يوميات باحث عن قرار ... بقلم د. مازن صافي
يفتح عينيه بتثاقل .. يخبئ وجه في موجة من تثاؤب .. يخجل من خيوط الشمس الدافئة .. ينتابه شعور غريب .. اليوم عطلة أسبوعية .. لا يعلم لماذا يعتقد أن الأسبوع لم ينته بعد .. نهض يتمشى في الساحة الخارجية .. بداية لمعانقة يوم جديد .. وحيدا بعد أن سافر الأحبة ..؟!
يعود ليصنع كوبا من النسكافيه ويتناول قطع من البسكويت " الدايت " .. يسير بخطى متثاقلة إلى المطبخ .. يطلق زفرات متلاحقة .. كم كان يكره الوحدة دائما .. قرر أن يعانق الماء الدافئ .. يحلق ذقنه .. يكوي ملابسه .. يفعل أي شيء .. أمسك بكتاب ثم قذف به .. أدار صوت المذياع .. نشرة الأخبار قد ابتدأت للتو .. مجزرة رهيبة في محيط الميدان .. الاحتلال يغلق المكان .. الشبان يتدفقون .. التقط أنفاسه .. ذهب ليفتح التلفاز .. كان هناك بث مباشر .. تعب من اللحاق بما يرى .. دماء في الشوارع .. جثث مقطوعة الأطراف .. أغلق الصوت والصورة .. وضع وجه في كفيه .. كاد أن يتقيأ .. رائحة ما تخرج من المطبخ .. ذهب مسرعا .. تناول السائل الحار وسكبه في المصرف .. لم يعد بحاجة إلا إلى النوم .. شيء ما يخنقه .. يبكيه .. يبعثر أفكاره .. بدأ يبحث عن ذاته .. عبثا يحاول أن يغمض عينيه .. ؟!
ارتدى ملابسه السوداء .. وضع الكوفية على كتفيه ولف بها رقبته .. حمل العلم وقرر أن يصرخ في الشارع .. الاحتلال الى زوال .. ليخرج الاحتلال .. أطال التحديق في العجلات المشتعلة .. رائحة تخنقه .. سحب من سواد تغطي المكان .. لحظات ترحل مع الراحلين .. تسافر مع من ودعوه بالأمس وسافروا مع سحب البعاد .. انتهت تصاريح الزيارة لهم جميعا .. النكبة تقرر أن تفرض حضورها .. الشارع يفرض اليوم حضوره .. هو أيضا يفرض حضوره .. الأحلام يجب ألا تتهاوى أو تسقط أو تحترق .. كانت أحلامه تتهاوى وتعانق بقايا الرماد ..؟!
في الطريق تتداعى كل الأفكار أمامه .. ترتيب لم يتدخل فيه .. مواجهة مباشرة مع ذاته وقراره وجيش مدجج بالسلاح .. تتزاحم الناس وأفكاره .. تتدافع الحشود في الأزقة وأعماقه .. الأنا القابعة في نفسه تتحرر من الخوف والقلق والحذر .. يسير بسرعة نحو الهدف .. لا هدف محدد .. يبحث عن شيء ما خارج سياق الصورة .. هل ما أفعله صواب .. تساؤلات لا تنتهي .. كيف قررت أن أبقى لوحدي وأتركهم يسافرون لوحدهم .. كيف تم كل هذا .. يقترب من أقرب جندي .. صرخات تتعالى داخله .. صرخات تتعالى حوله .. أهرب .. أهرب .. لا لن أهرب هذه المرة .. سأتحمل كل ما أردت أن يكون .. لن أبتعد عن بيتي وأرضي .. هم قرروا أن يعودوا .. يعلو الصرخات في أعماقه .. تعلو الصرخات حوله .. ابتعد .. اهرب .. كان قاسيا جدا .. لم تربكه دموع طفله الصغير وهو يناديه " تعال معنا يا بابا " .. ضربات تسقطه أرضا .. ولكن ... ليس الأمر بيده .. الظروف أقوى منه .. ليس الأمر بيده .. هناك من يضربه بعنف .. وضع يديه على رأسه .. أراد أن يسكت ضجيج الأفكار .. كان يدافع عن قراره .. كانوا يضربونه بلا توقف .. الدماء تسيل من وجهه .. ؟!
كثيرون هم أصدقاؤه .. يحملونه على أكتافهم .. يصرخون " رجع الخي يا يمه ودعينه " .. يردد معهم .. تنتابه مشاعر أنه مسافر الى حيث اللامكان .. فراغ عميق .. يفتش فيه عن زوجته الجميلة وابنتيه ثورة ، ونداء .. ينادي على ابنه صامد .. عائلة صغيرة فرقتها عصابات غريبة .. كان يفتش بين الأصوات عن صوت يعرفه .. يقترب منه ... يناديه .. لا يسمع الا الصدى .. يبتسم قليلاً ..ثم يطلق ضحكات هستيرية .. وحده يعلم مصدرها .. الجميع ينظرون إليه .. يراهم جميعا .. يحسدونه على الروح المرحة التي يتحلى بها .. على القوة التي تحلى بها .. على شرارة التفجير التي أطلقها .. الزغاريد تملأ المكان .. الحلوى توزع .. يلبس الأبيض .. يلف بالكوفية والعلم .. سافر كما سافروا .. رحلة قرار ..؟!
2 فبراير 2012
تعليق