صــــــــــــــــرخـــــــــــة حـــــــــــــلـــــــــــــــــم
استنار وضعه الهين بأفكار براقة انتشت لها روحه المكلومة . الأفكار الباسمة لا تخفي بريقها الوهاج. كم يكون سعيدا لو شق طريقه في اتجاه المجهول ، بعيدا عن ألسنة تلوك عبارات الانبطاح والاستسلام التي يلتقطها كل يوم من أفواه العجزة . كم يكون سعيدا لو أصغى لدقات قلبه النابض بالأمل ؛ وهو يرسم له معالم الطريق فوق بساط شائك . لكنه موغل في الضياء إلى بر الأمان .
بجوار السوق الأسبوعي تسمرت قدماه وانتظر استرجاع أنفاسه الملتهبة بعدما غص حلقه. حمل السلة القصبية التي كانت على موعد مع جيبه المكدود. رمقها بنظرات يملؤها الأسى ثم طأطأ رأسه بخجل كمن اقترف الذنب . غاصت يده في جيبه فأحصت النقود كما لو تعد اللآلئ ، إنها ستون درهما كافية لإطعام الأفواه الفاغرة بما يكفي من القوت .لم يسحبها في زحمة كوكبة متهافتة على البضائع مخافة أن تظفر بها يد نشال من خلفه ؛ وما أكثرهم في زمن جفت فيه منابع الحياة ؛ فتصلبت القلوب ويبست المشاعر ...أطرق إلى الأرض فتأمل آخرته ....وتساءل: يا الهي لم كل هذا العناء !؟..الأرزاق بيد الله ؛هذا جاري مسعود لا يحصي الأوراق النقدية على رؤوس الأصابع ؛ بل يعد الحزم ؛ في كل حزمة مليون سنتيما ؛ ثم يشمخ بأنفه .. لكن لمن يكدسها !؟ الأرض محشوة بالأجساد وحبلى برفات العباد .....
ابتلع ريقه ويبست شفتاه تمنى لو أن (الكراب*) سقاه شربة ماء تجرجر في حلقه وتثلج صدره ....اقتنى لوازمه الخاصة ؛ وأراد الانعطاف إلى البيت قبل آذان الظهر. شمر على ساعديه وشد معصمه كمن يتأهب للوثب والانقضاض على الفريسة . نصب عينيه سلته المثقلة بما لذ وطاب ؛ ومسافة أميال سيطويها طيا . تأفف للمرة الأخيرة ؛ وثبت قدميه على الأرض ؛وانحنى محدبا ظهره ممسكا بسلته ؛ ثم حملها على كتفه من دون مساعدة شخص .
دلف بين الخيام ..لازال طنين الهجرة يقرع سمعه ؛ اندس بين الجموع فأمسكه شيخ عجوز جاثم على الأرض من تلابيب جلبابه الخشن – رجل يدعي انه يرى الغيب في ظهر بيضة – قال توقف يا هذا ...هوى بسلته واندهش للموقف .قال : صدقني ..معالم الكرم بادية على محياك ؛ إن كنت صفر اليدين فلا تبخل علي بالشكر؛ ويدوم فضلك . تكلف عبد الودود ابتسامة خجولة تدفع بالهم مسافة شبر ...أمسك العجوز يده وبسطها ووضع البيضة في كفه ثم تمتم بكلمات لم يتبين معناها . قال : أقبض ، فقبض على البيضة . تقاطرت الكلمات على مسمعه ؛ التقط من فاه الرجل اسم أبيه وأمه وبعض أولاده . طمأن نفسه بصدق المعلومة .ثم قال الشيخ : أنت رجل مكدود بين يديك فرصة ذهبية توصلك إلى بر الأمان ...ستفقد أشياء ثمينة لكنك ستنجو بنفسك من الغرق في بحر أمواج الحياة المتلاطمة . وستنعم بالراحة الأبدية . قل باسم الله وتوكل على الله ..
لم تفارقه هذه العبارات وهو يركض إلى البيت ؛ حلق تفكيره في سماء التخمينات والتكهنات المحتملة دون جدوى ؛ لم يشعر أن أصابع رجليه قد تألمت للمشي الطويل
عند مدخل القرية التقى بالجار مسعود ؛ تبادلا التحية بابتسامة عريضة ملؤها الإشفاق ؛ تأسف مسعود لحاله وحثه على بيع أرضه التي لفظت أنفاسها الأخيرة بسبب شراسة قحط ذبحها من الوريد إلى الوريد – وعبور البحر خارج الحدود ....لاشيء غير البحر، كل مصائب الفقراء جمعت في البحر؛ والحدود الشائكة.. كل الأماني تموت هناك ....
مر شهر كامل على الحكاية وأصبحت الأرض في ملك مسعود ؛ وأصبح عبد الودود كالقابض على الجمر . باع قطعة من كبده لعلاج داء الجيب ...خارج الحدود سيدفن الكدح في رماد الأيام ...سينتفض كالعصفور بلله القطر. سينتزع من عنقه طوق المعاناة الذي يخنق أنفاسه ...
في صباح يوم الخميس فرك عينيه المتعبتين بالبكاء، مسح على خديه قطرات الدمع المنسكب. تنحنح واستجمع قواه . وهو في معترك مع الصبر كي يكتم عن أهله حرقة الوداع التي باتت تؤجج مشاعره كالنار الملتهبة
ودع الجميع وامتطى مع مسعود السيارة الفارهة في اتجاه الميناء .في اتجاه الحدود التي تقص أجنحة الأحلام أو تتركها ترفرف بكل انتشاء وغبطة ...لم يتحدثا طوال الرحلة إلا عن الحدود ؛ والحراس ؛ وكيفية التستر عن عيون المراقبين لضمان سلامة العبور إلى بر الحياة ....كل الأفكار كانت تصب في اتجاه صندوق السيارة ..على مسافة أمتار من بهو الميناء توقف مسعود . نزلا معا من السيارة وترجلا قليلا ، جمع عبد الودود في ذهنه حصاد التعليمات المفصلة التي خبرها مسعود في ميدان الاختباء والتنكر ...فالتزم بها وبتفاصيلها . نزل في صندوق السيارة .طوى رجليه ولف يديه حول صدره ؛ وتكور بكل ما يملك من قوة حتى اصطكت أضلاعه وقضقضت مفاصله . تملكته الرهبة وتضاعفت نبضات قلبه كأنه يعبر الصراط بين حافتي النار المستعرة . ثم أسدل عليه مسعود قماشا أبيض لإخفاء كل معالمه ؛ ورفع رأسه وجال ببصره في كل الأرجاء ...لا أحد هناك . من حسن الطالع كل العيون أطبقت. وكل الأحلام خلت من أشباحها . .
.ضغط بيده اليمنى على باب الصندوق فأغلقه برفق كي لا يصاب عبد الودود بمكروه .ثم سحب وثائقه وهرول مسرعا للتأشير على جواز سفره قبل أن يقود سيارته إلى مستودع الباخرة ..تقاطرت عليه الأسئلة المحرقة التي أوجعت رأسه . من يضمن سلامة عبد الودود في الصندوق ؟؟ كم يستغرق في التنفس الطبيعي مع قلة مخزون الحياة؟؟....كل دقيقة بحساب ألف عام ...كل ثانية تمزق أحشاءه من الخوف .....يا للمغامرة !! أطلق ساقيه للريح يداري الرجال والسيارات بجنون مفرط ..صعد الدرج كدباب الصحراء ....قيل له تغير مكان التأشير .طاف بين المكاتب مترنحا كالأبله فخارت قواه وخرج لا يلوي على شيء ؛ ثم اندس بين طابور السيارات وهي تتدحرج من مكانها .أحس أن رجليه اثاقلتا إلى الأرض ، وأن كل حركاته قد شلت. تصلبت أفكاره ؛ وسال العرق من جبينه . ليس مجرد الحر الذي يلفح الوجوه ؛ بل المتاعب التي تقود إلى الهلاك ..... تناهى إلى سمعه صراخ كالجلبة في مكان سحيق ؛ أعيته الحيلة فوجد نفسه بجوار الصندوق ؛ صادفه يرتج بحركات عنيفة للمرة الأخيرة ، فتحه بارتعاش شديد ، وجحظت عيناه للمفاجأة فأسبلت الدموع على خديه كشلال منهمر. كفكفها بمنديه ثم ولى هاربا .
* الكراب = صاحب قربة ماء ؛ يسقي الناس فيتصدقون عليه .
استنار وضعه الهين بأفكار براقة انتشت لها روحه المكلومة . الأفكار الباسمة لا تخفي بريقها الوهاج. كم يكون سعيدا لو شق طريقه في اتجاه المجهول ، بعيدا عن ألسنة تلوك عبارات الانبطاح والاستسلام التي يلتقطها كل يوم من أفواه العجزة . كم يكون سعيدا لو أصغى لدقات قلبه النابض بالأمل ؛ وهو يرسم له معالم الطريق فوق بساط شائك . لكنه موغل في الضياء إلى بر الأمان .
بجوار السوق الأسبوعي تسمرت قدماه وانتظر استرجاع أنفاسه الملتهبة بعدما غص حلقه. حمل السلة القصبية التي كانت على موعد مع جيبه المكدود. رمقها بنظرات يملؤها الأسى ثم طأطأ رأسه بخجل كمن اقترف الذنب . غاصت يده في جيبه فأحصت النقود كما لو تعد اللآلئ ، إنها ستون درهما كافية لإطعام الأفواه الفاغرة بما يكفي من القوت .لم يسحبها في زحمة كوكبة متهافتة على البضائع مخافة أن تظفر بها يد نشال من خلفه ؛ وما أكثرهم في زمن جفت فيه منابع الحياة ؛ فتصلبت القلوب ويبست المشاعر ...أطرق إلى الأرض فتأمل آخرته ....وتساءل: يا الهي لم كل هذا العناء !؟..الأرزاق بيد الله ؛هذا جاري مسعود لا يحصي الأوراق النقدية على رؤوس الأصابع ؛ بل يعد الحزم ؛ في كل حزمة مليون سنتيما ؛ ثم يشمخ بأنفه .. لكن لمن يكدسها !؟ الأرض محشوة بالأجساد وحبلى برفات العباد .....
ابتلع ريقه ويبست شفتاه تمنى لو أن (الكراب*) سقاه شربة ماء تجرجر في حلقه وتثلج صدره ....اقتنى لوازمه الخاصة ؛ وأراد الانعطاف إلى البيت قبل آذان الظهر. شمر على ساعديه وشد معصمه كمن يتأهب للوثب والانقضاض على الفريسة . نصب عينيه سلته المثقلة بما لذ وطاب ؛ ومسافة أميال سيطويها طيا . تأفف للمرة الأخيرة ؛ وثبت قدميه على الأرض ؛وانحنى محدبا ظهره ممسكا بسلته ؛ ثم حملها على كتفه من دون مساعدة شخص .
دلف بين الخيام ..لازال طنين الهجرة يقرع سمعه ؛ اندس بين الجموع فأمسكه شيخ عجوز جاثم على الأرض من تلابيب جلبابه الخشن – رجل يدعي انه يرى الغيب في ظهر بيضة – قال توقف يا هذا ...هوى بسلته واندهش للموقف .قال : صدقني ..معالم الكرم بادية على محياك ؛ إن كنت صفر اليدين فلا تبخل علي بالشكر؛ ويدوم فضلك . تكلف عبد الودود ابتسامة خجولة تدفع بالهم مسافة شبر ...أمسك العجوز يده وبسطها ووضع البيضة في كفه ثم تمتم بكلمات لم يتبين معناها . قال : أقبض ، فقبض على البيضة . تقاطرت الكلمات على مسمعه ؛ التقط من فاه الرجل اسم أبيه وأمه وبعض أولاده . طمأن نفسه بصدق المعلومة .ثم قال الشيخ : أنت رجل مكدود بين يديك فرصة ذهبية توصلك إلى بر الأمان ...ستفقد أشياء ثمينة لكنك ستنجو بنفسك من الغرق في بحر أمواج الحياة المتلاطمة . وستنعم بالراحة الأبدية . قل باسم الله وتوكل على الله ..
لم تفارقه هذه العبارات وهو يركض إلى البيت ؛ حلق تفكيره في سماء التخمينات والتكهنات المحتملة دون جدوى ؛ لم يشعر أن أصابع رجليه قد تألمت للمشي الطويل
عند مدخل القرية التقى بالجار مسعود ؛ تبادلا التحية بابتسامة عريضة ملؤها الإشفاق ؛ تأسف مسعود لحاله وحثه على بيع أرضه التي لفظت أنفاسها الأخيرة بسبب شراسة قحط ذبحها من الوريد إلى الوريد – وعبور البحر خارج الحدود ....لاشيء غير البحر، كل مصائب الفقراء جمعت في البحر؛ والحدود الشائكة.. كل الأماني تموت هناك ....
مر شهر كامل على الحكاية وأصبحت الأرض في ملك مسعود ؛ وأصبح عبد الودود كالقابض على الجمر . باع قطعة من كبده لعلاج داء الجيب ...خارج الحدود سيدفن الكدح في رماد الأيام ...سينتفض كالعصفور بلله القطر. سينتزع من عنقه طوق المعاناة الذي يخنق أنفاسه ...
في صباح يوم الخميس فرك عينيه المتعبتين بالبكاء، مسح على خديه قطرات الدمع المنسكب. تنحنح واستجمع قواه . وهو في معترك مع الصبر كي يكتم عن أهله حرقة الوداع التي باتت تؤجج مشاعره كالنار الملتهبة
ودع الجميع وامتطى مع مسعود السيارة الفارهة في اتجاه الميناء .في اتجاه الحدود التي تقص أجنحة الأحلام أو تتركها ترفرف بكل انتشاء وغبطة ...لم يتحدثا طوال الرحلة إلا عن الحدود ؛ والحراس ؛ وكيفية التستر عن عيون المراقبين لضمان سلامة العبور إلى بر الحياة ....كل الأفكار كانت تصب في اتجاه صندوق السيارة ..على مسافة أمتار من بهو الميناء توقف مسعود . نزلا معا من السيارة وترجلا قليلا ، جمع عبد الودود في ذهنه حصاد التعليمات المفصلة التي خبرها مسعود في ميدان الاختباء والتنكر ...فالتزم بها وبتفاصيلها . نزل في صندوق السيارة .طوى رجليه ولف يديه حول صدره ؛ وتكور بكل ما يملك من قوة حتى اصطكت أضلاعه وقضقضت مفاصله . تملكته الرهبة وتضاعفت نبضات قلبه كأنه يعبر الصراط بين حافتي النار المستعرة . ثم أسدل عليه مسعود قماشا أبيض لإخفاء كل معالمه ؛ ورفع رأسه وجال ببصره في كل الأرجاء ...لا أحد هناك . من حسن الطالع كل العيون أطبقت. وكل الأحلام خلت من أشباحها . .
.ضغط بيده اليمنى على باب الصندوق فأغلقه برفق كي لا يصاب عبد الودود بمكروه .ثم سحب وثائقه وهرول مسرعا للتأشير على جواز سفره قبل أن يقود سيارته إلى مستودع الباخرة ..تقاطرت عليه الأسئلة المحرقة التي أوجعت رأسه . من يضمن سلامة عبد الودود في الصندوق ؟؟ كم يستغرق في التنفس الطبيعي مع قلة مخزون الحياة؟؟....كل دقيقة بحساب ألف عام ...كل ثانية تمزق أحشاءه من الخوف .....يا للمغامرة !! أطلق ساقيه للريح يداري الرجال والسيارات بجنون مفرط ..صعد الدرج كدباب الصحراء ....قيل له تغير مكان التأشير .طاف بين المكاتب مترنحا كالأبله فخارت قواه وخرج لا يلوي على شيء ؛ ثم اندس بين طابور السيارات وهي تتدحرج من مكانها .أحس أن رجليه اثاقلتا إلى الأرض ، وأن كل حركاته قد شلت. تصلبت أفكاره ؛ وسال العرق من جبينه . ليس مجرد الحر الذي يلفح الوجوه ؛ بل المتاعب التي تقود إلى الهلاك ..... تناهى إلى سمعه صراخ كالجلبة في مكان سحيق ؛ أعيته الحيلة فوجد نفسه بجوار الصندوق ؛ صادفه يرتج بحركات عنيفة للمرة الأخيرة ، فتحه بارتعاش شديد ، وجحظت عيناه للمفاجأة فأسبلت الدموع على خديه كشلال منهمر. كفكفها بمنديه ثم ولى هاربا .
* الكراب = صاحب قربة ماء ؛ يسقي الناس فيتصدقون عليه .
تعليق