مستولي !

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • منال عبد الحميد
    أديب وكاتب
    • 23-09-2011
    • 56

    مستولي !

    مستولي

    " متولي ".. طفل صغير جميل ليس له إلا أحلامه !
    أبوه كان ميتاً.. وأمه كذلك.. إخوته في حكم الموتى ؛ لأنهم لم يولدوا أصلاً.. جدته مريضة طريحة الفراش عاجزة.. تفعل كل شيء "بواسطة شخص آخر " by someone أ و
    .. كما يقول " مرزوق " الأقرع الجاهل.. الذي يظن نفسه مثقفاً.. جده كان مصاباً بخرف الشيخوخة المضحك.. وعليه فقد قضي آخر عشرة أعوام من عمره يدور في الشوارع باحثاً عن " البت زهرة بتاعة البرتقال ".. التي لا يدري أحد من تكون.. عمه " فوزي " أخذه صغيراً يتيماً ورباه حتى بلغ عشرة أعوام.. ثم فتح له الباب وأشار إلى الشارع وقال ببساطة " أذهب وأكسب رزقك بنفسك " ..
    وخرج "متولي " إلى الشارع الواسع المزدحم وحيداً.. صغيراً يتيماً وحيداً.. وجائعاً أيضاً.. فقد خطفت زوجة عمه سندوتش الجبنة الخضراء من يده.. لتطعمه لولدها السمين الذي يشبه البغل..
    كل هذا لم يضايق " متولي "..
    ما كان يضايقه فعلاً هو سخرية عيال الشارع.. " حازم " و" أحمد " و" وليد " و" كريم " و" توماس " من اسمه القديم " البلدي ".. ولقب " مستولي " الذي أطلقوه عليه سخرية واستهزاءً..ولكن هذا أيضاً لم يعد يضايقه الآن.. فقد جاءت أمه لتزوره ؛ في المنام .. دقت جرس الباب ؛ ففتح لها ؛ فأعطته " كبشة " لعب وقالت له " لا تحزن يا " مستولي " ".. وبعد أن ذهبت ؛ في المنام أيضاً ؛ أكتشف أنها سخرت منه هي الأخرى..كذلك أصدقائه الجدد نظروا له بعيونهم الزجاجية البراقة.. وقالوا له " لا تحزن يا " مستولي " " !!
    ************
    بعد أن طرده عمه ذهب " متولي " إلى الحاج "...." الحاج أيه ؟! مش مهم.. المهم أنه حاج وخلاص وطيب أيضاً.. وأخذه الحاج الطيب إلى حاج آخر طيب مثله.. وأخذه الحاج الطيب الثالث إلى حاج رابع أطيب منه.. وكان الحاج الرابع في ايده الشفا.. فوجد ل " متولي " عملاً ليأكل منه عيش.. ولكن الشيء الذي لم يستطع " متولي " أن يفهمه في ساعتها أن كلمة " أكل العيش " لا تعني في الغالب عيش حاف.. بل المقصود بها عيش وفول بالزيت وسلطة وبصل.. ويمكن شوية طرشي.. لكن لسوء حظه فقد كان أجر " متولي " في محل اللعب بتاع " حمزة السيد " لا يكفي إلا للعيش الحاف فقط.. بدون فول بالزيت أو سلطة أو طرشي.. أو حتى بصل !
    ************
    لم يكن " حمزة السيد " تاجر لعب.. بل كان مدرس زخرفة في مدرسة الصنايع.. ولما لم يكن للزخرفة أو لمدرسة الصنايع أي علاقة بأكل العيش غير الحاف.. فقد أشتري الأستاذ " حمزة " محلاً قديماً.. مغلقاً منذ أيام طويلة .. أيام أن كان اليوم 24 ساعة ؛ والساعة 60 دقيقة.. وعلبة الكشري فيها كشري ؛ واللحمة حمراء من غير صبغة جزم .. والطيور لما كان مكانها في السماء ؛ أو في عشش فوق السطوح.. وليس في مكتب الصحة.. أشتري الأستاذ " حمزة " إذاً هذا المحل القديييييييييم
    وملأه باللعب.. ثم قال ل " متولي " الغلبان.. الذي كان يقف أمامه كما تقف سحلية في مواجهة غوريلا :
    " خد بالك من المحل يا واد.. وإياك حاجة تتكسر ولا تضيع.. فاهم يا واد يا " مستولي " ! "
    ************
    لم يكن بالمحل لعب كثيرة.. فقط شوية دباديب يغطيها التراب.. وكلب بعين واحدة.. وحصان من غير ذيل ، وحوافره مكسورة أيضاً .. وقطة بدون شنابات.. وكانت القطة " اللي من غير شنابات " تفرض سطوتها على كل ما في المحل من لعب.. وكانت غالباً ما تدخل مع زملائها من اللعب في حوارات فلسفية جدلية عميقة.. تنتهي دائماً بهزيمتها هي.. وعندئذ كانت كرامتها المجروحة تجعلها تطيح في زملائها عضاً بأنيابها الحادة المصنوعة من الإسفنج.. أو خربشة بمخالبها المسنونة المصنوعة من الإسفنج كمان.. أو رفساً بقوائمها المحشوة بالإسفنج برضه.. ولابد أن القطة المفترسة .. بنت عم النمر.. فقدت شواربها في إحدي معاركها التاريخية العظيمة.. وكان من سوء حظ " متولي " ؛ في أول ليلة له في المحل ؛ بعد أن عاد " حمزة السيد " إلى بيته وأغلق عليه بالمفتاح.. أن بدأت فوراً واحدة من المناقشات الفلسفية الجدلية العميقة .. بين القطة وغريمتها.. اللعب الأخرى !
    عندما خرج " متولي " من المخزن؛ ليعرف مصدر هذه الأصوات الغريبة .. كانت المناقشة الفلسفية الجدلية قد بلغت ذروتها !
    قالت القطة " اللي من غير شنابات " :
    هل تنكرون أنني الوحيدة وسطكم التي تنتمي إلى الحيوانات المفترسة ؟! "
    وأعقبت كلامها بمواء منذر لتبين لهم أنها حقاً من الحيوانات المفترسة.. ولكن الكلب الأعور لم يهتم بكلام القطة ولم يخف من مواءها فأعترض قائلاً:
    " وإذا كنت أنت وحدك من الحيوانات المفترسة .. فماذا أكون أنا.. فأر مزارع ؟! "
    فردت عليه القطة بسخرية :
    " أنت كلب لولو.. يعني ما تنفعش إلا في جمع القمل على فروك ! "
    وراقت الدعابة بقية اللعب فأنفجرت كلها ضاحكة.. ما عدا الكلب الذي أحمر وجهه بسبب الغضب وقال للقطة في تحدي :
    " طب إيه رأيك نقارن.. شوفي أنيابي من أنيابك ! "
    فردت عليه القطة المغرورة بكبرياء :
    " أنت أصلاً ما عندكش أنياب ! أنت ناسي لما كنا في مصنع اللعب سوا.. وعملوك أترم من أسنان ولا أنياب ؟! "
    وأحزن كلام القطة " اللي من غير شنابات " الكلب الأعور المسكين .. الذى تذكر الآن فقط أنه ليس أعور فقط بل أترم أيضاً.. وتدفقت الدموع من عيني الكلب المعوق المسكين.. فأثر ذلك في نفس الحصان " اللي من غير ذيل " وقال للقطة :
    " لا يحق لك معايرة أي مخلوق بسبب إعاقته.. مواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان تمنعك من ذلك ! "
    فردت عليه القطة المغرورة :
    " النبي خلي الأمم المتحدة بتاعتك دي تقول الكلام ده لعمك " كوهين ".. ولا هي ما بتطبقش مواثيقها غير علينا إحنا بس ؟! "
    ويبدو أن الحصان عديم الذيل غضب جداً.. لأنه صهل بأعلى صوته.. وتهيأ للهجوم على القطة التي كشرت له عن أنيابها لتخيفه..
    وكادت تحدث معركة حامية.. لولا وصول " متولي " .. الذي فصل بين الطرفين.. ووضع القطة في صندوق بمفردها.. وأخذ الحصان لينام بجواره !
    ************
    بعد سبعة أيام طرد الأستاذ " حمزة السيد " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع الولد " متولي " من المحل.. لأنه شوءم ونحس.. فلم تُباع لعبة واحدة منذ أن دخل المحل.. وعاد " متولي " إلى بيت عمه ليجد ابن عمه السمين ، الذي يشبه البغل ، قد أكل نصف سندوتش الجبنة الخضراء..
    بعد وساطات عاد " متولي " إلى المحل.. محل اللعب بتاع الأستاذ " حمزة السيد " .. ليجد كل اللعب ما زالت في مكانها لم تُباع منها واحدة.. ويظهر أن " متولي " ليس هو النحس.. أو على الأقل ليس نحساً وحده..
    لم تغفر القطة " اللي من غير شنابات " للحصان اللي من غير ذيل تدخله في الحوار بينها وبين الكلب المعوق وتحديه لها.. فاستغلت عدم وجود " متولي " الذي كان يحمي بقية اللعب منها.. وانتهزت أن الأستاذ " حمزة " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع أعاد الحصان إلى نفس الرف الذي كان فوقه إلى جوراها.. وهاجمت الحصان بأنيابها الحادة ومخالبها المسنونة وقوائمها المحشوة بالإسفنج هجوماً عنيفاً.. ولكن الحصان ؛ العربي الأصيل ؛ تغلب على القطة المغرورة وهزمها هزيمة ساحقة.. بل وأنتزع أنيابها الحادة ؛ التي تتباهي بها ؛ وركبها مكان حوافره المكسورة !
    وهكذا أصبحت القطة من غير شنابات ومن غير أنياب أيضاً.. ولحق العار بها وبجنسها كله.. وبابن عمها النمر ؛ الذي أعلن تبرئه منها.. فأسودت الدنيا في عينيها.. وأصابها اكتئاب حاد دفعها إلى الانتحار !
    فألقت بنفسها من فوق الرف العلوي.. وأغمضت عينيها منتظرة الملائكة القطط الذي سيحملون روحها الطاهرة إلى جنة القطط المليئة بالفئران المعلقة من ذيولها.. ولكنها عندما فتحت عينيها وجدت نفسها فوق الرف من جديد.. فقد وجدها " متولي " في الصباح ملقاة على الأرض ؛ فاقدة الوعي ؛ فأخذها ببساطة.. وأعادها إلى الرف العلوي !
    ************
    بعد أسبوع آخر قام الأستاذ " حمزة " بطرد " متولي " من محل اللعب.. بعد أن تأكد له أنه سبب النحس الذي أصاب المحل..
    ************
    بعد خمسة عشر عاماً كان الأستاذ " محمد " ابن الأستاذ " حمزة السيد " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع يرافق المشتري الجديد.. الذي أشتري محل اللعب المغلق منذ سنيين طويلة.. ليفرجه على المحل..
    ولم يكن بالمحل سوي لعب قليلة قديمة جداً.. شوية دباديب يغطيها التراب.. وكلب بعين واحدة.. وحصان من غير ذيل وحوافره مكسورة أيضاً.. وقطة بدون شنابات..
    وقال الأستاذ " محمد " للمشتري وهو يسلمه مفتاح المحل:
    " ربنا يجعله قدم السعد عليك يا " متولي " باشا ! "
    فضحك " متولي " باشا وقال:
    " ما أظنش ! "
    وضحك " محمد " وضحك معه " متولي " باشا..
    وغادر الأستاذ " محمد " المحل.. وترك " متولي " باشا بمفرده وسط اللعب.. فخلع " متولي " باشا بذلته الحريرية الغالية.. وارتدي جلباب قديم ..ومضي ينفض التراب عن أصدقائه القدامي..
    ابتسمت القطة " اللي من غير شنابات " وقالت له :
    " أهلاً وسهلاً بك يا " متولي ".. شرفت المحل "
    ثم اقتربت منه لتهمس في إذنه دون أن يسمعها باقي زملائها:
    " أنت صديقي من زمان.. أكيد طبعاً هتنفذ لي أي حاجة أطلبها منك ! "
    وابتسمت أكثر كاشفة عن فمها الخالي من الأنياب :
    " أنا بس عاوزة تجيبلي شنابات وأنياب مكان اللي أتسرقت مني زمان ! "
    وهنا أعترض الحصان " اللي من غير ذيل " وحوافره مكسورة أيضاً قائلاً:
    " لا تطلبي منه أي شيء..لا نريد شنابات ولا أنياب ولا ذيول ولا حوافر ولا عيون.. يكفي أنه خلصنا من شبح الأستاذ " حمزة السيد " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع .. ونحسه الدكر !! "
    kassasmanal.blogspot.com
  • بسمة الصيادي
    مشرفة ملتقى القصة
    • 09-02-2010
    • 3185

    #2
    أستاذة منال
    تملكين خيالا واسعا وجميلا
    أحببت مشهد اللعب
    ستبرعين بأدب الأطفال كثيرا وهذا ما لا يجيده الكثيرون
    القصة هنا طالت قليلا
    ومع أني لم أقتنع كيف أصبح متولي متولي باشا وصار غنيا
    ولكن كانت نهاية جميلة
    وبقي عالمه هو عالم اللعب لأنهم أوفى من عرف في صغره
    أهلا بك استاذة
    تحياتي
    في انتظار ..هدية من السماء!!

    تعليق

    • عبير هلال
      أميرة الرومانسية
      • 23-06-2007
      • 6758

      #3
      هه

      قصة مضحكة للغاية وساخرة من الدرجة الأولى


      منال الغالية

      لك مني أرق تحياتي


      وبلا أنياب
      sigpic

      تعليق

      • وسام دبليز
        همس الياسمين
        • 03-07-2010
        • 687

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة منال عبد الحميد مشاهدة المشاركة
        مستولي

        " متولي ".. طفل صغير جميل ليس له إلا أحلامه !
        أبوه كان ميتاً.. وأمه كذلك.. إخوته في حكم الموتى ؛ لأنهم لم يولدوا أصلاً.. جدته مريضة طريحة الفراش عاجزة.. تفعل كل شيء "بواسطة شخص آخر " by someone أ و
        .. كما يقول " مرزوق " الأقرع الجاهل.. الذي يظن نفسه مثقفاً.. جده كان مصاباً بخرف الشيخوخة المضحك.. وعليه فقد قضي آخر عشرة أعوام من عمره يدور في الشوارع باحثاً عن " البت زهرة بتاعة البرتقال ".. التي لا يدري أحد من تكون.. عمه " فوزي " أخذه صغيراً يتيماً ورباه حتى بلغ عشرة أعوام.. ثم فتح له الباب وأشار إلى الشارع وقال ببساطة " أذهب وأكسب رزقك بنفسك " ..
        وخرج "متولي " إلى الشارع الواسع المزدحم وحيداً.. صغيراً يتيماً وحيداً.. وجائعاً أيضاً.. فقد خطفت زوجة عمه سندوتش الجبنة الخضراء من يده.. لتطعمه لولدها السمين الذي يشبه البغل..
        كل هذا لم يضايق " متولي "..
        ما كان يضايقه فعلاً هو سخرية عيال الشارع.. " حازم " و" أحمد " و" وليد " و" كريم " و" توماس " من اسمه القديم " البلدي ".. ولقب " مستولي " الذي أطلقوه عليه سخرية واستهزاءً..ولكن هذا أيضاً لم يعد يضايقه الآن.. فقد جاءت أمه لتزوره ؛ في المنام .. دقت جرس الباب ؛ ففتح لها ؛ فأعطته " كبشة " لعب وقالت له " لا تحزن يا " مستولي " ".. وبعد أن ذهبت ؛ في المنام أيضاً ؛ أكتشف أنها سخرت منه هي الأخرى..كذلك أصدقائه الجدد نظروا له بعيونهم الزجاجية البراقة.. وقالوا له " لا تحزن يا " مستولي " " !!
        ************
        بعد أن طرده عمه ذهب " متولي " إلى الحاج "...." الحاج أيه ؟! مش مهم.. المهم أنه حاج وخلاص وطيب أيضاً.. وأخذه الحاج الطيب إلى حاج آخر طيب مثله.. وأخذه الحاج الطيب الثالث إلى حاج رابع أطيب منه.. وكان الحاج الرابع في ايده الشفا.. فوجد ل " متولي " عملاً ليأكل منه عيش.. ولكن الشيء الذي لم يستطع " متولي " أن يفهمه في ساعتها أن كلمة " أكل العيش " لا تعني في الغالب عيش حاف.. بل المقصود بها عيش وفول بالزيت وسلطة وبصل.. ويمكن شوية طرشي.. لكن لسوء حظه فقد كان أجر " متولي " في محل اللعب بتاع " حمزة السيد " لا يكفي إلا للعيش الحاف فقط.. بدون فول بالزيت أو سلطة أو طرشي.. أو حتى بصل !
        ************
        لم يكن " حمزة السيد " تاجر لعب.. بل كان مدرس زخرفة في مدرسة الصنايع.. ولما لم يكن للزخرفة أو لمدرسة الصنايع أي علاقة بأكل العيش غير الحاف.. فقد أشتري الأستاذ " حمزة " محلاً قديماً.. مغلقاً منذ أيام طويلة .. أيام أن كان اليوم 24 ساعة ؛ والساعة 60 دقيقة.. وعلبة الكشري فيها كشري ؛ واللحمة حمراء من غير صبغة جزم .. والطيور لما كان مكانها في السماء ؛ أو في عشش فوق السطوح.. وليس في مكتب الصحة.. أشتري الأستاذ " حمزة " إذاً هذا المحل القديييييييييم
        وملأه باللعب.. ثم قال ل " متولي " الغلبان.. الذي كان يقف أمامه كما تقف سحلية في مواجهة غوريلا :
        " خد بالك من المحل يا واد.. وإياك حاجة تتكسر ولا تضيع.. فاهم يا واد يا " مستولي " ! "
        ************
        لم يكن بالمحل لعب كثيرة.. فقط شوية دباديب يغطيها التراب.. وكلب بعين واحدة.. وحصان من غير ذيل ، وحوافره مكسورة أيضاً .. وقطة بدون شنابات.. وكانت القطة " اللي من غير شنابات " تفرض سطوتها على كل ما في المحل من لعب.. وكانت غالباً ما تدخل مع زملائها من اللعب في حوارات فلسفية جدلية عميقة.. تنتهي دائماً بهزيمتها هي.. وعندئذ كانت كرامتها المجروحة تجعلها تطيح في زملائها عضاً بأنيابها الحادة المصنوعة من الإسفنج.. أو خربشة بمخالبها المسنونة المصنوعة من الإسفنج كمان.. أو رفساً بقوائمها المحشوة بالإسفنج برضه.. ولابد أن القطة المفترسة .. بنت عم النمر.. فقدت شواربها في إحدي معاركها التاريخية العظيمة.. وكان من سوء حظ " متولي " ؛ في أول ليلة له في المحل ؛ بعد أن عاد " حمزة السيد " إلى بيته وأغلق عليه بالمفتاح.. أن بدأت فوراً واحدة من المناقشات الفلسفية الجدلية العميقة .. بين القطة وغريمتها.. اللعب الأخرى !
        عندما خرج " متولي " من المخزن؛ ليعرف مصدر هذه الأصوات الغريبة .. كانت المناقشة الفلسفية الجدلية قد بلغت ذروتها !
        قالت القطة " اللي من غير شنابات " :
        هل تنكرون أنني الوحيدة وسطكم التي تنتمي إلى الحيوانات المفترسة ؟! "
        وأعقبت كلامها بمواء منذر لتبين لهم أنها حقاً من الحيوانات المفترسة.. ولكن الكلب الأعور لم يهتم بكلام القطة ولم يخف من مواءها فأعترض قائلاً:
        " وإذا كنت أنت وحدك من الحيوانات المفترسة .. فماذا أكون أنا.. فأر مزارع ؟! "
        فردت عليه القطة بسخرية :
        " أنت كلب لولو.. يعني ما تنفعش إلا في جمع القمل على فروك ! "
        وراقت الدعابة بقية اللعب فأنفجرت كلها ضاحكة.. ما عدا الكلب الذي أحمر وجهه بسبب الغضب وقال للقطة في تحدي :
        " طب إيه رأيك نقارن.. شوفي أنيابي من أنيابك ! "
        فردت عليه القطة المغرورة بكبرياء :
        " أنت أصلاً ما عندكش أنياب ! أنت ناسي لما كنا في مصنع اللعب سوا.. وعملوك أترم من أسنان ولا أنياب ؟! "
        وأحزن كلام القطة " اللي من غير شنابات " الكلب الأعور المسكين .. الذى تذكر الآن فقط أنه ليس أعور فقط بل أترم أيضاً.. وتدفقت الدموع من عيني الكلب المعوق المسكين.. فأثر ذلك في نفس الحصان " اللي من غير ذيل " وقال للقطة :
        " لا يحق لك معايرة أي مخلوق بسبب إعاقته.. مواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان تمنعك من ذلك ! "
        فردت عليه القطة المغرورة :
        " النبي خلي الأمم المتحدة بتاعتك دي تقول الكلام ده لعمك " كوهين ".. ولا هي ما بتطبقش مواثيقها غير علينا إحنا بس ؟! "
        ويبدو أن الحصان عديم الذيل غضب جداً.. لأنه صهل بأعلى صوته.. وتهيأ للهجوم على القطة التي كشرت له عن أنيابها لتخيفه..
        وكادت تحدث معركة حامية.. لولا وصول " متولي " .. الذي فصل بين الطرفين.. ووضع القطة في صندوق بمفردها.. وأخذ الحصان لينام بجواره !
        ************
        بعد سبعة أيام طرد الأستاذ " حمزة السيد " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع الولد " متولي " من المحل.. لأنه شوءم ونحس.. فلم تُباع لعبة واحدة منذ أن دخل المحل.. وعاد " متولي " إلى بيت عمه ليجد ابن عمه السمين ، الذي يشبه البغل ، قد أكل نصف سندوتش الجبنة الخضراء..
        بعد وساطات عاد " متولي " إلى المحل.. محل اللعب بتاع الأستاذ " حمزة السيد " .. ليجد كل اللعب ما زالت في مكانها لم تُباع منها واحدة.. ويظهر أن " متولي " ليس هو النحس.. أو على الأقل ليس نحساً وحده..
        لم تغفر القطة " اللي من غير شنابات " للحصان اللي من غير ذيل تدخله في الحوار بينها وبين الكلب المعوق وتحديه لها.. فاستغلت عدم وجود " متولي " الذي كان يحمي بقية اللعب منها.. وانتهزت أن الأستاذ " حمزة " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع أعاد الحصان إلى نفس الرف الذي كان فوقه إلى جوراها.. وهاجمت الحصان بأنيابها الحادة ومخالبها المسنونة وقوائمها المحشوة بالإسفنج هجوماً عنيفاً.. ولكن الحصان ؛ العربي الأصيل ؛ تغلب على القطة المغرورة وهزمها هزيمة ساحقة.. بل وأنتزع أنيابها الحادة ؛ التي تتباهي بها ؛ وركبها مكان حوافره المكسورة !
        وهكذا أصبحت القطة من غير شنابات ومن غير أنياب أيضاً.. ولحق العار بها وبجنسها كله.. وبابن عمها النمر ؛ الذي أعلن تبرئه منها.. فأسودت الدنيا في عينيها.. وأصابها اكتئاب حاد دفعها إلى الانتحار !
        فألقت بنفسها من فوق الرف العلوي.. وأغمضت عينيها منتظرة الملائكة القطط الذي سيحملون روحها الطاهرة إلى جنة القطط المليئة بالفئران المعلقة من ذيولها.. ولكنها عندما فتحت عينيها وجدت نفسها فوق الرف من جديد.. فقد وجدها " متولي " في الصباح ملقاة على الأرض ؛ فاقدة الوعي ؛ فأخذها ببساطة.. وأعادها إلى الرف العلوي !
        ************
        بعد أسبوع آخر قام الأستاذ " حمزة " بطرد " متولي " من محل اللعب.. بعد أن تأكد له أنه سبب النحس الذي أصاب المحل..
        ************
        بعد خمسة عشر عاماً كان الأستاذ " محمد " ابن الأستاذ " حمزة السيد " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع يرافق المشتري الجديد.. الذي أشتري محل اللعب المغلق منذ سنيين طويلة.. ليفرجه على المحل..
        ولم يكن بالمحل سوي لعب قليلة قديمة جداً.. شوية دباديب يغطيها التراب.. وكلب بعين واحدة.. وحصان من غير ذيل وحوافره مكسورة أيضاً.. وقطة بدون شنابات..
        وقال الأستاذ " محمد " للمشتري وهو يسلمه مفتاح المحل:
        " ربنا يجعله قدم السعد عليك يا " متولي " باشا ! "
        فضحك " متولي " باشا وقال:
        " ما أظنش ! "
        وضحك " محمد " وضحك معه " متولي " باشا..
        وغادر الأستاذ " محمد " المحل.. وترك " متولي " باشا بمفرده وسط اللعب.. فخلع " متولي " باشا بذلته الحريرية الغالية.. وارتدي جلباب قديم ..ومضي ينفض التراب عن أصدقائه القدامي..
        ابتسمت القطة " اللي من غير شنابات " وقالت له :
        " أهلاً وسهلاً بك يا " متولي ".. شرفت المحل "
        ثم اقتربت منه لتهمس في إذنه دون أن يسمعها باقي زملائها:
        " أنت صديقي من زمان.. أكيد طبعاً هتنفذ لي أي حاجة أطلبها منك ! "
        وابتسمت أكثر كاشفة عن فمها الخالي من الأنياب :
        " أنا بس عاوزة تجيبلي شنابات وأنياب مكان اللي أتسرقت مني زمان ! "
        وهنا أعترض الحصان " اللي من غير ذيل " وحوافره مكسورة أيضاً قائلاً:
        " لا تطلبي منه أي شيء..لا نريد شنابات ولا أنياب ولا ذيول ولا حوافر ولا عيون.. يكفي أنه خلصنا من شبح الأستاذ " حمزة السيد " بتاع الزخرفة ومدرسة الصنايع .. ونحسه الدكر !! "
        kassasmanal.blogspot.com
        استاذة منال قصة جميلة تتحرك شخوصها برشاقة ،تسلط الضوء على واقع هنا وإن كان النص قد طال وتكررت فيه بعض العبارات دون أن تعطي أو تقدم أي جديد

        تعليق

        يعمل...
        X