طفل وزنبقة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • انيس القصاص
    أديب وكاتب
    • 08-02-2012
    • 217

    طفل وزنبقة

    طفل وزنبقه
    توقفت قدماه عن المسير .. انضغط في اللحظة .. تمسمر ..تداخلت كل الأشياء .. تعلبت واستطالت الأحلام .. التفاتاته تتسارع بديناميكيه مذهله .. صدى خطوات متباعدة .. انزلقت ركبتيه لهاوية سحيقة .. نز العرق غزيرا من مختلف أنحاء جسده .. رعب قاتل .. وساوس واخيله ممهورة بعذابات مازالت حتى اللحظه .. ود لو يجرع إبريقا من الماء البارد .. يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغه .
    "لابد أنهم "
    هو ابن العاشرة .. طفل يخبئ حكايته بين إبطيه ويرتحل معها هناك .. طفل قادر على التمازج مع القهر ومعاشرته بكل سهوله .. يلاعب الشطان والرمال والأصداف .. يرسم بإصبعه الناري بداياته ونهاياته .. يحمل صندوقه الصغير وينتقل من زاوية لأخرى .. تتهيج عضلاته الطرية .. يمسح عرقه بابتسامه باهته .. قميصه المهترىء يدفعك بقوة لااراديه لان تفتش عن إحساسك الذي غادرك للتو .. ان تبصق على ذاتك وتعاتبها بلهجة غاضبه .. قطع الحلوى والبالونات الملونة تأخذ حيزا من صندوقه المنسدل بحبل رفيع
    "لابد أنهم "
    إحساس شعر به واللقيمات الصغيرة تتلاحق مندفعة إلى معدته "عادة اكتسبها قهرا حتى يستطيع اللحاق بالموعد"
    قبل رأسها بحنان بالغ .. احتضن الشعيرات البيضاء ..سمع صوتها "الله يسهل عليك ياولدى "
    واندلق إلى الشارع المترب ووجهها النوراني بوصلته نحو الحياة وكلماتها زادة وقوته .. يحملهما ساعات طوال حتى لحظه اللقاء
    "هو" يقف متمترسا أمام البوابة الزرقاء .. يسبح ببصرة نحو أشجار الكستنا المنتشرة في ساحتها .. مدرسه ابتدائية عشقها ذات يوم وغادرها بكل رجولة
    "هو " يقبع منذ عشر سنوات فى سجن نفحه الصحراوي .. نفحه الصمود والتحدي .. حاول المحتل أن يكسر إرادتنا فجعل زنازينه في باطن الأرض
    "هو" يرقد بين ذراعيها وقطرات الندى تغبش الرؤية ودموعها الحارة تنسكب فوق وجهه الملائكي وعقارب الساعة تتمدد نحو الرابعة فجرا وباصات الصليب الأحمر تستعد للانطلاق ليلتقي الاحبه والمقهورين والغاضبين واصطكت عجلاتها بالإسفلت الأسود إلى هناك
    "هو" بأعمدته الموغلة في الفضاء الفلسطيني اعتباطا ينتزع قطعه من الأرض ليرقد فيها أبناء الأرض في غرف ترفض شمسنا الفلسطيني هان تصلهم هناك وتصر أن تستقبلهم بين أهاليهم ومحبيهم .. غرف تنخر برودتها عظامهم لتزرع زهرات حنون تنتشر في الفيافي والامكنه .. غرف أذن الله أن تحمل حكاياتهم وحلمهم نحو الأمل
    سجن نفحه يكتبنا ونكتبه .. نختزله أسطورة ويختزلنا أبطال واهزوجه نصر
    "احمد عبد الرحيم "ووشوشات أجهزة اللاسلكي تفزعه وهو مازال يرقد بين ذراعيها ونظراته تدور في محجريهما ورائحة غريبة تتسلل إلى انفه .. انزاح الشال قليلا ولأول مرة
    "هو" بشاربه الكث وعيونه الواسعة وجبهته العريضة وابتسامته المعبرة .. صورته اندمجت في خلاياه ومسامات عقله وجعلته كما هو الان
    "اسمع ياصابر أريدك رجلا"
    عقارب الزمن توقفت عن الدوران ..اغرورقت عينية بالدموع وطارت أحلامه لحقيبة ودفتر وقلم
    واقتربت اللحظة بكل عنفوانها وكما هي العادة كل يوم , ماان تقترب الساعة نحو الحادية عشر حتى تنفجر الأرض عن مجموعه من الصبية يحملون حجارتهم المقدسة لينهالوا بها نحو مركزا للاحتلال محاذيا للمدرسة .. تعلو الأصوات
    " بيعوا وأنا اشتريه وباطخ اليهودي فيه " " هبوا هبوا ياثوار وعلى الجيش بالحجار " وأيضا تعلو أصوات الطلقات المطاطية والبلاستيكية , ويختفي الصبية كما جاءوا ويركض الجنود خلفهم
    "لابد أنهم "
    "هو " تجاوز العاشرة بقليل والساعة تغط بنوم عميق وتأبى ان تنهى دورتها .. أحس بعطش شديد وهناك شاهد شعرا يقتل الأبيض الأسود .. وظهر بزاوية حادة يلتصق بحائط زال دهانه واستبدل بقعا سوداء وماكينه تديرها بيد مرتجفة ودموع لازمته حتى نهايته
    تلك الليلة أحس بعذاب يقهره ويمزجه بقوة غريبة .. دموعها ذبحت طفولته البريئة وجعلته رجلا كما أراد "هو " هناك .. انتصب شامخا .. ماردا .. عنقاء فلسطينيه .. قرر بكل مايملك من قوة "حتما اكتسبها من سجن نفحه " أن يمسح حزنها .. أن يعيد لشعرها سواده .. أن يشدد من يدها المرتجفة .. نعم سوف يترك الدراسة وينزل إلى الشوارع يبحث عما يقتات به .. ومن اجلها وحدها
    بهدوء غريب وحذر شديد يتسلل صابر نحوها .. يطوق رأسها بيديه الصغيرتان .. يلثمه بعطف .. ترتجف من قوة اللحظة وشدتها .. تتلافى عيونهما وتنهمر انهار حب مقدسه .. يرتعش وكلماته تهتز وتتشنج
    "امى أريد أن أكون رجلا تنفيذا لرغبه رجلا هناك "
    حاول أن يلتفت .. يستدير .. دخان القنابل المسيل للدموع تعبق الأجواء برائحة كريهة .. الجنود يركضون في كل الأنحاء والحجارة تنهال من كل الامكنه والاسلحه الاتوماتيكيه تستعد للانقضاض نحو هدف متحرك والهراوات يطل منها الحقد والكراهية .. تمتم بصوت خافت
    "لابد أنهم "
    اشترت له صندوقا صغيرا وقطع من الحلوى والبالونات الملونة
    "الله يسعد صباحك "
    صاحب المطعم الوحيد الذي يبيع ساندويتشات الفلافل والتي تبدو على سيماة الطيبة والكرم , بحب شديد وضعها في صندوقه وانطلق بصوته الرفيع يملا الشوارع الضيقة
    "الواجب قبل الحب "
    تعلمها من منبع الحنان ومصب الرومانسية والعطف .. أن تحب فهذا شيء جميل , وواجبه نحوها أقدس
    وأحصى نقوده القليلة وهو يقف أمام بائع الكباب والرائحة الذكية تتسرب لمعدته فتعتصرها ألما وتنقله إلى مائدة عامرة بأصناف اللحوم وهى تجلس بثوبها الفلاحى المطرز وشعرها الفاحم يتطاير مع الريح .. وانساحت دموعه مقهورة وبائسة وتنهد بعمق
    " لو كلن معنا لجنبنا كل هذا الشقاء"
    المطاردة مازالت مستمرة ولم يبق سوى مائه متر .. قفز بركه مياه عفنه .. همس "خمسون مترا " واصل المنزل .. لهث من التعب وانساب عرقه غزيرا فبلل قميصه .. هاهو البيت .. ثلاثون مترا .. هاهي ترفع ذراعيها .. ابتسامتها تدفعه للارتماء بين ذراعيها والذوبان فى حنانها .. الأصوات تعلو وتعلو .. وجهها المشرق كهالة مضيئة تتسع لتنير حدود الزمان والمكان .. "سوف اخبرها " .. طلقات سريعة .. رصاص كثيف .. البيت يقترب ويقترب .. تتعثر خطواته وتهتز ..لتتماسك ياصابر من اجلها وحدها .. يجب أن تنتصب على قدميك لتواصلا المشوار معا .. لاتنحنى أيها الرجل الصغير فهو أرادك رجلا وسندا لها .. عليك أن تتشبث بالحياة لينهزم الموت تحت أقدامك .. هي تهرول وشعرها يتطاير مع هبات كانون والرياح المسافرة إلى نفحه الصمود
    هو يسقط مرغما .. يتدحرج صندوقه الصغير .. تبتعد بالوناته الملونة .. تختلط حلواه بتراب الشارع المترب .. أحس بآلام مبرحه .. سخونة .. خيط من الدم .. زحف نحوها ببطء شديد .. زنبقه صفراء كان قد وضعها هذا الصباح داخل صندوقه واحتاجها الآن .. امسكها بشغف بالغ .. احتضنها وضمها إلى صدره
    وشاهدها هي تعدو نحوه وبكل الخوف , وقبل أن تغيب الأشياء .. اغرق إصبعه بدمه القاني وخط على صفحه الشارع
    "احبك يا ......."
    وسقط مضرجا بدمه الأحمر القاني
    7/6/1991
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    أهلا بك صديقي صاحب القلم الجميل
    و القاموس المختلج بالمعاني المدهشة

    سررت بقراءة هذا العمل الجميل
    رغم بعض هنات لا بد من إصلاحها
    حتى لا تخدش الجمال

    و لنا في رأى الأخوة عوز ورؤية واجبة
    لتستقيم الأمور و يعتدل الميزان

    فإلي هناك عزيزي

    و أهلا بك و مرحبا معنا كاتبا جميلا نتعلم منه و يثرينا !!

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • بسمة الصيادي
      مشرفة ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3185

      #3

      صباح الإبداع سيدي
      قصة جميلة جدا في تفاصيلها، وأحداثها ..
      الزنبقة ستكمل مشوار الرجل الصغير
      ورسالة الحب والوطن ..
      الوطن والأم ..لا يختلفان ..
      وخيط الدم ..هو نفسه خيط النور والإشراق القادم
      بعد هنيهة من الحنين .. والأمل !

      أهلا بك بيننا أستاذ أنيس القصاص القدير
      كنت رائعا
      القصة للتثبيت
      في انتظار القادم الأروع حتما
      ولك أطيب التحيات والتمنيات

      في انتظار ..هدية من السماء!!

      تعليق

      • أحمد على
        السهم المصري
        • 07-10-2011
        • 2980

        #4
        قرأت القصة أكثر من مرة وتفاعلت معها كثيراً
        وعدوت أكثر خلف أحداثها المتلاحقة
        وتصويراتك الجميلة ..

        صراعات متداخلة في داخل البطل
        صراع الواجب الواجب
        صراع الحب الحب
        صراع الحلم الحلم
        وقد أمسكت جيداً أخي الكريم بتلابيب القصة



        قصة تستحق التثبيت حقا



        شكرا لك أخي أنيس

        في انتظار ابداعاتك القادمة

        تعليق

        • سالم وريوش الحميد
          مستشار أدبي
          • 01-07-2011
          • 1173

          #5
          الأستاذ أنيس القصاص
          جميل هذا البوح

          بعد هذا الكم من السنين التي مرت على زمن القصة مذ عام 1991 وحتى هذه الساعة
          أحد عشر سنة مرت ، ثمة سؤال يدور في الأذهان ..هل تغير شيئا في فلسطين ..؟. هل لازال الأطفال
          يجترعون الألم ، ويعيشونه ،( يتم ، وفقر ، وبعاد عن الآباء
          وهم يقبعون في غياهب السجون )..؟ وكأن قصة لؤي وجميلة
          للمبدع أحمد عيسى هي امتداد لنص طفل وزنبقة
          الذي تسمرت لدقائق وأنا مشدوها أمام جمال الكلمة وروعة هذا النص المتميز ..
          فقد جاء الوصف معبرا ومشحونا بطاقة من الإحساس بالقهر ،والرفض لما يعيشه
          أهل فلسطين ، والشجب والاستنكار للممارسات الصهيونية
          وكانت النهاية صادمة لحد إني أحسست بانقباض في نفسي وأنت تصور النهاية
          ((وشاهدها هي تعدو نحوه وبكل الخوف , وقبل أن تغيب الأشياء .
          . اغرق إصبعه بدمه القاني وخط على صفحه الشارع
          "احبك يا ......."
          وسقط مضرجا بدمه الأحمر القاني ))
          سلمت يا أستاذ أنيس
          على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
          جون كنيدي

          الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

          تعليق

          • انيس القصاص
            أديب وكاتب
            • 08-02-2012
            • 217

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
            أهلا بك صديقي صاحب القلم الجميل
            و القاموس المختلج بالمعاني المدهشة

            سررت بقراءة هذا العمل الجميل
            رغم بعض هنات لا بد من إصلاحها
            حتى لا تخدش الجمال

            و لنا في رأى الأخوة عوز ورؤية واجبة
            لتستقيم الأمور و يعتدل الميزان

            فإلي هناك عزيزي

            و أهلا بك و مرحبا معنا كاتبا جميلا نتعلم منه و يثرينا !!

            محبتي
            اطراء لاأستحقة

            وهنأت النص جعلتنى ألتقى بمبدعين وأدباء

            والى حيث الجمال سأرتحل

            تعليق

            • انيس القصاص
              أديب وكاتب
              • 08-02-2012
              • 217

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة بسمة الصيادي مشاهدة المشاركة
              صباح الإبداع سيدي
              قصة جميلة جدا في تفاصيلها، وأحداثها ..
              الزنبقة ستكمل مشوار الرجل الصغير
              ورسالة الحب والوطن ..
              الوطن والأم ..لا يختلفان ..
              وخيط الدم ..هو نفسه خيط النور والإشراق القادم
              بعد هنيهة من الحنين .. والأمل !

              أهلا بك بيننا أستاذ أنيس القصاص القدير
              كنت رائعا
              القصة للتثبيت
              في انتظار القادم الأروع حتما
              ولك أطيب التحيات والتمنيات
              فى مكان مخبوء فى بطن الارض

              تسللت الزنبقة

              لتعانقنى

              وأرتحلت معها نحو

              حلم لم يكتمل

              دمت عزيزتى

              تعليق

              • انيس القصاص
                أديب وكاتب
                • 08-02-2012
                • 217

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة أحمد على مشاهدة المشاركة
                قرأت القصة أكثر من مرة وتفاعلت معها كثيراً
                وعدوت أكثر خلف أحداثها المتلاحقة
                وتصويراتك الجميلة ..

                صراعات متداخلة في داخل البطل
                صراع الواجب الواجب
                صراع الحب الحب
                صراع الحلم الحلم
                وقد أمسكت جيداً أخي الكريم بتلابيب القصة



                قصة تستحق التثبيت حقا



                شكرا لك أخي أنيس

                في انتظار ابداعاتك القادمة
                احمد

                هناك مازالت مساحة للذكرى

                وتفصيلات تستحق التسجيل

                شكرا جزيلا

                تعليق

                • انيس القصاص
                  أديب وكاتب
                  • 08-02-2012
                  • 217

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة سالم وريوش الحميد مشاهدة المشاركة
                  الأستاذ أنيس القصاص
                  جميل هذا البوح

                  بعد هذا الكم من السنين التي مرت على زمن القصة مذ عام 1991 وحتى هذه الساعة
                  أحد عشر سنة مرت ، ثمة سؤال يدور في الأذهان ..هل تغير شيئا في فلسطين ..؟. هل لازال الأطفال
                  يجترعون الألم ، ويعيشونه ،( يتم ، وفقر ، وبعاد عن الآباء
                  وهم يقبعون في غياهب السجون )..؟ وكأن قصة لؤي وجميلة امتداد
                  للمبدع أحمد عيسى هي امتداد لنص طفل وزنبقة
                  الذي تسمرت لدقائق وأنا مشدوها أمام جمال الكلمة وروعة هذا النص المميز ..
                  فقد جاء الوصف معبرا ومشحونا بطاقة من الإحساس بالقهر ،والرفض لما يعيشه
                  أهل فلسطين ، والشجب والاستنكار للممارسات الصهيونية
                  وكانت النهاية صادمة لحد إني أحسست بانقباض في نفسي وأنت تصور النهاية
                  ((وشاهدها هي تعدو نحوه وبكل الخوف , وقبل أن تغيب الأشياء .
                  . اغرق إصبعه بدمه القاني وخط على صفحه الشارع
                  "احبك يا ......."
                  وسقط مضرجا بدمه الأحمر القاني ))
                  سلمت يا أستاذ أنيس
                  ويبقى الجرح نازف

                  الا ان تعود محبوبتى

                  وقتئذ

                  سأسلم الروح مبتهجا

                  "احبك يافلسطين"

                  دمت بود

                  تعليق

                  • صالح صلاح سلمي
                    أديب وكاتب
                    • 12-03-2011
                    • 563

                    #10
                    نص رائع وصور معبرة
                    وكذا انا اقول احبك يافلسطين
                    الاستاذ انيس القصاص سررت للقراءة وشكرا لك

                    تعليق

                    • ريما ريماوي
                      عضو الملتقى
                      • 07-05-2011
                      • 8501

                      #11
                      نعم قصة حلوة تستحق منا الإشادة ..

                      والعمل منك أكثر عليها لتعديل تلك الهنات...

                      شكرا لك, وأهلا بك عندنا قاصا مبدعا..

                      مودتي وتقديري.

                      تحيتي.


                      أنين ناي
                      يبث الحنين لأصله
                      غصن مورّق صغير.

                      تعليق

                      يعمل...
                      X