ماذا تذكر حين تفقد ذاكرتك؟
لم أكن أبحث عن ذكرياتي؛ فقد كانت متدفقة من كل جانب، مكتوبة على الحائط والشرفات، منسوجة في الستائر، محفورة في أرض البيت وفي السلالم والعتبات. ذكرياتٌ تبكي القلب وآخرى تضحكه بلغةٍ مريرة، كلها حكايا تدور في النفس، تكشف تعبيرات الوجه ما يجول في غيب السريرة.
فعن أي شئ أبحث إذا ومعي ذكرياتي؟ إنني أفقد مع الوقت بعضها، وأشرد بعيدًا في الزمن السحيق لأستعيدها، أفلح أحيانًا وأخفق أحيانًا فيزيدني الإخفاق حزنًا، وكلما تقدم بنا العمر فالحزن يزيد، حتى لحظات الفرح تصبح بعد حينٍ مصادر للأسى والحزن، بقدر ما كانت في حينها مصادر للفرحة والبهجة. الحق يقال.. لقد كنت أبحث عنها..
لا ليست امرأة في حياتي عشقتها آنًا وفقدتها، ولكنها مجرد صفحات في كراسة عتيقة، كنت قد استهللتها بالسبب الذي يكمن وراء تسجيل مذكراتي. وهنا جلت بفكري خاطرة سريعة أضحكتني.. من أنت في دنيا السبعة مليارات حتى تصبح مذكراتك ذات أهمية لغيرك. ومن الذي سيضيع وقته بعد عشرات أو مئات السنين ليقرأ ما كتبته عن نفسك. ودافعت نفسي عن رغبتها في كتابة تلك الصفحات.. ولم لا؟ ألسنا نبحث عن أي قصاصة من ورقٍ عن أجدادنا؟ لنعرف أجواء الماضي؟ ألا تعتبر تلك القصاصات مفيدة لنا حقًا؟ والبعض يعدها أثرية ويورثها لبنيه؟
هل تحسب أن ولدك آدم سوف يهتم يومًا بقراءة ما فعلته وما اقترفته يداك؟ هل تكتب حقًا كل الحقائق دون تورية أو تعمية؟ هل تعتقد أن ولدك سيحترم تاريخك الفردي ويحملها معه في كل مكانٍ كما تحمل أنت تلك الصور القديمة غير الملونة في حقيبة خاصة؟ وتدافع نفسي ثانيةً: ولمَ لا؟ ثم تستطرد.. ثم أنك لم تكتبها من أجل الآخرين.. هل نسيت مبرراتك التي كتبتها في تلك الوريقات الضائعة في كراستك العتيقة ذات السطور الضيقة الرقيقة؟ ألم تؤكد مرارًا وتكرارًا على أنك تكتب هذه السطور لنفسك؟
نعم فهذا هو أهم أهدف كتابة المذكرات بالنسبة لي.. ها أنا ذا أتذكر.. إنها مجادلات كثيرة طويلة كنت أعشق سماعها بين أبي وأمي يرحمهما الله. أنتِ لا تذكرين الكثير مما مضى، لقد اختلطت عليك الأمور "يا عجوزة"، فتبتسم وتقول أهي أنا التي نسيت؟ بل أنت.. أنتم أيها الرجال تتهموننا بالتلاعب في تقدير أعمارنا بينما أنتم أكثر من يفعل ذلك. تدعون دائمًا أن الشيخوخة لا تطالكم بينما أنتم أول من ينسى.. ثم تعيد ذكر الأحداث برواية أخرى.. وربما يحل شخص مكان آخر ويظهر ويختي أشخاص في الرواية لتصبح بالكاد مشابهة للرواية التي قدمها أبي.
لقد دفعني ذلك حينها إلى أن قررت كتابة فصل من مذكراتي كل خمس سنوات تقريبًا.. وأفلحت في ذلك لعشرين سنة، قوامها عدة ورقاتٍ كتبتها بعناية شديدة.. أظنها أروع ما كتبت... ولم أكن أستحي أن يقرأها غيري.. إلا أنني استبعدت ذلك.. على الأقل في حياتي.. ثم ليقرأها من يشاء أو يلقها أين يشاء.
لقد استعنت بها في بعض الأحيان فكانت عونًا لي على ادعاءات بعض الناس حيال الماضي.. فالبعض يحب أن يصور نفسه بطل الماضي دعمًا لحاضره على حساب الغير.. ويعتمد في ذلك على غياب بعض الحقائق في طي النسيان.. وكنت أذكر بعض القياسات والمواعيد.. فكانت تلك أدلة كاملة تفند ادعاءات البعض.. وتبرئ ساحة البعض أيضًا... لقد كنت أذكر لأصدقائي عباراتٍ محورية قالوها أو قالها البعض في مواقف بعينها.. كانت جزءًا من تراثنا النفسي أزيح عنه الغبار.
تعلمت من هذه الورقات أن حفظ بعض الأحداث يفيدنا كثيرًا حين نكبر ونشيخ.. حتى رسم شجرة العائلة وتحديثها بمن يولد أو يقضي.. فهي تفيد ليس فقط لتعويض البعد الزماني بل لتعويضابعد الكاني أيضًا.. فقداغتربت عن موطني قرابة العشرين عامًا.. عدت لأجد الصغار رجالاً ونساءًا وأرباب بيوت، لا يكادون يعرفونني إلا بمساعدة من عاصروني... لا أدعي بأنني كنت محور علاقاتهم، ولكنني كنت جزءًا أصيلاً في علاقات أكثرهم..
إن أصحاب قريتي كانوا يعجبون من ذاكرتي حين أذكر لهم تفاصيل بعض الأحداث التي حظيت بالتسجيل في مذكرتي.. كان البعض يعتبرها دليلاً على مصداقية مشاعري، وكان البعض يراها تهديدًا لما اختلقه من مزاعم في غيابي عن أشياء لست بالضرورة طرفًا فيها وإنما كنت شاهدًا عليها أو بعضها.
البعض يرون في تسجيل ذكرياتهم تهديدًا أمنيًّا لهم.. والبعض فعلاً قد دفع حياته ثمنًا لسطورٍ معدودة ربما لم تكن ذات أهمية ساعتها.. وأصبحت فيما بعد ذات خطورة شديدة. فربما تقص مثلاً قصة أحد شباب القرية اقترف جريمة أخلاقية مشينة، ويدور الزمان لتصبح هذه القصة القديمة جدًا هي الحائل الوحيد بين هذا الشاب الذي أصبح على مشارف الكهولة وبين منصبٍ كبيرٍا أنفق الدهر للوصول إليه، فتصبح القصة أمرًا خطيرًا جدًا، ليس على مستقبله فحسب، بل على حياتك أنت، وعلى الأقل على حريتك إذا لم يكن هناك على قيد الحياة من يملك تأكيدها. قد تعامل الحقيقة على أنها سب علني وجريمة تشهير، وتقضي آخر أيامك بعيدًا عن كل شئ بما في ذلك مذكراتك الكارثية.
الأهم من ذلك كله هو الخبرة الإنفعالية التي تجربها حين تقرأ مذكرة أفعالك وطموحات صباك، وستجد في فترة المراهقة أجمل اللحظات في حياتك وأقساها أيضًا.. وستضحك كثيرًا منك أنت، وماذا كنت تفعل مثلاً لتراقب معشوقتك وحبك الأول، التي ربما هي الآن زوجك، وربما هي أم لرجالٍ يمرون أمامك كنت ترجوا لو أنك أبوهم.
إن ذكرياتنا تسقط كأوراق الشجر، ودفتر ذكرياتنا يعد صورة في فصل الربيع، حيث توجد كل الذكريات أوراقًا وثمارًا معلقة، وكلما تحرى الفرد الأمانة في صياغة مذكراته، كلما زادت قيمتها بالنسبة له، حين يستفيد بها لمراجعة نفسه، وربما هي دليل إرشادات التوبة وتجديد العهد مع الله ومع الناس، وربما هي الطريق الوحيد الذي يمكن أن يسلكه الفرد الوحيد حين يحن إلى مواقف وذكريات الماضي، سواءًا القاسية منها أو الجميلة.
ربما هي "خارطة طريق" للمصالحة مع النفس ودليل لرد حقوق الآخرين، تملكه أنت وحدك بين يديك، لا يوجد فيه من الإلزام إلا بقدر رغبتك في تصحيح أخطاء الماضي إن لم تكن أسعفتك الأيام وضميرك بعدُ في تصحيحها.
هه.. وربما تضيع كما ضاعت فصولٌ هامة من مذكراتي.. تبحث عنها كما أبحث عنها الآن.. ويظن حامل المصباح في بيتك القديم أنه تبحث عن كنزٍ مدفون.. أو هكذا بدأت تتحدث القرية !!
لقد قررت أن أعيد كتابتها مرة أخرى قبل أن أنسى ما بقي منها، بفعل تضاريس الزمن القاسية.. على الأقل ما سأكتبه من أحداث اليوم.. قد يكون هامًا بالنسبة لآدم.. أو أيٍّ من بني آدم الذين أعاصرهم ويعاصرونني اليوم وغدًا.. إن كان بقية اليوم والغد من رزقي في اللوح المختوم.
فهل ستكتب مذكراتك؟ هل ستكون قيمة بقدر الحقيقة فيها؟ أم أنك من الذين يرون في ذلك ترفًا لا يملكونه؟ أو يخشون الحقيقة وانكشافها حتى بعد أن يقضون؟ أم أنك من الذين لا يحبون أن يتذكروا.. صدقني.. عندما يتقدم بك العمر ستتمنى لو أنك لم تغادر صغيرة ولا كبيرة في حياتك إلا أحصيتها.. أو فلتدعني أؤكد لك.. أن هناك من يكتب كل شئ ولكنك لن تقرأه في حياتك.. فلتحرص على أن يكون المكتوب عنك مما لا تكره قراءته.
تعليق