رياحٌ لا يشتهيها الربيع
كان يقف أمامها مذهولاً ، فاغراً فاه ..وقد جحظت عيناه ، ثم رفع يداً مرتعشةً تهتزُّ أصابعها ووضعها على صدغه مكان الصفعة ،لم يَكُن يحسُّ بالم في مكانها ، لكنه استشعر لسعات كالنار تسري في دمهِ..ثم تتجمع تلك اللسعات في مكانٍ ما من صدره كجمرة من نار .
وفجأة اجتاحتهُ كبرياٌءٌ عمياء ..فرفع كفَّهُ الثقيل وهوى بها على وجهها ، كأنهُ يهوي عليه بمطرقةٍ من حديد،
فانحرفت الصفعةُ الى الاسفل فشقَّت شفتها السفلى لينبثقُ منها الدم ، فمالت بصدرها فوق مسند مقعدٍ قريب
لتتفادى المزيدَ من الصفعات ،لكنهُ استدارَ على نفسهِ ..وخرج مسرعاً بعد أن صفق الباب خلفهُ ..
وهبط الدرجات الرخاميّة المؤدِّيَة الى ممر الحديقه بخطوات لصِّ تلاحقهُ العيون !!!!!
لم يكن لِشابٍ في مُقتبل العمرِ مثلهُ أن يقع في ظروفٍ أكثر تعقيداً من تلك الظروف التي وقع فيها .
فها هو يغادر ذلك البيت الآنيق وهذا الحيّ الراقي ، حيث تسكن تلك الطبقةِ المخمليّة من المجتمع..، على أطرافِ المدينةِ ..بعيداً عن تلك الآزِقّة التي يعيش فيها وسط ذلك الحي البائس، مع أسرة هو أكبرُ أبنائها تعيش على الكفاف ، لِينشأ ناقماً على الحياة ومن فيها ، ولِتكبر كلمة لماذا أمام عينيهِ ..حتى صارت شبحاً مُفزِعاً يصرخ بإلحاحٍ يصمُّ الآذان : لماذا وُلدنا فقراء ..؟لماذا نحنُ تعساء ؟
..لماذا مات ابوه لتعمل امهُ خادمة في البيوتِ،كي تعيل اخوتهِ وجدتهُ التي فتك مرض السكرِ بصحتها ..، ليذهبَ ببصرها في نهاية المطاف .
وها هو بِشِقِّ الآنفُس قد تخرّج من قسم الصناعة في أحد معاهدِ وكالة الغوثِ ، ليعمل مساعداً في مكتب مهندسٍ للديكور ..مقابل أجرٍ زهيد لا يكاد يفي بمتطلّبات أسرته ..التي قذفت بإحدى ابنتيها الى زواجٍ أفضل منهُ العنوسه …
ولم تترك له تلك الظروف مجالا_ً حتى للتفكيرِ_ بتحقيقِ ذلك الحلم الذي كان يصوغُه على مَهلٍ وروِيّه ،أو لإرتكابِ حماقةٍ صغيرةٍ كغيرِهِ من الشباب ، فلم يكُن جامح النزوات رغم كوْنِهِ جامح الخيال …!
كان يسير مُتخَبِّطاً في الليل ..لا يدري الى اينَ تقوده خطاه …وقد عاودتهُ ذكرى ذلك اليوم الذي اقتحَمَتْ فيه حياتهُ ..وهو مازال مشاريعُ أحلامٍ تجاوزتها الآحداثُ بِعشر سنوات .
سيدةُ مجتمع ..، أنيقة كل ما فيها مُشِعٌّ أسِر ..في لفتاتِها رشاقةٌ تنُمُّ عن ماضٍ حافلٍ بالآُنوثةِ والجمال ..لم يستطع الزمن أن ينال منهما الكثير ….مُطلقةٌ غادرها شريك العمرِ بعدَ أن أعياهُ البحثُ لديها عن البنات والبنين ..وبعدَ أن شهدَ الطب أنها عاقرً فشلت في علاجها كل المحاولات …لِيترك لها جرحاً غائراً ..لم تُفلح في علاجه تلك الحياة المُرفّهةُ التي تحيطُ بها ..وخسارة لم يُعوّضها ذلك الحسابُ البنكيّ العامر بمئات الآلوف ،وهذا البيت الأنيق الذي قرّرت أن تعيد ترتيبهُ بلمسات ديكورٍ جديد في محاولة لمحْوِ أثارِ ذلك الراحل عن زمانها بحثا عن دفئ الآبُوّة مع امرأةٍ أخرى .
أيُّ ريحٍ أتت بها في ذلك الزمن الضائع من عمرِهِ المتعثّر الخطوات …! لِتقع عيناهُ عليها ..ولتقع عليه عيناها ..بقامتهِ الفارعة وشبابه الوسيم ،ولباقتهِ في الحديث ..
تأملتهُ مَلِيّاً …ثم قالت – مُعابِثَةً— وهي تنفض رماد سيجارتها في بُطءٍ مدروس : أنتَ …..ماذا تفعل هنا ؟
إذهب الى امريكا أو فرنسا فهناك سيكون لك شأنٌ اخر ..في عالم الآزياء أو الطيران …….!
شكرها بابتسامةٍ ..ولم يُعَقِّب بشيئ ….فيما أنهت بعض التفاصيل المتعلقة بتصاميم ديكور بيتها وانصرفت بعد ان تركت خلفها خيطاً من العطر أفعم روحِهِ ودغدغ حواسهُ .
وفي زيارتها التالية كان عطرها قد تبخّرَ من حواسِهِ …أو كاد …حين رأها تدخل المكتب كزوبعةٍ من العطر والآلوان ، لترمُقُهُ بنظراتٍ غريبة ..حارَ في تفسيرها ..لكنها جعلتهُ يسرح بعيداً بخيالهِ المُجنّح ..وتركض في عروقهِ نزوةُ غصنٍ ذابلٍ يتحرَّقُ الى ايراقٍ يانع ………!
ومع كل زيارة لها أخذ يشعرُ أنه بات محاصراً وملاحقاً بتلك العيون السنجابيّة المؤطَّرة بالآلوان ..
وشيئاً فشيئاً …. أصبحت تلك الزيارات تحقِن شرايينهُ بإحساسٍ مُتوهِّج اللحظات …وكأنهُ أطَلَّ من كُوّة عينيها على جنان النعيم ..!
شيءٌ يستعصي على التفسير ..حرّك مشاعره نحوها ..، لم يّرْقَ ليكون حبّاً …ولكنه كان شيئاً اخر مُغلّفاً بالإنبهار …..!
إنه يدركُ انه صفرٌ على شمال الحياةِ كان …وما زال …كابدَ المستحيل في محاولة نقله الى ناحية اليمين ..دون جدوى …وكان حضورها الباذخ …إستفزازاً إضافياً لتلك المحاولات …..!
وفي زيارتها التي سبقت تنفيذ التصميماتِ في بيتها ، خرجت عن تحفُّظِها قليلاً ، وبادلتهُ بعض الكلمات
فيما تركت نظراتها تتسكَّعُ فوقهُ ..لِتقفَ هنا أو هناك …مُشعِلةً حيث مرَّت النار في رماد أحلامه الهامدات !
كان في عينيها بطاقةُ دعوةٍ …لم تُخطِئها عيناه .. ، فبادلها نظرةً جريئة ثابتة لا تهتزُّ ، وأطالَ النظر حتى اضطرّتان تُرخي نظراتها ..وتبتلع بعض غرورِها ….
وافترقا ….وقد جرَّدَتهُ نظراتها من كل سلاح …وقد فهما بعضهما بصمتٍ مُتواطيئ ماكر …وقد ذهبت أفكارهما الى نفس المكان ….مع اختلاف الدوافع ..والآهداف …!
وهناك ….في ذلك البيت المُعطّر الآنيق …، بدأت مرحلةٌ اخرى من التقاربِ والتَّماس …وشرب
شاياً ، وقهوةً ….وعزمت عليهِ مع القهوةِ سيجاره …
___ أسف …لا أُدخِّن …
___ من أجلِ خاطري …جَرِّب !!!
…و جرَّب ….فأعجبهُ التدخين بِنكهةِ عطرها الآخّاذ…..!!!
وكان غداءً ….وكان عشاءً خاصاً بعد انصراف العمال ….وأجزلت له العطاء ..، ونفَحَتْهُ مبلغاً إضافياً بعيداً عن عيون العمال والمدير ..
وبدأت تُغدقُ عليه كلما عاد لإضافة بعض اللمسات او الرتوش على التصاميم ..،فأغدق على اسرتهِ …فعرف الطعام الجيد طريقهُ الى بيتهم …وارتدتْ أجسادهم الهزيلة لأوَل مرة ثياباً نظيفة لا تحمل رائحة الاخرين أو بصماتهم .
وبدا لهُ أن الدنيا بدأت تُرَبِّتُ على قلبه بيدٍ مخملِيّةٍ بعد طول جفاء …،وأدرك أن لا فِكاكَ من تلك المُنغّصات التي رافقت حياتهُ ….إلاّ بمغادرة تلك الآيام الكالحةِ والدخول في هذا المنعطَف المُعَبّدِ بالامال ….
فابتسمت خواطرهُ في جشعٍ …ومضى يُصغي الى همس الشيطان ….!!
وبتشجيعٍ مُبطنٍ ..وبسعادةٍ لم تحاول إخفائها كانت ترقُبُهُ عن كثب ….وقد خلعَ واقعهُ الذي ارتداهُ من سنين ، كانت لديها بوصلةٌ مُدرّبةٌ ….لا تُخطيئ الآتجاهات ….، وبتكتيكٍ زئبقيٍّ مراوغ ….إستطاعت ان تشُدّهُ اليها بشكلٍ جعلهُ يستهينُ بزَواجِرِ تلك المسافات التي تفصلُ بين عالميهما …والسنوات التي تفصل بين عمريهما ….،فتعلّق بها بجنونٍ مُستميت …كغريقٍ يتعلّقُ بحافة قاربٍ مرّ صدفةً …وسط الامواج ..
وبادَلَتْهُ التعلّق …عشقاً بنفْسِ الجنون …فأصبحت تطاردُ ذاكرته بالآسئلة ، وتستدرجهُ للحديث في كل شيئ
كأنها تريدُ أن تشاركهُ ماضيه قبل حاضره …،وكل ما أحبّ أو كَرِهَ من اشخاص أو اشياء ……….وتراكم عشقهُ بداخلها ….إلى أن خرج ذاتَ جنونٍ على شكل سؤالٍ مُدَبّب ٍ مباشر :
__ نتزوّج ……..؟؟؟
……وقبل ان يحاول ان يُلملم أطراف الجواب كانت قد قراتهُ في بريق عينيه ….، فقالت مُستدركة :
__( ولكن بعقدٍ عرفيّ …وبشكلٍ سرّي )واشترطت عليه ان يبقى ذلك العقد بحوزتها كيلا يقع في يدٍ أي فردٍ ممن حوله…
القوانينِ وهمجيّة الرغبات ..،وانه يستطيع ان يرتوي من هذا النبع المتدفق متى شاء ..ويبتعد عنه حين يشاء بل ويتركهُ ..ويهيلُ التراب عليه حين يشحُّ فيه العطاء …! .
وتزوجتهُ كما شاءت …في السرّ ورغم كل المتناقضات ..، كأنها بربيعِهِ النَّضِر تردُّ الاعتبارَ لخريفها
المكلوم ..والذي بعثرت كبريائه ورقة الطلاق….، وتسكبُ الدفء في ثنايا قلبٍ غلّفهُ صقيعُ الوحدة والحرمان ……،
وهكذا اختلطت بينهما سوء النوايا ..بسوء الحسابات …لِتُنتج واقعاً ضبابياً مُغلّفاً بالظلام ..الذي
اصبح يتسللُ من خلاله ،بعد انتصاف الليل لِيذوب في حكايةٍ أسطوريةٍ ..حميمه ، ….وليتسلّل مع خيوط الفجر ..خارجاً ..كَلِصٍّ يحملُ في جيوبهٍ ما خفّ وزنهُ …وغلا ثمنهُ من متاع ….!!!
وترك نفسهُ لرياح التغييرِ تعبثُ بهِ ،، وتُقوْلِبُهُ …كيف تشاء …، واستمرَأ ذلك الاحساس الذي اعطاهُ الحق
في ممارسة دور الزوجِ …مع الإعفاءِ من أعباء بيروقراطيّةِ الزواج …!،
فها هو الإنعتاقُ الذي كان يتوقُ اليهِ… ينقُلُهُ من براثن الفقرِ لينام على سريرٍ فاخرٍ في غرفةٍ باذخة الآثاث ،
وبيتٍ هو حلم كل انسان …تسيرُ الحياةُ بين جدرانهِ ..كابتسامة الحظِّ ..ومُلاطفة الآحلام …وليستأثر هو بإبتسامةِ الحظِّ …ولتغرق هي في دفء الامسياتِ …ومُلاطفةِ الآحلام ……….!!
لكنهُ بدأ يدركُ مع مرور عامٍ على ذلك الإنعتاق ..أن مشكلتهُ لم تكن تكمنُ في الحاجة المادية وحدها فقد تحسَن وضعهُ في العمل ..ليتحسن بالتالي راتبه ، وهاهي تلك الحديقة الخلفيه المتوارية عن العيون تزوّدهُ بكل ما لذّ وطاب من مُتَع الحياة …. ،ورغم هذا …وذاك فإن شوقاً مِلْحاحاً بدأ يُعربدُ في كيانهِ كله ..إلى شطرٍ عزيز ..كالروح …كالحياة ..وأن الحياة بدونه ِتبدو تافهة..خاويه …. يملؤها حنينٌ كالذي يصاحبُ الحزنَ الناعمَ في أمسيات الخريف ..
وكان للحياة ايضا قوانينها ونواميسها ..التي تمُرُّ على الآشياء …فيخفتُ اللهيبُ …وتهمدُ النار …ويتغيّرُ الايقاعُ، ليصبح كهمسٍ من وراءِ جدار ..ويصبحُ اللقاء كقطعة صغيرةٍ من الحلوى ..يتلذّذُ بإمتلاكها وإخفائها اكثر من طعمها …،
و نسيَ في دوامة إنشغالِهِ بإلتهامِ الحياة .. أن يلحظَ أن الوحدة باتت تهددها من جديد وأن القلق بدأ يساورها ..وهي تراهُ يتسرّبُ من بين أصابعها كما تتسربُ ذ رات الرمال
. فبدأت شكوكها تحاصرهُ وتلاحقهُ وهو يتذرَّعُ بِشتّى الآسباب ..، إلى أن تراكم الشك بداخلها …ليصبح يقينا يفتقرُ الى دليل ……
وبِأسرع مما كانت تتوقعُ جاءها الدليل …ساطعاُ جريئاً …بلا مناورةٍ أو تمهيد …
…سيتزوج …………!! هذا ما قالهُ ذات مساء…انه يوشك ان يبلغ الثلاثين ، ومن حقه ان يتمتع بالحياة الآسريه الحقيقيه ..، وبالآبوة كغيرهِ من الآباء …ولم ينسى في ذات السِّياق ان يؤكّد لها انه لن يتخلّى عنها ،
وأن الوضع بينهما سيبقى على ما هو عليه …إلى ايّ وقت تشاء ….!!
وذُهلت … ولم تصدق في البداية ما تسمع .. أيُعقلُ أن يعود الماضي إليها بنفس السيناريو ..مع اختلاف الاشخاص …لتُصبح في قبضة الواقع كحلمٍ تحوّلَ الى كابوس …..؟
وحين تمكّنت بعد المفاجأة من تحريك شفتيها للكلام ..صرخت في وجهه صرخةً جاءت مخنوقة في بداية
الامر …كأنها توشك على البكاء ..، لكنها ما لبثت ان تصاعدت حادّةً مُدوّيةً في قلب الليل ..غير عابئةٍ
بسلطانِ السكون …وراحت تنشر امام عينيهِ صحيفة حياتهِ السابقة ايام الفقر والحرمان …، وتُعَدّدُ مأثرها وأفضالها عليهِ وعلى أسرتهِ …ثم صرخت وهي تمسك بتلابيبهِ :
__لماذا تريد الآبناء ..؟؟؟ لكي تزيد عدد الشحاذين بين افراد اسرتك ؟؟؟
وفي حركة مفاجأه جاءت تلك الصفعه المُدوّية فوق صدغِهِ مصحوبة بسيْلٍ من الشتائم والتهديدات ..بتدميرهِ
وإرجاعِهِ الى نقطةِ الصفر …مُعْدّماً كما كان …بل وستُجرّدهُ مما كان يملك من فتات الحياة …!!! .
عندما وصل بتفكيره الى هذا الحد …، كانَ الإعياءُ قد وصل بهِ الى ذلك الحي البائس .. في عودةٍ مُفجعةٍ الى واقعِهِ القديم ….، وفي منتصف الزّقاق كانت سيارة الشرطة تنتظرهُ وسط حشد من الجيران والفضوليين ….
__أأنت فلان ؟؟؟؟
__نعم ….ماذا هناك ؟؟
__أنت متهم باقتحام فيللاّ السيده ..(………..) بهدف السرقة ..وبالإعتداء عليها بالضرب المُبرّح وإصابتها بجروح ….
صرخ مستنكراً بينما كانت كفّهُ تشيرُ بأصابعها نحو صدره : أنا ؟؟؟؟؟
قالها …ثم كفَّ عن الكلام ……
ومع اشراقةِ اليوم التالي كان يقبعُ مُكبّل اليدين في مخفرِ الشرطة ….دون الإدلاء بأي أقوال ……..!!!
…وبِإنتظار كلمة النيابة في تقرير مصيره……..عليهِ أن يُثبتَ __وبالشّهودِ_
اين كان يتواجد في الساعة الواحده من بعد منتصف ليلة امس ...!!
تعليق