كان قانون محطة باب شالة ينص على أن ” الكورتي ” إذا لم يسجل رقما من أرقام مأذونيات سيارات الأجرة الوافدة على المحطة سواء اختلط عليه أمر الأرقام أو تعمد النسيان فإنه يدفع نقدا للمنسي ثمن ستة مقاعد بالتمام والكمال ، ثم يسجله لينتظر دوره من جديد ، وكانت مهمة الكورتي حسب هذا القانون تنحصر في عملية التسجيل والنداء على المقاعد وإغلاق باب السيارات بإحكام وكذا تنظيم طابورات المنتظرين لسيارات الأجرة في حال غيابها ، وكانت محطة باب شالة بشهادة الجميع محطة استثناء بين جميع محطات المغرب ، وكنت أشتغل في أبشع خط فيها ألا هو الخط الرابط بين ” المدينة ” وأحياء التقدم واليوسفية والرشاد .
في باب شالة ، يوجد سائقون دكاترة ومجازون ، وآخرون مثقفون بدون شواهد رسمية ، وآخرون ” بلطجية ” لا يهمهم الانضباط لقانون المحطة أو حتى لقانون الدولة ، مراكشيون ودكاليون ، أمازيغ وعرب ، ريفيون وصحراويون ، غربيون وشرقيون ، شماليون وجنوبيون ، عاقلون ومستهترون ، طيبون وخبيثون ، ” دراويش ” ومجرمون سابقون ، مصلحون ومفسدون فاسدين ، طوب وحجر …
حين ولجت لباب شالة أول مرة أخبرني سائق هناك بأن أطلق ما درسته في كراسي الجامعة والثانويات ، وأن ” أجمع راسي بالبْيَان ” وأن أكون أسدا حتى لا تأكلني الذئاب على حد تعبيره ، وأخبرني آخر بأن باب شالة مدرسة لا كالمدارس ، سأتعلم منها ما لا يفقهه دكاترة الجامعات ومنظرو التعليم بهذا البلد .
اليوم وجدت نفسي مع إشراقة الشمس الغائبة أتذكر أول خطواتي في المحطة ، شاب في مقتبل العمر ، تخرجت من كلية الآداب بالرباط بعد أربع سنوات من التحصيل العلمي الجاد والنضال الطلابي الهادف ، أشعث أغبر ، يرى علي أثر الهم والغم ، أتجول بين أرجاء المحطة بعدما دعاني عم لي إلى التوقف عن العمل في ” البناء ” و ” الزليج ” وباقي الأعمال اليدوية الشاقة والالتحاق بباب شالة للعمل كـ ” كورتي ” ، أتفرس في وجوه المارة الواحد تلو الآخر ، أنظر إلى طابور من سيارات الأجرة تصطف عن اليمين مرة لتتحول إلى جهة اليسار مرة أخرى بعدما ينادي على سائقيها ” كورتي ” قوي البنية يلقب بـ ” الردم ” ، أتمعن في الجهة المقابلة لمحطة ” التقدم ” فأجد شابا يمتص بشفتيه ” الزرقاويتين ” سيجارة يشعل بها سيجارة أخرى وهو ينادي بأعلى صوته ” أكدال ، السويسي ، أكدال السويسي ، عيط آمحماد على بلايصك ، والحاج وا الحاج ، الـ 85 ، عشرة واحد وثلاثين ، زيد القدام أنت ، آرا واحد أكدال واحد واحد واحد … السويسي أكدال أكدال ” ، ينظر إلي الشاب نظرة شزراء أفهم منها أنه لا يطيق تمعني فيه ، أغض بصري وإذا بصوت يوقظني من تأملي في تجعد حذائي القديم :
ـ خويا غادي للتقدم
* لا لا أنا راه الكورتي الجديد هنا
ـ آآه ، أنت هو !!! جيتي برجليك لرحبة الكلاب
* نعم ؟؟؟
ـ على ما فراسكش هاذي راه هي رحبة الكلاب ، كاع الشيفورات ديال الرباط وسلا وتمارة تيسميوا هاذ المحطة برحبة الكلاب
* أوعلاش ؟؟؟
ـ دابا توريك الأيام علاش … المهم إلى كنت أنت هو الكورتي الجديد … دير خدمتك .
* آشنو غادي ندير ؟؟؟
ـ انبح على المقاعد والبلايص .
* أنبح !!! ؟؟؟
ـ زعما بالعربية الفصحى نادي على المقاعد ، أوكي .
طأطأت رأسي وكتمت حرقة الآهات في نفسي وتمتمت بلساني :” أصبحت كلبا يا فتى … أف لك يا دنيا ، ذوو جهل في جهالتهم وبجهلهم ينعمون ، وذوو الشواهد رغم الشواهد في الشقاء يسبحون … أف لك يا دنيا الدناءة… وماذا يجدي التأفف ؟؟؟… يا الله نديرو خدمتنا والحفيظ الله ” .
في باب شالة ، يوجد سائقون دكاترة ومجازون ، وآخرون مثقفون بدون شواهد رسمية ، وآخرون ” بلطجية ” لا يهمهم الانضباط لقانون المحطة أو حتى لقانون الدولة ، مراكشيون ودكاليون ، أمازيغ وعرب ، ريفيون وصحراويون ، غربيون وشرقيون ، شماليون وجنوبيون ، عاقلون ومستهترون ، طيبون وخبيثون ، ” دراويش ” ومجرمون سابقون ، مصلحون ومفسدون فاسدين ، طوب وحجر …
حين ولجت لباب شالة أول مرة أخبرني سائق هناك بأن أطلق ما درسته في كراسي الجامعة والثانويات ، وأن ” أجمع راسي بالبْيَان ” وأن أكون أسدا حتى لا تأكلني الذئاب على حد تعبيره ، وأخبرني آخر بأن باب شالة مدرسة لا كالمدارس ، سأتعلم منها ما لا يفقهه دكاترة الجامعات ومنظرو التعليم بهذا البلد .
اليوم وجدت نفسي مع إشراقة الشمس الغائبة أتذكر أول خطواتي في المحطة ، شاب في مقتبل العمر ، تخرجت من كلية الآداب بالرباط بعد أربع سنوات من التحصيل العلمي الجاد والنضال الطلابي الهادف ، أشعث أغبر ، يرى علي أثر الهم والغم ، أتجول بين أرجاء المحطة بعدما دعاني عم لي إلى التوقف عن العمل في ” البناء ” و ” الزليج ” وباقي الأعمال اليدوية الشاقة والالتحاق بباب شالة للعمل كـ ” كورتي ” ، أتفرس في وجوه المارة الواحد تلو الآخر ، أنظر إلى طابور من سيارات الأجرة تصطف عن اليمين مرة لتتحول إلى جهة اليسار مرة أخرى بعدما ينادي على سائقيها ” كورتي ” قوي البنية يلقب بـ ” الردم ” ، أتمعن في الجهة المقابلة لمحطة ” التقدم ” فأجد شابا يمتص بشفتيه ” الزرقاويتين ” سيجارة يشعل بها سيجارة أخرى وهو ينادي بأعلى صوته ” أكدال ، السويسي ، أكدال السويسي ، عيط آمحماد على بلايصك ، والحاج وا الحاج ، الـ 85 ، عشرة واحد وثلاثين ، زيد القدام أنت ، آرا واحد أكدال واحد واحد واحد … السويسي أكدال أكدال ” ، ينظر إلي الشاب نظرة شزراء أفهم منها أنه لا يطيق تمعني فيه ، أغض بصري وإذا بصوت يوقظني من تأملي في تجعد حذائي القديم :
ـ خويا غادي للتقدم
* لا لا أنا راه الكورتي الجديد هنا
ـ آآه ، أنت هو !!! جيتي برجليك لرحبة الكلاب
* نعم ؟؟؟
ـ على ما فراسكش هاذي راه هي رحبة الكلاب ، كاع الشيفورات ديال الرباط وسلا وتمارة تيسميوا هاذ المحطة برحبة الكلاب
* أوعلاش ؟؟؟
ـ دابا توريك الأيام علاش … المهم إلى كنت أنت هو الكورتي الجديد … دير خدمتك .
* آشنو غادي ندير ؟؟؟
ـ انبح على المقاعد والبلايص .
* أنبح !!! ؟؟؟
ـ زعما بالعربية الفصحى نادي على المقاعد ، أوكي .
طأطأت رأسي وكتمت حرقة الآهات في نفسي وتمتمت بلساني :” أصبحت كلبا يا فتى … أف لك يا دنيا ، ذوو جهل في جهالتهم وبجهلهم ينعمون ، وذوو الشواهد رغم الشواهد في الشقاء يسبحون … أف لك يا دنيا الدناءة… وماذا يجدي التأفف ؟؟؟… يا الله نديرو خدمتنا والحفيظ الله ” .