تنوع اللغة و الأسلوب الوظيفي في نص (ملكة الياسمين ) لمنتظر سوادي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سالم وريوش الحميد
    مستشار أدبي
    • 01-07-2011
    • 1173

    تنوع اللغة و الأسلوب الوظيفي في نص (ملكة الياسمين ) لمنتظر سوادي

    النص
    عصفور المحبّة يكركرُ معلناً انطلاقة يوم جديد .. تتفتق عتمة الليل وتولد أَعمدة الضياء المكلل بالحياء ، يتناثر العطر بين أَوتار النخيل ، فيعزف النهر أُغرودة الصباح ، الأزهار بندى الفجر ترفع رؤوسها مستبشرة ، فتهيج أمواج الاشتياق في نفسه .. منزوياً جنب جذع شجرة ، ينظر إِلى حبيبته المتوارية خلف سحب المجهول ، يتخذ قراره .. سأرحل باحثا عنها ، أجوب الوديان ولو كلفني ذلك عمري !.
    عاد هائماً تائهاً لأمه ، فلَاذَ بالسكوت وسكّ عليه باب غرفته. ينادي الأب زوجته بكلمات متكسرة :
    - " تحطمت أحلامي !!" .
    - " ما الأمر ؟!"
    الصمتُ يطبقُ ويتسيّد المكان ، الظلّ تسمّر على الأَرض ، ازدادت حيرته ، وارتفعت أَمواج التساؤل ، يطلق نظرات روحه في كل الأرجاء ..
    -" ولدك! .. خرج باحثاً عن "ملكة الياسمين"!
    ارتسمت على وجهها غيوم ملبدة بالأكدار، "... وأين يجدها في زحمة العشاق ؟ "
    يرفع رأسه :
    - " لا عليك سيرجعه الليل والجوع ، وما " ملكة الياسمين " إلا حلم الأولين والآخرين من الهائمين !!"
    خرج .. يهمهم مع النسمات ، ويحاكي النجوم ، يرسم الدروب في قلبه ، يدخل غابة ، علّه يجد دليلاً يوصله إليها ! ..
    أشعة الشمس تخلخل كثافة الأشجار ، يصغي لهمسٍ فؤاده ، ثم يعرج ليسير مع الشعاع ، كإكليل ملكةٍ ضوء الشمس يتلألأ على وجه الماء ، يبدو له لؤلؤاً منثوراً ، ينزل المنحدر ، يصل إِلى نهرٍ بعذب الماء يسري .. بلحن الحياة يغنّي ، حوله الطيور والفراشات تطير ، الأسماك ترسم خرائط الزمن على وجه الماء ، يأخذ حفنة بيديه ، يشمه ويبكي ، وكأنه شرب من نهر الحزن حتى اشتد عظمه .
    أرهقه البكاء والتجول ، فارتسمت أمارات التعب عليه ، توسّد حجرة واستظلَّ بشجرةٍ ، يلقي ببصره على صفحات الماء المتماوجة ..
    يدنو ... تمتدُّ يداه ، يرفع شالها بخجلٍ ويمشط شعرها الحريري بهدوءٍ ، ويرسم من خصلاتها حكاية عشقِه الطفوليّ .. يهمس لها بلطفٍ ، ويداعب أناملها بعطفٍ ، يأخذ بيدها إِلى الشاطئ ، يتجولان .. حتى يحلو العناق .
    على السفح يهرولان ، تتقافز بعض الأَسماك الذهبية فتلمع أجسادها البلورية ، يهمسان لبعضهما ..ما أَحلى صمت الليل وتلألأ السماء والماء !! .. يجلسان وتتساقط أضواء البدر على ثغريهما ، تشده إِلى الماء ترمي به على الشاطئ ، يرشّها بقطرات الحياة النابضة بالحُبِّ ، تتبعه لترشّه بما يمتزج بذيل فستانها من قطرات لؤلؤية .. يستلقيان على الرمال ويخلعان أثواباً من العناء ، يمدان رجليهما لتتفتق الموجة تلو الموجة .
    تبادره بحكايتها : " انتظرتك في الصباح بعدما أعلنت العصافير نزول الندى على ضفاف الأُفق ، فهل لضوء الشمس طعمٌ دون همس الحبيب !" .
    تضع يدها تحت رأسه ، وشعرها اللين على جبهته .." أتعرف ! .. الظلام واليأس طوقني وخنق كلّ حلمٍ حلمته ؟! ، فبدا لي كلّ حبٍّ حكاية شهرزادية ، لكنك قلبت الموازين ، وصنعت العشق بدمائك البريئة مع كلّ صباح .. كأَنَّك تغرس قدميك في نهر الطفولة ! ".
    يخفي دموعه بقطرات الموج ، يعاوده الارتجاف .. أطبق أنفاسه وحاول إخفاء ما بداخله .
    بغتة يشحب نور وجهها ، تنكس رأسها ، ولا تتحرك إلا خصلات شعرها مع نسمات الهواء العليل .
    يا هدية الرحمن " ما بك ؟!"
    صوتها نسي عذوبته .. غادرته بداهة الإجابة ، وغار في عجمة الصمت ، لم تبادله بشيءٍ .. خنقتها عبرتها ، فَوَخَزَ قلبه طائفٌ من السوء..
    - " ما الأمر يا سرَّ الفؤاد ؟ " ..
    يرفع رأسها المتكئ على ركبتيها ، يحدق بعينيها يغطيهما شعرها ، ومغرورقتين بالدماء ... !! ، وجحافل من الأقوال تحكيها ، صمتت شفتاه ، تزلزلَ فؤاده ، اهتز كيانه ، يهوي بين يديها ، ليتلاشى الجسم الشاخص ويلتصق بظلّه . بعد أَن خفت لحنه رويداً رويداً .. يغرقان في حشرجة الأنفاس ، ودقات نبضٍ كأَنَّها نذير من عذابٍ نازل .
    يزداد تدافع دمها فتخضب ثوبها ، ترفع رأسه تضعه في حجرها ، وبيديها الناعمتين تمسح وجهه ، تهوي دمعة قلبها على قلبه ، ليفتح عينيه ، يبصر وجهها الملائكي مخضباً بالدماء ، فتدمع روحه .. يهمُّ بالكلام ، لكن لسانه يتلعثم ، وكأَنَّ النطق محالٌ بين الأحباب ، فتهامست عيناهما بلغة الامتزاج والفداء فتحتضنه ويمتدّان على برودة الأرض .
    ...
    إطلاقة نار ، ويسقط طائر قربه ، فتأخذه رعدة ، وينزل رعبٌ في كيانه .. أَين ..... ؟!
    أصوات غريبة ، وحركات الأمواج مختلفة ، يلامس وجه الماء ، يحسُّ أن هناك ثمة قارب يدنو منه .
    - "من هذا ؟ وما تفعل هنا ؟"
    يوجهون البنادق صوبه ، وبحذر شديد يتجه كبيرهم نحوه .
    يحاول جاهداً أن يرى ما حوله ؛ لكن البكاء قد أخذ قوة بصره ، وسلب منه صوته الغنَّاء ، واستعار منه الحزن مرونة حراكه .. ينزل الآخرون ويجلسون معه ، يسمعون حديثه الشجي ، يخبره أحدهم سمعت حكاية تقول إِنَّ " ملكة الياسمين " تقطن وادي الورود ، وهو في أعالي هذا النهر .
    بشوق عتيد ، وتنهيدة ثقيلة من قعر النفس ، يتأمل عبارة الصياد .. ترقرقت دمعة رقيقة تتأرجح على أهدابه ، وكأنّ عبارة الصياد نسمة حياة أُلقيت في غرفة مهمومة صماء ضوؤها الباهت يشربه الظلام ، نفد عمر شمعتها سوى ما ظلّ حول الذّبالة من دموع ، فها هي ترقص رقصة الوداع مع نغمات أوتار المحيط الجميل .
    - "أحقاً ما تقول ؟!!"
    ابتسم ابتسامة غريبة ، تومئ بارتياب ، أغلق عينيه بلطف ، يطرق رأسه ببطء " نعم ... "
    - " أرجوكم خذوني إِلى هناك ، فلا أستطيع العيش من دونها ."
    - "نعم ، لكن .. "
    قاطعه .. " أرجوك ، أشفق عليّ أرجوك !!".
    - " اسمع أيها الفتى ، " ملكة الياسمين " هي حكاية خرافية ، تحكيها العجائز ، وترويها الكتب ، ليس إلا !" .
    - " وما الضير إن نقلتموني إلى هناك ! ؟"
    يوصلونه ويتركونه على الشاطئ ، الأرض مفترشة بالعشب ، الدروب محفوفة بالأَشجار ومزخرفة بأَلوان الورود ، يستنشق أريج الجزيرة ، يثمل والقلب يطرب .
    يراه أحد حراس الملكة .." قف !! .. من أنت ؟ وما تصنع ؟"
    يحدق في اتجاه الصوت ، يرى ظلاً ، يدنو منه الحارس يصرخ بوجه.." ألم تسمع ! .. ما تعمل ؟"
    - " أريد الملكة .. أريد الملكة !"
    - " وما شأنك والملكة ؟ "
    - " سائل!" .
    تشفق عليه جارية سمعت الحوار ، تخبره أنَّ الملكة في المشفى ولا يمكن أن يراها أحد ! .. يذهبان إِلى المشفى ، يدخلان قاعة الانتظار ، يخرج الطبيب ".. نحتاج إِلى متبرع بالقلب ..!!"
    يجيبه الفتى " لبيك! "
    يأخذون جرعة دمه ، وإذا يجدونها متوافقة تماماً ، يدخلونه صالة العمليات ، يطلب قطعة قماش بيضاء ومبضعة ، وبسبابته يخطّ وصيته ، وهو يخفي دموعه بقطرات الماء التي غسلوا بها وجهه ، وحشرجات أنفاسه يموه لها بحركة الكتابة :
    " يا قنديل أيامي ، كنت في دياجير الدروب ، أَتعثرُ وأتأمل ، والآن أَبصرت دروب الحقيقة وعرفت طُرقَ السّراب ، فيا أُسطورة أحلامي الآن أموت قرير العين ، لأعيش عطراً ياسمينياً ، وينبض اسمك بين أَغصان قلبي !.... "

    منتظر السوادي 1/1/ 2012


    تنوع اللغة والأسلوب الوظيفي في نص (ملكة الياسمين ) لمنتظر السوادي


    "منتظر السوادي كاتب مجد ودءوب يعمل بصمت . يمتلك لغة شاعرية ومقتدرة شاعر أكثر منه كاتبا وهذا ما أجمع عليه كثير من النقاد والكتاب من خلال ردودهم المنتقاة ، والشاعر القاص يكتب بجمالية أكثر من القاص فقد اختار جنسا أدبيا يلغي فيه الحدود بين الأسلوب السردي والشاعري ولكنه أكثر جمالية
    وهذا ما أكدت عليه الناقدة والأديبة دنيا نبيل


    ((قلتها لك من قبل وأكررها من جديد .. ما أجمل القصة حين يكتبها شاعر )) "

    ((عصفور المحبّة يكركرُ معلناً انطلاقة يوم جديد .تتفتق عتمة الليل وتولد أَعمدة الضياء المكلل بالحياء ، يتناثر العطر بين أَوتار النخيل ، فيعزف النهر أُغرودة الصباح ))
    بهذا الاستهلال يبدأ الكاتب رحلته فمع بداية الفجر يخرج باحثا عن حبيبته الأسطورية ، ما أن يتسلل النور إلى المكان ، وينتشر الضوء على النخيل والأزهار والنهر يعلن خط الشروع لبداية تلك الرحلة ، في وصف جمالي يغازل فيه الطبيعة بــ حسٍّ مرهف شاعري وكأنها بديلٌ لحبيبته و بشكل رومانسي رائق يتسلق خياله ليعزف سيمفونية الحبيبة التي تختبئ في مكان ما ، يصور لنا الطبيعة بفضائها الواسع الممتد والذي لا تحده حدود ، هو جزء منها لا ينفصل عن شموليتها وكليتها بل هو مكملا لها ، يسير معها بتماهي ليصل إلى غاياته ومقاصده ، عبر تقنية الاستخدام المنوع بالأسلوب الفني في السرد والشكل البنيوي للحكاية
    تنوع الأسلوب
    لقد تنوعت الأساليب الفنية للنص وأعطت شكلا إبداعيا تجلى في انتقالاتها من تشكيلات انطباعية ، إلى سريالية ، رومانسية ، و قص أسطوري يحفر في الماضي البعيد ليجد قرينا لبطل قصته ، وحكاية شعبية ، ونفحات من أجواء ألف ليلة وليلة وأساطيرها التي تقاربت أسماءها وأسم البطلة المركب (ملكة الياسمين ) ، فهناك أسماء في ألف ليلة ، تقترب من هذا الاسم (سر القلوب ، وبديع الزمان ، وبديعة الجمال ) إضافة إلى الأجواء المكانية السحرية لألف ليلة وليلة ، استخدم الكاتب ظاهريا التصوير الانطباعي في رسم الطبيعة وتنوعاتها الجمالية بأشجارها وأنهارها، وجبالها ،ووديانها استخدمه كأسلوب للتعبير والمقارنة بين قتامة نفسه المكلومة بحزن دفين ،و بين جمال تلك الطبيعة ،
    فبين استخدام التكوينات الجمالية والتشكيلات اللونية ، والفضاءات ، الواسعة للطبيعة وبين حلكة عالم البطل الخاص وظلمة طريق لا يبصر فيه مكان خطاه ، وضبابية أحلام لا تتعدى صورة المحبوبة التي يبحث عنها ، يجانس الكاتب هذه التناقضات كلها فيوظفها ليحكم رمزية النص بعقدة إضافية

    لم يستخدم القاص تصويرا مجردا فقد أضاف عليه بعضا من رؤاه الفنية وخياله ودلالته اللفظية ورؤيته العقلانية التحليلية مما أبعده من التصوير النقلي للواقع ،أو الحدث من خلال رسم الطبيعة رسما مباشرا كما تراه العين المجردة بلا تدخل من الكاتب ، فكل شيء يمر من داخل نفسه عن طريق مشاعر ه وأحاسيسه قد أعطاه مسحة جمالية وأضاف إِليه مسحة من أدوات إبداعه ، ليبعده عن فخ الانطباعية أو التقريرية ، فلو تتبعنا النص فأن مشاهد تصوير الطبيعة تجدها موجودة ومفروضة من بداية النص وحتى نهايته تتجسد في روعة رموزه الوصفية النابعة من لغة وجدانية مشحونة بعواطف لا حدود لها
    )) كإكليل ملكةٍ ضوء الشمس يتلألأ على وجه الماء ، يبدو له لؤلؤاً منثوراً ، ينزل المنحدر ، يصل إِلى نهرٍ بعذب الماء يسري .. بلحن الحياة يغنّي ، حوله الطيور والفراشات تطير ، الأسماك ترسم خرائط الزمن على وجه الماء((
    اللغة الشاعرية في النص
    لم يخل النص من شاعرية ولغة متفردة وإيحاءات لفظية وموسيقى تنتظم في خط تعاقب زماني هادئ تسير بإيقاع منتظم فلا رجة نشاز ولا موج عاتي يغير من تلك الانسيابية ، بل إن النص بأكمله بدا كأنه قصيدة شعرية ، تقتفي آثار صراع البطل في صحراء نفسه مع هواجسه وأحلامه ، التي تمور بها روحه المولهة باضطراب لانهاية له نجد القصة طافحة بالتركيب اللغوية المشحونة بالعاطفة والوجدانية ونرى ذلك جليا ((على السفح يهرولان ، تتقافز بعض الأَسماك الذهبية فتلمع أجسادها البلورية ، يهمسان لبعضهما ..ما أَحلى صمت الليل وتلألأ السماء والماء !! .. يجلسان وتتساقط أضواء البدر على ثغريهما ، تشده إِلى الماء ترمي به على الشاطئ ، يرشّها بقطرات الحياة النابضة بالحُبِّ ، تتبعه لترشّه بما يمتزج بذيل فستانها من قطرات لؤلؤية .. يستلقيان على الرمال ويخلعان أثواباً من العناء ، يمدان رجليهما لتتفتق الموجة تلو الموجة)) .

    الاستخدام الأسطوري للنصِّ
    في النص شيء من الأسطورة التي بدت ملامحها تطفو على سطحه فهو الباحث عن حبيبته يجوب الطرقات ، والليل البهيم و لن يردعه رادع في الوصول لغايته ، لأنه يبحث عن كماله العاطفي ، لتقربنا بخطى حثيثة من ملحمة (كلكامش ) وبحثه عن الخلود فكلاهما سارا عبر الظلام والنور ، وارتقيا الصعاب للوصول لهدفيهما ، وكلاهما قصدا الغابة وأعالي النهر . ليجد الأول (الإله سيدوري )ويسدي له النصح بأن يعيش حياته متمتعا بها بدلا من البحث عن الخلود ، في حين التقى بطل النص بصياد ليدله على ملكة الياسمين لكنه يقول له نفس كلام (سيدوري الإله ) ويقدم له نفس النصح ( " اسمع أيها الفتى ، " ملكة الياسمين " هي حكاية خرافية ، تحكيها العجائز ، وترويها الكتب ، ليس إلا)
    " . ،فكلاهما يبحث عن وهم يقودهما العناد والإصرار ، زوجة (نوباتشم )التي شعرت بالشفقة على ( كلكامش )تدله على ( العشبة ) ، بعد إلحاح (كلكامش )وتوسلاته التي تثير شفقتها ، في حين يخبر صديق الصياد البطل عن ملكة الياسمين بعد أن حدثه عما يجول بداخله من حزن وألم ( يسمعون حديثه الشجي ، يخبره أحدهم سمعت حكاية تقول إِنَّ " ملكة الياسمين" تقطن وادي الورود ، وهو في أعالي هذا النهر ) . وبعد أن جاء (كلكامش )بعشبة الحياة في سعيه الحثيث للبحث عن الخلود، نجده قد وصل لهدفه المنشود ، لولا الأفعى التي سرقتها وهو يسبح ففوتت عليه فرصة حلمه العظيم ، فيما أعطى بطل القصة قلبه ليبقيه عطرا ياسمينيا ينشد خلودا أبديا ، وهو بذا ينشد خلودا لغيره بعد أن منح قلبه
    و يلتقي النصان عند ملتقى خط النهاية والتي تتقارب ورحلة (كلكامش ) فهو أيضا وصل لغايته بالوصول للحبيبة ، لكنه وجدها مريضة فأبدل حياته بحياتها إذ لا نفع للحياة دون الحبيبة لذا فقد أعطى قلبه لحبيبته))((والآن أَبصرت دروب الحقيقة وعرفت طُرقَ السّراب ، فيا أُسطورة أحلامي الآن أموت قرير العين ، لأعيش عطراً ياسمينياً ، وينبض اسمك بين أَغصان قلبي !.... " ))
    الاستخدام الوظيفي للحكاية
    بحسب (بروب) وهو من مدرسة التشكيلين الروس إن لكل نص بنية مركبة معقدة يمكن تفكيكها واستنباط العلاقات التي تربط مختلف وظائفها في مسار قصصي معين لذا فإن النص يعتمد على شكل وظيفي محدد لكل من العناصر الفاعلة والثانوية
    في النص أجواء ونفحات من أدب ( القصة الشعبية ) (ولدك خرج باحثا عن ملكة الياسمين ) فهو كأي بطل في القصص الشعبية يبحث عن حبيبته بنت السلطان التي ملأ صيتها كل مكان فهناك وظيفة بحث تناط بالبطل ، لكن هذه الوظيفة تقابل بالرفض والاعتراض على رحلته المزعومة من قبل الأب (وظيفة رفض) الذي يبلغ أم البطل أن ابنها سيرحل ليبحث عن حبيبته ولكنها تستفسر منه لتعلن عدم الجدوى من هذه الرحلة التي ستضيعه في زحمة العاشقين (وظيفة استبيان واستنكار) ولكن الأب يستدرك أن ولدها لن يكون حملا للجوع والتعب إذن لابد أن يعود (لا عليك سيرجعه الجوع والليل وما " ملكة الياسمين " إلا حلم الأولين والآخرين من الهائمين )ولكن البطل مع الفجر يخرج (وظيفة انتقال) ولعل القاص ذكر أن تلك المحادثة جرت بعيدا عن أسماع البطل ليؤكد أنه لا ينصت لأي صوت لأن ما ينصت له هو صوت قلبه لا صوت عقله ((وظيفة إصرار )، ثم في و غياب التصور لماهية تلك اللوحة التي رسمها القاص للحبيب والحبيبة وهما في قمة الوجد والحب والوله ، بعد أن أضناه البحث وهده التعب ، أهو حلم أم حقيقة ما يرى (تمتد يداه ، يرفع شالها بخجل ويمشط شعرها الحريري بهدوء )) ( وظيفة اختراق فقد وجد حبيبته ))وتخبره الحبيبة أنها كانت تبحث عنه (وظيفة استخبار )،أيضا ويسترسلان بالحديث وفجأة يتحول كل شيء(صوتها نسي عذوبته .. غادرته بداهة الإجابة ، وغار في عجمة الصمت) (وظيفة افتقار) هي ذي حبيبته تتحول فجأة من الجمال والعذوبة والرقة إلى امرأة تغطيها الدماء ، وجهها ثوبها .. شرايينها يزداد تدفق الدم فيها هذه الصورة جاءت لتصور مشهدا سرياليا ، قيمته الفنية باستخدامه اللغة والتصوير الرائع وليس في قيمته الدلالية ، فهو لم يعط النص ما أراد ه الكاتب من أن بحثه سيقوده إلى أن يرى حبيبته مخضبة بالدماء ، وهو تنبأ مستقبلي أوحي له من خلال هواجسه وخوفه على حبيبته أن خطرا ما يحيق بها ، وهنا ينطلق البطل الفاعل وليس البطل الضحية فثمة عزم أكبر يمتلكه بأن لا سبيل إلا مواصلة الطريق حتى وإن كان صعبا رغم أن الصياد أبلغه أنه يبحث عن وهم (فملكة الياسمين) لا تعيش إلا في عقله ، لكنه يبقى مصرا على البحث ، إلى أن ينتقل البطل قريبا من ضالته يسأل عنها حارس الملكة يعترضه ا(وظيفة منع ))
    يقول له أنه جاء يبحث عن الملكة (( وظيفة تفسيرية ))لكن جاريه تقوده لنهاية الدرب (وظيفة أرشاد) ليقر البطل إنها كانت أسطورة أحلام وأنه سيموت قرير العين ولكنه موت باتجاه الخلود (والسؤال الآن .. هل مات هذا الفتى فعلا ؟!
    في رأيي .. لا.. لم يمت ، ووصيته شاهدة على ذلك((.. الأستاذة دنيا نبيل((

    خلاصة
    ومثلما ذكرت ضمنا أن الكاتب نجح في استخدام تلك المدلولات الرمزية واستطاع أن يمازج بين لغة السرد ولغة الشعر ، ونجح في تطبيق قوانين بروب في استخدام الأسلوب الوظائفي للنص ، لكنه عاكسه في النهاية ، فالبطل لم يصل إلى النهايات السعيدة بأن يكون ملكا أو يتزوج من الأميرة النهاية أتت مباغتة وغير متوقعة وهي لا تمت للواقع بصلة أتت غرائبية ( سريالية ) لتوصلنا إلى تلك الحقيقة أن أي عملية بناء ترافقها عملية هدم وهي حقيقة بايولوجية ،لكنه استثمرها لغاية فلسفية ليؤكد أن الإنسان لن يموت مادام قلبه ينبض بالحب ، ,ان الحب الغاية الوحيدة التي يجب أن يسعى لها الإنسان ، وهي الرضا والسعادة وغايةكل مطلب حتى وأن تطلب منا ذلك التضحية بالنفس
    النقد التفاعلي
    من خلال رأي عدد من الكتاب وتفاعلهم مع النص نرى أن الجميع يتفق على أن الكاتب له أسلوبه المتميز والذي يمتاز بشاعريته وبقدرته على توظيف هذا الأسلوب في خدمة النص ، وقد استطاع الكاتب أن يمازج بين أسلوب السرد والذي يعتبر الطريقة التي يتم بها القص بشكل منطقي ومتسلسل للأحداث واللغة والشخوص ، و بين الأسلوب الشعري الذي يكون عادة غير مقيد بهذه الأنساق ، فهو بهذا التمازج ،قد التزم قوانين الإبداع في النص وحقق وظيفتي الاتصال والجمالية ، وبذا فإن نظرية الحفاظ على نقاء النوع الأدبي تكون غير فاعلة أمام هذا النص الرائع


    ((أديب ننتظره لينطلق بقوّة..
    لديه عوامل إنجاح النصّ القصصيّ، وإبهاره.
    رائع أنت منتظر..
    وجميل هذا النصّ الذي حلّق بنا إلى رحلاتٍ عبر الكون
    لنعود ونعرف أننا انطلقنا من نصّ هو لك)).
    إيمان الدرع


    ((لربما أنا لست شرها في متابعة القصص .. لكني أتذوق النفيس من الجمال فأتلصص أحيانا لأستظل بمواطن تعيد إلى القريحة بعض شرودها وتمنحها تمردا آخر .. وقد شربت هنا قصّا مازجه السحر فأطربني حد الذهول ))
    الأستاذ حكيم الراجي ..



    ((أكثر ما أحببت هنا هو اللغة الجميلة والشفافة
    وهذه الشاعرية الرقيقة ..
    لغتك الجميلة هذه تقنع القارئ بأي خرافة تريدها ))
    الكاتبة بسمة الصيادي



    ((قد يكون للنص مدلولات عديدة منها ما هو خفي أو ظاهر ، لكن لغة النص تجعل الخيال يلهث وراء مناظر طبيعية رائعة ((

    فاطمة يوسف عبد الرحيم كاتبة


    ((لا شك لك بصمتك وهويتك الخاصة في الكتابة ..
    فاللغة فيها فخمة. وتحيي ألفاظ قديمة لم نعد نستعملها
    بصياغة محكمة جميلة متميز ))
    ريما ريماوي




    ((نضَجَ منك الحرفُ وانصهرَ في طيِّكَ السَّرْدُ بالشِّعْر فاستحال لوحة تمهُلُ سرْيَالا.
    اللغة ههنا باذخة ولا أرى والله - أنا المبتدئ- إلا الوقوف تقديرا وإجلالا لما تحقن في أوردتنا من جرعات التجييش العاطفي الراقي ))
    توفيق الصغير..
    .


    ((رائع هو النص أستاذي منتظر والأروع هو تناسق الحروف

    وامتزاج الكلمات بشاعريتك الفذة ))
    عائشة بلجيلالي


    سالم وريوش الحميد
    16/ 2 /2012
    على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
    جون كنيدي

    الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    لكننا في نهاية الأمر لا بد أن نكون قريبين من فهمنا للقص
    من أهم ما يميز القص عن الشعر .. أي الحد الفاصل بينهما
    و إلا تحول ألأمر إلي محض خاطرة .. !
    فهل اللغة الشاعرة أو التخيل الشعري كان لصالح القص
    أم حدث هذا على حسابه
    و هل كانا عبئا أم عبرا بالنص حدود الدهشة و الاقناع ؟!

    أراك سالم جميلا ، تحب ما تتناوله كثيرا ، و هذا في حد ذاته رحابة و قوة
    و قدرة على استبطان الأمور ، و اكتشاف مالم يلتفت إليه الكاتب من جمال


    في انتظارك دائما سالم في دراسات قادمات
    و أنت بألف خير و سعادة

    تقديري لروحك الطيبة الزاخرة بالحب !
    sigpic

    تعليق

    • سالم وريوش الحميد
      مستشار أدبي
      • 01-07-2011
      • 1173

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
      لكننا في نهاية الأمر لا بد أن نكون قريبين من فهمنا للقص
      من أهم ما يميز القص عن الشعر .. أي الحد الفاصل بينهما
      و إلا تحول ألأمر إلي محض خاطرة .. !
      فهل اللغة الشاعرة أو التخيل الشعري كان لصالح القص
      أم حدث هذا على حسابه
      و هل كانا عبئا أم عبرا بالنص حدود الدهشة و الاقناع ؟!

      أراك سالم جميلا ، تحب ما تتناوله كثيرا ، و هذا في حد ذاته رحابة و قوة
      و قدرة على استبطان الأمور ، و اكتشاف مالم يلتفت إليه الكاتب من جمال


      في انتظارك دائما سالم في دراسات قادمات
      و أنت بألف خير و سعادة

      تقديري لروحك الطيبة الزاخرة بالحب !

      تحية طيبة
      ومرور عطر ، ازدان به النص ، وأغنيت به الموضوع
      بأهم نقطة قد غابت عن بالي وهو أن النص الشعري يجب أن يكون فيه أغناء وكفاية
      للنص القصصي ،
      فأن شاعرية اللغة هي توظيف لأسلوب يختلف عن السرد بالطريقة
      لكنه يصب بأخدود واحد هو المضمون
      لقد تناولت هذا الموضوع بشكل هامشي وكان يجب أن أعطيه بعدا أكبر لكي أوصل نقدي
      لفهم النص وأزيل بعض من غموضه
      فكانت إلتفاتة جديرة بأن أنوه عنها وأعطيها اهتماما أكبر في القراءات اللآحقة للنصوص

      والله يا أستاذي أنت تخجلني كثيرا وتحملني أكثر من طاقاتي في هذا الأطراء
      وهذا التواضع الذي يسمو به شخصك

      أشكرك كل الشكر على كل كلمة كتبت

      وأمني النفس أن أكون حسن ظنك بي

      دمت منارا وظلا وارفا يستظل به الجميع
      على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
      جون كنيدي

      الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

      تعليق

      • منتظر السوادي
        تلميذ
        • 23-12-2010
        • 732

        #4
        هنيئاً لملكة الياسمين ، تدرس وتحلل من قبل أستاذي سالم الطيب

        هنيئاً لك يا ملكة الأَحلام



        شكراً جزيلاً لهذا الجهد النقدي الذي شمل كثيراً من أبعاد العمليات النقدية وتناول النقدي التفاعلي الذي لا يزال في ولادته ، كم أنت رائع أيها الجليل

        واعلم ضعفي وعجزي وفقري عن شكرك

        لك تحيتي وثنائي

        تلميذك

        منتظر
        التعديل الأخير تم بواسطة منتظر السوادي; الساعة 17-02-2012, 11:23.
        الدمع أصدق أنباء من الضحك

        تعليق

        • سالم وريوش الحميد
          مستشار أدبي
          • 01-07-2011
          • 1173

          #5
          أستاذي العزيز
          وأنا آسف بجد عن الحضور البارحة للاحتفاء بك
          وذلك بسبب إنقطاع الكهرباء المفاجئ التي كانت سبب عدم إكتمال فرحتي بك
          وأتتمنى لك أطيب الأمنيات ودوام الأبداع

          والله هذا جهدك ، ولولا الروعة التي تكمن في هذه السطور ماكتبت عن
          نصك
          مثل هذه الرؤية

          علما إني كتبت هذه المقالة

          بسبب البارحة وما أقسى البارحة
          الكرهههههباء في العراق الكثير من العراقيين لم يعد يستطيع لفظ كلمة الكهرباء بسبب غرابة أسمها على الأسماع ، فالبعض يعتقد إنها مصطلح نقدي ، أو من مخلفات العولمة ، والبعض منهم سمع بها ولكنه نساها ، فجرت العادة أن تسمى بالكرهباء ، أو بالقوة وهي تعبير عن مقدار العزم الذي يمنحه هذا العزيز الغائب للعراقي في حالة إن يحضر ، وتارة
          على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
          جون كنيدي

          الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

          تعليق

          يعمل...
          X