[frame="3 98"]
9/12/2011
جاءوا إليه من بعيد .. البعيد ..
أخذوه إلى بعيد.. البعيد ..
حاصروه من كل اتجاه، راقبوه كي لا يغيب عن أبصارهم وأسماعهم، ووضعوا الحراس أمام وخلف كل باب حتى لا يغادر أوهامهم، وكي لا يقنص منهم وضع ارتخاء، فيفلت منهم عائدا نحو الأرض البعيدة .. ولا يعود ..
كان ما يزال في حالة من الضعف والإرتباك ، خائفا مما لا يعرفه، غاضبا من خاطفيه .. أعضاؤه تصطك ببعضها ، تكاد تفشي سرَّها من الارتعاش المكبوت بانتظار القادم المجهول .
سألهم : لماذا اختطفتموني وتحاصرونني .. ماذا تريدون مني .. لا أعرفكم، لأول مرة أشاهدكم ..
قالوا : لم نخطفك ..بل استرجعناك ، اسمك مكتوب في صفحات تاريخنا الآتي ..
نريدك .. انتظرناك طويلا .. منذ ولدت ونحن ننتظر قدومك .. لنبدأ مشروع الحياة ..
قال : انتظرتم قدومي .. ومنذ ولادتي ؟! أمر عجيب .. لا يصدق ... لماذا ؟؟
قالوا : أنت المنتظر
قال : المنتظر.. أي منتظر تنعون .. غرباء كنتم عني، وغريب أنا عنكم ..!
قالوا: بل أنت منا، أنت الملك .. ملكنا الجديد .. ملك الأرض والشمس والقمر المنير
قال : منكم ..! الملك الجديد..! الشمس .. القمر .. ملك لمن ، وكيف، ولماذا، وأين؟؟؟؟؟ لست أراكم سوى مجموعة من قطاع الطريق ..! ولم أكن قاطع طريق ولن أكون ..
قالوا : ملكنا .. نحن شعبك المنتظر، يا ملكنا الوحيد.. قل ما تشاء .. لن نحاسبك .. من حقك أن تقول ما تشاء .. أن تنهرنا.. تضربنا.. وتصفنا بأسوأ صفات العبيد
قال : مخطئون .. لست ملكا.. لا لكم ولا لغيركم ، لم أكن ملكا من قبل، ولا أظنني سأكون ..
قالوا: بل أنت هو، قد عرفناك، نحن لا نخطئ أبدا قراءة صفحات مستقبلنا الأكيد ، أنت المختار من دون العالمين .. وبوابتنا للوحدة والنصر على أعدائنا المتربصين ..
قال : المختار، الملك .. لا تخطئون .. من تكونون .. لم أسمع أغرب من هذا الهراء من قبل ..
قالوا : نحن شعبك المنتظر
قال : شعبي .. تضحكونني كثيرا، أنا مجرد مواطن كأي مواطن، ومتيقن أنني لست ملككم المنتظر، لا يمكن أن أكون أنا ، ابحثوا عن غيري.. دعوني أكمل رحلتي في الحياة .. وحدي ..
قالوا : لقد اخترناك .. لا مناص من ذلك.. أنت الملك .. وغير ذلك دونه .. الموت
قال : الموت دون ذلك !.. لكنني لست الملك .. لا أريد أن أصبح الملك .. لا أصلح لهذا المنصب، اختاروا أحدا منكم .. لماذا لا يكون أحدكم الملك ..؟
قالوا : لا يوجد من يرفض هذا العرض .. ستكون الملك .. وسنمنحك ما تريد ..
قال : تمنحونني ما أريد .. وهل تقدرون على ما أريد
قالوا : نعم ..
قال : هل سآمن على نفسي
قالوا : نعم
قال : هل سأجد العلاج لو مرضت
قالوا : نعم
قال : هل ستدافعون عني لو هوجمت من قبل الأعداء
قالوا : نعم
قال : هل سيكون لدي مال وفير ، وقصر ، وبساتين ، وخدم وحشم ووزراء وقادة و ..
قالوا : نعم .. واكثر من ذلك .. ومهما طلبت سيكون لك .. فأنت الملك ..
قال : أنا الملك .. هه هه .. فهل أستطيع النوم عندما أحتاج
قالوا : نعم
قال : اذن أريد النوم الآن .. أحتاج للنوم .. غدا أكملوا حديثكم الغريب ..
قالوا : لك ما تشاء ، نم.. واسترح يا ملكنا الهمام، في الصباح ستجدنا أمامك ننتظر ..
**
في الصباح
دخلوا عليه في غرفته ، وجدوه شاحب الوجه، متقلص الشفتين، يفرك عينيه بكفيّ يديه معا، وبدا وكأنه لم ينم أبدا .. زائغ .. منكمش .. محتار ..
قالوا : ما بال مولانا الملك العظيم
قال : العظيم . أتهزؤون مني أيها الناس، لن أكون الملك.. أرفض وبشدة
قالوا : ما بال مولانا الملك .. لقد اتفقنا على كل شيء قبل أن تنام ..
قال: ها .. قلتموها بأنفسكم .. قبل أن أنام ... فلتعلموا إذن بأنني لم أنم ولو لثانية واحدة .. وبالتالي فالاتفاق لم يسر بعد .. ثم لم يكن بيننا اتفاق .. فقط مجرد أسئلة وأجوبة ..
قالوا: لو رفضت العمر كله لن نسمع لك .. قد حسمنا الأمر منذ الأمس .. منذ اللحظة التي سمحت لنا فيها بحصارك دون أن تهرب أو تحاول الفرار ..
قال: اسمعوني جيدا .. ألم تقولوا أنني أستطيع فعل ما أريد
قالوا : نعم
قال : ألم تقولوا أن أوامري ستنفذ في التو واللحظة
قالوا : نعم
قال : ألم تقولوا أنني سأكون آمنا
قالوا : نعم
قال : ألم تقولوا أنني أستطيع النوم في الوقت الذي أريد وعندما أحتاج
قالوا : نعم
قال : إذن لن أكون الملك أبدا
قالوا : بل ستكون
قال : لم أنم الليل بطوله، لم أستطع النوم، لم أُنَصَبْ رسميا بعد .. ومع ذلك لم أنم .. بل لم تغمض عيناي ولو لثانية واحدة .. طوال الوقت وأنا أفكر .. أفكر .. كيف أدبر، وكيف أخطط، وكيف أجمع المال، وكم سأجمع .. وكيف أحكم وأقرر .. وكيف .. وكيف .. الكثير من الأسئلة التي زادت همي وأثقلت على نفسي .. حتى كدت أختنق وأموت .. فأنا لا أعرفكم .. من أنتم ؟
قالوا : نحن مستشاريك وأعوانك وأدواتك ..
قال: آه..ها .. مستشاريَّ وأعواني .. وهل من وظيفتكم أن تكذبوا وتزيفوا الحقائق، وهل من وظيفتكم أن تبدلوا الوقائع ..
قالوا: لمصلحتك ولمصلحة مملكتنا المنتظرة .. مملكة القوة والعظمة .. مملكة الضياء والسيطرة ..
قال : وما علاقتي بذلك .. افعلوا ما شئتم .. بعيدا عني ..
قالوا : لن ينفع .. أنت فقط الوحيد، بوجودك ملكا لبلدنا تولد مملكتنا الكبرى ..
قال: لم .. وكيف .. أريد أن أفهم .. يجب أن أعرف السر الذي تعلمونه
قالوا: اسمع .. أوصافك واسمك مكتوبة في كتبنا .. فيك قوة كبرى كامنة، بها نملك الدنيا كلها ..
قال : أملك قوة كامنة وأنا لا أعرف..! ، ولا أشعر بها، لا أذكر أنني فعلت شيئا مميزا في حياتي، أو غير طبيعي.. عشت كأي مواطن عادي ..
قالوا: قوتك بداخلك ، ستظهر فقط .. إذا أصبحت الملك ، شرط قوتك أن تكون الملك،
قال: إذن هذا هو السر .. القوة التي تعتقدون أنني أملكها ، وتستطيعون من خلالها فرض سيطرتكم على العالم كله .. أنا قوتكم .. وحلمكم ومستقبلكم ..وماذا عني .. ألم تفكروا بي ..
قالوا : فكرنا فيك، ووجدنا أنك المستفيد الأول والأكبر ، ستكون الملك ، وستكون أقوى رجل في العالم، وستكون حاكم العالم كله .. لن يصمد عدو أمامك .. سينهزم الأعداء جميعا .. بل سيموتون ..
قال: لكن .. لا يعجبني ذلك .. لأنني سأكون الطاغية الجبار القاتل الذي يحكم الناس بالإكراه لا بالحب، يحكمهم بالحديد والنار لا بالرفاه والخير والعلم والبناء والحضارة ..
قالوا : لا يهم . .ما دمنا سنكون نحن حكام العالم
قال: إذن هذا ما تسعون إليه ، إنها نتيجة مرعبة .. سأصنع أعداء لي .. وساكون عدوا في نظر الكثيرين .. ممن لا يعجبون بسيرتي .. بسبب الظلم السهو الذي طالهم من قبلي كملك .. وفي هذه الحالة .. الملك الظالم الطاغية المستبد الدموي ..
اسمعوا ..ارفض أن أصبح ظالما .. يظلم ويقهر رعيتة ،
هذا موقف لا أحب أن أصبح فيه ، ومآل اتمنى ألا أصل إليه ،
لم أظلم أحدا في حياتي، لن أرضى بتغيير ذلك، ولو كان الثمن أن أكون ملك العالم ، الذي يخشاه الجميع، ويدينون له بالطاعة والولاء ..
قالوا : لن تخش شيئا، سنكون معك ، نراقبك، ونساعدك، ونقدم النصح لك..
قال: وهنا مكمن الخشية .. أنتم .. لا أعرفكم .. لا أعلم طريقتكم في التفكير، ولا ماذا تريدون، بعد أن عرفت هدفكم من أن اكون الملك، وعندكم من هو افضل مني.. ماذا تدبرون من أجلي .. او من أجلكم .. هل تدبرون لأكون الضحية والقربان أمام الناس ثمنا لما تريدون أنتم ..
قالوا: الجدال لا يفيد، ولن يمكنك الفكاك من هذا الأمر، ستفعل ما نريده منك تماما..
قال: لن أفعل .. دعوني أذهب في طريقي.. أحتاج إلى النوم وضميري مرتاح..
قالوا: ستنام، ستعوض كل شيء ، سنهيئ المكان لتنام كما تشاء وكيف شئت .. لكن ليس قبل قبولك لما نريد ..
قال : اسمعوني جيدا .. لم أنم قبل أول يوم، فهل سأنام في أول يوم .. أو بعد أول يوم ..؟ لا لن أكون أبدا الملك
قالوا : ستكون، وليس لك الخيار في ذلك.. لقد قررنا وليس عليك إلا القبول
قال : المُلْك الذي يمنعني من النوم أرفضه، أريد أن أنام .. أحتاج للنوم أيها الناس ..
قالوا : ستنام كثيرا .. الملوك قبلك ناموا .. وستنام مثلهم
قال : لست مثلهم، ولن أصبح مثلهم ..
الملك الحقيقي لا ينام .. نام غيري .. لأنهم لم يكونوا ملوكا .. الملوك الحقيقيون لا يسمحون لأنفسهم بالراحة، لا يملكون نفوسهم ، جُلَّ وقتهم يقضونه في تدبير شئون البلاد والرعية، اهتمامهم أن ينشروا العدل والأمل بين الناس .. أن يفكروا، ويدبروا، ويبحثوا، ويحكموا بالحق، وأن يساووا بين الناس ..
الملك الحقيقي يبني الحدائق والمدارس لا السجون والمنافي.. يزرع الأشجار المثمرة لا الحقد والخوف.. يعمر الأرض بالحياة لا يخربها ويحولها إلى أطلال ومقابر ..،
قالوا : عليك قبول ذلك وافعل ما شئت وتهوى ، أو ..؟
قال : أو ماذا .. لن يجدي تهديدكم .. لأنكم أول من سيمنعني من فعل ما أريد ... أنتم تعبدون طقوسكم التي اخترعتموها .. ترفضون رؤية الشمس التي تفضح مآربكم السرية في التحكم ..
لن أكون الستار الذي تختفون خلفه وأنتم تمارسون طقوسكم الغيبية..
قالوا: أن تُسْجَن، وأن تُصْلب، وأن تُرْمي لوحوش الفلا تنهشك..
قال: ذلك أفضل لي، على الأقل سأتوقف عن الترحال، وسيغلق عليّ لحدٌ ما ..
قالوا: سنقدمك قربانا لصحراء الضياع ..
قال : افعلوا ما شئتم ، أرفض أن أبحث عن لحظة للنوم فلا أجدها .. أريد أن أنام .. في الوقت الذي أحتاج فيه أن أنام.. مُلْكَكُم لا يساوي ثانية واحدة اكون فيها مِلْك نفسي .. ومَلِكاً على نفسي .. يكفيني أن أكون ملكا على نفسي فقط ، وليتني أستطيع....
رضوخي لكم يعني حرماني من حريتي في التصرف بنفسي .. ولن أفرط أبدا بحرية قراري بشأن حياتي، وما يخصني ..
يهمني أن أجد نفسي أولا ..لا أن تجدوني ..
**
[/frame]
مَلِكٌ لا ينام
9/12/2011
جاءوا إليه من بعيد .. البعيد ..
أخذوه إلى بعيد.. البعيد ..
حاصروه من كل اتجاه، راقبوه كي لا يغيب عن أبصارهم وأسماعهم، ووضعوا الحراس أمام وخلف كل باب حتى لا يغادر أوهامهم، وكي لا يقنص منهم وضع ارتخاء، فيفلت منهم عائدا نحو الأرض البعيدة .. ولا يعود ..
كان ما يزال في حالة من الضعف والإرتباك ، خائفا مما لا يعرفه، غاضبا من خاطفيه .. أعضاؤه تصطك ببعضها ، تكاد تفشي سرَّها من الارتعاش المكبوت بانتظار القادم المجهول .
سألهم : لماذا اختطفتموني وتحاصرونني .. ماذا تريدون مني .. لا أعرفكم، لأول مرة أشاهدكم ..
قالوا : لم نخطفك ..بل استرجعناك ، اسمك مكتوب في صفحات تاريخنا الآتي ..
نريدك .. انتظرناك طويلا .. منذ ولدت ونحن ننتظر قدومك .. لنبدأ مشروع الحياة ..
قال : انتظرتم قدومي .. ومنذ ولادتي ؟! أمر عجيب .. لا يصدق ... لماذا ؟؟
قالوا : أنت المنتظر
قال : المنتظر.. أي منتظر تنعون .. غرباء كنتم عني، وغريب أنا عنكم ..!
قالوا: بل أنت منا، أنت الملك .. ملكنا الجديد .. ملك الأرض والشمس والقمر المنير
قال : منكم ..! الملك الجديد..! الشمس .. القمر .. ملك لمن ، وكيف، ولماذا، وأين؟؟؟؟؟ لست أراكم سوى مجموعة من قطاع الطريق ..! ولم أكن قاطع طريق ولن أكون ..
قالوا : ملكنا .. نحن شعبك المنتظر، يا ملكنا الوحيد.. قل ما تشاء .. لن نحاسبك .. من حقك أن تقول ما تشاء .. أن تنهرنا.. تضربنا.. وتصفنا بأسوأ صفات العبيد
قال : مخطئون .. لست ملكا.. لا لكم ولا لغيركم ، لم أكن ملكا من قبل، ولا أظنني سأكون ..
قالوا: بل أنت هو، قد عرفناك، نحن لا نخطئ أبدا قراءة صفحات مستقبلنا الأكيد ، أنت المختار من دون العالمين .. وبوابتنا للوحدة والنصر على أعدائنا المتربصين ..
قال : المختار، الملك .. لا تخطئون .. من تكونون .. لم أسمع أغرب من هذا الهراء من قبل ..
قالوا : نحن شعبك المنتظر
قال : شعبي .. تضحكونني كثيرا، أنا مجرد مواطن كأي مواطن، ومتيقن أنني لست ملككم المنتظر، لا يمكن أن أكون أنا ، ابحثوا عن غيري.. دعوني أكمل رحلتي في الحياة .. وحدي ..
قالوا : لقد اخترناك .. لا مناص من ذلك.. أنت الملك .. وغير ذلك دونه .. الموت
قال : الموت دون ذلك !.. لكنني لست الملك .. لا أريد أن أصبح الملك .. لا أصلح لهذا المنصب، اختاروا أحدا منكم .. لماذا لا يكون أحدكم الملك ..؟
قالوا : لا يوجد من يرفض هذا العرض .. ستكون الملك .. وسنمنحك ما تريد ..
قال : تمنحونني ما أريد .. وهل تقدرون على ما أريد
قالوا : نعم ..
قال : هل سآمن على نفسي
قالوا : نعم
قال : هل سأجد العلاج لو مرضت
قالوا : نعم
قال : هل ستدافعون عني لو هوجمت من قبل الأعداء
قالوا : نعم
قال : هل سيكون لدي مال وفير ، وقصر ، وبساتين ، وخدم وحشم ووزراء وقادة و ..
قالوا : نعم .. واكثر من ذلك .. ومهما طلبت سيكون لك .. فأنت الملك ..
قال : أنا الملك .. هه هه .. فهل أستطيع النوم عندما أحتاج
قالوا : نعم
قال : اذن أريد النوم الآن .. أحتاج للنوم .. غدا أكملوا حديثكم الغريب ..
قالوا : لك ما تشاء ، نم.. واسترح يا ملكنا الهمام، في الصباح ستجدنا أمامك ننتظر ..
**
في الصباح
دخلوا عليه في غرفته ، وجدوه شاحب الوجه، متقلص الشفتين، يفرك عينيه بكفيّ يديه معا، وبدا وكأنه لم ينم أبدا .. زائغ .. منكمش .. محتار ..
قالوا : ما بال مولانا الملك العظيم
قال : العظيم . أتهزؤون مني أيها الناس، لن أكون الملك.. أرفض وبشدة
قالوا : ما بال مولانا الملك .. لقد اتفقنا على كل شيء قبل أن تنام ..
قال: ها .. قلتموها بأنفسكم .. قبل أن أنام ... فلتعلموا إذن بأنني لم أنم ولو لثانية واحدة .. وبالتالي فالاتفاق لم يسر بعد .. ثم لم يكن بيننا اتفاق .. فقط مجرد أسئلة وأجوبة ..
قالوا: لو رفضت العمر كله لن نسمع لك .. قد حسمنا الأمر منذ الأمس .. منذ اللحظة التي سمحت لنا فيها بحصارك دون أن تهرب أو تحاول الفرار ..
قال: اسمعوني جيدا .. ألم تقولوا أنني أستطيع فعل ما أريد
قالوا : نعم
قال : ألم تقولوا أن أوامري ستنفذ في التو واللحظة
قالوا : نعم
قال : ألم تقولوا أنني سأكون آمنا
قالوا : نعم
قال : ألم تقولوا أنني أستطيع النوم في الوقت الذي أريد وعندما أحتاج
قالوا : نعم
قال : إذن لن أكون الملك أبدا
قالوا : بل ستكون
قال : لم أنم الليل بطوله، لم أستطع النوم، لم أُنَصَبْ رسميا بعد .. ومع ذلك لم أنم .. بل لم تغمض عيناي ولو لثانية واحدة .. طوال الوقت وأنا أفكر .. أفكر .. كيف أدبر، وكيف أخطط، وكيف أجمع المال، وكم سأجمع .. وكيف أحكم وأقرر .. وكيف .. وكيف .. الكثير من الأسئلة التي زادت همي وأثقلت على نفسي .. حتى كدت أختنق وأموت .. فأنا لا أعرفكم .. من أنتم ؟
قالوا : نحن مستشاريك وأعوانك وأدواتك ..
قال: آه..ها .. مستشاريَّ وأعواني .. وهل من وظيفتكم أن تكذبوا وتزيفوا الحقائق، وهل من وظيفتكم أن تبدلوا الوقائع ..
قالوا: لمصلحتك ولمصلحة مملكتنا المنتظرة .. مملكة القوة والعظمة .. مملكة الضياء والسيطرة ..
قال : وما علاقتي بذلك .. افعلوا ما شئتم .. بعيدا عني ..
قالوا : لن ينفع .. أنت فقط الوحيد، بوجودك ملكا لبلدنا تولد مملكتنا الكبرى ..
قال: لم .. وكيف .. أريد أن أفهم .. يجب أن أعرف السر الذي تعلمونه
قالوا: اسمع .. أوصافك واسمك مكتوبة في كتبنا .. فيك قوة كبرى كامنة، بها نملك الدنيا كلها ..
قال : أملك قوة كامنة وأنا لا أعرف..! ، ولا أشعر بها، لا أذكر أنني فعلت شيئا مميزا في حياتي، أو غير طبيعي.. عشت كأي مواطن عادي ..
قالوا: قوتك بداخلك ، ستظهر فقط .. إذا أصبحت الملك ، شرط قوتك أن تكون الملك،
قال: إذن هذا هو السر .. القوة التي تعتقدون أنني أملكها ، وتستطيعون من خلالها فرض سيطرتكم على العالم كله .. أنا قوتكم .. وحلمكم ومستقبلكم ..وماذا عني .. ألم تفكروا بي ..
قالوا : فكرنا فيك، ووجدنا أنك المستفيد الأول والأكبر ، ستكون الملك ، وستكون أقوى رجل في العالم، وستكون حاكم العالم كله .. لن يصمد عدو أمامك .. سينهزم الأعداء جميعا .. بل سيموتون ..
قال: لكن .. لا يعجبني ذلك .. لأنني سأكون الطاغية الجبار القاتل الذي يحكم الناس بالإكراه لا بالحب، يحكمهم بالحديد والنار لا بالرفاه والخير والعلم والبناء والحضارة ..
قالوا : لا يهم . .ما دمنا سنكون نحن حكام العالم
قال: إذن هذا ما تسعون إليه ، إنها نتيجة مرعبة .. سأصنع أعداء لي .. وساكون عدوا في نظر الكثيرين .. ممن لا يعجبون بسيرتي .. بسبب الظلم السهو الذي طالهم من قبلي كملك .. وفي هذه الحالة .. الملك الظالم الطاغية المستبد الدموي ..
اسمعوا ..ارفض أن أصبح ظالما .. يظلم ويقهر رعيتة ،
هذا موقف لا أحب أن أصبح فيه ، ومآل اتمنى ألا أصل إليه ،
لم أظلم أحدا في حياتي، لن أرضى بتغيير ذلك، ولو كان الثمن أن أكون ملك العالم ، الذي يخشاه الجميع، ويدينون له بالطاعة والولاء ..
قالوا : لن تخش شيئا، سنكون معك ، نراقبك، ونساعدك، ونقدم النصح لك..
قال: وهنا مكمن الخشية .. أنتم .. لا أعرفكم .. لا أعلم طريقتكم في التفكير، ولا ماذا تريدون، بعد أن عرفت هدفكم من أن اكون الملك، وعندكم من هو افضل مني.. ماذا تدبرون من أجلي .. او من أجلكم .. هل تدبرون لأكون الضحية والقربان أمام الناس ثمنا لما تريدون أنتم ..
قالوا: الجدال لا يفيد، ولن يمكنك الفكاك من هذا الأمر، ستفعل ما نريده منك تماما..
قال: لن أفعل .. دعوني أذهب في طريقي.. أحتاج إلى النوم وضميري مرتاح..
قالوا: ستنام، ستعوض كل شيء ، سنهيئ المكان لتنام كما تشاء وكيف شئت .. لكن ليس قبل قبولك لما نريد ..
قال : اسمعوني جيدا .. لم أنم قبل أول يوم، فهل سأنام في أول يوم .. أو بعد أول يوم ..؟ لا لن أكون أبدا الملك
قالوا : ستكون، وليس لك الخيار في ذلك.. لقد قررنا وليس عليك إلا القبول
قال : المُلْك الذي يمنعني من النوم أرفضه، أريد أن أنام .. أحتاج للنوم أيها الناس ..
قالوا : ستنام كثيرا .. الملوك قبلك ناموا .. وستنام مثلهم
قال : لست مثلهم، ولن أصبح مثلهم ..
الملك الحقيقي لا ينام .. نام غيري .. لأنهم لم يكونوا ملوكا .. الملوك الحقيقيون لا يسمحون لأنفسهم بالراحة، لا يملكون نفوسهم ، جُلَّ وقتهم يقضونه في تدبير شئون البلاد والرعية، اهتمامهم أن ينشروا العدل والأمل بين الناس .. أن يفكروا، ويدبروا، ويبحثوا، ويحكموا بالحق، وأن يساووا بين الناس ..
الملك الحقيقي يبني الحدائق والمدارس لا السجون والمنافي.. يزرع الأشجار المثمرة لا الحقد والخوف.. يعمر الأرض بالحياة لا يخربها ويحولها إلى أطلال ومقابر ..،
قالوا : عليك قبول ذلك وافعل ما شئت وتهوى ، أو ..؟
قال : أو ماذا .. لن يجدي تهديدكم .. لأنكم أول من سيمنعني من فعل ما أريد ... أنتم تعبدون طقوسكم التي اخترعتموها .. ترفضون رؤية الشمس التي تفضح مآربكم السرية في التحكم ..
لن أكون الستار الذي تختفون خلفه وأنتم تمارسون طقوسكم الغيبية..
قالوا: أن تُسْجَن، وأن تُصْلب، وأن تُرْمي لوحوش الفلا تنهشك..
قال: ذلك أفضل لي، على الأقل سأتوقف عن الترحال، وسيغلق عليّ لحدٌ ما ..
قالوا: سنقدمك قربانا لصحراء الضياع ..
قال : افعلوا ما شئتم ، أرفض أن أبحث عن لحظة للنوم فلا أجدها .. أريد أن أنام .. في الوقت الذي أحتاج فيه أن أنام.. مُلْكَكُم لا يساوي ثانية واحدة اكون فيها مِلْك نفسي .. ومَلِكاً على نفسي .. يكفيني أن أكون ملكا على نفسي فقط ، وليتني أستطيع....
رضوخي لكم يعني حرماني من حريتي في التصرف بنفسي .. ولن أفرط أبدا بحرية قراري بشأن حياتي، وما يخصني ..
يهمني أن أجد نفسي أولا ..لا أن تجدوني ..
**
[/frame]
تعليق