هدية,, بنكهة الحرمان
قصة بجهد مشترك بين الكاتبة: نجاح عيسى والكاتب جودت الأنصاري للأخوات والأخوة :
لا ندعي الريادة لكنها محاولة لفن جديد سبقنا إليه بعض الأخوة تحكمون من خلاله على
مدى تواؤم الأساليب في الكتابة ,, رأيكم يهمنا, (فلتوقعوا)
************************
من بيته البسيط القابع في آخر الزقاق .. كعش طير بري ,, خرج مسرعاً للوصول إلى ناصية الشارع , حيث سيارات
الأجرة
برك من الأوحال والمياه الآسنة
وقد غطتها الطحالب بلونها الأزرق القاتم ,, وما جادت به زخات المطر في الليلة الماضية ,, رافعاً يديه بصورة أفقية يحركها ذات اليمين وذات الشمال كسائر على حبل سيرك خوف السقوط ,, حيث صف السكان كتل من طابوق هنا وهناك لعبور المستنقع ,, وفي ذاكرته بقايا من حلم لذيذ راوده قبيل الفجر من الليلة الفائتة , يقتاتها وهو ينفث سحابة تلو الأخرى من سيجارته التي أوشكت ( أوشكت)ان تحرق أعلا شفتيه ,فرماها
في الجامعة التي يعمل فيها منظفا كان كل شيء مختلفاً هذا اليوم ,, زينة و ألوان زاهية وأنغام جميلة تنطلق من ميكرفون الجامعة ,, ولم يجد حاجة للعذر الذي احظره عن سبب التأخير , فحتى رئيس المستخدمين قد غاب في الزحام
في الممر الواصل بين غرفة المستخدمين والحديقة الفسيحة قابلته أحدى الطالبات بابتسامة عريضة و(فلنتاين سعيد عمو أبو حسن ) ومع انه لم يفهم سوى كلمة سعيد ,, أزال غيمة الحزن التي لم تفارقه منذ الصباح ورسم ابتسامة خجل,, وتمتم ببعض الكلمات كان آخرها كلمة :خير ,, هي أيضاً كانت متأخرة لكن ليس بسبب الوحل بل لترسم بشعرها وألوان (مكياجها )لوحة تناسب العيد ,, فالعيد عيد ,, ومن حقيبتها الصغيرة أخرجت علبة ملونه وأعطته بعض الحلوى تيمناً بالعيد .
الله ,,الله بادره صديقها المنتظر على مقربة مازحا,, العيد واضح عليك أبو حسن وها أنت تنافسني على صديقتي هذه المرة ,, لم يجد ما يرد به سوى ابتسامه وحركة من يده وكأنه يطرد ذبابة عن وجهه
توارت الشمسُ خلف ركام السحاب ..وسرت نسماتٌ باردة خالها اخترقت عظامه ،سارع بدخول الغرفة وهو يحدِّثُ نفسه : ما أسعد هؤلاء الطارحين لهموم الدنيا وراء ظهورهم ..مستمتعين بأجمل مراحل الحياة ...سنوات الدراسة الجامعية ، التي حرمهُ منها إسراف والده المستهتر الذي أضاع ثروة أيامهِ على ملذاتهِ وليالي أنْسهِ، وسلبيّةِ أم لم تكن تملكُ من وسائل الردع إلا تلك العبارة التي كانت ترافق سبّابتها المرفوعة في وجهه وهي تقول : والله لن يؤدبكَ إلا الفقر والإفلاس ..!
ولكن ذلك الفقر الموعود أدّب العائلة كلها مُستثنياً ذلك الأبُ الذي قضى باكراً ...صريع إحدى نزواتِه ، ليتركهم في مهب الريح خيمة بلا أوتاد .
وها هو العمر ينحدرُ به من ذروةِ الرجولة إلى سفوح الكهولة بزوجةٍ وطفلين على أبواب الشباب ، وراتبٍ لا يكاد يُوفر لهم الحد الأدنى من مُتطلّبات واقع لا يتمخَّضُ كل يومٍ إلا عن غلاء يستشري ...ومسؤولياتٍ تكبُر .
حملت عيناهُ شُحنةً كبيرة من اليأس ...وبدا ساهماً وهو يُغادر الغرفة ليبدأ يومه ..، وسار في الممرات ضجِراً حانقاً ، ورأسهُ يضجُّ بالأفكار ...ولم يجد أمامهُ ...إلاّ الحظّ ...فلعنَه .
أيُّ حظّ عاثر هذا الذي رافق خُطاه عل امتداد مسيرة عمرِه المُتعثّرة ...ليوقعهُ في الكثير من الحفر والمطبات ..!
منذ التحق بعملهِ الحاليّ بعد زواجه ...وتحدّدتْ إقامته في ذلك البيت المُتهالك ...
مع نهاية هذا اليوم الحافل ..كان يتنقّلُ بين المكاتب والمدرّجات يلملمُ البقايا ,,وما تتبعثر من باقات الورد الأحمر .
وعلى أحد المقاعد..بدا أن احدهم قد نسيّ معطفاً ...رفعهُ ...ما هذا ..هتف غير مصدق ، حقيبة صغيره أشبهُ بمحفظه
مما يحملهُ الشباب هذه الأيام ، تلفَّتَ حولهُ في حذر ...فتحها فاصطدمت عيناهُ برزمة من الأوراق المالية ...وكاميرا صغيرة ...وجهاز محمولٍ فاخر ...، أغلق الحقيبة ..وأخفاها تحت سُترته ..ثم تحت إبطِه .
ولم يدرِ أي وسيلة مواصلاتِ تلك التي غادرها للتَّوِّ ...ولا كيف اجتاز ذلك الزقاق الموحل ..!
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بالمفتاح ...أخفى الحقيبة تحت فراشه ...، ولم يهرول إلى المقهى كعادتهِ بعد الغداء ،
وجلس أمام التلفاز تحت عينيّ زوجتهِ المتسائلة .
وعلى فراشهِ الّرث وفوق الحقيبة العامرة ...قضى الليل تتقاذفهُ أذرعُ شيطانٍ وملاك ...، فتارة يتذوق سروراً لم يَعُد يذكر طعمَه ..وأخرى يقشعرُّ جلده تحت سياط نظرات الاحتقار والازدراء ..، فهو أخر من يغادرُ الجامعة كما يعرف الجميع ..وبالتالي فهو الوحيد الذي ستُوجّهُ إليه أصابع الاتهام ،
مشتتُ الذهن خائرُ القوى نهض هذا الصباح ...سارع إلى الخروج دون أن ينتظر كوب الشاي ..متأبطاً سِرهُ الثمين ،
تجاوز بوابة المبنى وهو يقول لِنفسِه على سبيل التَّعَزي : ( لعل الفقر والحاجة أرحمُ في النهاية من هذا القلق وتقريع الضمير الذي كابدهُ في الليلة الفائتة
وبخطواتٍ ثابتة دلفَ إلى داخل المبنى قاصداً الإدارة ..، وفي الممر المُفضي إلى هناك كانت ثُلّةٌ من الأساتذة والموظفين قد توقفت لتبادُل كلماتٍ خافتة ، مدّ بصره إليهم في توجُّسٍ وحذر ....ارتفعت الهمهمةُ حتى شعر بالخوف والخطر .، اقتربت خطواته منهم رافعاً يدهُ بالتحية ..لكن أحدهم بادرَهُ بلهجةٍ أمِرَةٍ قبل أن يفتح فاه :
_ إبقَ في غرفتك لا حاجة لك الآن ....
_ لكن أنا ............................
وتحت نظرةٍ زاجرة كان يهبط السلالم مُذْعناً للآمر ..، وفي طريقهِ إلى الأسفل خطر لهُ خاطر ...، قلَّبَهُ في رأسهِ قليلاً ثم قرّر تنفيذهُ ...لعلهُ يستبقُ به أي إتهامٍ أو تفتيشٍ يُفضي إلى فضيحة
ورقةٌ من كراسة أحد الطلبة ...وقلم ..وبضعُ كلمات ...كانت في دقائق تتصدَّرُ لوحة الإعلانات ...
وكأنهُ أزاح حملاً كان يُثقلُ كاهله ...تنهّدّ بارتياح ..، وبانتظار أول طارقٍ افترش لعشب مسنداً رأسه الى جدارٍ قريب .
ولم يطُل به الانتظار حتى تحلّقوا حولهُ وانفتحت الأفواهُ في وجهه ، وبين جدٍّ وهزلٍ وبعض المُعابثات ..كانت الحقيبةُ بين يدي صاحبها ...، فتحها .. تفقّدَ محتوياتها ...أخرج الكاميرا الرقمية ... (الموبايل ) الفاخر ...أغلقها ...و ......
دفع بها إليه ...
_ هذه النقود من حقك ...تفضّل ..
وبينّ تمنُّعِ الراغبِ وتردُّد المُقدِم ...مدّ يداً مرتعشةً وتناول الحقيبة من يد الشاب شاكراً ...وسط دهشة الجميع وتعليقاتِ عيونهم ..، ومضى ذاهلاً الى عملِه .
أستغرقهُ العمل أطول من الوقت المُعتاد...يبدو أن اجتماع الإدارة بالموظفين كان عاصفاً هذا اليوم .
والله ما حدا مرتاح ..!!
تمتم وهو يغادر أخر المدرجات ..
ترجَّل من سيارة الأجرة مُنهكاً ومشى عل مهلٍ وهو يهذي بتلك الثروة التي هبطت عليه من السماء ..،
وفجأة توقفت خُطاه ..وتذكّر ...كأن سهماً مُدبباً اخترق رأسه ...الحقيبة ...يا ألهي أين الحقيبة هتف بانفعال
أيكون تركها في أحد المدرجات أثناء العمل ..؟؟؟؟
أم سقطت منه في سيارة الأجرة وهو يُغالب النعاس ...؟؟؟؟؟
ورفع يده وضرب بها جبهتهُ وهز رأسهُ بأسىً وهو يتمتم ( مش متعود على حمل الفلوس يا أبو حسن )
وتفاعل هول الصدمة في رأسهِ مع إنهاك جسده ....فخذلتهُ ساقاه ...شعر بدوار وشبه غيبوبة انداحت به في دوران
شمل الأرض والسماء ...، تداعى جسده مرتطماً بالباب الذي انفرج عن ذهول زوجته ..
_ ما بكَ يا رجل سلامتك ....ماذا هناك ؟
_ لا شيء ...لاشيء
قالها وهو يتهاوى على أقرب مقعد كأنهُ عائدٌ من رحلةِ مشقّاتٍ استنزفت كل أنفاسهِ وقواه ..
دفن وجههُ بين كفيه يصارعُ رغبةً عارمةً بالبكاء مردداً في ذهول نفس الكلمات كما المتصوفة,, مش متعود مش متعود ,,
تعليق