خوفاً من الفرح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    خوفاً من الفرح

    تخاف اقتراب يوم ( وقفة العيد ) لسبب راسخ في ذاكرتها المُتعَبة ..
    تصيبها (وقفة العيدين) برعب يزحف ببطء ليشل حركتها وتفكيرها.
    تقف كل أحاسيسها متحفزة وكأنها ترصد خطراً داهما .
    ثم تفاقم الخوف ليشمل كل المناسبات : ليلة الكريسماس وليلة رأس السنة الميلادية وأول السنة الهجرية .
    كل فرح آتٍ يوقظ فيها حالة إستنفار لكل قبيلة الخوف والذعر ..
    صار إحساسها بالفرح تحكمه بوصلة تتجه نحو الريبة والتحفز ..
    لا تقوم بوصلتها بتوصيل تداعيات الفرح إلا أن إكتملتْ كل أركانه و أمسكتْ به بين يديها ومن تلابيبه.
    وحتى حينئذ، لا تقدر على التعايش معه حتى الإرتواء ..
    لا تزال تذكر تلك الليلة كأنها صورة مجسمة تُعرض أمامها على (بروجكتور) أو من خلال شاشة سينما مقعرة .
    فقد أتى شهر رمضان، وأمها تلهج بالدعاء منذ أول يوم فيه بأن يعود زوجها الغائب سالماً غانماً ..
    ما أن أنتصف الشهر المبارك، امتلأ البيت بصخب مميز ..
    وأخوتها الصغار يملئون البيت ضجيجاً للفت الإنتباه لمطالبهم التي لا تتعدى الأحذية والملابس الجديدة..
    تذكُر عندما أتتهم البشارة بأن والدها سيكون بينهم ليلة العيد .
    إزدادت رقعة الفرح في البيت ..
    تطاول عبق (الخبيز) و تلفَّحَ بنكهةٍ محببة ليتعدى مساحة بيتهم ..
    وأتسع البيت وأمتد ليغمر الشارع كله ..
    أحسَّتْ وقتها بأن الفرح موسوم على جباه الأسرة كلها ..
    الليلة السابقة ليوم الوقفة، لم يعرف أهل البيت النوم ..
    ظلوا يتحدثون عن ما كان يقوله أبوهم لأمهم حين يغضب وحين يرضى ..
    وتلك تتذكر مزاحه المحبب ..
    وذاك يحاكي مشيته و ضحكته ..
    وضعوا اللمسات الأخيرة لكل ما هو آتٍ من أيام سعيدة ..
    وهي صامتة تختزن حبها وشوقها لتطلقه دفعة واحدة بين أحضانه ..
    مر اليوم متثاقلاً، و كأن الشمس تريد إختبار صبرهم ..
    دقّ قلبها بعنف وهم في المطار شاخصين بأبصارهم ينتظرون طلعة أبيهم الوقورة بلحيته القصيرة وابتسامته الواسعة ..
    وقفت متحفزة لتجري وتكون أولى الفائزات بحضنه الدافيء ..
    خرج القادمون الواحد تلو الآخر ..
    حسدت كل من يحتضن قادماً.
    خفق قلبها بنبض متسارع كلما ظنت أن أحدهم في طول أبيها أو في حجمه ..
    رويداً رويداً، أنحسر سيل القادمين ثم توقف..
    خيم صمت مطبق على الجميع ..
    تبادلوا النظرات الحيرى بينهم ..
    تساءلوا إن كانوا متأكدين من الرحلة وموعدها ..
    دخلوا وتأكدوا من أن هذه هي رحلته، ولكنه لم يأت.
    رجعوا للبيت صامتين، لا يجرؤ أحدهم أن ينظر للآخر ..
    ما أن دلفوا للبيت، كان جرس الهاتف يرن كقرع ناقوس ضخم ..
    هرعت الشقيقة الكبرى وتلقت المكالمة ملهوفة ..
    كان آخر شيء تتذكره قبل أن تروح في غيبوبة طويلة هو منظر شقيقتها تصرخ وترتمي على الأرض مولولة ..
    عندما أفاقت، وعرفت تفاصيل موت أبيها في طريقه للحاق برحلة العودة .. خُيِّل إليها أن موعد العيد قد تراجع في روزنامة بيتهم عدة سنوات إلى الوراء .

    وبدا لها شارع بيتهم الواسع وكأنه ركن منزوٍ في غرفة معتمة ..
    رمقتْ أمها بنظرة مختلسة، كان وجهها بدون أي تعبير، كانت كلوحة مرسومة على قطعة من الصخر الأصم، تنظر إلى لا شيء ..


  • نجاح عيسى
    أديب وكاتب
    • 08-02-2011
    • 3967

    #2
    مع الاسف اخي الكريم ..إنهُ موروثٌ قديم ..تناقلهُ الآباء عن الآجداد ..حتى وصل للآبناء ..
    إن ضحكنا نقول ...اللهم إجعله خيراً ..إن فرحنا قلنا يا لطيف ألطُف بنا فيما جرَت به المقادير ...
    إن رأينا بومة مسكينة نتراجع بخطانا ونقول رحمتك يا رحيم ...
    لا ندري لماذا يزخر تراثنا بالتشاؤم والنذير ...
    قصه رائعه واسلوب مشوق سلمت يداك
    احترامي وتقديري

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      قصة جميلة
      منسوجة بعناية
      أسلوبا و رؤية و قصا اختلف كثيرا عن كل أعمالك السابقة
      اهتمت بالقص و لم تذهب إلي جماليات الخاطرة كما عاهدناك سابقا

      أهلا بك أخي الجميل وحمدا لله على سلامتك
      لتكون معنا قاصا جميلا نتعلم منه !

      محبتي
      sigpic

      تعليق

      • جلال داود
        نائب ملتقى فنون النثر
        • 06-02-2011
        • 3893

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة نجاح عيسى مشاهدة المشاركة
        مع الاسف اخي الكريم ..إنهُ موروثٌ قديم ..تناقلهُ الآباء عن الآجداد ..حتى وصل للآبناء ..
        إن ضحكنا نقول ...اللهم إجعله خيراً ..إن فرحنا قلنا يا لطيف ألطُف بنا فيما جرَت به المقادير ...
        إن رأينا بومة مسكينة نتراجع بخطانا ونقول رحمتك يا رحيم ...
        لا ندري لماذا يزخر تراثنا بالتشاؤم والنذير ...
        قصه رائعه واسلوب مشوق سلمت يداك
        احترامي وتقديري
        الأخت الأستاذة نجاح

        تحياتي و سلامي

        سعدت بمرورك اللماح وقراءتك للقصة ومطابقتها بموروثات في أمتنا.
        للأسف فإن العُرف طاغٍ على سلوكيات أمتنا وتطفو على كل مناحي الحياة حتى في أوساط المتعلمين
        أشكرك على هذا المرور البهي
        دمتم

        تعليق

        • جلال داود
          نائب ملتقى فنون النثر
          • 06-02-2011
          • 3893

          #5
          الأستاذ القدير ربيع

          تحياتي وتقديري

          أولا سعدت بمروك البهي على النص
          وسعدت أكثر على تعليقك الذي أعتز به كثيرا
          وهاأنذا أنيخ براحلتي هنا وأضرب بأوتاد خيمتي

          دمتم

          تعليق

          • سعد المصراتى مؤمن
            أديب وكاتب
            • 25-10-2009
            • 149

            #6
            الاستاذ جلال //
            بصراحة نص يستحق المتابعة ,فمن الناحية الفنبة يكفيك مافى العنوان من تناقض , (الفرح +الخوف ) ومن جماليات البلاغة التضاد وهو امر جميل , ومن حيث الموضوع هو موضوع يحدث فى كل الأوقات ,لأن الخوف على عكس التشاؤم الأول نحن مجبولون عليه وهو ابتلاء الهى مأجورون بالصبر عليه والثانى اكتساب شيطانى يقتل الأمل ويحد من الحياة , ولاننسى فى هذا النص حسب النتيجة المنطقية اذا قيمنا النص بالواقعية, ان السبب راسخ فى ذهن البطلة , وهو عامل نفسى صعب العلاج بسهولة , ولذلك انتهى ان النص حقيقة اخذ مساره الواقعى الطبيعى واالأنسانى ,لذلك كنت موفقا ""
            لك الشكر والثناء *
            الطير الحر **

            تعليق

            • جلال داود
              نائب ملتقى فنون النثر
              • 06-02-2011
              • 3893

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة سعد المصراتى مؤمن مشاهدة المشاركة
              الاستاذ جلال //
              بصراحة نص يستحق المتابعة ,فمن الناحية الفنبة يكفيك مافى العنوان من تناقض , (الفرح +الخوف ) ومن جماليات البلاغة التضاد وهو امر جميل , ومن حيث الموضوع هو موضوع يحدث فى كل الأوقات ,لأن الخوف على عكس التشاؤم الأول نحن مجبولون عليه وهو ابتلاء الهى مأجورون بالصبر عليه والثانى اكتساب شيطانى يقتل الأمل ويحد من الحياة , ولاننسى فى هذا النص حسب النتيجة المنطقية اذا قيمنا النص بالواقعية, ان السبب راسخ فى ذهن البطلة , وهو عامل نفسى صعب العلاج بسهولة , ولذلك انتهى ان النص حقيقة اخذ مساره الواقعى الطبيعى واالأنسانى ,لذلك كنت موفقا ""
              لك الشكر والثناء *
              الطير الحر **
              الأستاذ سعد المصراتي مؤمن

              تحايا سامقة وسلام مقيم

              سعدت جدا لمرورك البهي وتعليقك الباذخ الذي أعتبره إطارا موشحا للنص برمته.
              لك الشكر والثناء أنت على قراءتك العميقة وتعليقك الأعمق

              دمتم أبدا

              تعليق

              • وسام دبليز
                همس الياسمين
                • 03-07-2010
                • 687

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة جلال داود مشاهدة المشاركة
                تخاف اقتراب يوم ( وقفة العيد ) لسبب راسخ في ذاكرتها المُتعَبة ..
                تصيبها (وقفة العيدين) برعب يزحف ببطء ليشل حركتها وتفكيرها.
                تقف كل أحاسيسها متحفزة وكأنها ترصد خطراً داهما .
                ثم تفاقم الخوف ليشمل كل المناسبات : ليلة الكريسماس وليلة رأس السنة الميلادية وأول السنة الهجرية .
                كل فرح آتٍ يوقظ فيها حالة إستنفار لكل قبيلة الخوف والذعر ..
                صار إحساسها بالفرح تحكمه بوصلة تتجه نحو الريبة والتحفز ..
                لا تقوم بوصلتها بتوصيل تداعيات الفرح إلا أن إكتملتْ كل أركانه و أمسكتْ به بين يديها ومن تلابيبه.
                وحتى حينئذ، لا تقدر على التعايش معه حتى الإرتواء ..
                لا تزال تذكر تلك الليلة كأنها صورة مجسمة تُعرض أمامها على (بروجكتور) أو من خلال شاشة سينما مقعرة .
                فقد أتى شهر رمضان، وأمها تلهج بالدعاء منذ أول يوم فيه بأن يعود زوجها الغائب سالماً غانماً ..
                ما أن أنتصف الشهر المبارك، امتلأ البيت بصخب مميز ..
                وأخوتها الصغار يملئون البيت ضجيجاً للفت الإنتباه لمطالبهم التي لا تتعدى الأحذية والملابس الجديدة..
                تذكُر عندما أتتهم البشارة بأن والدها سيكون بينهم ليلة العيد .
                إزدادت رقعة الفرح في البيت ..
                تطاول عبق (الخبيز) و تلفَّحَ بنكهةٍ محببة ليتعدى مساحة بيتهم ..
                وأتسع البيت وأمتد ليغمر الشارع كله ..
                أحسَّتْ وقتها بأن الفرح موسوم على جباه الأسرة كلها ..
                الليلة السابقة ليوم الوقفة، لم يعرف أهل البيت النوم ..
                ظلوا يتحدثون عن ما كان يقوله أبوهم لأمهم حين يغضب وحين يرضى ..
                وتلك تتذكر مزاحه المحبب ..
                وذاك يحاكي مشيته و ضحكته ..
                وضعوا اللمسات الأخيرة لكل ما هو آتٍ من أيام سعيدة ..
                وهي صامتة تختزن حبها وشوقها لتطلقه دفعة واحدة بين أحضانه ..
                مر اليوم متثاقلاً، و كأن الشمس تريد إختبار صبرهم ..
                دقّ قلبها بعنف وهم في المطار شاخصين بأبصارهم ينتظرون طلعة أبيهم الوقورة بلحيته القصيرة وابتسامته الواسعة ..
                وقفت متحفزة لتجري وتكون أولى الفائزات بحضنه الدافيء ..
                خرج القادمون الواحد تلو الآخر ..
                حسدت كل من يحتضن قادماً.
                خفق قلبها بنبض متسارع كلما ظنت أن أحدهم في طول أبيها أو في حجمه ..
                رويداً رويداً، أنحسر سيل القادمين ثم توقف..
                خيم صمت مطبق على الجميع ..
                تبادلوا النظرات الحيرى بينهم ..
                تساءلوا إن كانوا متأكدين من الرحلة وموعدها ..
                دخلوا وتأكدوا من أن هذه هي رحلته، ولكنه لم يأت.
                رجعوا للبيت صامتين، لا يجرؤ أحدهم أن ينظر للآخر ..
                ما أن دلفوا للبيت، كان جرس الهاتف يرن كقرع ناقوس ضخم ..
                هرعت الشقيقة الكبرى وتلقت المكالمة ملهوفة ..
                كان آخر شيء تتذكره قبل أن تروح في غيبوبة طويلة هو منظر شقيقتها تصرخ وترتمي على الأرض مولولة ..
                عندما أفاقت، وعرفت تفاصيل موت أبيها في طريقه للحاق برحلة العودة .. خُيِّل إليها أن موعد العيد قد تراجع في روزنامة بيتهم عدة سنوات إلى الوراء .

                وبدا لها شارع بيتهم الواسع وكأنه ركن منزوٍ في غرفة معتمة ..
                رمقتْ أمها بنظرة مختلسة، كان وجهها بدون أي تعبير، كانت كلوحة مرسومة على قطعة من الصخر الأصم، تنظر إلى لا شيء ..

                خوفاً من الفرح
                كل فرح آتٍ يوقظ فيها حالة إستنفار لكل قبيلة الخوف والذعر ..
                صار إحساسها بالفرح تحكمه بوصلة تتجه نحو الريبة والتحفز
                ارتبط هذا الإحساس بموت الأب قبل العيد فصارالعيد ذكرى لحزن ينبثق ألما وقهرا خصوصا حين يعيد العيد دورته ويعود إلينا
                قصة جميلة لكن حبذا لو علمنا سبب الغياب سبب الموت هل لعمل أو لخدمة وطن فسبب الموت يعطي أيضا بعدا جميلا للقصة

                تعليق

                • جلال داود
                  نائب ملتقى فنون النثر
                  • 06-02-2011
                  • 3893

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة وسام دبليز مشاهدة المشاركة
                  خوفاً من الفرح



                  كل فرح آتٍ يوقظ فيها حالة إستنفار لكل قبيلة الخوف والذعر ..

                  صار إحساسها بالفرح تحكمه بوصلة تتجه نحو الريبة والتحفز



                  ارتبط هذا الإحساس بموت الأب قبل العيد فصارالعيد ذكرى لحزن ينبثق ألما وقهرا خصوصا حين يعيد العيد دورته ويعود إلينا



                  قصة جميلة لكن حبذا لو علمنا سبب الغياب سبب الموت هل لعمل أو لخدمة وطن فسبب الموت يعطي أيضا بعدا جميلا للقصة
                  تحياتي وسام
                  أشكرك على القراءة وعلى التعليق الباذخ

                  الغياب هو بسبب هذا القهر لدى الكثيرين في الوطن العربي، القهر من ظلم أو الحاجة الملحة.
                  أما سبب الموت يكمن في الجزئية التي تقول أنه مات في طريق عودته للحاق برحلته، وتعددت الأسباب والموت واحد.

                  دمتم

                  تعليق

                  • همس العامري
                    أديب وكاتب
                    • 01-01-2013
                    • 909

                    #10

                    جذبني العنوان بشدة وجعلت بداخلي إصرار لأن أبدأ البداية وأقرأ
                    جذبتني أدق التفاصيل والمحاكاة الأصيلة بزمانها وناسها الطيبين.
                    ولكن هيهات لما تخبئه الأقدار لنامن أفراح تنقلب فجأة إلى مآتم وأحزان.
                    أستاذ جلال
                    تعايشت معك الحدث بكل تفاصيلة
                    تمنياتي لك بالسعادة ودعائي أن يبارك الله عمرك

                    التعديل الأخير تم بواسطة همس العامري; الساعة 12-01-2013, 08:08.

                    الأرض لاتنسى جباه الساجدين
                    والليل لاينسى دعاء العابدين


                    اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين
                    ارحم جميع أموات المسلمين وأغفر لهم

                    تعليق

                    • جلال داود
                      نائب ملتقى فنون النثر
                      • 06-02-2011
                      • 3893

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة تمر حنه مشاهدة المشاركة

                      جذبني العنوان بشدة وجعلت بداخلي إصرار لأن أبدأ البداية وأقرأ
                      جذبتني أدق التفاصيل والمحاكاة الأصيلة بزمانها وناسها الطيبين.
                      ولكن هيهات لما تخبئه الأقدار لنامن أفراح تنقلب فجأة إلى مآتم وأحزان.
                      أستاذ جلال
                      تعايشت معك الحدث بكل تفاصيلة
                      تمنياتي لك بالسعادة ودعائي أن يبارك الله عمرك

                      تحياتي أستاذة تمر حنة
                      سعدت بمرورك الكريم
                      وفي نفس كل منا نقطة حزن وبؤرة أسى يتحاشاها ... والسعيد هو من يجد السلوى

                      دمتم

                      تعليق

                      يعمل...
                      X