العلاقة المحيرة بين القصد والسرد في نص( أسرة طيبة جدا ) للقاص ربيع عقب الباب
[frame="1 80"]نبذة عن القاص
ربيع السيد عبد الرحمن عقب الباب
من مواليد المحلة الكبرى - مصر
عضو اتحاد كتاب مصر
يكتب القصة والرواية والمسرحية للكبار والصغار
كتب أشعارا لعروض مسرحية بالثقافة الجماهيرية و الجامعة
نشر أعماله فى الدوريات المصرية والعربية مثل ( إبداع – الثقافة الجديدة – القصة – القاهرة – آفاق المسرح – ماجد – أحمد – الوعي الإسلامي – علاء الدين - الفيصل الأدبية -
ربيع عقب الباب ..قاص له طابع لا يمكن أن يكون استنساخ لأحد من الكتاب والقصاصين ، وكاتب مسرحي مقتدر وأديب متميز ومعلم من طراز خاص عرف بدماثة خلقه وطبيعته الهادئة ، وهو لا يجامل على حساب فنه وأدبه ، فانتقاداته عبارة عن دروس وتعليمات ترمم كل ثلم ،
وهنا نتناول قصته ( أسرة طيبة جدا ) بالتحليل عبر رؤيا نقدية متواضعة
.[/frame]
النص بقلم ربيع عقب الباب
رائع هذا الظلام
ثقيل الثياب
لكن سوادها يجعلني أرتخي أكثر
أبحث عن جلباب أبي لأنام مستدفئا
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
لا يهم أن لطمني أمام أم الأولاد
أو حتى صغاري
ونعتني بلفظة امرأة حين استبد برأيه
ألا يرى كم أنا محب
وحضاريّ
حين أناقش امرأتي في أمر تربية الأولاد
لا يهم أن يكون لي رأى
أو ربطني مع بهائمه في زريبة منعزلة
من أجل أن يربي الأولاد و الأعمام و الأخوة
و الزوجات كما يحب
فنحن أسرة طيبة
يشهد الله كم هو عادل إلى أقصى حد
لا يهم أن أعطى أحد الأخوة بلا حساب
فهو حنون يضنيه البكاء
بينما لم يقدم لآخر أي شيء
بل عنفه و صده و لطمه على مؤخرته
و قفاه !
لا يهم
فنحن أسرة طيبة
لا يهم أن كان نصفها مرضى نفسيين
يعانون من كوابيس
يصرخون في منتصف العناء على أشباح
لا شك أنهم ممتلئون ومشحونون
في عيادات باهظة الوجع !
لا يهم كل هذا
فأنا لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
فبأى حق أزأر أو أتذمر
إلا أن أكون معدوم الأصل و الفصل !!
نحن أسرة طيبة
إلى أقصى حدود الله
نعرف ما لنا و ما علينا
والفضل عائد لرب أسرتنا
فهو برغم حكمته
وصبره الطويل
قد ينسى حين أتكلم دون إذنه
لغة الكلام
فيضربني من غيظه بفأس طالها
أو يطاردني في الغيطان
لا أنسى أبدا
يوم لطمني أمام أم الأولاد
و الأخوة من حولنا يرتجفون
لا يهم أن أحست زوجتي بالإهانة
فتقدمتني
كأنها تزود عني
فما كان منه إلا أن التقط ( صفيحة كبيرة )
و نزل بها على أم رأسها
لا تهم خيوط الدم
تروى الأرض تحت أقدامنا
و لا الخمس عشرة غرزة
و عاهة تلازمها حتى الممات
لا يهم كل هذا
فنحن أسرة طيبة
لا تخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
فبأى حق نزأر أو نتذمر !
لكن الذي همّني
تخلي الأخوة و الأعمام
حين اصطدم بهذا الرجل الغليظ
المفتول الساعدين
بأحد أجران القمح
أرداه غارقا في دمه
و هم عاقدون سواعدهم
يشهدون
أو كأنهم ينتظرون لمن تكون الغلبة
وهم في حيرة من أمرهم
فأسرعت إلي قضيب حديدي قريب
و أفلحت في تفتيت رأس الرجل
بل هاجمت الأعمام و الأخوة
لم يمنعني عنهم إلا هو
فتركت القضيب يهوي إلي الأرض
ألقيت بنفسي في أحضانه صارخا
ليحملني بعد ذلك
إلي قسم الشرطة كي أنال عقوبتي
رائع هذا الظلام
ثقيل الثياب
لكن سوادها يجعلني أرتخي أكثر
أبحث عن جلباب أبي لأنام مستدفئا
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل !
النص النقدي
النص مجموعة من التناقضات أراد بها القاص طرح مفهوم سياسي ورؤيا عقائديه ، فقد يكون هذا الطرح تطبيقا لقول الله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾(* و نظرة فلسفية انطلقت من خلال مفهوم أفلاطوني هي أن سلطة الدولة الكبيرة ، تعادل سلطة الفرد الصغيرة ( الدولة شخص كبير ، والفرد دولة صغيرة ) * *
والنص قد قسم بشكل مقاطع كل مقطع ينتهي بلازمة
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
ملخص النص
وأبتدئها في دور الأب وحقوقه على الابن ووجبات الابن اتجاه الأب ومن بين تلك الواجبات هي مصادرة الرأي ، وحق الأب بأن يمارس ما يراه مناسبا في فن التربية ، ومن ثم يتطرق إلى العدالة الأبوية ، وهذه السلطة معفاة من المسؤولية في اختيار نوع العقاب وعلى من تطبق ، حتى وإن كان التطبيق على
مرضى نفسيين فقانون العدالة هي مواد وبنود أقرت في دستور الأب الدائم، والعقاب وليد لحظته بما يقع تحت يده من أدوات ، أذن الأب سلطة تشريعية وتنفيذية ،وبعد عرض وصفي لشكل العلاقات التي تربط العائلة ، وبنقلة مفاجئة ينقلنا القاص إلى عراك في الغيط ينشب بينه وبين رجل مفتول العضلات صراع دامي تكون فيه الغلبة لذلك الرجل ، لكن بطلنا خرج عن المألوف ولم ينتظر نهاية الصراع ، فقلب الموازين بأن قتل الرجل ، بعد محاولاته اليائسة في استثارة أعمامه وأخوته إلا إنه لم يجد من يستجيب لدعواته ، ثم يكافئ على فعلته بعد أن أنقذ أباه من موت محقق بأن يرسله أبوه إلى السجن ، وهو بذا لم يحقق مبدأ الثواب والعقاب بل أنه قلب مفهومه التطبيقي ،بحيث إن الثواب يتحول إلى عقاب
وفي الريف عادة تفرض سلطة العشيرة ، ولاتحقق عدالة الدولة ، لذا فإن تسليم الابن إلى الشرطة ، حدث نادر
ولايتم إلافي حالات إستثنائية ، وهو بذا يؤكد أن حالة الصراع أنتجت قوة جديدة فاقت قوة الأب ، وحتى لايفقد الأب صورته
السلطوية وحتى لايكون منافسا له ينازعه سلطانه ، يدخل أبنه السجن فيقتل بذلك كل بذرة أو محاولة للتحرر
وسائل الإنتاج والتطور
صحيح إن القاص لم يتناول الدور الإقتصادي في نمو العلاقات وتطورها ، وأنه تناول الموضوع بشكل أحادي ( الريف والقرية ) وتناول شكلا واحدا من القوى المنتجة الفلاح
إلا أنه أعطى ضمنا تأكيدا لهذا الدور بحيُث أنه أوحى لنا أن العلاقات في القرية تبقى أسيرة تقاليد موغلة في القدم وهذا ما أكده علماء الاجتماع والمؤرخين
( إن الصفة الرئيسية التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي حالة الإبداع ) ***
وهذا ما نجده سائدا في العلاقات الريفية التي رسمها لنا القاص ، فهي عادات تكاد أن تكون نمطية وتقليدية ، وهي تختلف عن العلاقات المدنية ، حيث ا لإبداع ومحاولات التغيير المستمرة في إيجاد وسائل وظروف جديدة لتغيير نمطية الحياة ، عبر الدور الكبير الذي يلعبه العمل في تطور الإنسان وتخلصه من قيود التقليد ، كما أن التفاوت الاقتصادي الكبير بين الريف والمدينة جعل هناك تفاوتا فكريا وسياسيا ,كبيرا ، لأن الإنتاج الزراعي يعتمد بشكل كبير على جهد العائلة بأكمله للحصول على أفضل إنتاج وهو عادة لايتطلب جهدا فكريا كبيرا ، لذا فيجب أن يمارس الأب سلطة مطلقة كي يستطيع أن يسيطر على قوى إنتاجه ، وهي سلطة إقطاعية ، وهذه الشروط غير ملزمة للحياة المدنية وهي التي تؤكد على مبدأ الديالكتيك والتطور (أن كل شيء في حالة تطور ، فلاشيء مطلق سوى الحركة والتطور والتحول فالحركة لا تعرف النهاية والتطور لا يقف عند حد ) ****لذا فإن التفسير الجدلي لعلاقة الأب بأولاده يخضع لهذا المعيار ، فالريف لاتنعدم فيه حركة التطور لكنها بطيئة جدا قياسا لحركة التطور في المدينة بسبب تنوع وسائل الانتاج ، ودور الفكر في العملية الأنتاجية
العلاقة المحيرة
لم تأت البداية ، للتعبير عن حياة مليئة بالسعادة والألفة ، والجمال ، فالسارد يصور حياة قاسية بمعنى الكلمة ، و مظلمة داكنة السواد ، ورغم ذا فأن هذه الحياة لا تعط أمانها ودفئها ، إلا بأن يتدثر البطل بجلباب أبيه ، لأن القسوة تخلق نمطا خاصا من الرجال عندهم القدرة على مواجهة أقسى الظروف الطبيعية هذا من جانب ، أو لأنه ما تعلم من الحياة إلا هذا الشكل من التربية لذا فأنه امتداد للماضي ، وإلا فهو في قرارة نفسه غير راض عن تصرف أبيه وسلطاته الغير مقيدة ، فأن أي شكل من أشكال التعلم الحضاري يصبح خروجا عن تلك السلطة ، حتى وإن كلم زوجته بكلام رقيق أو مناقشتها بأمور التربية ، فلا يوجد مفهوم للتربية لدى الأب غير مفهوم العصا ، ولذا يجب أن يعاقب من يحاول الإخلال بهذا النظام الذي بني على أسس ودعائم قوية ، قد تكون امتدادا لمن سبقه ، فالعقوبة هنا إهدار لكرامة الابن ، وأوصاف قد تأباها رجولته ، وربما تتعدى ذلك إلى شج رأس الزوجة ، أو صفعة
هناك استسلام وخنوع لتسلط الأب ، بكل أشكاله ، فحتى صغير حق الابن على أبيه ، نجد إنكاره على الابن أنموذجا للاحتذاء به ، يتضمن موافقته على أن يستخدمه كدرس تطبيقي للاستفادة منه فيما لو نقلت تلك السلطة إليه ،
فاحترام الابن وكرامته قد تكون شيئا ثانويا ، حتى و إن ضرب ، و حتى إن صودر رأيه ، أوحين يبلغ به الإذلال إلى حد أن يربط مع البهائم ، فهو الأب الذي يجب أن لا يعلى أي صوت على صوته، حتى وإن كان باطلا ، وهذا ما تبنته بعض الأفكار الدينية والتي تعتبر سلطة الدولة هي سلطة ولي الأمر ، لذا لا يمكن الخروج عليها ,
ينتهي صوت البطل في تكرار مقصود ، إلى حقيقة مقلوبة مؤداها أنهم عائلة طيبة ، ويبقى السؤال كامنا في ذات السارد أين هي الطيبة من كل هذا ، أهي حالة تهكم ..؟ أراد بها قلب الأمور ، أم أنها كوميديا سوداء ، أم هي محاولة للوصول إلى حقيقة مجهولة سنكتشفها لاحقا ، وهذا ما نتلمسه من سياق النص والبداية التي أستهلها به
أبحث عن جلباب أبي لأنام مستدفئا
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة أوجفاف النيل
فهناك حقائق ، لم يرغب بكشف المستور منها في خبايا نفسه ،و أنه ما كان يروم الحقيقة بما ذهب إليه ، لأن الحقيقة هي حالة أخرى فهناك عرف يجب أن ينقاد إليه حتى في حالة عدم الإيمان به ، يقابلها حالة رفض في داخله ، تبقى كحالة كبت لأن القوى الدافعة لها قدرة أقل على إظهارها إلى عالم الوجود ، وهو ما يسمى بعلم النفس الخنق الإرادي للتصورات الذهنية المؤلمة والتي يمكن استبدالها بنوع من الرضا ليبدد الشحنات الإضافية ، هي حالة دفاع ذاتي ،
والعدالة التي أرادها السارد هي الأخرى عدالة موهومة
يشهد الله كم هو عادل إلى أقصى حد
لا يهم أن أعطى أحد الأخوة بلا حساب
فهو حنون يضنيه البكاء
بينما لم يقدم لآخر أي شيء
بل عنفه و صده و لطمه على مؤخرته
و قفاه !
ولو راجعنا مناظرات كل من سقراط وبوليماخارس في المدينة الفاضلة عن العدالة لثبت لنا أن العدالة نسبية وأن ما ذهب إليه البطل كانت حقيقة فلسفية ، فهي في الوقت الذي تكون فيه فائدة للبعض تكون مضرة للغير ، و في علم التربية حقيقة تربوية مغلوطة فبطلنا يتكلم عن تلك العدالة التي تطبق بتناقض على اثنين ، أخ يبذل له كل ما يريد حيث لا يستطيع الأب مقاومة رغبات هذا الابن المدلل إذ يصبح ضعيفا أمام بكاء ه، في حين أنه لا يطبق هذا المبدأ مع غيره من الأخوة ، وهو تطبيقا للعدالة (عدالته هو ) لأن لديه ما يبرر كل تصرفاته الميكافيلية ، وهذا كثيرا ما نلمسه في سلوكيات بعض الآباء مع أبنائهم
ثم يعيد نفس اللازمة ( فنحن عائلة سعيدة ) فهو تكرار مقصود ، لم يكن نشازا أو ثقيلا على النص ، بل على العكس جاء ليعمق من الأسلوب القصدي للنص ، الذي راح البطل يحكي عنه ويكرره أكثر من مرة
هذه الأسرة مجبرة على تحمل كل قسوة الأب ، رغم ما ينالوه من سوء عذاب ،
فهم أسرة طيبة
حتى وإن أصبحوا مرضى تتراءى لهم أشباح في خيالاتهم وليس هناك من أشباح غير شبح الخوف من الأب وهي أسرة سعيدة تمتلك كل مقومات السعادة مادام الأب يمثل القوة الربوبية التي لا تقهر ها إرادة ، يبقى متسلطا
فالابن الممتلئ بالطاقات النفسية المكبوتة ، يجئ سؤاله وكأنه محاولة إقناع ، واقتناع بما يقول
فبأى حق أزأر أو أتذمر
إلا أن أكون معدوم الأصل و الفصل !!
أن الواقع المرير يجب أن يقبل بكل تفاصيله كأمر واقع وإلا فأن الاعتراض أو التذمر هي انعدام للأصل والفصل ، وهو خروج عن العرف والقانون الإلهي ، لذا فإن محاولة بقاء العائلة سعيدة ، هي بالطاعة العمياء ، وفجأة ودون مسبقات تتحول أدوات السرد ، فمن الكلام المعتمد على التصورات الذهنية ، إلى حالة فاعلة يمكنها أن تغير
في المقطع الذي يتحول فيه النص من حالته التقريرية ، والاكتفاء بالمظهر السطحي لطبيعة تلك العائلة ، ثمة هزة قوية تفاجئنا غيرت من مجرى السرد ، ربما تكون أشبه بالهزة السياسية التي تفاجئ بها الشعوب نتيجة أمر طارئ ، غيرت كل الحسابات وأوجدت للقوة الغاشمة المتمثلة بالأب قوة أخرى أكثر بأسا وأشد فتكا ، فقوة الأب إذن كانت قوة موهومة لم يستطع ممارستها إلا على الأبناء ، وهذا ما أبقى الأبناء والأعمام في حالة ذهول ينتظرون الغلبة لمن تكون ، وهي محاولة ذكية من الكاتب فبقائهم بحالة ترقب هو لفضح الزيف ، أو محاولة لكسر الخوف والرعب المستشري فيهم ، ولدت الثورة في لحظة ، وإن البطل المستضعف أصبح ذا قوة تفوق قوة من صرع أبيه ، ليقتله ويحطم جبروته ، وينتصر لأرادته قبل أن يكون انتصارا لأبيه ، ولكن الثورة توأد دون أن تحقق هدفا من
أهدافها لم تكتمل الفرحة بعد في قلوب من قاموا بها ، فتسلمه اليد التي أنقذها إلى مركز الشرطة ، ويبقى إعلامه يكرر تلك الأسطوانة المشروخة أنهم (عائلة سعيدة )،
أننا أمام قصة محبوكة ومنسوجة بإتقان ، وهي سهلة التركيب عميقة المضمون والدلالة ، فهي تعبير عن رؤى سياسية واجتماعية ونفسية
وهي صوت حواري داخلي هامس ، يلغي كثير من التفاصيل ، ليضعنا أمام نص متعدد التأويل ، وهو إزاحة نفسية عن هموم متراكمة كأن تكون صورة لماض معاش ، أو حاضر مرموز ،، وهذا ما دأب عليه
الأستاذ ربيع عقب الباب ، بأن يعطي للنص انسيابيته دون أن يفرض نفسه عليه . وليجعل القاريء في حالة تفكير بالقيمة الفكريةالمكتسبة من أعماله ، بحيث أن القراءة العابرة للنص ، لايمكن الاستفادة منها ، لأن الدرر تكمن دوما في الأعماق .. لوهذا مايجعلنا دوما ننظر إلى نصوصه بتوغل عميق .
* الآية 59 نساء
** المدينة الفاضلة أفلاطون
*** المؤرخ توينبي
**** أنجلس
[frame="1 80"]نبذة عن القاص
ربيع السيد عبد الرحمن عقب الباب
من مواليد المحلة الكبرى - مصر
عضو اتحاد كتاب مصر
يكتب القصة والرواية والمسرحية للكبار والصغار
كتب أشعارا لعروض مسرحية بالثقافة الجماهيرية و الجامعة
نشر أعماله فى الدوريات المصرية والعربية مثل ( إبداع – الثقافة الجديدة – القصة – القاهرة – آفاق المسرح – ماجد – أحمد – الوعي الإسلامي – علاء الدين - الفيصل الأدبية -
ربيع عقب الباب ..قاص له طابع لا يمكن أن يكون استنساخ لأحد من الكتاب والقصاصين ، وكاتب مسرحي مقتدر وأديب متميز ومعلم من طراز خاص عرف بدماثة خلقه وطبيعته الهادئة ، وهو لا يجامل على حساب فنه وأدبه ، فانتقاداته عبارة عن دروس وتعليمات ترمم كل ثلم ،
وهنا نتناول قصته ( أسرة طيبة جدا ) بالتحليل عبر رؤيا نقدية متواضعة
.[/frame]
النص بقلم ربيع عقب الباب
رائع هذا الظلام
ثقيل الثياب
لكن سوادها يجعلني أرتخي أكثر
أبحث عن جلباب أبي لأنام مستدفئا
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
لا يهم أن لطمني أمام أم الأولاد
أو حتى صغاري
ونعتني بلفظة امرأة حين استبد برأيه
ألا يرى كم أنا محب
وحضاريّ
حين أناقش امرأتي في أمر تربية الأولاد
لا يهم أن يكون لي رأى
أو ربطني مع بهائمه في زريبة منعزلة
من أجل أن يربي الأولاد و الأعمام و الأخوة
و الزوجات كما يحب
فنحن أسرة طيبة
يشهد الله كم هو عادل إلى أقصى حد
لا يهم أن أعطى أحد الأخوة بلا حساب
فهو حنون يضنيه البكاء
بينما لم يقدم لآخر أي شيء
بل عنفه و صده و لطمه على مؤخرته
و قفاه !
لا يهم
فنحن أسرة طيبة
لا يهم أن كان نصفها مرضى نفسيين
يعانون من كوابيس
يصرخون في منتصف العناء على أشباح
لا شك أنهم ممتلئون ومشحونون
في عيادات باهظة الوجع !
لا يهم كل هذا
فأنا لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
فبأى حق أزأر أو أتذمر
إلا أن أكون معدوم الأصل و الفصل !!
نحن أسرة طيبة
إلى أقصى حدود الله
نعرف ما لنا و ما علينا
والفضل عائد لرب أسرتنا
فهو برغم حكمته
وصبره الطويل
قد ينسى حين أتكلم دون إذنه
لغة الكلام
فيضربني من غيظه بفأس طالها
أو يطاردني في الغيطان
لا أنسى أبدا
يوم لطمني أمام أم الأولاد
و الأخوة من حولنا يرتجفون
لا يهم أن أحست زوجتي بالإهانة
فتقدمتني
كأنها تزود عني
فما كان منه إلا أن التقط ( صفيحة كبيرة )
و نزل بها على أم رأسها
لا تهم خيوط الدم
تروى الأرض تحت أقدامنا
و لا الخمس عشرة غرزة
و عاهة تلازمها حتى الممات
لا يهم كل هذا
فنحن أسرة طيبة
لا تخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
فبأى حق نزأر أو نتذمر !
لكن الذي همّني
تخلي الأخوة و الأعمام
حين اصطدم بهذا الرجل الغليظ
المفتول الساعدين
بأحد أجران القمح
أرداه غارقا في دمه
و هم عاقدون سواعدهم
يشهدون
أو كأنهم ينتظرون لمن تكون الغلبة
وهم في حيرة من أمرهم
فأسرعت إلي قضيب حديدي قريب
و أفلحت في تفتيت رأس الرجل
بل هاجمت الأعمام و الأخوة
لم يمنعني عنهم إلا هو
فتركت القضيب يهوي إلي الأرض
ألقيت بنفسي في أحضانه صارخا
ليحملني بعد ذلك
إلي قسم الشرطة كي أنال عقوبتي
رائع هذا الظلام
ثقيل الثياب
لكن سوادها يجعلني أرتخي أكثر
أبحث عن جلباب أبي لأنام مستدفئا
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل !
النص النقدي
النص مجموعة من التناقضات أراد بها القاص طرح مفهوم سياسي ورؤيا عقائديه ، فقد يكون هذا الطرح تطبيقا لقول الله- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ﴾(* و نظرة فلسفية انطلقت من خلال مفهوم أفلاطوني هي أن سلطة الدولة الكبيرة ، تعادل سلطة الفرد الصغيرة ( الدولة شخص كبير ، والفرد دولة صغيرة ) * *
والنص قد قسم بشكل مقاطع كل مقطع ينتهي بلازمة
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة
أو جفاف النيل
ملخص النص
وأبتدئها في دور الأب وحقوقه على الابن ووجبات الابن اتجاه الأب ومن بين تلك الواجبات هي مصادرة الرأي ، وحق الأب بأن يمارس ما يراه مناسبا في فن التربية ، ومن ثم يتطرق إلى العدالة الأبوية ، وهذه السلطة معفاة من المسؤولية في اختيار نوع العقاب وعلى من تطبق ، حتى وإن كان التطبيق على
مرضى نفسيين فقانون العدالة هي مواد وبنود أقرت في دستور الأب الدائم، والعقاب وليد لحظته بما يقع تحت يده من أدوات ، أذن الأب سلطة تشريعية وتنفيذية ،وبعد عرض وصفي لشكل العلاقات التي تربط العائلة ، وبنقلة مفاجئة ينقلنا القاص إلى عراك في الغيط ينشب بينه وبين رجل مفتول العضلات صراع دامي تكون فيه الغلبة لذلك الرجل ، لكن بطلنا خرج عن المألوف ولم ينتظر نهاية الصراع ، فقلب الموازين بأن قتل الرجل ، بعد محاولاته اليائسة في استثارة أعمامه وأخوته إلا إنه لم يجد من يستجيب لدعواته ، ثم يكافئ على فعلته بعد أن أنقذ أباه من موت محقق بأن يرسله أبوه إلى السجن ، وهو بذا لم يحقق مبدأ الثواب والعقاب بل أنه قلب مفهومه التطبيقي ،بحيث إن الثواب يتحول إلى عقاب
وفي الريف عادة تفرض سلطة العشيرة ، ولاتحقق عدالة الدولة ، لذا فإن تسليم الابن إلى الشرطة ، حدث نادر
ولايتم إلافي حالات إستثنائية ، وهو بذا يؤكد أن حالة الصراع أنتجت قوة جديدة فاقت قوة الأب ، وحتى لايفقد الأب صورته
السلطوية وحتى لايكون منافسا له ينازعه سلطانه ، يدخل أبنه السجن فيقتل بذلك كل بذرة أو محاولة للتحرر
وسائل الإنتاج والتطور
صحيح إن القاص لم يتناول الدور الإقتصادي في نمو العلاقات وتطورها ، وأنه تناول الموضوع بشكل أحادي ( الريف والقرية ) وتناول شكلا واحدا من القوى المنتجة الفلاح
إلا أنه أعطى ضمنا تأكيدا لهذا الدور بحيُث أنه أوحى لنا أن العلاقات في القرية تبقى أسيرة تقاليد موغلة في القدم وهذا ما أكده علماء الاجتماع والمؤرخين
( إن الصفة الرئيسية التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي حالة الإبداع ) ***
وهذا ما نجده سائدا في العلاقات الريفية التي رسمها لنا القاص ، فهي عادات تكاد أن تكون نمطية وتقليدية ، وهي تختلف عن العلاقات المدنية ، حيث ا لإبداع ومحاولات التغيير المستمرة في إيجاد وسائل وظروف جديدة لتغيير نمطية الحياة ، عبر الدور الكبير الذي يلعبه العمل في تطور الإنسان وتخلصه من قيود التقليد ، كما أن التفاوت الاقتصادي الكبير بين الريف والمدينة جعل هناك تفاوتا فكريا وسياسيا ,كبيرا ، لأن الإنتاج الزراعي يعتمد بشكل كبير على جهد العائلة بأكمله للحصول على أفضل إنتاج وهو عادة لايتطلب جهدا فكريا كبيرا ، لذا فيجب أن يمارس الأب سلطة مطلقة كي يستطيع أن يسيطر على قوى إنتاجه ، وهي سلطة إقطاعية ، وهذه الشروط غير ملزمة للحياة المدنية وهي التي تؤكد على مبدأ الديالكتيك والتطور (أن كل شيء في حالة تطور ، فلاشيء مطلق سوى الحركة والتطور والتحول فالحركة لا تعرف النهاية والتطور لا يقف عند حد ) ****لذا فإن التفسير الجدلي لعلاقة الأب بأولاده يخضع لهذا المعيار ، فالريف لاتنعدم فيه حركة التطور لكنها بطيئة جدا قياسا لحركة التطور في المدينة بسبب تنوع وسائل الانتاج ، ودور الفكر في العملية الأنتاجية
العلاقة المحيرة
لم تأت البداية ، للتعبير عن حياة مليئة بالسعادة والألفة ، والجمال ، فالسارد يصور حياة قاسية بمعنى الكلمة ، و مظلمة داكنة السواد ، ورغم ذا فأن هذه الحياة لا تعط أمانها ودفئها ، إلا بأن يتدثر البطل بجلباب أبيه ، لأن القسوة تخلق نمطا خاصا من الرجال عندهم القدرة على مواجهة أقسى الظروف الطبيعية هذا من جانب ، أو لأنه ما تعلم من الحياة إلا هذا الشكل من التربية لذا فأنه امتداد للماضي ، وإلا فهو في قرارة نفسه غير راض عن تصرف أبيه وسلطاته الغير مقيدة ، فأن أي شكل من أشكال التعلم الحضاري يصبح خروجا عن تلك السلطة ، حتى وإن كلم زوجته بكلام رقيق أو مناقشتها بأمور التربية ، فلا يوجد مفهوم للتربية لدى الأب غير مفهوم العصا ، ولذا يجب أن يعاقب من يحاول الإخلال بهذا النظام الذي بني على أسس ودعائم قوية ، قد تكون امتدادا لمن سبقه ، فالعقوبة هنا إهدار لكرامة الابن ، وأوصاف قد تأباها رجولته ، وربما تتعدى ذلك إلى شج رأس الزوجة ، أو صفعة
هناك استسلام وخنوع لتسلط الأب ، بكل أشكاله ، فحتى صغير حق الابن على أبيه ، نجد إنكاره على الابن أنموذجا للاحتذاء به ، يتضمن موافقته على أن يستخدمه كدرس تطبيقي للاستفادة منه فيما لو نقلت تلك السلطة إليه ،
فاحترام الابن وكرامته قد تكون شيئا ثانويا ، حتى و إن ضرب ، و حتى إن صودر رأيه ، أوحين يبلغ به الإذلال إلى حد أن يربط مع البهائم ، فهو الأب الذي يجب أن لا يعلى أي صوت على صوته، حتى وإن كان باطلا ، وهذا ما تبنته بعض الأفكار الدينية والتي تعتبر سلطة الدولة هي سلطة ولي الأمر ، لذا لا يمكن الخروج عليها ,
ينتهي صوت البطل في تكرار مقصود ، إلى حقيقة مقلوبة مؤداها أنهم عائلة طيبة ، ويبقى السؤال كامنا في ذات السارد أين هي الطيبة من كل هذا ، أهي حالة تهكم ..؟ أراد بها قلب الأمور ، أم أنها كوميديا سوداء ، أم هي محاولة للوصول إلى حقيقة مجهولة سنكتشفها لاحقا ، وهذا ما نتلمسه من سياق النص والبداية التي أستهلها به
أبحث عن جلباب أبي لأنام مستدفئا
لا أخاف شح السنابل
تلف الكرمة أوجفاف النيل
فهناك حقائق ، لم يرغب بكشف المستور منها في خبايا نفسه ،و أنه ما كان يروم الحقيقة بما ذهب إليه ، لأن الحقيقة هي حالة أخرى فهناك عرف يجب أن ينقاد إليه حتى في حالة عدم الإيمان به ، يقابلها حالة رفض في داخله ، تبقى كحالة كبت لأن القوى الدافعة لها قدرة أقل على إظهارها إلى عالم الوجود ، وهو ما يسمى بعلم النفس الخنق الإرادي للتصورات الذهنية المؤلمة والتي يمكن استبدالها بنوع من الرضا ليبدد الشحنات الإضافية ، هي حالة دفاع ذاتي ،
والعدالة التي أرادها السارد هي الأخرى عدالة موهومة
يشهد الله كم هو عادل إلى أقصى حد
لا يهم أن أعطى أحد الأخوة بلا حساب
فهو حنون يضنيه البكاء
بينما لم يقدم لآخر أي شيء
بل عنفه و صده و لطمه على مؤخرته
و قفاه !
ولو راجعنا مناظرات كل من سقراط وبوليماخارس في المدينة الفاضلة عن العدالة لثبت لنا أن العدالة نسبية وأن ما ذهب إليه البطل كانت حقيقة فلسفية ، فهي في الوقت الذي تكون فيه فائدة للبعض تكون مضرة للغير ، و في علم التربية حقيقة تربوية مغلوطة فبطلنا يتكلم عن تلك العدالة التي تطبق بتناقض على اثنين ، أخ يبذل له كل ما يريد حيث لا يستطيع الأب مقاومة رغبات هذا الابن المدلل إذ يصبح ضعيفا أمام بكاء ه، في حين أنه لا يطبق هذا المبدأ مع غيره من الأخوة ، وهو تطبيقا للعدالة (عدالته هو ) لأن لديه ما يبرر كل تصرفاته الميكافيلية ، وهذا كثيرا ما نلمسه في سلوكيات بعض الآباء مع أبنائهم
ثم يعيد نفس اللازمة ( فنحن عائلة سعيدة ) فهو تكرار مقصود ، لم يكن نشازا أو ثقيلا على النص ، بل على العكس جاء ليعمق من الأسلوب القصدي للنص ، الذي راح البطل يحكي عنه ويكرره أكثر من مرة
هذه الأسرة مجبرة على تحمل كل قسوة الأب ، رغم ما ينالوه من سوء عذاب ،
فهم أسرة طيبة
حتى وإن أصبحوا مرضى تتراءى لهم أشباح في خيالاتهم وليس هناك من أشباح غير شبح الخوف من الأب وهي أسرة سعيدة تمتلك كل مقومات السعادة مادام الأب يمثل القوة الربوبية التي لا تقهر ها إرادة ، يبقى متسلطا
فالابن الممتلئ بالطاقات النفسية المكبوتة ، يجئ سؤاله وكأنه محاولة إقناع ، واقتناع بما يقول
فبأى حق أزأر أو أتذمر
إلا أن أكون معدوم الأصل و الفصل !!
أن الواقع المرير يجب أن يقبل بكل تفاصيله كأمر واقع وإلا فأن الاعتراض أو التذمر هي انعدام للأصل والفصل ، وهو خروج عن العرف والقانون الإلهي ، لذا فإن محاولة بقاء العائلة سعيدة ، هي بالطاعة العمياء ، وفجأة ودون مسبقات تتحول أدوات السرد ، فمن الكلام المعتمد على التصورات الذهنية ، إلى حالة فاعلة يمكنها أن تغير
في المقطع الذي يتحول فيه النص من حالته التقريرية ، والاكتفاء بالمظهر السطحي لطبيعة تلك العائلة ، ثمة هزة قوية تفاجئنا غيرت من مجرى السرد ، ربما تكون أشبه بالهزة السياسية التي تفاجئ بها الشعوب نتيجة أمر طارئ ، غيرت كل الحسابات وأوجدت للقوة الغاشمة المتمثلة بالأب قوة أخرى أكثر بأسا وأشد فتكا ، فقوة الأب إذن كانت قوة موهومة لم يستطع ممارستها إلا على الأبناء ، وهذا ما أبقى الأبناء والأعمام في حالة ذهول ينتظرون الغلبة لمن تكون ، وهي محاولة ذكية من الكاتب فبقائهم بحالة ترقب هو لفضح الزيف ، أو محاولة لكسر الخوف والرعب المستشري فيهم ، ولدت الثورة في لحظة ، وإن البطل المستضعف أصبح ذا قوة تفوق قوة من صرع أبيه ، ليقتله ويحطم جبروته ، وينتصر لأرادته قبل أن يكون انتصارا لأبيه ، ولكن الثورة توأد دون أن تحقق هدفا من
أهدافها لم تكتمل الفرحة بعد في قلوب من قاموا بها ، فتسلمه اليد التي أنقذها إلى مركز الشرطة ، ويبقى إعلامه يكرر تلك الأسطوانة المشروخة أنهم (عائلة سعيدة )،
أننا أمام قصة محبوكة ومنسوجة بإتقان ، وهي سهلة التركيب عميقة المضمون والدلالة ، فهي تعبير عن رؤى سياسية واجتماعية ونفسية
وهي صوت حواري داخلي هامس ، يلغي كثير من التفاصيل ، ليضعنا أمام نص متعدد التأويل ، وهو إزاحة نفسية عن هموم متراكمة كأن تكون صورة لماض معاش ، أو حاضر مرموز ،، وهذا ما دأب عليه
الأستاذ ربيع عقب الباب ، بأن يعطي للنص انسيابيته دون أن يفرض نفسه عليه . وليجعل القاريء في حالة تفكير بالقيمة الفكريةالمكتسبة من أعماله ، بحيث أن القراءة العابرة للنص ، لايمكن الاستفادة منها ، لأن الدرر تكمن دوما في الأعماق .. لوهذا مايجعلنا دوما ننظر إلى نصوصه بتوغل عميق .
* الآية 59 نساء
** المدينة الفاضلة أفلاطون
*** المؤرخ توينبي
**** أنجلس
تعليق