عريس الغفلة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البتول العلوي
    أديب وكاتب
    • 26-12-2011
    • 39

    عريس الغفلة

    عريس الغفلة
    أحب فيها جمالها و عنفوانها و اندفاعها العاطفي و أحبت فيه ثراءه
    و وسامته و نضجه الاثنان يكملان يعضهما البعض
    انبهر بأنوثتها الصارخة و رقة أسلوبها
    لم يعد يقوى على فراقها يشعر معها بسعادة كبيرة.
    بعد مضي أ ربعة أشهر ذات ليلة وهما في
    انسجام تام أطلقت ضحكة جذابة أبانت أسنانها اللؤلئية و قالت :
    -أنا حامل
    كصاعقة نزلت كلماتها عليه احمر وجهه ارتعدت أطرافه
    بسرعة جنونية ارتدى ملابسه و بكل ما أوتي من قوة بدأ يضرب فوق
    الطاولة والشر يتطاير من عينيه و هو يقول :
    -شرطي الأساسي قبل الزواج كان هو عدم التفكير في الإنجاب
    الآن اختاري ما بين بقائي أو بقاء الجنين في بطنك
    بقيت مريم مشدوهة للحظات أمام انفعالاته غير المتوقعة
    ثم قالت
    -أختار الجنين.
    صمت الزوج برهة تم رد عليها بسخرية :
    -لقد فقدت ميزتك و ستكونين أم الأولاد أنت الأخرى
    اذهبي و جنينك إلى الجحيم و اعلمي أن كل حقوقك قد سقطت
    بعد ما نقضت ما تعاهدنا عليه من قبل
    لا أرغب برؤيتك بعد اليوم.. هيا ارحلي.
    لم تتفوه بكلمة رمته بنظارات كلها حيرة
    و تعجب جف ريقها ابتلعت غصتها لملمت بقايا كرامتها
    و انصرفت إلى بيت أهلها.
    حزنت أم مريم حزنا عميقا لم بدر من زوج ابنتها الذي كانت
    تعتقد انه الملاذ الوحيد و الصدر الحنون الذي يحتوي ابنتها بعد رحيلها
    و أن حبه لها سيكون خير شفيع و لن يرغمها أبدا على شيء تكرهه.
    -كيف يتنكر لك و لجنينك و يرفض التقيد بالتزاماته المادية و المعنوية؟
    لقد خيب ظننا فيه ...
    -لا تقلقي علي يا أمي لقد استوعبت الدرس جيدا
    و لن يحد من إصراري و عزيمتي تصرفه المعيب هذا.
    في الغد بعد أن هدأت النفوس و بعد مضي ليلة
    كان حنان الأم كفيلا بتلطيف أجوائها
    -ابشري يا بنيتي سأعمل على إبعادك عن سخرية و شماتة زوجك
    بعد أسابيع سيأتي أخوك و يصطحبك معه إلى بلاد المهجر. ... و كان ذالك.
    التحقت مريم بأخيها الذي استقبلها و أسرته استقبالا حارا
    و هي بين أحضانهم تفاعلت

    مع حبهم و ترحيبهم الكبير لها إلى حد البكاء فأخذت تقبلهم
    فردا فردا الشيء الذي أثار عاطفة الأبوة و الأخوة معا
    في قلب أخيها الذي أحاطها بإحدى ذراعيه و أحاط بالذراع
    الأخرى ابنته سميرة قائلا :
    - اسمعي يا مريم من الآن فصاعدا أنت و سميرة في كفة واحدة يسري عليك ما يسري عليها و أعدك إن شاء الله بعد أن تضعي حملك سأعمل على تسجيلك بنفس الجامعة التي تدرس بها سميرة فأنت لم تتجاوزي عقدك الثاني.
    تمر الأيام و تتوالي الأسابيع و ثقة مريم بنفسها تزداد يوما بعد يوم. كلها نشاط و حيوية و لم تجد أي صعوبة في التأقلم و التكيف مع الوضع الجديد. فمعظم السكان هم عرب و مسلمون جاؤوا للعمل في المناجم و المصانع و في التجارة. وقتها يتجزأ ما بين الفسح و التسوق و مرافقة سميرة إلى الجامعة قصد التعرف على الأجواء الطلابية.
    بعد مضي شهور ذات صباح و مع بزوغ خيوط شمس الربيع الدافئة انبعثت صرخة تنبئ بمولود أنثى أسمتها "ربيعة " تيمنا بفصل الربيع. الجميع بالمستشفى شاركها فرحتها.
    بعد مضي أسبوع سويعات قبل موعد الخروج جاءتها الطبيبة الرئيسة لتعرض عليها عمل براتب مغري. فوجئت مريم بالخبر و بدأت تكلم نفسها
    - " ما أكرمك و أما أجودك يا الله. قبل أيام وهبتني من يؤنس غربتي و يشد أزري
    و الآن تبعث لنا برزق لم نسعى إليه لك الحمد و الشكر يا الله .
    لم تفهم الطبيبة ما تهمس به مريم و قاطعتها قائلة
    -لا تردي علي الآن أمامك من الوقت شهرين إلى أن تستردي عافيتك
    و أضافت تقول :
    -لتفادي صعوبة التواصل التي تعترضنا دوما مع الجالية العربية سنسندك إليك
    مهمة الترجمة موازاة مع أنشطة أخرى سيتم تدريبك عليها بالمجان
    وذالك تشجيعا منا لك. أنت شابة مثقفة طموحة تتقنين لغتنا إلى حد كبير
    إنها فرصة ثمينة لك و لنا . تبتسم مريم و علامة الرضا بادية على وجهها
    و ترد على الطبيبة الرئيسة :
    -نعم سيدتي الطبيبة إنها حقا فرصة ثمينة .. هذا المنصب لي و أنا صاحبته
    لك شكري و امتناني الكبيرين. الشغل سيحفظ لي كرامتي و يخفف العبء عن أخي
    و يضمن حقوق طفلي و يساعدني في تربيته .
    و هكذا تكون مريم قد استبعدت فكرة إتمام الدراسة فالعرض كان أقوى من أي مبدأ
    ودخلت معترك الحياة العملية كمترجمة و مساعدة ممرضة.
    سلمت إدارة المستشفى مريم غرفة فسيحة مشمسة بمنافعها كما سمحت لها بوضع سرير رضيعتها بجناح الرضع حديثي الولادة. لم يمانع أخوها المشبع بالتقاليد والثقافات الغربية
    إقامتها و ابنتها بالمستشفى و اعتبرها التفاتة كريمة ستوفر لها الوقت والجهد .
    في خلال أسابيع فقط استطعت مريم بفضل لباقتها وابتسامتها التي لا تفارق محياها أن تقرب ما بين المريض و المعالج وسط جو حميمي تسوده المحبة و الألفة
    الكل في المستشفى يحترمها و يقدرها برغم صغر سنها.
    ذات صباح و هي تتهيأ للخروج إلى عملها تلقت خبر وفاة والدتها التي كانت قد اتصلت بها قبل يومين و هي على سرير الموت موصية إياها بعدم المجيء إلى البلد و أضافت تقول و بصوت خافت و متقطع:
    -حتى و إن متت لا تأتي لأخذ العزاء البركة في أخوك. إن زوجك يبحث عنك في كل مكان و يسأل عن مصير الجنين وقد أقام دعوى الطاعة.
    عندها بكت مريم بكاء مريرا و حزنت حزنا عميقا و أحست بدنو أجل والدتها
    و انتهت المكالمة على كلمات لا إله إلا الله محمد رسول الله
    و كان الوداع الأخير. لم يكن من السهل عليها عدم حضور جنازة والدتها
    و لكن للضرورة أحكام.
    بعد انتهاء الفترات التدريبية المجانية التي حظيت بها مريم حصلت على دبلوم ممرضة مؤهلة. مع مرور الشهور ثم السنون ازدادت مسؤوليتها فذاع صيتها بين نساء البلدة و ضواحيها ولا حديث لهن إلا عن الممرضة المولدة كلهن يتوددن لها لطيبتها و رقتها و مرونتها و تفانيها في العمل.
    لم تشتكي يوما مريم من ضيق الوقت رغم انشغالاتها الكثيرة و استطاعت أن توفق
    ما بين عملها و تربية ابنتها الوحيدة ربيعة التي و رثت عنها الذكاء و الجمال و الموهبة و التي تحتفل على غير العادة هذه السنة بعيد ميلادها العاشر. إذ تجري فعاليات الاحتفال بالبيت الجديد الذي تعبت مريم كثيرا و بدلت مجهودا جبارا من أجل اقتناءه. كانت تشتغل ليل نهار و تدخر كل ما يقع تحت يدها من نقود إضافة إلى مجانية المأكل و المسكن التي وفرت عليها مبالغ مالية مهمة. يتكون البيت من طابق سفلي و مرآب تحيطه حديقة صغيرة ذات أزهار فواحة و أشجار باسقة تحجب الرؤية عن الخارج. الساعة تشير إلى السادسة.
    معالم الفرحة و السعادة بادية على وجوه الأطفال موسيقى هادئة تملأ أرجاء البيت الذي زين سقفه بخيوط ذهبية و أخرى فضية و بالونات بمختلف أشكالها و ألوانها.
    تتوسط ربيعة صديقاتها و هي نرفل في فستان طويل أبيض تزينه شراشيف دانتل
    بيضاء و شعرها الناعم الأسود مربوط من الخلف بشريط ساتان أحمر. بإشارة من مريم تطفئ ربيعة شمعتها العاشرة تحت تصفيقات حارة. في عجالة أخذت مريم توزع الحلويات و العصائر و ذالك حرصا منها أن لا يتأخر الأطفال بالعودة إلى بيوتهم.
    طيلة الوقت لم تفارق عيني مريم أميرتها الصغيرة و بعد انصراف الجميع
    تنفست مر يم الصعداء أحكمت إقفال الباب و اتجهت بسرعة نحو صغيرتها
    لتقبلها و تضمها إلى فؤادها الذي يضطرب فرحا .
    و تأبى ربيعة إلا أن تنغص عليها فرحتها و تحولها إلى نكد و ذالك بإمطارها
    بسيل من الأسئلة المباشرة و المحرجة .
    أين أبي..؟ هل هو حي أم ميت و لماذ لم يسأل عنا كل هذه المدة؟
    في كل مناسبة تقولين بأنه سيأتي و لم يأتي.... أنت تكذبين علي.
    احمر وجه مريم شردت للحظات ثم ألقت بكل ثقلها قوف أريكة
    وضعت رأسها بين كفيها و استسلمت لأحزانها.
    .../...


يعمل...
X