليك حيجيني نوم ياحبيبي ياحبيبي . ............. ( ألا تسمعون معي ) أصر على رفاقي الذين سيرد أحدهم أو أكثرهم أوكلهم : هذا هو الميكرفون يأتيك بأم كلثوم من بعيد . كانت هي المرة الأولى التي اسمع فيها صوتا من مكبر الصوت يصلني عن بعد أقوى من الصوت الطبيعي عند أذني
    في العادة كان صوت ام كلثوم يصدح من مكبر الصوت في الموقع الذي سيتم فيه العرض السينمائي من معسكر المصريين فنظل نتتبعه : - بعدما اطمن عليك حيجيني نوم ياحبيبي - حتى نصل 0
    هاأنذا أعودمن معسكرالمصريين إلى قريتي , إلى عشتي الصغيرة , في العراء , عيناي في السماء بين أجرام جاليليو, مدهوشا بحياة تتمشى أمام عيني في معسكر المصريين على خرقة بيضاء مربوطة إلى هيكل ناقلة الجند الفيرجو الروسية . حياة يقذف بها ضوء عمودي في اقتدار مستحيل على هذه الخرقة البيضاء قادما من عدسة صغيرة في جهازصغيريستند على طاولة صغيرة خلفنا .
    أين تكون هؤلاء البشر ؟ أين تخلقت هذه الحيوات لتنطلق على هذه الخرقة ؟ كيف تسع هذه الخرقة البشر والمدن والطائرات والصحاري والبحار والأرض والسموات ؟ من أين أتت هذه الأنثى المسماة فا تن حمامة بشعرها المقصوص في ناظري لأول مرة ؟ وببولوزتها الغنوجة . وبمقاطع السيمفونية لأول مرة في أذني ترافق الزمان والمكان والأحداث ولتحلق بي في فضاء موسيقي رحيب يراود مغاليق تلك الأحلام التي تبهر طفولتي كل ليلة حين أنام . وهذا العبد الناصر بشحمه ولحمه يلوح بيديه للعسكر وللأمة وعلى لسانه القومية العربية أبدا وما يفل الحديد إلا الحديد . كل هذا مع طفل من عشر سنوات ليس في عشته غير سراج الكيروسين بفتيلته العارية ولونه الكابي وكربونه المترسب بالأسود .
    ( سنتحرك جمعا إلى المخيم في المطار) . أمرنا الفقيه فانطلقنا معه إلى تلك الخيام التي كنا نشاهد المصريين قبل هذا ينصبونها هناك . والمنطقة ليست مطارا فعليا إنما درج أبناء عبس على تسميتها بالمطار منذ كان الإمام أحمد قد احتجزها بغرض إقامة مطار عليها قبل أيام من وفاته , إلا انه توفي قبل أن ينفذ ما أراد , وتبعت وفاته بأسبوع واحد ثورة 26 سبتمبر1962م , وهومايستوقفنا هنا , إذ يؤكد على الأهمية التي تكتسبها الرنف قبل أن تصير عبس , بالنظرالى موقعها الجغرافي والاقتصادي وإن أصبت : السيادي , والذي حدسه وتنبه إليه الإمام احمد منذ 50 عاما مضت وكأن هناك من يصب العمى في زمننا الحاضر في عيونهم هؤلاء في كل مرة سيتوجهون بأنظارهم إلى مدينة عبس .
    عند وصولنا إلى الخيام تم جمعنا في خيمة كبيرة وتعرضنا لاختبارات من المدرس المصري ببزته الميري (بعد ذلك سنكون في مقابلة أكثرمن مدرس واحد وببدلاتهم المدنية الرسمية ) وخلال يومين تم توزيعنا على ثلاث مجموعات وحتى الصف الثالث ابتدائي .
    إنفصلنا أنا وبعض الزملاء في مجموعة مستقلة وقيل لنا : انتم في الصف الثالث . لأول مرة اسمع رقما وصفا دراسيا لأعرف أن هناك مراحل دراسية مرتبة على أزمنة مقدار كل منها عام واحد .
    في العام التالي انتقل بعضنا إلى الصف الرابع وبقي البعض منا في الصف الثالث 0 إذن فهم يعنون مايقولون , لقد أصبحنا في صف غير الصف وصرنا نحمل رقما يزيد عن سابقه ببنط واحد , وبدأنا ننظر إلى الإمام
    كنا ونحن نتلقى التعليم في الخيام على أيديهم نشاهد المصريين يسرعون في البناء . وفي العام 65- 66 م كنا نتلقى التعليم داخل مبنى من فصول دراسية في مدرسة الثورة التي أسسها وبناها وافتححها المصريون الذين ابتدعوا لأبناء عبس التعليم الحديث والعملية التعليمية ولأول مرة بعد قيام الثورة .
    فمنذ الآن عرفنا الدفتر والسبورة والقلم والمسطرة والفيرجارونصف القطر والمنشور الثلاثي والكسر العشري والدورة الدموية وفتح مكة والربع الخالي وفرديناند ديليسبس وكاكاو غانا .
    في هذه الاثناء شرع المصريون وعلى مساحة صغيرة لاتتعدى 90000 مترا مربعا توفرت لهم حينها ينشئون مستشفى جنوب المدرسة ,وجامعا جنوب المستشفى , وملعبا رياضيا شرق المدرسة والمستشفى , ودارا للسينما شمال الملعب , وهناك وفي الغرب من عبس كان العمل يجري نهارا بليل وحثيثا لانجازمطارعبس بمهبطه الباهرالفائق الجمال والذي أضفته عليه صخور عارض شقحة المرخمة بمتزاوجاتها من الاحمروالابيض والأصفر.
    لم تكن هناك مقدمات لما يتم الآن أمام أعيننا , لم تصل بعد مدارك الناس إلى توقعات بهذا , حتى الطوب والاسمنت الذي تشيد به هذه المرافق لم تكن معروفة لدى أبناء عبس , ولا التراكتار وهو يسوي الأرض , ويعلن رائحتها في أنوفنا لإقامة هذه المرافق عليها . كان استحداثا وابتداعا خارقا للعادة , وللعقل الظاهر, والباطن ,ولثقافة القوالب الموروثة .
    أن يجلس طفل من عبس سموه الآن بالتلميذ على مقعد في فصل دراسي تعليمي "وليس على حصيرة سعف في المسجد ", وأمامه السبورة يخط عليها اكثرمن مدرس واحد , وعلى منضدته كراسة " وليس قطعة ورق ملصوقة بعجينة الدقيق الأبيض على مزقة كرتون " وبين يديه علبة هندسة كأنها أنزلت إليه من السماء , وبين أصابعه الثلاث قلم حامل للحبر لأيام قادمة , "وليس قصبة خيزران خالية الوفاض لاتحمل غير حرف واحد أوحرفين لينحت بها حرفا أوحرفين ليس إلا فوق مزقة الكرتون ", وأن يتداول التلميذ تعليما لاسابق له على يد اكثرمن معلم "وليس على يد فقيه يعيد إنتاج أميته ويكرسها" وأن يزور ابن عبس الدكتور في المستشفى ليشخص له حالته المرضية "وليس إلى المشعوذ ليفتح له مكتاب " وألا يكتفي ابن الرنف بلعب الجادي والمسحر(5)بل ويضيف إليها الفوتبول والفولي بول(6) .
    ذهبت إلى مستشفى الثورة , لم يكن هناك افتتاحا ولاطنابل ولا تهريج , كان أبناء عبس والقرى المجاورة يتوافدون إلى المستشفى يدخلون إلى غرفة الدكتور المصري بالمجان ويخرجون الى غرفة الصيدلاني المصري يحضر لهم العلاج ويناولهم بالمجان ويغادرون المستشفى عائدين إلى منازلهم أويبقون في المستشفى لإجراء عملية جراحية .
    (هذا فيتامين يخليك مثل الحصان ). هكذا كان يتحدث أبناء عبس داخل المستشفى
    (بتشتكي من إيه ). يسألني الدكتور المصري . (أنا تعبان يادكتورعاوزفيتامين )

    اليوم وبعد الظهيرة يكاد أبناء عبس يحوطون ملعب الثورة الرياضي . فاليوم سنلعب الماتش - هكذا يسمي المصريون المباراة بالمفردة الانجليزية - لأول مرة ., فلقد شكل أبناء الرنف فريقين في لعبتي الفوتبول والفولي بول هما فريقي الشرق والوحدة , ولأول مرة سيقف المصريون خارج الملعب كمشجعين وليس داخل الملعب كلاعبين
    في لقاء قادم سيكون هناك ناد هو نادي شباب عبس وفريق هوفريق شباب عبس يضم مجموعة من أبناء الرنف واثنين اوثلاثة من المصريين , وسيلعبون الماتش مع ميدي بحضورالجمهورمن أبناء الرنف وشفروالربوع ودرنية وبني زيد وأسلم والمحرق (7)
    سنتوقف هنا لنصحح في المعلومة التالية : نادي شباب عبس تأسس قبل العام 1968, وهو العام الذي عادت فيه القوات المصرية إلى مصر , ونادي شباب عبس هوبالفعل من الأندية العميدة في اليمن , والتي أسست للعبتي كرة القدم وكرة الطائرة , وكانت فرقها في هاتين اللعبتين من أوائل الفرق في اليمن بعد قيام الثورة , فقد سبقت عبس بحراكها الرياضي مع المصريين عملية التأسيس والهيكلة للعملية الرياضية في اليمن , فجاء تشكيل وزارة للشباب والرياضة وإصدارها التراخيص لإنشاء الأندية الرياضية ومن ثم الاعتراف الرسمي بهذه الاندية متخلفا عن التأسيس الفعلي والحراك الرياضي لشباب عبس

    كثيرهوماتعلمناه من المصريين , ومنه ماهومرتبط بالمظهر والسلوك الإنساني مثل : قص الشعر, واستخدام فرشاة الأسنان , ولبس الأحذية 0
    كان الختان للذكورلايتم بعد الولادة , وتصاحبه احتفالية تتفوق على احتفالية الأعراس , ويراعى عادة أن يسبق الختان حراك البلوغ حتى لا يتأذى المختون , وأفضل علاج حينها أن يسيرالمختون الذي يراوح الآن بين الطفولة والمراهقة ولعله اقرب إلى الثانية حافي القدمين فوق أرض رملية , ويستحسن أن تكون تربة سائلة الوادي , وفي الظهيرة حين تكون الحرارة على أشدها , وفي فصل الصيف , ولعدة ساعات في اليوم 0
    وحين نذهب إلى المسجد من يوم الجمعة لأداء الصلاة نظل نقفز من الظل إلى الظل هربا من رمضاء الأرض اللاهبة تحت أقدامنا الحافية إلا أننا لانجد ظلا في كل مرة وليس في الأعم غيرا لرمضاء0
    قال لنا المعلم المصري : من الغد سيأتي كل تلميذ منكم الى المدرسة وفي قدميه حذاء0
    للمرة الأولى في حياتنا تطعم جلدة أقدامنا نكهة الملمس الرطب للحذاء الصيني الفاقع الألوان , وحين يدخل احدنا المسجد فان مرأى حذاء في حاشية المسجد يعني أن هناك تلميذ ممن يدرسون لدى المصريين هوالان في داخل المسجد يصلي

    في المساء : نحن الآن لسنا في معسكر المصريين , نحن الآن في عبس ذاتها , والشاشة الآن أمامنا لم تعد خرقة تستند على هيكل ناقلة الجند الفيرجو الروسية , إنها الآن مبنية من الطوب والاسمنت والحديد تمت تسويتها وتلميعها إلى أنظارنا باللون الأبيض , والى الخلف منا ماكينة السينما فوق برج صغير, ونحن الآن لانفترش الأرض بل نقعد فوق مقاعد إسمنتية ومنعمة
    ( لقد بنى المصريون دارا للسينما في قرية عبس )
    يهتف أحد ضباط الصف المصريين بصوت عال ويردد وراءه الضباط والجنود المصريون ونحن معهم:
    0عاش جمال عبد الناصر .
    0عاش المشير عبد الحكيم عامر .
    وهانحن في انتظار انفلاق عين السينما عن عمود الضوء الحامل للدراما في تقنية مراوغة لكل الحوامل الأدبية والفنية والثقافية عموما
    هنا النص , والسيناريو, والمونتاج ,هنا الممثل , والصوت , والضوء , هنا الحركة , هنا المخرج , وقبل ذلك ومن اجل ذلك هنا الكاميرا , هنا تتضافر كل الفعاليات حية في زمن تم تكثيفه إليك كمشاهد لتصير بطريقة اوبأخرى حاملا اجتماعيا للدراما
    وأعود إلى قريتى في الرنف في العراء حول عشتي أطفئ سراج الكيروسين وأسافربخيالاتي وأخلد الى النوم حين القمر في العلا لي 0
    كم آنت متواضع أيها القمر:
    تعبر السماء فوق عبس وفوق معسكر المصريين في صمت ودون ضجيج .
    ...................
    الهامش
    *عبس قرية صغيرة لايزيد عدد سكانها عن 5 ألف نسمة عندما تواجدت بها القوات المصرية وكانت تمثل بموقعها الجغرافي محورا للقوات المصرية لملاحقة فلول االقوات الإمامية وهي اليوم مدينة ومركزميديرية في محافظة حجة
    ** مصر
    1- العشة : الكوخ
    2- كحلان : هضبة تطل على عبس وتقع عليها مباني الادارات الحكومية في العهد الامامي والتي استغلت بعض منها كسكن ومقار للقيادات العسكرية اليمنية في السنوات الاولى من الثورة ومبنية بالياجورعلى الطرازاليمني في البناء
    3- السجف حائط من العيدان يتم شده ولفه حول الكوخ
    4- المزراب حائط حول الكوخ من نبات شوكي
    5- الجادي لعبة شبيهة بلعبة الرجبي . والمسحرلعبة شبيهة بلعبة الهوكي
    6- القرى الاقرب من منطقة عبس
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    لو توقفت قليلا أخي مع وليم فوكنر و جبرييال جارثيا ماركيز
    لوضعا يديك على طريق ، أو على رؤية ما تستغل بها هذه المادة
    الخام التي تجسد حياة لشعب اليمن ، و مرحلة من أهم مراحل تطور
    الشخصية اليمنية ، بل البيئة و الواقع اليمني ، غير مبال بكيف و متي تنهي العمل
    و على أية وجهة تكون !
    دعني أقول لك شيئا مهما ، و ربما غير مهم بالمرة ، أن معظم المنشآت العتيقة ، و التي نرى فيها إلي الآن لمسة الجمال ، و الذوق الرفيع ، كانت لمستعمر ، كانت إبان الاحتلال الانجليزي
    وحكم أسرة محمد على باشا ، كما يرجع إلي هذه العهود الفضل الأول في تطوير الشخصية المصرية ، لما أسسوا و أنتجوا من سبيل ، وفتحوا أمام الإبداع الفني الطريق ليكون كما ترى قبل الآن ، فمعظم هذه المكتسبات قد انهار ، و تراجع ، و أيضا لما تركوا لنا من ميراث ثقيل ، كان عرضة للرواح ، لأنه لم يبن على معرفة من الشعب ، و للشعب للاسف !

    سعدت بهذه القصة ، بما تحمل من عرفان
    و لكن فواتير العراق و الكويت و السعودية باهرة
    الأمريكان يهدمون ليبنوا هم ، الأمريكان ، وكل زبانيتة جهنم
    من حكام وملوك ظنوا أننا إرث عن أسلافهم ، فراحوا حين طالبناهم
    ببعض فرصة لغيرهم يقتلون فينا قتل البعير و الخراف !!

    اكتب عبد الرحمن ؛ فمعك خامة و قماشة باهرة
    اكتب حتى تصل إلي هنا ، إلي الآن ، وما فعلوا
    و نحن .. وما فعلنا .. ( ساعة نحس .. مائة عام من العزلة - الصخب و الجنون )

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • عبد الرحمن محمد الخضر
      أديب وكاتب
      • 25-10-2011
      • 260

      #3
      أخي الاستاذ ربيع
      قلت في مقدمة الاهداء انني شاهد لازال على قيد الحياة .
      أنا لست غيرناقل تأثرأبدا بالمصريين في الواقع منذ كان طفلا قبل أن تخصب ذاكرته بفنونهم وآدابهم .
      حقيقة كانت مفارقة في سلوكنا وفي ثقافتنا المنقولة , أن يعمل المصريون مثل هذا في قرية صغيرة .
      أي عربي أهدى عربيا مثل هذا المشروع .. العربي يهدي قتلا إلى العربي ....

      لم تكن ياربيع غيرأربعة ألف ساكن في أكواخ لا تتعدى كل مساحتها نصف كيلو متر في مثيله .
      لو أن هذا صارنموذجا لفعل حضاري ماذا كنا نحن الآن ؟ أظنه مشروعا مسروقا . من سرقه ؟
      السرقة متوالية رياضية تسيروفق قانون أثيم . تخيل أين نحن الآن من كل حركات التحرروالحروب القومية وكل المشاريع التي ربينا عليها .... كأنه لم يكن . لنعود نغترف أو نحن على باب أن نغترف حياتنا من زمن ميت
      حتى الثورة التي تغنينا بها صرنا نخافها .
      هل هي ثقافتنا . حتى الثورة لدينا عود على بدء . وأي بدء ؟ ...
      يقولون أن التاريخ صناعة أوروبية ونأبى إلا أن ندعي أنه لنا
      ينظرون للتاريخ كصيرورة , كحراك , أن تتجاوز اليوم نحو الغد .
      ونقول نحن حتى يومك يجب أن تقيسه على أمسك .
      لمن التاريخ ؟
      مرة أخرى : أن مشاريعنا كلها قد تمت سرقتها . وبينها هذا المشروع الراقي حد الخرافة .
      نحس لازلنا ببعض طمأنينة - لاأقول سكينة , ولا أدري ما الفرق المعياري بين المفردتين - لأنه لازال بيننا مثل ربيع .
      تقديري واحترامي

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        مزق القماشة ( الخام ) عبد الرحمن
        و اكتب الحنين الذي يملؤك
        اكتب عن كل هذا قصصا .. بل مجلدات
        روايتك .. بل رواياتك فمعك قلم حاد و قادر و قاهر
        هات اليمن منذ رأيت بعين لا تعرف
        إلي أن عرفت !!

        أنا لا أخشى التحدي .. لا أخافه طالما كانت جذوة التمرد داخلي
        و مازلت أقول الثورة .. حتى لو اغتالها المغتالون أصحاب اللحي
        و الاقانيم !!

        فهل تقبل الرهان ؟!

        محبتي
        sigpic

        تعليق

        • عبد الرحمن محمد الخضر
          أديب وكاتب
          • 25-10-2011
          • 260

          #5
          بديع الحرف والخلق :
          ذائقتك أخي الاستاذربيع تدفع بحنائن الفن حد جذوتها : حنين وجذوة , هنا تبدأ الكتابة اكتشاف بلوغها هذا الذي ياتي كفصل من فصول عمرنا ل ليحيلنا على زمن جديد لكنه الربيع أبدا ...
          ستلاحظ غيابي كثيرا عن الملتقي وكم يؤلمني ذلك .. إنما انت من استدرجني أن أقول السبب : حاليا أكتب رواية وهي تعني بمنزلة بين منرلتين للانسان اليمني وأظن العربي ,
          أستاذ ربيع : كلماتك التي تراهنني - إبداعا ووطننا – بها على واقعنا المتغيرالراهن هي بيت قصيد مستقبلنا .
          كأنك تشيربي على المداخلة الحياتية التي عشنا ديمومتها خلال الفترة المنصرمة من العمرالشعبي والوطني والشخصي :
          كنا دائما نستمع – وحتى نبرر – إلى خطورة وصول الاسلاميين إلى سدة الحكم , تلك كانت فزاعة رسمية , أما بالنسبة لي ولك كشريحة من أمة فكنا نبرر أن هؤلاء إن حكموا فسيشرعون حتى أنفسنا وسنفقد خصوصيتنا
          هذا التبرير تعزز باغترابنا في مناخ ثقافة غير لا تحض على الابداع وتصل حتى ان تكفره .. وأن إحالة الحكم على الشعب ليختار من يقوده ستؤدي إلى كل هذه الترادفات من التخلف .
          كان مأزقا وجوديا بكل المقاييس هذا الذي كنا نتداول فيه سلوكنا في الفترة الماضية . لكن المفصل في وجودنا والذي كان لابد ان نعترف به هوالسؤال التالي :
          هل نغيب إرادة الأمة إلى الأبد ؟ وهل أمتنا وحدها إذا ما تمكنت من إرادتها كبقية الأمم فلن تريد إالا التخلف بحكم الثقافة التي تديرحياتنا ؟
          كان خيارا – ولا زلت أصفه بالوجودي الفارق – أن ننحاز للشعب وللامة . ولتختار الامة من تختار.. أليس ذاك هو مشروعنا ليس الوطني حتى مشروعنا السردي أنا وأنت ربيع وعبد الرحمن .... كان لابد أن نفر. نهرب من مراوحتنا كمأساة يشاهد فصولها كل العالم من حولنا ... وجاء الربيع العربي
          حتى لا أسترسل أكثر : هل سنكون بإزاء تجربة أو مشروع كالمشروع التركي .... كم أنا معجب بهذا المشروع : فلديهم مالدى أوروبا ومالدينا من جميل ...... إلا أننا نتمنى أن نتجاوز هذه المقولة الكئيبة : إسلاميو المغرب العربي نحو تركيا . أما إسلامية المشرق العربي إلى السعودية وإما إلى طهران .... ألاتراه بونا كذاك الذي بين السماوات والارض لن نستوعبه إلا حين نلقى الله .
          الفاضل أساذي ربيع . ماقلته عن أم الدنيا سأضمنه في كتاباتي القادمة لكن ضمن حيوات وتفاصيل ادق في رواية تالية لما أكتبه الآن .... – ما أكتبه الان لانية بي متى سأنتهي منه , هو سيتهي اينما انتهي ولن افرض نفسى عليه –
          مقطعين من التداعيات التي تتناوب على البطل عبد الملك .. وكلا المقطعين مأخوذان من فصل الاعتقال ... هذا بالطبع يتطلب ربطه بقراءة ماسبقه ومايليه لأنه يمثل مرحلة من البناء النفسي للبطل ( موضوع الرواية الرئيس : المسخ الذ ي يتعرض له المثقفون – بعضهم – ليتحولوا إلى بوق للسلطة ) ولكني هنا اريد قولك في المسألة البنائية والاسلوب بشكل خاص ( إذا تسنى لك ) .... كل ما كتبته لازال مسودة .
          سأحترم كثيرا كثيرا ... وكثيرا رأيا من أستاذي المبدع ربيع
          مقتطف 1
          كان عبد الملك قد قرأ قصة قصيرة لا يتذكر الآن من هو كاتبها . وضمن سياقها العام يجري هذا الموقف - كان لازال محتفظا في ذاكرته ببعض السرد كما جاء على لسان الكاتب - :
          تصل سيارة سرمدية الساعة العاشرة صباحا من يوم جمعة إلى عند باب السجن . وبعد قليل يحضرالعسكرشخصا محكوما عليه بالاعدام من داخل السجن ويدفعون به مقيدا بالمرود إلى جوف السيارة السرمدية . لم تكن هناك أي فتحة بالسيارة سوى فتحة صغيرة أبو أن يطلوا بها على أي منطقة في الخارج تمربها السيارة السرمدية , فقصوا فتحتها في سقف السيارة العلوي , ليصلوا بالمحوكوم عليه إلى ميدان واسع يحتشد فيه الناس بشكل دائري , وكل واحد منهم يريد أن يكون الأقرب إليه , ليشاهد بأم عينيه تنفيذ حكم القصاص به وجز رأسه عن جسده وإلى الأبد .
          لم يتمكن من تفسيرالرابط بين القصة القصيرة ووضعه الآن ورغم ذلك ظلت تصرعليه . هل لأن المحكوم بالاعدام أخرجوه إلى المقصلة في العاشرة صباحا ويخرجونه هو الآن في العاشرة مساءا , هذا قاطع وليس برابط . هل لأن المحكوم تم نقله بسيارة سرمدية كغذاء محفوظ في علبة ويتم الآن نقله هو في أرقى وسيلة انتقال على المستوى العالمي كأعلى مستوى شخصي له في حياته حتى الآن , أحس هنا بفارق مهول بين هذه وتلك ورغم ذلك لازالت تلح عليه .
          أن من يملك مصيرك فهويسحق انسانيتك . يغتصب خصوصيتك , ويحبلها بخصوصيته هو. فتصير حاملا عضويا لخصوصيته , وستلدها وترعاها , ستصيرخصوصيته فلذة كبد خصوصيتك , وستتماهى فيها أبا وأما وحبيبا : تصيرمسخا .
          هل هوالانفصام ؟
          لم يصل عبد الملك في كل قراءاته إلى كنه حقيقة الانفصام رغم أنه قرأ عنه وداول فيه في غيرمناسبة . هل نشعرفينا بالانفصام لنقبض عليه ؟ ولنعترف به ؟ . في حقيقة الامر يظن عبد الملك أنهم لايشعرون به ولا ينكشف لهم كخصوصية مقابلة ملموسة .
          كان قد طالع في مقالة عن العبقرية والجنون استعراضا في حالات واقعية للتداخل والتناوب بين العبقرية والجنون بل وحضور كل منهما في الآخروملازمته له . وقد تأثر أيما تأثر حين وجد في هذه المطالعة أن نيتشه قد جن أخيرا جنونا كاملا .
          كان نيتشه فيلسوفا دمغ الكثير من الافكار والرؤي لدى كثيرمن الفلاسفة وكبارالكتاب في فروع المعرفة بأفكاره , ولم يكن يعلم عبد الملك بجنون هذا الفيلسوف الفذ حين كان يقرأ له في فترة سابقة على قراءته للمقالة وهو يقول بما معناه أن الحياة أو التاريخ ليس سوى سبع محطات مفصلية – لايدري يحيى الرقم الفعلي الذي ذكره نيتشه – وأنه : أي نيتشة أحد تلك المحطات المفصلية . وكان ينعت نفسه وبامتياز باللاأخلاقي الأول
          لم ينفصم نيتشه .
          ظل فارقة في التاريخ .
          خص نفسه بما لا ولن يدعيه أحد : نيتشة اللاأخلاقي الأول .
          في هذه الأثناء كان عبد الملك قد رسى على النتيجة التالية : إما أن ينفصم وإما أن يجن . أما المعتقل فلم يعد خيارا .
          انفرجت البوابة الضخمة كتلك التي يشاهدها في السينما تنفرج على مدينة أسطورية أمام جيش جراربعد زمن من الحصار
          مقتطف 2
          الرق مؤسسة أبدية مرت على كل الحضارات وقبل الحضارات ولازالت
          وإذا كانت مؤسسة الدولة أومؤسسة الحضارة أكبروأعقد , فمؤسسة الرق تبقى هي ثقافة هاتين المؤسستين . وثقافة أي منظومة هي الروح منها , هي دينها , وشرعتها , وعقدها الوجودي .
          ومن أين أتينا إليها فإن الرق ديمومة في حياتنا منذ خلقنا الأول . فحين سيقول أحد أن أوروبا قد صنعت التاريخ وطوت الأبدية وليس من أبدية في الرق , فسنكون عمليا بإزاء تطور في تقنية الرق , مما أدى إلى تماهيه مع منظومة الحياة المعاصرة , فلم يعد مسمى , ولم تعد هناك عقود تملك واضحة وصريحة للرقيق , ولم يعد الرق مؤسسة كما كان منذ الأغريق وحتى تفكيككها حديثا , لأنه تماهي في ضرورات حياتية منتظمة في مبادئ وقواعد وإجراءات يومية روتينية لاتنفصم عن مقتضيات الحياة وعن التاريخ الذي يحتضنها ويذهب بها أينما ذهب
          لم يكن عبد الملك يولي اهتماما بكل صغيرة كبيرة من تلك التداعيات التي ظلت تتوارد عليه في إقامته الجبرية , بل كانت تحضره في عموميتها , فهولازال يتذكرتلك المقولة التي سطرها أرسطو منذ الرابع قبل الميلاد : " إن الرقيق هم بحكم الطبيعة النوع الأدنى , ومن الخيرلهم مثلما هو لكل الفئات الاقل شأنا , أن يكونوا تحت حكم الأسياد ... والحقيقة أنه ليس هناك فرق كبيربين استخدام الرقيق واستخدام الحيوانات المستأنسة " وتلك اللازمة الأساسية التي دسها في لحن التاريخ القادم من أوربا وكأنها حضرت بين يديه ليدسها ليس إلا كصناعة أبديه وليس هوأرسطو أوأي من بعده هو من ألفها فهي قدرفوق انساني وان كان الانسان هو من ينفذ هذا القدر
          حين قرأ عبارة أرسطومضمنة في واحدة من الكتابات التي تمكن من قرائتها كانت لاتعدو في مخيلته حينها معلومة عن تلك الفترة قبل الميلاد يثري بها مرجعيته كمثقف
          عبد الملك حين يستعيدها الان فليس من مرجعيته كمثقف بل من كونه واحد معني بتبرير أرسطو للرق
          أرسطو يبرر عبودية عبدالملك ..... لازالت ثقافة القرن الرابع قبل الميلاد التي دونها أرسطو تحكم عبد الملك وتبررعبوديته في القرن العشرين بعد الميلاد
          طلب من العسكري أن يأتيه بورقة وقلم وكتب 360يوما * 100 عام * 24 قرنا ....رقم أسطوري لكنه الرقم وجودي , لكنه الرقم حقيقي , وهاهومجسد عيانا في الانسان عبد الملك
          عبد الملك الانسان عبد منذ 24*100*360.
          في أول حب له خزقتها صاعقة حين كانت تحمل فوق هامتهاجرة ماء قادمة بها من العين أسفل الجبل
          كان مازال طفلا وسيضع قدمه الاولي على المراهقة .
          كل حزنه تجسد في سؤال لم يبارحه حتى الآن لماذا هي الطفلة وكل الناس الآخرين أحياء سواها
          ظل يرى في خطوط التجاعيد على أوجه كبارالسن عمرحبيبته المغتصب وفي سحنات الشباب والاطفال قسمة غيرعادلة فرضت عليها دون خيار.
          أن يساوي أرسطو وليس أي إنسان الانسان بالحيوانات المستانسة ؟ لو أن أحدا سأله الآن هل تساوي يا فيلسوف الحياة الاول بين الانسان والحيوانات المستأنسة لأصيب بالصدمة أن يكون أحد قد لفق عليه هذا الذنب الذي لا يغتفر .. وحين سيؤتى بكتابه بين يديه ويقال له هذا كتابك إقرأه فسيقرأه ليرفع رأسه بعد ذلك تغمره السعادة حين يقول : إنه الحق ماأعدل هذا الكتاب لم يغادركبيرة أوصغيرة مما قلته وسيثني على ما وصلنا إليه من تقدم في التدوين ويعود إلى قبره .
          كان عبد الملك يتابع عرض المشهد وحتى أنه كاد أن يمد يده إلى أرسطو ليصافحه إلا أن الفيلسوف كان قد عاد إلى القبر.
          شفرة المعنى التي قبض عليها عبد الملك , والتي تساوي بين تبريرأرسطو للرق في القرن الرابع الميلادي , وبين إنكاره في القرن العشرين أنه برر استعباد الانسان لأخيه الانسان , وعودته ثالثة ليؤكد ماقاله قديما حرفا حرفا بعد أن تمت مواجهته بأقواله . , شفرة المعنى الجامع هي أن أرسطو لا يصنف الرقيق كبشر , فهم أدنى , ولافارق كبيربينهم وبين الحيوانات المستأنسة , ولذلك فهوصادق مبدئيا بعدم تعرضه للانسان بل لفئة أدنى . وحسبه أرسطوفهؤلاء رق بطبعهم , والانسان بريئ من أي تهمة في تعامله مع هؤلاء , فمنزلتهم منزلة الحمار , ولم نرأحدا سيضعهم في منزلة أدنى من منزلة الحمار فحينئذ يكون الإجحاف .
          راح عبد الملك يتخيل غابة أرقى من الغابة التي بين أيدي الطبيعة .. غابة من الرقيق والحيوانات المستانسة ...غابة في منزلة بين الانسان والحيوان غيرالمستأنس – الحيوان المتأنس تمت ترقيته إلى منزلة الرقيق –
          ولأن في ذاكرة عبد الملك توجد الغابات دائما في أفريقيا فإن غابة المنزلة بين المنزلتين يجب أن تكون في كل مؤسسة ومنظمة إنسانية وفي كل مكان
          عند هذا المقطع المتخيل أصيب عبد الملك برعب شديد أن يكون هوأحد مخلوقات هذه الغابة ... سيأتي البشربأبنائهم إلى هنا ليشاهدوا كائنات الغابة , وسيلعبون في مكان آمن منها مع الصغارفي الغابة , وسيعجب هؤلاء الاطفال الزائرون المصاحبون آبائهم ببعض الصغار في الغابة , ويطلبون من آبائهم أخذها معهم إلى بيوتهم في المنزلة الأولى لغرض الاستمتاع بها , حين يكون أباوهم قد أخذوا بعض الساكنين الكبارلغرض الاستخدام .
          أما عبد الملك وصغاره في المستقبل فهم السكان الاصليون بحكم طبيعتهم كما وثقها أرسطو . فمن الخيرلهم مثلما هو لكل الفئات الاقل شأنا , أن يكونوا تحت حكم الأسياد ... والحقيقة أنه ليس هناك فرق كبيربين استخدام الرقيق واستخدام الحيوانات المستأنسة .
          سيأتون ويأخذونك في نزهة . أخبره سالم . إعتن بنفسك . وتأنق .


          .

          تعليق

          • شعبان بشر
            أديب وكاتب
            • 16-01-2012
            • 22

            #6
            الكاتب الواقعي المحترم، سطر قلمك صورة واقعية لمجتمع عربي كان ولازال جزء كبير منه يعيش مرحلة ما قبل الحداثة، وكان المشروع العربي القومي محاولة فاشلة لدخول عصر الحداثة، وذلك للعديد من الاستحقاقات المحلية والعالمية، أتصور أن بنية العقل العربي تشكلت ضمن مسار التقديس والخرافة فكانت ولا زالت قاصرة وعاجزة عن فهم وتفسير ومن ثم الضبط والتحكم في مزيج واقعنا والحقيقة التي نصبوا إليها، التجربة الإبداعية هنا تأتي لتبدأ حيث وقف المنهج ، محاولة رسم صورة بلغة أدبية تعطى دلالات مختلفة حسب وجهة القارئي ومعتقده و موقفه السياسي والاجتماعي، مرحلة الخمسينات والستينات كانت محاولة عربية لدخول عصر الحداثة، وفشلت بسبب النكسة كما فشل مشروع محمد على للتحديث بسبب الغزو الأوربي، وكانت التجربة المريرة لاحتلال الكويت وحرب العراق الأولى النهاية القاتلة للمشروع العربي الحداثي، واليوم يدخل المجتمع العالمي إلى مرحلة جديدة قد نطلق عليها مرحلة ما بعد الحداثة أو العولمة أو مرحلة ما بعد العولمة ، وبغض النظر عن المسميات فشلت الدولة القزمية، وقلت في أحد كتبي المنشورة عام 2009 بأن وقوف الدبابة الأمريكية فوق الجسر ببغداد هو إيذانا بمرحلة جديدة للدولة القزمية في العالم العربي، وهاهو الربيع العربي خير دليل على هذه النبوءة، والربيع العربي هو نتاج دخول المجتمع إلى عصر العولمة وجمود السلطة وخطابها ضمن مزيج مرحلة الدولة الشكلانية ومرحلة ما قبل الدولة، فهل ينجح الربيع العربي في حل تساؤلات مرحلة ما قبل الدولة ومرحلة الدولة ومرحلة ما بعد الدولة ؟ أم أننا سندخل حالة صراع لا نهائي ويأتي جيل بعدنا يعرض تجربة إبداعية تطرح حالة أزمة جمعية ؟ وكيف يمكن أحداث حالة تواصل بين التجارب العالمية التي تعرض أزمات الحالة الفردية للوجود والتفكير الجمعي بمجتمعاتنا العربية؟
            التعديل الأخير تم بواسطة شعبان بشر; الساعة 20-01-2012, 10:13.

            تعليق

            يعمل...
            X