**قراءة في لوحة
بيكاسو والجرنيكا **
شهد بابلو بيكاسو بأم عينيه ما حدث لتلك المدينة المدعوة ( الجرنيكا ) عام 1937 المنطقة الهادئة القابعة بسكينة وهدوء ممتلئة بسكانها المدنيين ، ومن المفترض أن تكون بعيدة عن ساحات القتال العسكري لكن ما جرى من فظائع فيها جعلها منطقة منكوبة وركام يتكوم على أهله بعد أن أصبحت ساحة للحرب خلال أربعة ساعات دمرت تماما ً استشهد فيها 1600 شخصا ً
فهي ليست منطقة إستراتيجية لتكون ساحة مستهدفة من قبل المتقاتلين
لكن رغم ذلك حُولت المدينة إلى كتلة من السواد والرماديات
وعرف أن بيكاسو كان شديد الرهافة بما يحيطه فكان من الطبيعي أن يصور بابلو بيكاسو هذه الفظائع بريشته ليحولها للوحة جدارية ، تمثل الآلام الإنسانية كافة ، وليس فقط ما حصل في الغرينكا ، بل ممثلا ً لألم الإنسانية كافة
يقول بابلو بيكاسو
" حرب إسبانيا هي معركة ضد الشعب والحرية، ىلم تكن مسيرتي الفنية سوى حرب مستمرة ضد اغتيال الفن وتدميره. في لوحتي التي أشتغل عليها والتي سأسميها " غيرنيكا " وفي كل أعمالي الحديثة أعبر بوضوح عن فظاعة التدخل العسكري الذي أغرق ايبانيا في محيط من الألم والموت "
رسم لها أكثر من خمسة وأربعين عمل مائي قبل أن يشرع في عملها جدارية
تجاوزت لوحة بيكاسو ثمانية أمتار طولا ً وأكثر من ثلاثة أمتار عرضا ً
فما حدث كان كبيرا ً بحيث تضيق بتصويره كل المساحات المتاحة ، كان الحدث أكبر من مساحة الشعور
الألم في الروح كان حادا ً
وأتت أيضا ردا ً عل أولئك اللذين قالوا إن بابلو بيكاسو إنه مهتم بفنيات الجمال لا أكثر
وبأنه نرجسي همه البحث عن مدرسة جديدة تستوعب فكره الفني ، وغير مهتم بمصائر الإنسانية المفجعة
فقد عرف عنه حبه الشديد لأصدقائه وعطفه عليهم ..
وهذا جان كوكتو يتحدث عنه فيقول (انه من الطيبة إلى حد دفع به إلى أن يوزع العديد من أعماله على أصدقائه وهو يعلم انهم سيقومون ببيعها وتوفير ما يساعدهم على الاستمرار في العيش والعمل ) .
بابلو و أمثاله كانو دائما الصدى لما يحدث في العالم الصدى لكل هموم الإنسانية و ليس فقط المحلية
أصحاب هذه الرهافة الشديدة لا بد أن تكون أكثر الناس تأثر بأوجاع الآخرين وهمومهم
ولذا ريشتهم لن تسكت بأي حال من الاحوال لتتمثل الإحاسيس النبيلة لصاحبها
صور بيكاسو في لوحته الجرنيكا
بزخم فني كبير و رموزا أخذت الكثر من التفسير والتحليل لفظائع تلك المذبحة الإنسانية بعض الرموز الهامة .
1ــ ذلك المصباح المسنن الذي يتوسط اللوحة و يجرح العتمة هو الضوء الذي سوف تنتحر العتمة أمامه بلا شك والذي رمز به لكل أوجه الخير والفجر القادم و سيبقى شاهدا ً على النور الآتي والوجع والألم في الغرنيكا
و كل مكان فيه وجع للإنسانية يئن
2ــ ونشاهد تلك الأم التي قبل قليل تحمل صغيرها وتهدهده بحنان ورفق وحبور وتفيض عيناها ترف حب لصغيرها
ويداهم الألم الخوف الرعب الأم مفاجئا بلا إنذارات ليتحول العالم لكابوس خانق ويصبح الطفل جثة بلا روح تخنق الأم بألمه
وما زالت تحمله بين يديها بصرخة شديدة وخوف مريع
بملاء جوارحها من الفقد
3ــ صراخا ت تقطع المدى البعيد بصوت موجع يخرج من الاعماق المقتولة
والام هي العطاء .. الوطن ... النبل ... الكرم .. الحنان
هي الأرض المعطاءة !
فأن كانت الام قد أرهقت روحها بكل هذا العذاب فقد أرهق الجيل كله
4ــ وكذلك ترى مشهدا ً آخر في اللوحة أمراه أخرى قد استبدت بها آلام شديدة فأ طلقت صرخة مدوية تشتعل في الأفاق
إنها الصرخات التي تفتك بالروح
5ــ في اللوحة أرواحا كثيرة حيثما نظرت تجد روحا ً تزهق أو في الرمق الأخير
وجوه علاها الألم والسخط والوجع ممزقة يتطاير منها نيران الحزن ،
جميعها تلبس ثياب البؤس وجعها من أخوتها بن الإنسان نفسه
الحرب تعلن عن نفسها بفظاعة لتجعل من الأمكنة والوجوه ركاما ً رماديا أسودا ً
نجد في اللوحة رأس الثور بعينيه المفتوحتين والذي يرمز للقوة الوحشية
6 ــ ورأس الحصان بصرخته المدوية والذي يرمز للمقاومة الوطنية
وتلك العين الشاهدة بمصباحها على الحقائق والتي تسجل كل شيئ في الذاكرة
الألوان التي استخدمها بيكاسو لعكس الشهد المأساوي
استخدم بيكاسو في لوحته اللون الأسود ودرجاته والأبيض و الأزرق الغامق جدا ً
أراد بذلك بيكاسو ..
أن تكون ألوانه حزينة أخرجها بإخراج سينمائي من عالم الأبيض والأسود في السنما ألوان إيحائية
ستبقى الغرنيكا شاهدا على جرائم الإنسانية وفظائعها التي لا تنتهي
مسجلة برهافة أحاسيس بابلو بيكاسو بريشته الغنية الإحاسيس والأفكار .
تعليق