قراءة في قصيدة : خيمة الليل ، للشاعر جمال مرسي :
تحاور الذات والزمن واللون والعالم
د. مصطفى عطية جمعة
إننا أمام نص مميز ، يعبر عن حالة الانطلاقة الشعرية لجمال مرسي، وأعني بها دخوله مرحلة النضج الفني ، والتوهج الشعري ، وهي مرحلة تناسب تجربته الإبداعية ، ورحلته المعرفية والعمرية . يأتي هذا النص ضمن التميز الذي وضحت علاماته ، وتألقت كلماته ، فسما بنا إلى حالة نفسية سامية ، وجمع ما بين الزمني ، واللوني ، والنفسي ، والإسقاط الرمزي المباشر على الذاتي للشاعر والراهن في أحوال الأمة ، إنه نص يطرح الأسئلة ، وهي أسئلة متصلة بالجماليات والرؤية التي تتأجج في ثناياه .
ولنعرض النص أولا ، ومن ثم تأتي القراءة النقدية :
أَرَقٌ ، أَرَقْ .
الليلُ يَسكُنُ خَيمَةً شِتوِيَّةً
نَسَجَتْ خُيُوطَتَها الكَوَاكِبُ و النُّجُومُ..
و ثَبَّتَت أَوتَادَهَا فَي الأَرضِ أَرسَانُ الأَرَقْ .
مُتَأَهِّباً لِلنَّومِ،
أَرخَى فَوقَ عَينِ الكَونِ سِتراً أَسوَدا .
و على بِسَاطِ الأرضِ نَامَ مُمَدَّدا .
نَظَرَت إلى الأُفقِ البعيدِ عُيُونُهُ .
هُوَ لا يَكادُ يرى يَدَيهِ
و لَيسَ يَسمَعُ في الفَضَا إلاَّ الصَّدَى
أَحلامُهُ مَاتَت عَلَى شَفَةِ السؤالِ
تَنَازَعَتهَا وَحشَةٌ،
و نُيُوبُ ذئبٍ بَربَرِيٍّ ..
لَم يَزَل يَطَأُ الجِراحَ ، النَّهرَ ،
ضِحْكاتِ الصِّغَارِ ، الوَردَ ،
آياتِ الكِتَابِ ، منازِلَ الشُّرَفَاءِ ،
مَكتَبَةً ..
بِكُلِّ صَغِيرةٍ و كَبِيرَةٍ زَخَرَت ،
و حِبراً داعَبَت قطراتُهُ وَجهَ الوَرَقْ .
أَرَقٌ ، أَرَقْ .
الليلُ يَسكُنُهُ الأَرَقْ
و أنا سَأَسكُنُ خَيمَةَ اللَّيلِ الذي أَبصَرتُهُ
يَبكِي لأَوَّلِ مَرَّةٍ
و لَطَالَمَا صَدَرَت عَلَى سَاعَاتِهِ أَحكَامُهُم
هُوَ ظَالِمٌ ،
هُوَ مُظلِمٌ ،
هُوَ بَاعِثٌ لِلحُزنِ فَليُشنَق عَلَى بَابِ الفلقْ .
أَو تُحبَس الأَنسَامُ عَنهُ
يَنُوءُ بِالنَّجمَاتِ ، بِالقَمَرِ المُنِيرِ بِأفْقِهِ ،
بِسكُونِهِ ،
بِجَلالِهِ ،
بِجَمَالِهِ ، بِسَوَادِهِ ،
يَهوِي إِلَى أَرضِ النِّفَاقِ فَيَحتَرِقْ.
يَا أَنتِ هَيَّا نُوقِدُ النِّيرَانَ ،
أَضيَافُ الدُّجَى قَد أَقبَلوا..
مِن كُلِّ فَجٍّ حَامِلِينَ جِراحَهُم ،
و وُرُوُدَهُم ،
و كُؤُوسَ لَهفَتِهِم إِلَى شَهدِ اللِّقَاءِ
فَهَيِّئِي مِن خَيمَةِ اللَّيلِ الوِسَادَ
و عَطِّرِيني مِن أَرِيجٍ لَيسَ يَعرِفُهُ سِوَانَا
رُبَّما لَو تُهتُ عَنكِ يَدلُّنِي سِحرُ العَبَقْ .
أَرَقٌ أَرَقْ
الليلُ يُوشِكُ أَنْ يَنامَ على ذِرَاعِ الفَجرِ
قد ثَقُلَت عليهِ همومُهُ .
أَتُراهُ يتركني وحيداً ..
لا نديمَ سوى التذكِّرِ ..
حين يقطعُ طيفُكِ القَمَرِيُّ آفاقَ اغترابي
تاركاً لي قصةَ الحُبِّ الطفوليِّ ،
ابتسامَتَكِ البريئةَ ،
لونَ عينيكِ ،
الرؤى ،
قاموسَ أيامِ الرعونةِ و النَّزَقْ .
أرَقٌ أرَقْ .
الليلُ يَضحَكُ لِي ،
يُوَدِّعُنِي ،
و يَمضِي حَيثُ يَأْخُذُهُ الصَّباحُ إِلى البَعِيدِ
و لَم أَزَل أَقتَاتُ عُشبَ الحُزنِ
أَلتَحِفُ الأَسى ،
و النومُ يأبى أَن يُصَالِحَ مقلتي .
القراءة النقدية :
يمكن الولوج في هذا النص عبر عدة مفاتيح :
المفتاح الأول : مفتاح زمني ، يتمثل في تتبع الليل منذ دخول زمنه ، إلى نهايته، فكل مقطع من النص يحمل نقلة زمنية في الليل ، وكأننا أمام جبل من الظلام ينوء به كاهل الشاعر ، ويحاورها الشاعر ، وقد جاء الليل هنا مرتبطا بشكل مباشر بالشتاء فيقول :
أَرَقٌ ، أَرَقْ .
الليلُ يَسكُنُ خَيمَةً شِتوِيَّةً
وبالتالي تحدد الليل بالبرودة ، وهذا أشد الليل ، فالليل في الشتاء طويل ، ممتد، بينما النهار قصير ، وفي الشتاء يكون الليل أشد برودة ، والبرودة تصيب النفس بالخمول ، ولكنها أصابت شاعرنا بالأرق ، وهذا دال نفسي عميق ، فمهما اشتدت الظلمة ، وتعاظمت البرودة ، فإن الذات المتقلبة القلقة ، لا تعرف الهدوء ، فهي في عراك مع الزمن / الليل ، ومع العالم .
ولننظر - أيضا - إلى قوله :
أَرَقٌ أَرَقْ
الليلُ يُوشِكُ أَنْ يَنامَ على ذِرَاعِ الفَجرِ
هنا يعبر عن لحظة رحيل الليل ، ويأتي بتعبير جديد ، غاية في الرهافة ، فالليل رغم ما فيه سهاد ، فقد دخل في علاقة مؤنسنة مع الذات الشاعرة ، ولأن الذات متصالحة مع النهار ، فإن هذه المصالحة جعلت ليلها تعانق الفجر ، عكس ما هو شائع إبداعيا من أن الفجر مضاد لليل ، فهنا يصبح الزمن حواريا بين الشاعر ونفسه وعالمه الخارجي والإنساني .
وكذلك في قوله :
أرَقٌ أرَقْ .
الليلُ يَضحَكُ لِي ،
يُوَدِّعُنِي .
هنا الليل ، لملم ما تبقى من خيوطه السوداء ، وأفسح المجال للفجر ، ومن ثم فهو يودع الشاعر وداعا رقيقا ، فيه البعد الإنساني / المتصالح ، فهو يضحك ويلاعب، ويودع شاعرنا ، وكأننا أمام علاقة عالية الخصوصية ، لا تقتصر على ليل واحد، بل تتخطاه إلى ليال متعددة ، متتالية ، ضمن مشوار الشاعر الزمني في الحياة ، ومشواره مع الشعر والتأمل .
المفتاح الثاني : مفتاح لوني ، فالليل ظلام أسود ، والسواد كما يرى شاعرنا "أَرخَى فَوقَ عَينِ الكَونِ سِتراً أَسوَدا " ، فكأننا أمام صورة سوداوية ، تلقي على عالم النص لونية شديدة القتامة ، عظيمة الرهبة ، وهذا ما جعل الظلام مصدرا لونيا ورؤيويا للشاعر ، فاشتق من الظلام رؤيته الكونية للعالم الإنساني وما فيه من عوار وفساد ومظالم ، يقول :
و أنا سَأَسكُنُ خَيمَةَ اللَّيلِ الذي أَبصَرتُهُ
يَبكِي لأَوَّلِ مَرَّةٍ
و لَطَالَمَا صَدَرَت عَلَى سَاعَاتِهِ أَحكَامُهُم
هُوَ ظَالِمٌ ،
هُوَ مُظلِمٌ .
فالسكن في الليل / الخيمة ، يعني الموافقة الضمنية على ولوج العالم من هذا المنظور الليلي ، وهو منظور رغم رهبته إلا أنه عالي الشفافية ، فقد تجلى عالمنا للشاعر : وهو ظالم ، ومظلم ، وكلاهما لفظان مشتقان من ظلام الليل ، وهذا يعضد الرؤية الشعرية والجمالية والتركيبية اللفظية .
المفتاح الثالث : مفتاح تصويري / رمزي :
فلا يمكن أن نتعامل مع الليل والشاعر والعالم من مجرد لحظة تأمل شعرية في أعماق الليل ، وإنما نحن أمام عالم من الزمن الممتد من أول الليل إلى آخره، وهذا رمز مباشر لعمر الشاعر الزمني ، فالشاعر جعل الليل معادلا لعمره ، فهو في يتأمل حياته الخاصة ، وعالمه الخارجي في تتابعات الليل الزمنية ، ولننظر إلى قوله في ختام النص :
أَتُراهُ يتركني وحيداً ..
لا نديمَ سوى التذكِّرِ ..
حين يقطعُ طيفُكِ القَمَرِيُّ آفاقَ اغترابي
تاركاً لي قصةَ الحُبِّ الطفوليِّ ،
ابتسامَتَكِ البريئةَ ،
لونَ عينيكِ ،
الرؤى ،
قاموسَ أيامِ الرعونةِ و النَّزَقْ .
فهو يحيلنا إلى أيام طفولته ، وإلى سنوات غربته الطويلة في دول عدة ، مما جعل حياته كلها ليلية ، عنوانها التذكر واسترجاع الماضي ، وأيضا تأمل حال العالم الفسيح بكل مشكلاته ومآسيه ، التي لا ينفصل عنها الشاعر ، فكأنه قضى عمره في ليل ، والليل ممكن أن ينجلي بصبح ، ولكن سيعود مرة أخرى ، ليعيد الشاعر إلى عالم التذكر ، للطفولة ، والبراءة وسحر العيون للحبيبة ، وأيضا لمأساة الاغتراب الذاتي والاغتراب الجمعي الذي جعله يدين في النص كل ما حولنا من ضياع وفساد ، كما أدان في آخر النص " الرعونة والنزق " ، فهل هذه إدانة للعالم أم لبعض ما في تجربته من مآخذ ، فهي لحظة شفافية ذاتية وجمعية .
ونرى أن الصورة توازي المعطيات الرمزية في النص ، فالليل خيمة ، والشاعر لاجئ فيها ، وما بين خيمة الليل ، وذكرى النفس ، وأنسنة الليل ، تأتي الصورة معبرة برهافة عن الرؤية الشعرية ، يقول :
أَحلامُهُ مَاتَت عَلَى شَفَةِ السؤالِ
تَنَازَعَتهَا وَحشَةٌ،
و نُيُوبُ ذئبٍ بَربَرِيٍّ ..
لَم يَزَل يَطَأُ الجِراحَ ، النَّهرَ ،
ضِحْكاتِ الصِّغَارِ ، الوَردَ
إننا أمام مقطع عالي الشعرية ، فالأحلام – الفردية والجمعية – ماتت على الألسنة المتسائلة ، وهذا دال على أن الشاعر قضى حياته يطرح السؤال ، ولا يجد الإجابة التي تشفي غليله ، فتتابع الزمن ، وسقط السؤال ، وضاعت الإجابة ، ولكن الجراح والذئاب ملأت عالمنا .
المفتاح الثالث : مفتاح صوتي ، وهو باد بوضوح في الإصرار على صوت القاف في كلمات منبثة في ثنايا النص بتوزيع دلالي محسوب ، في الكلمات : " أرق ، النزق ، يحترق ، الفلق ، الورق ، العبق ، الأفق " وعند التأمل في هذه الكلمات المنتهية بالقاف ، نجد أنها تحمل الرؤية غير المباشرة للشاعر ، وكأنها تجمل النص إجمالا ، فالأرق سبب للسهر في الليل ، وتكررت اللفظة في المقاطع الشعرية النصية تعضيدا للرؤية ، وإيصالا للنغم ، وتعميقا للمعنى ، ثم تأتي باقي الكلمات لتقدم لنا بجلاء معالم الرؤية النصية فعالمنا يحترق ، وحياتنا فيها النزق، وأيامنا كأنها ورق ، والعبق غائب عن أعماقنا ، والأفق مشتت في عيوننا .
صوت القاف – وفقا لعلم الأصوات ودلالاتها – صوت انفجاري ( شديد ) ، وهو جهري ، وكأنه يقدم دلالة صوتية لانفجار الذات الشاعرة أمام هذا العالم الفسيح بكل ما فيه من إدانات وفساد ونزق .
كما يأتي صوت الهاء في القافية وهو صوت هوائي نابع من أعماق الصدر معبرا عن زفرات الشاعر ، حيث يقول عن الليل :
يَنُوءُ بِالنَّجمَاتِ ، بِالقَمَرِ المُنِيرِ بِأفْقِهِ ،
بِسكُونِهِ ،
بِجَلالِهِ ،
بِجَمَالِهِ ، بِسَوَادِهِ
فقد جمع هنا الليل : جمالا وسكونا ، بهاء وغموضا ، جلالة ورهبة ، ففي الليل تناقضات المجتمع والذات .
النص يفجر الكثير ، ولكن الأهم فيه أنه على رهافته الجمالية ، يثير في النفس شجونا ، ويعبقها ألما .
تحاور الذات والزمن واللون والعالم
د. مصطفى عطية جمعة
إننا أمام نص مميز ، يعبر عن حالة الانطلاقة الشعرية لجمال مرسي، وأعني بها دخوله مرحلة النضج الفني ، والتوهج الشعري ، وهي مرحلة تناسب تجربته الإبداعية ، ورحلته المعرفية والعمرية . يأتي هذا النص ضمن التميز الذي وضحت علاماته ، وتألقت كلماته ، فسما بنا إلى حالة نفسية سامية ، وجمع ما بين الزمني ، واللوني ، والنفسي ، والإسقاط الرمزي المباشر على الذاتي للشاعر والراهن في أحوال الأمة ، إنه نص يطرح الأسئلة ، وهي أسئلة متصلة بالجماليات والرؤية التي تتأجج في ثناياه .
ولنعرض النص أولا ، ومن ثم تأتي القراءة النقدية :
أَرَقٌ ، أَرَقْ .
الليلُ يَسكُنُ خَيمَةً شِتوِيَّةً
نَسَجَتْ خُيُوطَتَها الكَوَاكِبُ و النُّجُومُ..
و ثَبَّتَت أَوتَادَهَا فَي الأَرضِ أَرسَانُ الأَرَقْ .
مُتَأَهِّباً لِلنَّومِ،
أَرخَى فَوقَ عَينِ الكَونِ سِتراً أَسوَدا .
و على بِسَاطِ الأرضِ نَامَ مُمَدَّدا .
نَظَرَت إلى الأُفقِ البعيدِ عُيُونُهُ .
هُوَ لا يَكادُ يرى يَدَيهِ
و لَيسَ يَسمَعُ في الفَضَا إلاَّ الصَّدَى
أَحلامُهُ مَاتَت عَلَى شَفَةِ السؤالِ
تَنَازَعَتهَا وَحشَةٌ،
و نُيُوبُ ذئبٍ بَربَرِيٍّ ..
لَم يَزَل يَطَأُ الجِراحَ ، النَّهرَ ،
ضِحْكاتِ الصِّغَارِ ، الوَردَ ،
آياتِ الكِتَابِ ، منازِلَ الشُّرَفَاءِ ،
مَكتَبَةً ..
بِكُلِّ صَغِيرةٍ و كَبِيرَةٍ زَخَرَت ،
و حِبراً داعَبَت قطراتُهُ وَجهَ الوَرَقْ .
أَرَقٌ ، أَرَقْ .
الليلُ يَسكُنُهُ الأَرَقْ
و أنا سَأَسكُنُ خَيمَةَ اللَّيلِ الذي أَبصَرتُهُ
يَبكِي لأَوَّلِ مَرَّةٍ
و لَطَالَمَا صَدَرَت عَلَى سَاعَاتِهِ أَحكَامُهُم
هُوَ ظَالِمٌ ،
هُوَ مُظلِمٌ ،
هُوَ بَاعِثٌ لِلحُزنِ فَليُشنَق عَلَى بَابِ الفلقْ .
أَو تُحبَس الأَنسَامُ عَنهُ
يَنُوءُ بِالنَّجمَاتِ ، بِالقَمَرِ المُنِيرِ بِأفْقِهِ ،
بِسكُونِهِ ،
بِجَلالِهِ ،
بِجَمَالِهِ ، بِسَوَادِهِ ،
يَهوِي إِلَى أَرضِ النِّفَاقِ فَيَحتَرِقْ.
يَا أَنتِ هَيَّا نُوقِدُ النِّيرَانَ ،
أَضيَافُ الدُّجَى قَد أَقبَلوا..
مِن كُلِّ فَجٍّ حَامِلِينَ جِراحَهُم ،
و وُرُوُدَهُم ،
و كُؤُوسَ لَهفَتِهِم إِلَى شَهدِ اللِّقَاءِ
فَهَيِّئِي مِن خَيمَةِ اللَّيلِ الوِسَادَ
و عَطِّرِيني مِن أَرِيجٍ لَيسَ يَعرِفُهُ سِوَانَا
رُبَّما لَو تُهتُ عَنكِ يَدلُّنِي سِحرُ العَبَقْ .
أَرَقٌ أَرَقْ
الليلُ يُوشِكُ أَنْ يَنامَ على ذِرَاعِ الفَجرِ
قد ثَقُلَت عليهِ همومُهُ .
أَتُراهُ يتركني وحيداً ..
لا نديمَ سوى التذكِّرِ ..
حين يقطعُ طيفُكِ القَمَرِيُّ آفاقَ اغترابي
تاركاً لي قصةَ الحُبِّ الطفوليِّ ،
ابتسامَتَكِ البريئةَ ،
لونَ عينيكِ ،
الرؤى ،
قاموسَ أيامِ الرعونةِ و النَّزَقْ .
أرَقٌ أرَقْ .
الليلُ يَضحَكُ لِي ،
يُوَدِّعُنِي ،
و يَمضِي حَيثُ يَأْخُذُهُ الصَّباحُ إِلى البَعِيدِ
و لَم أَزَل أَقتَاتُ عُشبَ الحُزنِ
أَلتَحِفُ الأَسى ،
و النومُ يأبى أَن يُصَالِحَ مقلتي .
القراءة النقدية :
يمكن الولوج في هذا النص عبر عدة مفاتيح :
المفتاح الأول : مفتاح زمني ، يتمثل في تتبع الليل منذ دخول زمنه ، إلى نهايته، فكل مقطع من النص يحمل نقلة زمنية في الليل ، وكأننا أمام جبل من الظلام ينوء به كاهل الشاعر ، ويحاورها الشاعر ، وقد جاء الليل هنا مرتبطا بشكل مباشر بالشتاء فيقول :
أَرَقٌ ، أَرَقْ .
الليلُ يَسكُنُ خَيمَةً شِتوِيَّةً
وبالتالي تحدد الليل بالبرودة ، وهذا أشد الليل ، فالليل في الشتاء طويل ، ممتد، بينما النهار قصير ، وفي الشتاء يكون الليل أشد برودة ، والبرودة تصيب النفس بالخمول ، ولكنها أصابت شاعرنا بالأرق ، وهذا دال نفسي عميق ، فمهما اشتدت الظلمة ، وتعاظمت البرودة ، فإن الذات المتقلبة القلقة ، لا تعرف الهدوء ، فهي في عراك مع الزمن / الليل ، ومع العالم .
ولننظر - أيضا - إلى قوله :
أَرَقٌ أَرَقْ
الليلُ يُوشِكُ أَنْ يَنامَ على ذِرَاعِ الفَجرِ
هنا يعبر عن لحظة رحيل الليل ، ويأتي بتعبير جديد ، غاية في الرهافة ، فالليل رغم ما فيه سهاد ، فقد دخل في علاقة مؤنسنة مع الذات الشاعرة ، ولأن الذات متصالحة مع النهار ، فإن هذه المصالحة جعلت ليلها تعانق الفجر ، عكس ما هو شائع إبداعيا من أن الفجر مضاد لليل ، فهنا يصبح الزمن حواريا بين الشاعر ونفسه وعالمه الخارجي والإنساني .
وكذلك في قوله :
أرَقٌ أرَقْ .
الليلُ يَضحَكُ لِي ،
يُوَدِّعُنِي .
هنا الليل ، لملم ما تبقى من خيوطه السوداء ، وأفسح المجال للفجر ، ومن ثم فهو يودع الشاعر وداعا رقيقا ، فيه البعد الإنساني / المتصالح ، فهو يضحك ويلاعب، ويودع شاعرنا ، وكأننا أمام علاقة عالية الخصوصية ، لا تقتصر على ليل واحد، بل تتخطاه إلى ليال متعددة ، متتالية ، ضمن مشوار الشاعر الزمني في الحياة ، ومشواره مع الشعر والتأمل .
المفتاح الثاني : مفتاح لوني ، فالليل ظلام أسود ، والسواد كما يرى شاعرنا "أَرخَى فَوقَ عَينِ الكَونِ سِتراً أَسوَدا " ، فكأننا أمام صورة سوداوية ، تلقي على عالم النص لونية شديدة القتامة ، عظيمة الرهبة ، وهذا ما جعل الظلام مصدرا لونيا ورؤيويا للشاعر ، فاشتق من الظلام رؤيته الكونية للعالم الإنساني وما فيه من عوار وفساد ومظالم ، يقول :
و أنا سَأَسكُنُ خَيمَةَ اللَّيلِ الذي أَبصَرتُهُ
يَبكِي لأَوَّلِ مَرَّةٍ
و لَطَالَمَا صَدَرَت عَلَى سَاعَاتِهِ أَحكَامُهُم
هُوَ ظَالِمٌ ،
هُوَ مُظلِمٌ .
فالسكن في الليل / الخيمة ، يعني الموافقة الضمنية على ولوج العالم من هذا المنظور الليلي ، وهو منظور رغم رهبته إلا أنه عالي الشفافية ، فقد تجلى عالمنا للشاعر : وهو ظالم ، ومظلم ، وكلاهما لفظان مشتقان من ظلام الليل ، وهذا يعضد الرؤية الشعرية والجمالية والتركيبية اللفظية .
المفتاح الثالث : مفتاح تصويري / رمزي :
فلا يمكن أن نتعامل مع الليل والشاعر والعالم من مجرد لحظة تأمل شعرية في أعماق الليل ، وإنما نحن أمام عالم من الزمن الممتد من أول الليل إلى آخره، وهذا رمز مباشر لعمر الشاعر الزمني ، فالشاعر جعل الليل معادلا لعمره ، فهو في يتأمل حياته الخاصة ، وعالمه الخارجي في تتابعات الليل الزمنية ، ولننظر إلى قوله في ختام النص :
أَتُراهُ يتركني وحيداً ..
لا نديمَ سوى التذكِّرِ ..
حين يقطعُ طيفُكِ القَمَرِيُّ آفاقَ اغترابي
تاركاً لي قصةَ الحُبِّ الطفوليِّ ،
ابتسامَتَكِ البريئةَ ،
لونَ عينيكِ ،
الرؤى ،
قاموسَ أيامِ الرعونةِ و النَّزَقْ .
فهو يحيلنا إلى أيام طفولته ، وإلى سنوات غربته الطويلة في دول عدة ، مما جعل حياته كلها ليلية ، عنوانها التذكر واسترجاع الماضي ، وأيضا تأمل حال العالم الفسيح بكل مشكلاته ومآسيه ، التي لا ينفصل عنها الشاعر ، فكأنه قضى عمره في ليل ، والليل ممكن أن ينجلي بصبح ، ولكن سيعود مرة أخرى ، ليعيد الشاعر إلى عالم التذكر ، للطفولة ، والبراءة وسحر العيون للحبيبة ، وأيضا لمأساة الاغتراب الذاتي والاغتراب الجمعي الذي جعله يدين في النص كل ما حولنا من ضياع وفساد ، كما أدان في آخر النص " الرعونة والنزق " ، فهل هذه إدانة للعالم أم لبعض ما في تجربته من مآخذ ، فهي لحظة شفافية ذاتية وجمعية .
ونرى أن الصورة توازي المعطيات الرمزية في النص ، فالليل خيمة ، والشاعر لاجئ فيها ، وما بين خيمة الليل ، وذكرى النفس ، وأنسنة الليل ، تأتي الصورة معبرة برهافة عن الرؤية الشعرية ، يقول :
أَحلامُهُ مَاتَت عَلَى شَفَةِ السؤالِ
تَنَازَعَتهَا وَحشَةٌ،
و نُيُوبُ ذئبٍ بَربَرِيٍّ ..
لَم يَزَل يَطَأُ الجِراحَ ، النَّهرَ ،
ضِحْكاتِ الصِّغَارِ ، الوَردَ
إننا أمام مقطع عالي الشعرية ، فالأحلام – الفردية والجمعية – ماتت على الألسنة المتسائلة ، وهذا دال على أن الشاعر قضى حياته يطرح السؤال ، ولا يجد الإجابة التي تشفي غليله ، فتتابع الزمن ، وسقط السؤال ، وضاعت الإجابة ، ولكن الجراح والذئاب ملأت عالمنا .
المفتاح الثالث : مفتاح صوتي ، وهو باد بوضوح في الإصرار على صوت القاف في كلمات منبثة في ثنايا النص بتوزيع دلالي محسوب ، في الكلمات : " أرق ، النزق ، يحترق ، الفلق ، الورق ، العبق ، الأفق " وعند التأمل في هذه الكلمات المنتهية بالقاف ، نجد أنها تحمل الرؤية غير المباشرة للشاعر ، وكأنها تجمل النص إجمالا ، فالأرق سبب للسهر في الليل ، وتكررت اللفظة في المقاطع الشعرية النصية تعضيدا للرؤية ، وإيصالا للنغم ، وتعميقا للمعنى ، ثم تأتي باقي الكلمات لتقدم لنا بجلاء معالم الرؤية النصية فعالمنا يحترق ، وحياتنا فيها النزق، وأيامنا كأنها ورق ، والعبق غائب عن أعماقنا ، والأفق مشتت في عيوننا .
صوت القاف – وفقا لعلم الأصوات ودلالاتها – صوت انفجاري ( شديد ) ، وهو جهري ، وكأنه يقدم دلالة صوتية لانفجار الذات الشاعرة أمام هذا العالم الفسيح بكل ما فيه من إدانات وفساد ونزق .
كما يأتي صوت الهاء في القافية وهو صوت هوائي نابع من أعماق الصدر معبرا عن زفرات الشاعر ، حيث يقول عن الليل :
يَنُوءُ بِالنَّجمَاتِ ، بِالقَمَرِ المُنِيرِ بِأفْقِهِ ،
بِسكُونِهِ ،
بِجَلالِهِ ،
بِجَمَالِهِ ، بِسَوَادِهِ
فقد جمع هنا الليل : جمالا وسكونا ، بهاء وغموضا ، جلالة ورهبة ، ففي الليل تناقضات المجتمع والذات .
النص يفجر الكثير ، ولكن الأهم فيه أنه على رهافته الجمالية ، يثير في النفس شجونا ، ويعبقها ألما .