بيتنا يا بيت العز

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    بيتنا يا بيت العز

    إهداء : إلى تلك الأنثى الشامخة والتي تنطبق عليها مقولتنا الشعبية : ( هي بميّة راجل )


    ***


    كنتُ أول مَن أطلق صرخة ميلاد جديد في بيتنا ..
    فأنا الأولى في ترتيب الأسرة ...
    يَلِيني في الترتيب أخي ( محمود ) المشاكس، على الأقل بالنسبة لي ..
    طالما تعاركنا وتلاسناَّ.
    أبي كان يقف إلى جانبي دائماً، حتى لو كنتُ مخطئة، ثم ينفرد بي ليريني الخطأ في تصرفي ..
    طريقته في معالجة أخطائي قادت خطواتي طوال حياتي ..
    وأمي تقف إلى جانب ( محمود )، ولكنها في النهاية تحتضنني وهي تهمس في أذني :
    ( ربنا يخليك .. أنتِ أختي وحبيبتي ) ..
    فأنْدَسُّ بين أحضانها ناسية كل مناكفات أخي.
    أحيطها بذراعيَّ الصغيرتين وأنا أستمرئ مداعبتها لضفائر شعري.
    أتَذَكَّر تلك الأيام، ورغم أنها بعيدة وموغلة في البُعْد وترقد في ركن بعيد بالذاكرة، إلا أن الدموع تأبى إلا وأن تندلق أمام زوجي وأبنائي ..
    ترتيبي الأُسري فَرَضَ علي أن أكون بالفعل ابنة وأخت لأمي في آنٍ واحد..
    تجرَّعْتُ طعم المسئولية منذ نعومة أظافري ...
    المرة الوحيدة التي صرخ فيها أبي في وجه أمي .. أُغْمي عليّ ..
    لم أتحمل فكرة أن يغضب أبي على أمي، مجرد غضب ناهيك عن صراخ وتشنج ..
    يومها عرفت ما يكِنُّه أبي لنا ..
    فعندما فتحتُ عيني بعد نوبة إغمائي، رأيتُ دموعه تنزلق غزيرة وهو يُقبِّل جبيني ويضمني إلى صدره في جزع ..
    كنت أتنقل بين إخوتي أستذكر لهم دروسهم ..
    كل يوم من أيام النتائج كان يوم إختبار لي.
    رسوب أيٍ منهم في مادة واحدة كانت تجلب لي نظرة عتاب صامتة من أمي وأبي ..
    نظرة كنتُ أتمنى أن لا أراها، فقد كانت تملؤني إحساساً بالإحباط وخيبة الأمل.
    فأضاعف تعنيفي لإخوتي فخافوني وهابوني رغم حبهم الشديد لي.
    في البداية كنت أتذمر من ثقل هذا العبء، ولكن بمرور الأيام عرفت حكمة أبي و أمي ..
    فبعد موتهما، صرتُ الملاذ الآمن لإخوتي، شقيقاتي وأشقائي ..
    يهرعهون إلي في كل كبيرة وصغيرة، حتى مَنْ تزوج منهم ...
    وبنفْس الصبر الممتد الذي أدمنته، أعالج كل الأمور صغيرها وكبيرها بكل أناةٍ وروية ..
    أزواج شقيقاتي يكرهونني ويحبونني في آنٍ واحد ..
    وزوجات أشقائي يتحاشيْن عرض مشاكل بيوتهن علي، ولكنهن في النهاية يأتين رغماً عنهن .. فوجهي الودود وصبري اللامحدود يجبرهن على ذلك ..
    لا تنفك ذكرى أمي وأبي من المراوحة أمام مخيلتي ..
    أبي كان مشهوداً له بالكرم، بل الكرم حد البذخ، فبيتنا كان لا يخلو من الضيوف ..
    أقاربنا من ناحية أمي ..
    ومن ناحية أبي ..
    ومن أصدقائهما القدامى ...
    كمْ أشتاق لروتين حياتنا ذاك ..
    فكل شيء كان محسوباً بدقة...
    وجبة الغداء تكون على ( الطبلية الخشبية ) بمجرد أن يدخل أبي وهو يمازح ( نجوى ) آخر العنقود..
    يجتاح السكون كل أرجاء البيت عند دخول أبي غرفته ليأخذ قيلولته ..
    تدب الحياة في البيت من جديد ما أن يصحو..
    ( صالون) أبي كان واحة وارفة ..
    فأحياناً نسمع أحد الأقارب ( يلقي على مسامع الحضور بيتا من الشعر أو كوبليه من أغنية ) .. وأبي يجامله ( الله .. الله .. عظمة على عظمة ) ..
    وأحياناً نسمع قهقهته لنكتة قالها أحدهم بصوت خفيض ..
    وأحياناً تتعالى الأصوات وتنخفض عند فض نزاع أسري دائما ما كان أبي يكون فيها الفيصل ..
    أول مرة أسمع أبي يقول : ( على الطلاق لو ما رجعتَ عن كلامك ، أنا لا أعرفك ولا تعرفني ) .. فقد حاول أحد أبناء العمومة أن يخرج محتجاً بعد أن رفض حكم أبي في مشكلة أسرية ..
    شعرت بخوف غامض من كلمة الطلاق، ونظرت إلى أمي فوجدتها تبتسم وهي تقول في ثقة :
    هو أبوك يقدر يطلقني ؟ دة تهويش .
    منذ ذلك اليوم وأنا أقول لأبي عندما تلوح نُّذُر مشكلة تلوح في الصالون : بابا، أرجوك أوعى من التهويش.
    شهر رمضان كان مرتَّباً بعناية في بيتنا، لم يكن أبي يلبي أي دعوة للإفطار إلا فيما ندر، بينما كان بيتنا معظم أيام الشهر المبارك يعج بالضيوف ..
    كان يحرص على أن تكون كل الأصناف متوفرة ..
    يقف مع أمي في المطبخ يحادثها وهي منهمكة في عملها ..
    يسهر، وينام ويتسحر ويصلي الصبح حاضراً ويذهب إلى عمله في موعده ..
    كنا نحسبه أحياناً لا ينام أبداً، كان يفعل كل شيء دون أن نعرف كيف يتسنى له ذلك خلال اليوم.
    عَوَّدَنا على أن يأخذنا كلنا لشراء ملابس ومستلزمات العيد، لا يتذمر ولا يكل ولا يمل ..
    ( صلاح ) أصغر الأشقاء، عندما فاتحني في أمر زواجه، بكيت بكاءاً مراً حتى أشْفَق علي ..
    فقد كنت أتمنى أن يكون أبي وأمي على قيد الحياة حتى نجلس سوياً للتشاور كما فعلا في كل زيجاتنا.
    رغم أن زمن أمي وأبي لم يكن ذلك الزمن الذي أتاح للفتاة كامل الحرية في كل أمورها ..
    إلا أن أبي كان يعيش زمناً غير زمانه ..
    كل من تقدم لنا، كان يقول له : خليني أسمع رأى البت بالأول ..
    ثم يحرص على إن يكون المتقدم مرغوباً فيه من صاحبة الشأن..
    ثم بعد ذلك يحدِّث بقية الأســــرة ( تحصيل حاصل ) في زمـن كان لرجـال الأســــرة الكلـمة الأولى والأخيرة في أمور الزواج.
    خلق هذا الأمر مشاكل عدة لأبي مع أشقائه ..
    ولكنه كان حاسماً ولا يتراجع عن كلمة الحق، لذا كان يهابه الجميع ..
    بعد رحيل الوالدين عن دنيانا، قررنا ترك بيت الأسرة لشقيقي صلاح ( آخر العنقود ) ليسكن فيه مع زوجته ..
    يوم عرسه، بينما كان الكل غارقاً في الفرحة ..
    كنت أجوب أركان بيتنا ..
    كأنني أستنشق عبق أمي، ورائحتها المميزة.
    أتخيلها تحمل ( المبخرة ) وهي ترش على الجمرات ( بخورها المفضل ) وهي تتمتم بأدعية و أوراد خاصة بها ..
    في غرفة أبي وأمي لا يزال الدولاب يقبع في مكانه وبداخله ترقد بعضاً من ملابسهما.
    و ( سجادة ) الصلاة معلقة لا تزال بمسمار على الجدار وتعانقه مسبحة أمي العتيقة المصنوعة من خشب الصندل.
    وصورة بالأبيض والأسود التقطتْ لهما في القاهرة عندما ذهبا بجدي في رحلة علاج ..
    همهمتُ في سري : كم كانت تحب فستانها الأخضر هذا.
    إلتقطتْ أذناى صوتاً هامساً كصوت أمي يهمس في أذني مندلقاً من المجهول : ( الله يسعدك بأولادك ويديك العافية..)
    خنقتْني عبرة .. ووقفتْ دمعات على أطراف المآقي سرعان ما إختزلتها بتكملة تجوالي في البيت الذي تجرعنا فيه هناءاً بنكهةٍ لن تزول.
    وطافت بمخيلتي حينئذٍ ابتسامة أبي التي كانت تنساب دائماً لتؤكد كلام أمي ..
    دلفتُ إلى المطبخ، حيث تلقيتُ أولى دروس أمي في التدبير المنزلي ..
    لك الله يا أمي، وكأنها أمامي الآن تتذوق طبخها، ثم تعطيني أيضاً لأتذوق وهي تنظر إلي منتظرة حكمي ..
    عندما وصلتُ إلى طرف الصالة التي كانت تجمعنا عندما لا يكون هناك ضيوف ..
    وجدت أخي ( محمود ) جالساً في الظلام، لم أتبيَّن ملامحه في البداية، حسبْته ضيفاً من الذين أتوا للعرس. ولكن عندما سمعت صوت نحيبه المكتوم، عرفته فأسرعت نحوه ..
    سألته في جزع عن سر بكائه.
    لم يمهلني حتى أكرر سؤالي ملهوفة، بل ارتمى في حضني كطفل صغير، فهو أيضاً كان قد فاضت شجونه فتجول في مرتع الصبا الحميم..
    فأخذته في حضني في عناق طويل وطويل جداً، أهدهده كطفلٍ منتحب وأنا أحوج منه لذلك.
    ثم بلا سابق موعد، وجدت أن كل شقيقاتي وأشقائي قد اجتمعوا في نفس الصالة ..
    راح الكل في بكاء مكتوم.
    لم يستفيقوا إلا عندما صرخت فيهم : كفى .. كفى
    وهو صوت يعرفونه جيداً وطالما امتثلوا له ... فساد صمت طويل قطَعَتْهُ ( نجوى ) بزغرودة يشوبها بقايا بكاء أتتْ بالعريس صلاح وهو يقول : الناس كلها بتسال عليكم .. يللا الحفلة في إنتظاركم..
    فخرجنا في إثر بعضنا البعض بينما تسْبِق ابتساماتنا بقايا الانفعال ..
    وأنا أردد همساً وأطياف الماضي تعربد في خيالي :
    بيت العز يا بيتنا ... بيتنا يا بيت العز ..
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    جميلة القصة..
    ذكّرتني بنص إيمان الدرع " أم إخوتها " .
    سررت بالقراءة .
    ملاحظة ..لمَ كلمة جديد في أول السطر إذا كانت هي الأخت الكبرى ؟
    تحية و تقدير
    .
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • جلال داود
      نائب ملتقى فنون النثر
      • 06-02-2011
      • 3893

      #3
      تحياتي أستاذتنا الراقية آسيا

      سعدت لقراءتك وتعليقك

      ملاحظة ..لمَ كلمة جديد في أول السطر إذا كانت هي الأخت الكبرى ؟

      حسب فهمي لسؤالك : فإنه وبما أنها هي الأخت الكبرى وكأول مولود لوالديها فلا بد أن صرختها مبشِّرة بقدومها هي صرخة الميلاد الأولى في بيت والديها.


      دمت أبدا

      تعليق

      يعمل...
      X