منارتي العتيقة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أشواق مليباري
    أديب وكاتب
    • 28-02-2012
    • 15

    منارتي العتيقة

    منارتي العتيقة
    كانت ساعتي تُشير إلى التاسعةِ صباحاً، حين هممتُ بالخروجِ من مبنى المدرسة الابتدائية التي تدرُس بها صغيرتي؛ بعد زيارة قصيرة للسؤال عن مستواها الدراسي، لكن عند وصولي إلى الممر الأخير رأيتُ وجهاً أعرفه جيداً، وقفتُ برهة، وقبل أن أتكلم هتفت باسمي...
    إنها معلمتي، معلمتي أنا!
    رأتني قبل أن أراها، تذكّرتني قبل أن أتذكّرها، مدّت يدها. فصافحتُها لكن في الحقيقة وددتُ لو أنني ركضت واحتضنتها كما تفعل معي صغيرتي حين تراني، فقد مضى وقتٌ طويل؛ لم نتقابل منذ أن ودّعتها وأنا أرتدي معطف التخرج، وفي يدي أحمل شهادة الثانوية العامّة!
    غرقتُ في بحرِ حضورها كحالي معها سابقاً، لازال البريق يشعّ من عينيها، ابتسامتها الجميلة التي لا تفارقها، وصوتها الحنون.
    سألتني بشغف عن أحوالي، ويداها تحتضنان يدي.
    قلتُ: إنني هنا من أجل ابنتي.
    تهلل وجهُها فرحاً، وقبلتني عيناها إعجاباً، وضعت يدها على كتفي ومشينا. عادت بي الذاكرة إلى زيّي المدرسي وشرائطي، وكتابٍ أحمله في يدي، أشكو إليها حزني وضيقي، فتواسيني، تشجعني، وتشدُّ على يدي، أخبرتني يوماً أني سأكون الأفضل علماً وخلقاً، وأنها ترى في عينيّ المستقبل مشرِقاً، أخبرتني أنها تُراهن عليّ، وأني سأغير العالم بيديّ.
    بأخلاقها العالية، وتفانيها، ومحبتها لنا، ملكت قلوبنا، فزرعت فيها حب الدين، والتمسك به وبقضايا الأمة الإسلامية.
    أجل، هي من علمتنا أن ولاءنا ليس للعشيرة، ولا للعروبة، بل للأمّة الإسلامية، وأن غيرنا من الأمم هم شركاء لنا في الإنسانية، نبرّهم ونقسط إليهم ماداموا يدعون إلى الخير، والعدل، وعمارة الأرض.
    هي من علمتنا أن أرضنا هي فلسطين المحتلة، ولبنان الجريح، وأفغانستان الممزقة، والبوسنه المنسيّة...، وأهلها هم أهلنا، وقضاياهم هي قضايانا نحملها طوال حياتنا.
    ذكَّرتها وقلت: إن جراحاً غائرة في قلبي لم تلتئم حتى شقّتها جراحٌ جديدة، الربيع الذي انتظره الجميع، ضاع بين لهيب الصيف، وزمهرير الشتاء، وأغرقته سيول الدماء.
    قالت: حتى لو كانت الأمة الآن تتخبط في الظلمات، سيطلع فجرها وينتشر ضياؤه. أنا لم أيأس بعد يا بنتي، رغم كل ما حصل ويحصل، سوف يأتي حفيدي يوماً، يقف على قبري ويقول: رحمك الله يا جدتي، هاهو زرعك قد آن حصاده، لقد حررنا أرضنا، واستعدنا مكانتنا كما وعدناك، وصدقنا ما عاهدْنا الله عليه.
    تنهدتُ واغرورقت عيناي، يا لها من آمالٍ كبيرة، وأمنياتٍ عظيمة.
    ربتتْ على كتفي، وقالت: لا أريدك أن تبكي يا صغيرتي.
    قلت: دموعي تواسيني في حزني كلما أبصرتُ صور الدماء، و الأشلاء، والعذاب.
    قالت: اصبري. أنتِ الأقوى، والأقدر على حمل الأمانة، وبثّها في نفوس جيلٍ ينشأ في حمى الدين والأخلاق.
    شمعتي المضيئة، بل منارتي العتيقة أنت يا معلمتي، شامخة، ثابتة، قد أعيت الريح والموج، واجتازت السنين بصبرٍ وحكمة.
    اليوم تعطينني درساً جديداً، وتخرِجين من أعماق قلبي همّةً فترتْ، وعزيمةً ضعفتْ.
    نظرتُ إلى عينيها بامتنان، وشكرتها على وقوفها بجانبي.
    قالت: لا تشكريني يا عزيزتي، لا أريدك أن تشعري أنك مدينة لي بشيء.
    قلت: بل أنا مدينة لك بكثير.


    هو المعلـمُ موصولٌ له نسـبٌ إلـى النبـوةِ ذاك الفضـلُ يكفيـهِ
    فعلى يديْه يصيرُ الحق منبلجاً وعلى خطاه يسوقُ الركبُ حاديهِ
    لم يبغِ شكراً على المعروفِ يبذلُهُ لم يرجُ إلا رضا الرحمنِ باريهِ*
    _________________________________________
    *إبراهيم عبد العزيز السمري
    التعديل الأخير تم بواسطة أشواق مليباري; الساعة 29-02-2012, 10:57.
  • عبد الرحيم محمود
    عضو الملتقى
    • 19-06-2007
    • 7086

    #2
    كاتبتنا الغالية
    أرحب بك بداية قلما جميلا بيننا ، في هذا الفضاء الرحب ، ويسرني ان أضع رؤيتي لقصتك الأولى سيدتي الفاضلة ، فالقصة قطعة إنسانية من العلاقات البشرية التي تكاد تنقرض تعبر عن مدى إحساس الطالب بفضل معلمه ، هذه العلاقة التي تتهددها براثن المادية ونكران الجميل في عالمنا اللاهث وراء المصلحة ، ومضة إنسانية على ما يجب أن تكون العلاقات الإنسانية النقية والنظيفة / تحيتي واحترامي ،
    بقي أن أقول أننا نستعمل كلمة برهة استعمالا خاطئا ، فالبرهة هي وقت طويل وليس وقتا قصيرا كما يعتقد معظم الكتاب ، لا عليك سيدتي فنحن هنا نرى النقد أن يخدم النص والناص - احترامي .
    نثرت حروفي بياض الورق
    فذاب فؤادي وفيك احترق
    فأنت الحنان وأنت الأمان
    وأنت السعادة فوق الشفق​

    تعليق

    • آسيا رحاحليه
      أديب وكاتب
      • 08-09-2009
      • 7182

      #3
      أهلا و مرحبا بك معنا أختي أشواق في عالم القص الجميل.
      نصٌ جميل فكرة و أسلوبا .
      تحيتي و تقديري.
      يظن الناس بي خيرا و إنّي
      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        أرحب بك معنا أستاذة
        فأهلا بك قاصة رائعة نتعلم منها
        قلب العمل أكله الفكر ، و ما هكذا نحشو القصص
        عموما
        اللغة كانت سليمة و متدفقة
        و نفسك القصي عال .. أظن أنها لم تكن تجربتك الأولى !

        أهلا بك ومرحبا

        تقديري و احترامي
        sigpic

        تعليق

        • أشواق مليباري
          أديب وكاتب
          • 28-02-2012
          • 15

          #5
          أستاذنا الكبير عبد الرحيم محمود
          أشكرك على دعوتك الصادقة الكريمة، قرآءتك لنصي تشريفاً له، ونقدك البناء وملاحظاتك مهمة جداً بالنسبة لي..
          أتمنى أن أكون عند حسن ظنك
          تحيتي و تقديري

          تعليق

          • أشواق مليباري
            أديب وكاتب
            • 28-02-2012
            • 15

            #6
            الأستاذة الفاضلة آسيا رحاحلية
            أشكرك على ترحيبك وكرم أخلاقك، وأتمنى لو أحظى بصحبتك الطيبة
            تحيتي لك

            تعليق

            • أشواق مليباري
              أديب وكاتب
              • 28-02-2012
              • 15

              #7
              الأستاذ الكبير ربيع عقب الباب
              أشكرك على مرورك وملاحظتك كان بودي لو أنك شرحت لي قصدك بـ(قلب العمل أكله الفكر ، وما هكذا نحشو القصص) كي أستفيد.
              أجل هي ليست تجربتي الأولى، لكني أعدك بالأفضل بإذن الله.
              شكراً لكرمك وذوقك الرفيع
              تحيتي و تقديري

              تعليق

              • سالم وريوش الحميد
                مستشار أدبي
                • 01-07-2011
                • 1173

                #8

                الأستاذة أشواق
                أشرف بأن تكون هذه القراءة الأولى لي وأتمنى أن تتبعها قراءات أخر
                أهلا بك بيننا ، ونحن نرى هذا الجمال مرسوم بحرفك ، قد تنقش الكلمات
                في عمق ذاكرتنا ، لآن لنا حنين خاص لأيام الدراسة ، فقد زرع فينا
                أساتذتنا الأوائل مفاهيم وقيم عالية
                وهذا ما نحاول غرسه في الجيل الجديد
                وأرى أن المنارة ليست بالعتيقة ، فقد زرعت هذه البذرة لتكون امتدادا في تلامذتها
                أستاذتي
                أرى أنك تمتلكين النفس القصصي وأن لك أدوات جميلة في القص
                ولغتك سليمة وناضجة
                لكن القصة القصيرة ، تختلف عن الرواية ، وعن باقي الأجناس الأدبية
                فهي تمتلك حدود معينة ، وأطر بنائية لا يمكن الإخلال بها ، وهذا لا يعني أن النص يجب أن يكون جامدا
                بل على العكس هناك مجالات كبيرة للإبداع فقلم المبدع كسفينة والمبدع كقبطان يعرف كيف يبحر رغم النو
                وعلى الكاتب أن يتعامل بحذر مع القصة حتى لا تخرج عن إطارها العام
                ولأن القصة القصيرة تتخذ من الومضة النفسية أسلوبا في معالجة قضايا العصر
                والإنسان ، لذا فإن الأسلوب الخطابي ، والتقريرية قد تبعد القصة عن شرائطها
                والتي حددها مكسيم غوركي بقوله (كلنا خرجنا من معطف كوكل ) ومن ثم هولبروك

                جاكسان وقوله عن الكاتب الفرنسي موباسيان 1850-1892
                : (إن القصة القصيرة هي موباسان، وموباسان هو القصة القصيرة )
                أذن هناك شروط ملزمة للقصة القصيرة ، وهناك عناصر لا يمكننا التخلي عنها لأننا لوتخلينا عنها
                ستصبح القصة جنس أدبي آخر
                ومنها أن لا تكون القصة القصيرة مشروحة مسبقا و ألا تكون مؤطرة بقالب جاهز ،
                الأستاذة الغالية
                أنت تمتلكين كل مقومات الكاتب الناجح من لغة وأسلوب أدبي ولك القدرة على رسم شخصياتك ببراعة
                فائقة ، ولكن تحتاجين فقط إلى ترتيب هيكلية البناء القصصي
                و
                أرجو أن يدوم تواصلك في هذا الملتقى
                لأن الخامات الجيدة ، تفرض نفسها

                دمت مبدعة

                على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
                جون كنيدي

                الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

                تعليق

                • جودت الانصاري
                  أديب وكاتب
                  • 05-03-2011
                  • 1439

                  #9
                  شكرا لك كبير من جميع من علمنا كيف نخط اول حرف
                  سيده اشواق
                  مررت بنصك فاسعدني ما وجدت
                  احييك
                  احترامي
                  لنا معشر الانصار مجد مؤثل *** بأرضائنا خير البرية احمدا

                  تعليق

                  • أشواق مليباري
                    أديب وكاتب
                    • 28-02-2012
                    • 15

                    #10
                    الأستاذ الفاضل سالم وريوش الحميد..
                    أشكرك على كلماتك المشجعة، ونقدك البناء
                    في قولك:(
                    ولأن القصة القصيرة تتخذ من الومضة النفسية أسلوبا في معالجة قضايا العصر
                    والإنسان ، لذا فإن الأسلوب الخطابي ، والتقريرية قد تبعد القصة عن شرائطها)
                    صدقت! فالمشكلة هي أنني أضع نصب عيني رسالة موجهة للقارئ فتغيب عني أركان القصة، هي محاولة بالتأكيد ستتبعها محاولات بإذن الله.
                    ولن أستغني أبداً عن رأيكم
                    شكراً على المرور وأعدك بالأفضل..

                    تعليق

                    • أشواق مليباري
                      أديب وكاتب
                      • 28-02-2012
                      • 15

                      #11
                      الأستاذ الفاضل جودت الأنصاري
                      أشكرك على تشريفك نصي المتواضع
                      وأتمنى أن تنال نصوصي القادمة استحسانك ورأيك..

                      تعليق

                      • محمد فطومي
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 05-06-2010
                        • 2433

                        #12
                        نصّك أختي أشواق،ترك لديّ انطباعا بأنّك تمتلكين آليّات الحبك القصصيّ الجيّد و أنّ بوسعك ترتيب الأحداث و تقديمها بصورة ممتازة.أسلوب راق و رصانة عالية.
                        وددت فقط أن أتوسّع قليلا فيما ذكره الأستاذ ربيع،لأنّه تطابق مع ملاحظة لاحت لي أيضا :

                        قلب العمل أكله الفكر ، و ما هكذا نحشو القصص عموما.

                        تسلّل إلى النصّ نَفسُ المقالة بما تحمله من وعظ و شرح و فكر مباشر، تحديدا في هذا المقطع:
                        هي من علمتنا أن أرضنا هي فلسطين المحتلة، ولبنان الجريح، وأفغانستان الممزقة، والبوسنه المنسيّة...، وأهلها هم أهلنا، وقضاياهم هي قضايانا نحملها طوال حياتنا.
                        ذكَّرتها وقلت: إن جراحاً غائرة في قلبي لم تلتئم حتى شقّتها جراحٌ جديدة، الربيع الذي انتظره الجميع، ضاع بين لهيب الصيف، وزمهرير الشتاء، وأغرقته سيول الدماء.


                        و الكلام يعنينا جميعا،فعادة الوعظ و التّذكير ،أو ما أسمّيه بفسح المجال لأفكار الكاتب لتطفو بشكل مفضوح ،من بين العلل التي تجعل القصّة تختلّ.

                        نقطة ثانية
                        أجدك من خلال الخاتمة قد وجّهت القارىء إلى القصد عينا،كأنّك تشكّين في قدرته على استخلاصها بمفرده.

                        هو المعلـمُ موصولٌ له نسـبٌ إلـى النبـوةِ ذاك الفضـلُ يكفيـهِ
                        فعلى يديْه يصيرُ الحق منبلجاً وعلى خطاه يسوقُ الركبُ حاديهِ
                        لم يبغِ شكراً على المعروفِ يبذلُهُ لم يرجُ إلا رضا الرحمنِ باريهِ*


                        نصّك جميل أختي العزيزة،ننتظر منك المزيد.
                        أحيّيك على رحابة صدرك.
                        ودّي لك.
                        مدوّنة

                        فلكُ القصّة القصيرة

                        تعليق

                        يعمل...
                        X