منارتي العتيقة
إنها معلمتي، معلمتي أنا!
رأتني قبل أن أراها، تذكّرتني قبل أن أتذكّرها، مدّت يدها. فصافحتُها لكن في الحقيقة وددتُ لو أنني ركضت واحتضنتها كما تفعل معي صغيرتي حين تراني، فقد مضى وقتٌ طويل؛ لم نتقابل منذ أن ودّعتها وأنا أرتدي معطف التخرج، وفي يدي أحمل شهادة الثانوية العامّة!
غرقتُ في بحرِ حضورها كحالي معها سابقاً، لازال البريق يشعّ من عينيها، ابتسامتها الجميلة التي لا تفارقها، وصوتها الحنون.
سألتني بشغف عن أحوالي، ويداها تحتضنان يدي.
قلتُ: إنني هنا من أجل ابنتي.
تهلل وجهُها فرحاً، وقبلتني عيناها إعجاباً، وضعت يدها على كتفي ومشينا. عادت بي الذاكرة إلى زيّي المدرسي وشرائطي، وكتابٍ أحمله في يدي، أشكو إليها حزني وضيقي، فتواسيني، تشجعني، وتشدُّ على يدي، أخبرتني يوماً أني سأكون الأفضل علماً وخلقاً، وأنها ترى في عينيّ المستقبل مشرِقاً، أخبرتني أنها تُراهن عليّ، وأني سأغير العالم بيديّ.
بأخلاقها العالية، وتفانيها، ومحبتها لنا، ملكت قلوبنا، فزرعت فيها حب الدين، والتمسك به وبقضايا الأمة الإسلامية.
أجل، هي من علمتنا أن ولاءنا ليس للعشيرة، ولا للعروبة، بل للأمّة الإسلامية، وأن غيرنا من الأمم هم شركاء لنا في الإنسانية، نبرّهم ونقسط إليهم ماداموا يدعون إلى الخير، والعدل، وعمارة الأرض.
هي من علمتنا أن أرضنا هي فلسطين المحتلة، ولبنان الجريح، وأفغانستان الممزقة، والبوسنه المنسيّة...، وأهلها هم أهلنا، وقضاياهم هي قضايانا نحملها طوال حياتنا.
ذكَّرتها وقلت: إن جراحاً غائرة في قلبي لم تلتئم حتى شقّتها جراحٌ جديدة، الربيع الذي انتظره الجميع، ضاع بين لهيب الصيف، وزمهرير الشتاء، وأغرقته سيول الدماء.
قالت: حتى لو كانت الأمة الآن تتخبط في الظلمات، سيطلع فجرها وينتشر ضياؤه. أنا لم أيأس بعد يا بنتي، رغم كل ما حصل ويحصل، سوف يأتي حفيدي يوماً، يقف على قبري ويقول: رحمك الله يا جدتي، هاهو زرعك قد آن حصاده، لقد حررنا أرضنا، واستعدنا مكانتنا كما وعدناك، وصدقنا ما عاهدْنا الله عليه.
تنهدتُ واغرورقت عيناي، يا لها من آمالٍ كبيرة، وأمنياتٍ عظيمة.
ربتتْ على كتفي، وقالت: لا أريدك أن تبكي يا صغيرتي.
قلت: دموعي تواسيني في حزني كلما أبصرتُ صور الدماء، و الأشلاء، والعذاب.
قالت: اصبري. أنتِ الأقوى، والأقدر على حمل الأمانة، وبثّها في نفوس جيلٍ ينشأ في حمى الدين والأخلاق.
شمعتي المضيئة، بل منارتي العتيقة أنت يا معلمتي، شامخة، ثابتة، قد أعيت الريح والموج، واجتازت السنين بصبرٍ وحكمة.
اليوم تعطينني درساً جديداً، وتخرِجين من أعماق قلبي همّةً فترتْ، وعزيمةً ضعفتْ.
نظرتُ إلى عينيها بامتنان، وشكرتها على وقوفها بجانبي.
قالت: لا تشكريني يا عزيزتي، لا أريدك أن تشعري أنك مدينة لي بشيء.
قلت: بل أنا مدينة لك بكثير.
هو المعلـمُ موصولٌ له نسـبٌ إلـى النبـوةِ ذاك الفضـلُ يكفيـهِ
فعلى يديْه يصيرُ الحق منبلجاً وعلى خطاه يسوقُ الركبُ حاديهِ
لم يبغِ شكراً على المعروفِ يبذلُهُ لم يرجُ إلا رضا الرحمنِ باريهِ*
_________________________________________
*إبراهيم عبد العزيز السمري
تعليق