الشنفرى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سالم الجابري
    أديب وكاتب
    • 01-04-2011
    • 473

    الشنفرى

    حيّة وذئب



    جاثياً على ركبتيه أسفل كثيب الرمل ينظر للمكان الذي كانت تجلس فيه ، وعندما كانت هنا كان أيضاً يجثو بنفس المكان ينظر لها لأعلى......كأنها آلهة....آلهة حب وجمال وعشق....مازالت رائحتها تملأ المكان، ومازال بريق عينيها يضيء في عيون قلبه......أغمض عينيه ليستغرق في رائحتها وضياء عينيها....استغرق قليلاً.....قاطعه هسيس حيّته وهي تطوي نفسها خلفه على الرمل الدافئ......تغاضى عنها في المرة الأولى.....لكنها أطلقت هسّة أخرى طويلة بعد أن دغدغها دفء الرمل ........ التفت لها بنظرة كادت أن تشقّ جلدها..... الحيّة المسكينة .....انسلت بهدوء ورأسها للأسفل حتى أحست بأنفاس الذئب الذي كان يجلس على بعد ثلاث خطوات فاستقرت وهي تشعر بالخجل.

    "من يجرؤ على إزعاج طيفها حين يمر على فؤادي؟!؟!......من يجرؤ على ذلك أقسم أني سأقطعه وأطحن لحمه بحجر" هكذا خاطب الشنفرى حيته وذئبه ثم أدار وجهه باتجاه الكثيب وأغمض عينيه مرة أخرى.

    سحبت الحية نفسها بهدوء على يدي الذئب المبسوطتان أمامه وهي تبتعد خلفه، فهم أنها تريد أن تقول شيئاً بعيداً عن الشنفرى فقام يتبعها....

    -لماذا أراك هادئاً ومطمئناً؟! أنت تراقبه بكل برود منذ أيام!!.......ألا تخشى عليه أن يموت ؟!

    أزهر اصفرار عيني الذئب بشدة وكأنهما مصباحين وخاطب الحيّة بصوت متحمس

    -كم أنت ساذجة أيتها الحيّة!!!.....إنه الآن يزداد قوة....جمره يتقد الآن....دعيه.....دعيه يمتلئ ناراً وصواعق......دعيه يقدح شرره.....

    قالت الحيّة مقاطعة الذئب

    -اصمت......كأني أسمعه يبكي.......يا إلهي إنه يبكي......لم لم يبكِ الشنفرى منذ عرفناه.....وها هو يبكي الآن!!!

    خفض الذئب بصره للأرض وانطفأ البريق الأصفر في عينيه وتنهد تنهيدة تنم عن خيبة أمل كبيرة وقال

    -يبكي!!! يا للخيبة.....وماذا سيفيد البكاء.....انطفأت ناره وسينتهي به الأمر كالبقية جثة لا تجد من يدفنها غير الريح.

    لكن الحيّة كان لها رأي آخر، اشرأبت برأسها وتقدمت نحو مكان الشنفرى، ثم عادت مسرعة للذئب.....لم ينظر لها، لكنها تعمدت أن تقترب من رأسه وتضع عينيها بعينية، خاطبته قائلة

    -بل الآن أيها المتهور الخالي من العقل.......الآن اطمأننت أن روحه لم تحترق بالنار التي كانت تأزّ في صدره وكنت أنت تفرح بها......ماذا سينفعنا لو صار شيطاناً؟!.....امتلأت الأرض بالشياطين منذ أن جاء الهام الأكبر.

    يتبع.....
  • سالم الجابري
    أديب وكاتب
    • 01-04-2011
    • 473

    #2
    واحة السحرة




    في واحة بعيدة عن المكان الذي كان يبكي فيه الشنفرى، تفصلها صحارى وفيافي مقفرة، وجبال سوداء شاهقة، وأودية سحيقة مظلمة...... كان يعيش في تلك الواحة مجموعة من السحرة والساحرات.......كان أولئك السحرة قد ربطوا بسحرهم ينابيع الماء التي كانت تنبع من الواحة وتنساب في ما حولها من الأراض والأودية، وبعد أن كانت تلك البقاع والوديان جناناً خضراء أصبحت قيعان قفراء......وبدل الأزهار اليانعة نبتت بها صخور حادة كالسكاكين......رائحة الجيف الجافة تفوح من أوديتها ممزوجة برائحة غبار قديم.......أحياناً يصدر من قيعان تلك الأودية السحيقة أصوات مخيفة يقال أنها أصوات الموتى يتقاتلون.

    منذ أيام كان الهام الأكبر كبير السحرة ينظر في بلورته العجيبة، كان يبحث عن قمر جديد يضيء ليله......لقد امتصت عتمته وقبحه أنوار كثير من الأقمار......لم تصدق عيناه ما تخلّق في بلورته، قمراً رأى.....بدراً رأى.....حورية تجلس على منحدر كثيب الرمل، ضمت يديها بين ركبتيها وفرجت بين قدميها، وشيُ ثوبها تُموجُهُ الريح فيرسم خطوطاً ناعمة على الرمل، ينساب الهواء عند نحرها فلايريد المغادرة ...... يلتف حول عنقها.....يتمسك قد الإمكان بزغب رقبتها ليدور ويدور ويدور حتى يسكر بعطرها وينفلت.

    خدها قمر زمهريري، عيناها الواسعتان مليئتان بأحلام جميلة، تتقاسمها مع شاب نحيل يتقلد قوساً ضخماً ويجلس أسفل الكثيب.......ينشدها كلاماً حلواً يخفق له قلبها الأخضر فتميل ذات اليمين وذات الشمال.......تلتقط منه أبيات الشعر أعذبها وتغنيها بأحلى صوت عرفته الدنيا.......يخجل الشاب من حلاوة صوتها وجمال ثغرها....... يخفض بصره ينظر لقدميها.....يحسد حبات الرمل بين أصابع قدميها......

    كل ذلك والهام ينظر.....خاطب عفاريته بنبرة غاضبة ........ من منكم كان يعلم بوجود هذه الفتاة ولم يخبرني؟

    اضطربت العفاريت وصار كل منهم ينظر للآخر وكأنه ينفي التهمة عن نفسه ويلقيها على الآخرين........في الخلف كان هناك عفريت صغير، كان هو أول من رأى سارة حين خرجت للقاء الشنفرى، ولما أعجبه جمالها وخاف عليها من بقية العفاريت ألقى عليها برادة الفضة ليخفيها عن أعين العفاريت.......كان يعجبه أن يراها تمشي وهي سعيدة للقاء الشنفرى، وكان يطرب للأشعار التي تغنيها.....كان يحول نفسه لدخان فيتموج مع ترددات صوتها السحري.

    كان العفريت الطيب ينظر للأسفل في خوف شديد من أن يكتشف أمره، ولم يدرِ أن الهام قد رأى في بلورته أثر برادة الفضة على وجه سارة وهي تتسامر مع الشنفرى......أمر الهام العفاريت بالتقدم نحوه واحداً تلو الآخر، ثم يأمرهم ببسط أيديهم ........ وعندما جاء دور العفريت الصغير وبسط يديه لمع أثر برادة الفضة فيهما.

    ثار الهام وغضب، ثم أمر به أن يلقى خارج أسوار الواحة وأن يدغم على جبهته بوسم يُعرف به ولا يتمكن من دخول الواحة حتى يموت.

    عاد الهام لبلورته يبحث عن القمر......وجدها مازالت تجلس في مكانها......لكنها لفرط انسجامها وارتخائها لما يقوله الشنفرى حولت يديها من بين ركبتيها لتسند بها خديها.....ابتسامتها صارت خجولة وشهية كحبة فستق.......ألقى الهام عزائمه الظالمة وماهي إلا طرفة عين حتى اختفت من أمام الشنفرى واستقرت أمام الهام.

    يتبع...

    تعليق

    • سالم الجابري
      أديب وكاتب
      • 01-04-2011
      • 473

      #3
      قدر مُقدّر



      تجمدت حروف الحب في فم العاشق ....... أصيبت عين قلبه بمخرز......الكل يعرف ماذا يعني اختفاء فتاة جميلة بهذه الكيفية، والويل كل الويل لمن يعترض على القدر المقدر.

      مازال أثر جلوسها على الرمل دافئاً.....ومازال أثر وشي ثوبها على الكثيب ....... ورنات الخرزات الفضية المتدلية من شعرها تسبح في الهواء.......لو كان جيشاً من بشر ما استطاعوا أن يمسوا شعرة منها والشنفرى فيه عرق ينبض، لو كان تنيناً ضخماً لأرداه الشنفرى بسهم من قوسه الضخمة....لو كان أي شيء غير هذا ........ هذا قدر مقدر.....هذا قدر لا يرد....

      لم يبرح مكانه أمام الكثيب......كانت حيته تلتف نائمة على قوسه مستمتعة بنور الشمس، نامت ليوم أو يومين ، هي لا تذكر بالضبط، لكنها تعجبت من سكون الشنفرى في مكانه.....نظرت تبحث عن الذئب فرأته هو الآخر ساكن لا يتحرك.......حلت لفاتها من على القوس وانسلت نحو الذئب الذي أخبرها بالخبر المفجع......بكت ....وبكت......وطال بها البكاء حتى جفت دموعها.......أشفقت على الشنفرى من المصيبة، خشيت أنه قد مات وهو جالس، زحفت واقتربت حتى شمت رائحته الدافئة، عرفت أنه لم يمت ......أحبت أن تبقى بقربه فكان ما كان من أمره حين سمع هسيسها.

      يتبع......

      تعليق

      • سالم الجابري
        أديب وكاتب
        • 01-04-2011
        • 473

        #4
        شهاب الليل


        نصب الشنفرى قامته الطويلة، تساقط الرمل الذي جمعته الرياح على كتفيه وفخذيه، عيناه مازالتا معلقتان بمكان جلوسها........أقسم أن يعيدها أو يهلك دون ذلك.....ارتخت كنانة سهامه على كتفه فأصدرت السهام صوتاً نبه الحيّة والذئب.

        قالت الحيّة للذئب

        -امتدت قامته أكثر من ذي قبل.......يبدو أنه عازم على أمر جلل.

        ثم انطلقت مسرعة دون أن تنتظر جواب الذئب الذي ظل يراقب من مكانه، التفّت على رجل الشنفرى صاعدة لمكانها المفضل على القوس، أحس بها فمد يده للوراء وسحبها برفق ولف جزئها الأعلى حول رقبته كأنها شال يدفئه......أحست بدفقات الدم القوية في عروق رقبته.......دفقات قوية وهادئة....ازدادت ثقتها به......انتقل احساسها للذئب الذي أتى مهرولاً، وقبل أن يضع أنفه على قدم الشنفرى كما كان يريد كان الشنفرى ينزع قدمه من الرمل ليخطو أولى خطواته.......أسرع الذئب أمامه فرحاً وهو يعلم أنه عمّا قليل سيضطر لبذل كل طاقته لمجاراة سرعة الشنفرى........كم اشتاق لمعاكسات الأفعى له وهي فوق القوس عندما يتخلف وراءهما.

        يتبع......

        تعليق

        • سالم الجابري
          أديب وكاتب
          • 01-04-2011
          • 473

          #5
          قلب الشنفرى


          "أيها الرجل الذي تسابق شهب الليل...... تقدح رجلاك شرراً على مسامير الصحراء......إلى أين تذهب بحيّتك وذئبك"

          هكذا خاطبه قلبه

          أجابه الشنفرى

          -أنت ستدلني يا قلبي.

          -أنا!!!

          ضحك القلب ثم أضاف

          -لكني لا أعرف.

          -هذا ما أريده منك بالضبط....أن تدلني على عدم المعرفة، على بقع الظلام وسط النور.......لا تتركني أحسب الجهل علماً..................حين تخبرني أن هناك لغزاً لابد أن يُحلّ أعلم أنك ممتلئ إيماناً وحكمة.

          يتبع.....

          تعليق

          • سالم الجابري
            أديب وكاتب
            • 01-04-2011
            • 473

            #6
            عفريت في بطن رجل



            توقف الشنفرى فجأة يتأمل نجوم السماء......كان يبحث عن نجمه ونجم سارة، كان نجمه هناك في مكانه المعتاد، لكن نجمها بالكاد يرى، تخنقه هوّة سوداء.....تمتص أهداب نوره للوراء......تقاطرت الدمعات من عينيه وساحت بها الريح القوية على جانبي وجهه.

            وصل ذئبه يلهث ووضع رأسه عند قدمه وهو يمني نفسه بدقيقة يلتقط فيها أنفاسه، نظر له الشنفرى نظرة شفقة ورفع قدمه وضم بها الذئب ليصبح بين قدميه.

            كان ينتظر أن يهدأ لهاث الذئب حتى ينطلق من جديد، لكنه سمع جلبة آتية من الظلام.......كتم أنفاسه وأصاخ السمع جيداً، كانت الأصوات تقترب.......كانت جماعة من الرجال يحملون ما يشبه الجنازة، كانوا قادمين من الشمال متجهين للجنوب، فيما كان الشنفرى قادماً من الغرب متجهاً للشرق....وقف ينظر لهم بغير اهتمام.......لكن قلبه سأله

            -ماذا يحمل هؤلاء؟

            أجابه الشنفرى

            -إنهم يحملون رجلاً ميتاً.....ربما ليلقوه في أحد الوديان السحيقة.

            لكن حين مروا من أمامه وكأنه لا أحد......لا حظ شيئاً غريباً.....الرجل الذي يحملونه فوق الجنازة كان حياً ....... لكن بطنه كانت منتفخة بشكل غريب وكان يصرخ من الألم.........طلب منهم التوقف وألقى نظرة عن قرب على الرجل المحمول......لقد عرف سبب انتفاخ بطنه وصراخه.

            طلب منهم أن يضعوا الرجل على الأرض وأن يعطوه قربة خالية.......وضع فم القربة على فم الرجل ثم أمر الحية أن تلتف على الرجل وتعصره.....ولما فعلت الحية ذلك يالعجب ما حصل، خرج دخان كثيف من فم الرجل ودخل في القربة حتى انتفخت.....وعادت بطن الرجل لحالتها الطبيعية.

            لقد كان عفريتاً خرج من بطن الرجل ودخل في القربة......... ربط عليه الشنفرى فم القربة لكي لا يخرج منها ووضعها على ظهره وعادت الحية لمكانها ملتفة على القوس.


            يتبع.....
            التعديل الأخير تم بواسطة سالم الجابري; الساعة 05-03-2012, 13:03.

            تعليق

            • سالم الجابري
              أديب وكاتب
              • 01-04-2011
              • 473

              #7
              بكاء العفريت


              شكر الرجال الشنفرى وعادوا أدراجهم. كان الفجر قد اقترب، أحس الشنفرى بحاجته لبعض الراحة، قرر أن يرتاح حتى الصباح.......استلقى وتوسد القربة التي بها العفريت.....أخذه النوم.....وفي نومه انقلب على جنبه، ولما لاصقت اذنه القربة سمع بكاء العفريت بداخلها......ضرب القربة ضربة قوية ليكف العفريت عن إزعاجه، لكن العفريت عاد للبكاء بعد قليل.

              هنا تكلم قلب الشنفرى يخاطبه

              -مالذي بداخل القربة يا شنفرى؟

              -إنه عفريت أخرجته من بطن ذلك الرجل وأحتفظ به لأطعمه لذئبي وحيتي عندما يجوعان.

              لكن الشنفرى لم يستطع النوم بعد ذلك.......جلس وفتح فم القربة قليلاً ونظر فيها.....كان العفريت الصغير مازال يبكي، لكنه فوجئ عندما رأى الشنفرى، وانقلبت ملامح الخوف والبؤس إلى الفرح........وتكلم العفريت مخاطباً الشنفرى من فم القربة

              -أنت الشنفرى.....حبيب سارة....ألست أنت؟

              -نعم أنا هو، وكيف تعرفني أيها العفريت؟!؟!؟


              يتبع......

              تعليق

              • سالم الجابري
                أديب وكاتب
                • 01-04-2011
                • 473

                #8
                الوادي الأخضر


                وقص العفريت الصغير قصته على الشنفرى، وأخبره كيف أنه أخرج من الواحة ثم طاردته الغيلان لتأكله، وهذا ما جعله يختبئ في بطن ذلك الرجل.......ثم سأله الشنفرى عن كيفية الوصول للواحة لإنقاذ سارة، فأخبره العفريت أن ذلك شبه مستحيل، على من يريد الوصول للواحة أن يعبر صحراء واسعة......ثم هناك البوابات الثلاث.

                كان الشنفرى يستمع للعفريت في صمت، ولم يرعبه أي شيء مما قاله العفريت، بل كان يفرح كلما أخبر العفريت عن شيء مخيف......كان يعتقد أن حبيبته الجميلة تستحق أقصى ما يمكن أن يبذل في الحياة......ما كاد هذا الخاطر يمر بعقل الشنفرى حتى تكلم قلبه يسأله

                -ما هي أسهل طريق لعبور الصحراء؟

                كاد الشنفرى أن يعاتب قلبه على هذا السؤال، إذ أنه لا يهتم بشيء مادام لعيون سارة، هو مستعد أن يعدو ليل نهار حتى يعبر الصحراء.......لكنه تذكر وعده لقلبه بأن يستمع له ، التفت للعفريت يسأله
                -ماهي أسهل وسيلة لعبور الصحراء؟

                أجابه العفريت

                -أسهل طريق هي طريق الوادي الأخضر، وبوابته ليست بعيدة من هنا.

                -ولماذا هو أسهل طريق أيها العفريت؟

                -الوادي الأخضر هو الطريق الممهد الوحيد، كما أنه الوادي الوحيد الذي ترك السحرة بعض المياه تتدفق فيه بأمر من الهام ، لكن المياه التي تجري فيه مسحورة، وكل من يشرب منها أو يأكل من ثمار الوادي لا يستطيع مقاومة أوامر الهام......في الوادي مدن كبيرة وأسواق كثيرة وأناس كثيرون يعيشون بسعادة غامرة.....هم في الحقيقة يعيشون كالسكارى من نشوة الماء المسحور، ومتى ما أراد الهام أن يأكل من أطفالهم فإنهم يعطونه وهم سعداء، يعتقدون أنه يربيهم ليصبحوا ملائكة، ومتى ما أراد أن يأخذ من فتياتهم الجميلات ليمتص شبابهن فإنهن يذهبن إليه بفرحة كبيرة معتقدات أنهن سيصبحن حوريات في جنته.......لكن دخول الوادي ليس بالأمر الهين........على بوابته من الخارج ثلاث ساحرات عجائز...... إنهن يحرسن البوابة منذ أكثر عن مئتي سنة، ولم يفلح أحد من قبل في الدخول أو الخروج، ستجدهن يجلسن بقرب البئر التي أمام البوابة.

                لو استطعت الدخول للوادي لتمكنت من الوصول للبوابة الأولى خلال يومين فقط، وأمام تلك البوابة تجلس ثلاث فتيات جميلات.....كلامهن حلو ورقيق.....يحكين قصص عشق رائعة.......أصواتهن أشهى من تغريد الطيور، يجلسن على ثلاثة كراسي ذهبية وهناك كرسي آخر بقربهن.......إياك أن تسحر بكلامهن وتجلس على الكرسي لتستمع، فكل من يفعل ذلك ينتهي به الأمر أن يأكله الغول الذي يجلس ويراقب من فوق البوابة.....ستراه جامداً كالتمثال، فيه شبه من الإنسان، رأسه ضخم ورجلاه قصيرتان ضخمتان.....عيناه جمرتان تتوهجان، له ذيل نحيل وحاد كالسيف، إذا استطعت أن تقطع ذيله فلن يستطيع أن يؤذيك.

                وإن استطعت العبور من البوابة الأولى ستجد مستنقعاً كبيراً لاترى له نهاية، في هذا المستنقع تحتجز كل مياه الينابيع التي تنبع من الواحة، وإذا كنت لا تعرف أين البوابة التالية فقد تقضي مئات السنين تبحث عنها........الطريقة الوحيدة للوصول للبوابة الثانية هي أن تحملك التماسيح الضخمة على ظهرها، ولتفعل ذلك عليك أن تطعمها.

                بعد أن تعبر من البوابة الثانية عليك أن تجد النفق الذي سيوصلك للبوابة الثالثة.......النفق سيدخل بك إلى متاهة من الأنفاق، وإذا سلكت الطريق الخطأ فيها فقد ينتهي بك الأمر إلى إحدى الحفر النارية........كم أشفق عليك يا شنفرى.....هل ما زلت مصراً على الذهاب بعد كل ما سمعت مني؟!؟!

                -ذهابي أمر محسوم أيها العفريت، أكمل.....بعد أن أصل للبوابة الثالثة ماذا علي أن أفعل لأصل لسارة؟

                -مجرد الكلام عن هذا الأمر يخيفني يا شنفرى، فأنا كنت هناك وأعرف ما ينتظرك من أهوال.......قد تخطفك إحدى بومات الواحة الضخمة وتطعمك لفراخها بمجرد دخولك ويذهب كل شيء سدى، وقد لاتدري بنفسك إلا وأنت على شكل ثور يستخدمك أحد السحرة للحراثة، أو قد تلتف عليك إحدى الأفاعي الضخمة فتعجنك ثم تلتهمك........

                على أي حال......إن كنت تريد الوصول لقصر الهام فعليك تتبع هدير الماء، فقصره يقع فوق الجبل الذي يتدفق منه الماء.....الجبل جوانبه من حجر أملس لايمكن تسلقه، ومن ارتفاعه يكاد يلامس السحب، وفي كل ليلة بعد أن تغرب الشمس تفتح أبواب القصر ونوافذه ليدخل السحرة.....منهم من هو على أشكال الطيور ومنهم من هو على أشكال الحيوانات ومنهم على أشكال غريبة عجيبة ......تدب الحياة في القصر حتى قبل الفجر، يعطي الهام أوامره للسحرة....يكافئ البعض ويعاقب البعض الآخر، ثم يغادر الجميع. لا يبقى في القصر مع الهام إلا حرسه من العفاريت والفتيات اللواتي اختطفهن.....في العادة يكون معه عشرين أو ثلاثين فتاة، كل يوم ينام مع واحدة حسب دورها، وعند المغرب يكون قد امتص شبابها وتركها عجوز شمطاء فيحملها العفاريت ويلقون بها من أعلى الجبل لتأكلها بقية السحرة.

                -أيها العفريت....عندما غادرت القصر كم فتاة كانت هناك؟

                -عشرون فتاة.

                -هذا يعني أني لابد أن أصل لسارة قبل خمسة عشر يوماً.....لقد انقضت أربعة أيام منذ اختطفها ذلك الظالم......قل لي أيها العفريت، لو تمكنت من الدخول فكيف السبيل للخروج ؟؟؟

                -صدقني لا أعرف يا شنفرى......لو كنت عفريتاً مثلي لتحولت لدخان وطرت مع الهواء، لكنك وسارة آدميان ولا يمكنكما ذلك......كم أشفق على سارة المسكينة، لابد أنها تعيش أصعب لحظات حياتها الآن........تذكر جيداً يا شنفرى، لا معنى لإنقاذك سارة إن بقيت البلورة العجيبة عند الهام، لابد أن تأخذها منه.


                يتبع

                تعليق

                • سالم الجابري
                  أديب وكاتب
                  • 01-04-2011
                  • 473

                  #9
                  وبدأت الرحلة



                  وقف الشنفرى بعد أن ودع العفريت ينتظر أول أنوار الفجر، كان يحس بأنه يمتلئ صواعق في انتظار أن يقتحم الوادي الأخضر......براكين الغضب والشوق تتفجر.....سحباً سوداء تعصف بها رياح الغضب.......أحست الحية بدقات قلبه المضطربة، حاولت تهدئته بانسيابها حول رقبته بشكل متكرر......كان الذئب يجلس بجانبه ويرفع رأسه كل بضع ثوانٍ يراقب ملامح وجهه.

                  لم تطلع الشمس بعد، لكن نورها انتشر في الأفق، لن يخطئ سهمه لو سدده الآن، استل من كنانته سهماً ذو رأس معدني وأدخل رأس السهم في فمه......تحسس حدّة السهم بلسانه ليتأكد أنه سيخترق هدفه كما يخترق الزبدة، بصره في اتجاه فج الجبل الذي دله عليه العفريت، وكالعادة فوجئ الذئب بانطلاقة الشنفرى السريعة، لكنه تدارك الأمر.

                  حاد الشنفرى عن الطريق المؤدي للفج بين الجبلين وفضل أن يصعد الجبل ليشرف على ما وراءه من الأعلى.....تدارى خلف إحدى الصخور في قمة الجبل لينظر.......رأى البوابة في نهاية الفج.....وأمامها البئر وقد علقت عليه دلو تتأرجح.....لكن لا أثر للساحرات العجائز، قرر النزول وأخذ طريق الفج باتجاه البوابة.

                  ربما ماتت الساحرات....هكذا كان يقول لنفسه وهو ينزل الجبل، لكن قلبه سأل

                  -لماذا كان الدلو المعلق يتأرجح وليس هناك ريح؟!

                  -لست أدري يا قلبي لكن اكتشاف ذلك ليس بالأمر الصعب.

                  عندما اقترب الشنفرى من البئر بمقدار رمية السهم ركز السهم ذو الرأس المعدي في الأرض واستل من كنانته سهماً آخر ذو رأس حجري قاطع........سدد السهم على الحبل المعلق به الدلو فانقطع وهوى الدلو باتجاه البئر، وهو يهوي قفزت منه ثلاث ضفادع وقعن بجانب البئر، ثم تحولن لثلاث عجائز.......حينها كان الشنفرى قد ألقم القوس سهماً آخر، شد قوسه عن آخره وأفلت.......حتى البصر لايستطيع متابعة انطلاقة سهمه.....ما كادت العجائز تنتبه للشنفرى حتى كان سهمه يخترق رؤوسهن الثلاث واحدة تلو الأخرى كأنها قطع زبد لينة.

                  ليس الشنفرى من يضيع الوقت وهو ملتهب حماسة، عدى مسرعاً باتجاه البوابة ودفعها ودخل......هاله كل شيء.....هواء بارد منعش، وادي فسيح ممتد بالخضرة إلى أبعد ما يصل البصر، تغاريد طيور من كل نوع تتسابق لها الأذن.....تراب ناعم رطب......كانت أمامه طريق جميلة ممهدة بين أشجار ملتفة.......كاد أن ينطلق في تلك الطريق لولا عاجله قلبه بسؤال

                  -ما هذه الحجارة المصطفة على اليمين كأنها درج قديم؟

                  تراجع الشنفرى عن الطريق الممهدة واتجه نحو الدرجات الحجرية الصاعدة.......لم تكن سوى بضع درجات حتى أشرف على غرفة حجرية صغيرة بدون باب......بدت له مهجورة، لكن أنف الذئب كان يقول شيئاً آخر.....تقدم الشنفرى للباب ، أطل برأسه وإذا به يرى شيخاً ينام في جانب من الغرفة......فتح الشيخ عينيه ليجد الشنفرى

                  -أنت لست من سكان الوادي يا ولدي.....من أين دخلت؟!

                  -من البوابة القريبة أيها الشيخ.

                  -ماذا حدث للساحرات........انهن يمنعن الدخول والخروج، ولهذا أنا محبوس هنا منذ مئات السنين؟

                  -لقد قتلتهن أيها الشيخ، يمكنك أن تخرج الآن إن أردت.....لكن قل ما هي قصتك؟!

                  -أنت يا ولدي شاب صغير، ولعلك لا تعرف كيف هي الحال قبل أن يتحكم هذا الهام بكل شيء.......أنا كنت وزير الملك السابق، يوم كانت كل الأرض تنعم بالخير، الصحراء التي جئت منها كانت كلها كهذا الوادي الأخضر.

                  -حقاً ما تقول أيها الشيخ؟!؟!؟!.......مالذي حدث إذن، وكيف جاء هذا الهام واستولى على كل شيء؟

                  -سأخبرك فلا تستعجل......كان هذا منذ مئتي عام.....الملك السابق لم ينجب من زوجته الأولى حتى بعد ثلاثين سنة من زواجهما، وفي إحدى رحلاتنا لأطراف المملكة رأى في قصره هناك فتاة غاية في الجمال، وعندما رأيت منه ميلاً للفتاة نصحته بطلب يدها لعل الله يرزقه بالذرية، وافق الملك بشرط أن يبقى الأمر سراً ولاتعرف به زوجته الأولى........ما لم نكن نعرفه أن زوجته الأولى كانت ساحرة، ولما عرفت بالأمر تعاونت مع سيدها كبير السحرة فقتلت الفتاة والملك ونصبت نفسها ملكة على البلاد، ثم بعد ذلك تزوجت كبير السحرة أو ما يسمونه بالهام، لكنه قتلها بعد مدة قصيرة ونصب نفسه حاكماً على الأرض. نشر كل الشرور التي تراها، ولما خاف أن تتمرد عليه بقية أنحاء المملكة منع المياه من أن تخرج من الواحة باستثناء هذا الوادي، وحتى المياه التي تجري هنا قد سحرها لتسحر من يشربها فلايقدر على عصيان أمره.

                  -وكيف نجوت أنت أيها الشيخ من سحره؟

                  عندها قام الشيخ لزاوية الغرفة وأزاح حصيراً قديماً ليظهر من تحته بئر.

                  -لقد نجوت بفضل هذا البئر يا ولدي......إني أشرب منه وأزرع حديقة صغيرة خلف الغرفة وأربي فيها بعض الخراف......الآن وبعد هذه السنين أستطيع الخروج بحرية، وأنت يمكنك أن تملأ قربتك من هذه البئر، وبما أنك أنقذتني فإني أريد أن أعطيك شيئاً، لكني لا أملك إلا هذا السيف وكيس الشحم هذا..........أرجو أن تختار أحدهما.

                  كان الشنفرى يريد أن يأخذ السيف، لكن قلبه قال متعجباً

                  -لماذا يحتفظ الشيخ بالشحم في كيس؟

                  وكذلك سأل الشنفرى الشيخ

                  -لماذا تحتفظ بالشحم في كيس أيها الشيخ؟

                  -ليس أنفع لك من الشحم هنا يا ولدي، تستطيع أن تأكل منه، وتوقد منه النار، وتدهن به جسمك فتفلت من مسكات الأفاعي والغيلان.

                  وهكذا اختار الشنفرى أن يأخذ كيس الشحم بدلاً من السيف، ثم ملأ قربته من البئر وشكر الشيخ وخرج قاصداً الوادي.


                  يتبع.....

                  تعليق

                  • سالم الجابري
                    أديب وكاتب
                    • 01-04-2011
                    • 473

                    #10
                    فردوس السكارى


                    أخذ الشنفرى الطريق الهابط للوادي، رائحة الماء والأشجار يحملها هواء صاعد رقيق ، لأول مرة يحس بالهواء يتغلغل تحت قميصه وفي شعره.....كان يقف كل ثلاث أو أربع خطوات يتأمل.....كان يتذكر كلام الشيخ حين قال أن كل تلك الصحراء كانت بجمال هذا الوادي......أصوات العصافير كانت تأتي متناغمة من مسافات واتجاهات مختلفة.....هل من الممكن أن يوجد مثل هذا الجمال!!! هكذا كان يسأل نفسه.......استمر الشنفرى في النزول، وبدأ الوادي بالاتساع أمام ناظريه وبدأت تظهر قصور كثيرة على جانبي الوادي.....الضفتان واسعتان ومرصوفتان بحجارة ناعمة لدرجة أنه خشي أن تخدشها قدميه اللتان تعودتا على خشونة الصحراء، جسور مزينة تصل الضفتين عند تجمعات القصور.......على مسافات متساوية تتفرع قنوات المياه في اتجاه المساحات الخضراء المسايرة للوادي......تناهت لسمعه أصوات نساء ورجال.......تقدم حتى اقترب منها ووقف ينظر، كانوا يقطفون ثمار العنب، كانت الثمار ناضجة وشهية للغاية......أخذ لعابه يسيل بشدة، لمحته إحدى الفتيات اللواتي كن يضعن العنب في السلال......أخذت عنقوداً وجاءته مسرعة مبتسمة، ثوبها قطني أبيض شديد البياض موشىّ أسفله بورود حمراء، غطاء رأسها الأحمر منسدل على كتفيها، كانت تميل عن الأغصان المتشابكة وهي مقبلة.......اقتربت ومدت يدها التي انحسر عنها الثوب بعنقود العنب......عيناها كانتا تشعان براءة وحبوراً، بهدوء فرضته عليه عيناها مد الشنفرة يده ليأخذ العنقود.........خشيت الحيّة أن يأكل منه فانسلت مسرعة من على كتفه والتفت على يده وكأنها تحذره........فوجئت الفتاة وارتدت للوراء وهي تشهق شهقة خوف

                    -لا تخافي أيتها الجميلة......هذه حيّتي.

                    عادت البسمة لثغر الفتاة وقالت تسأل

                    -هل أنت بهلوان جئت من أجل الحفل؟

                    -أيّ حفل أيتها الجميلة؟

                    -ألم تعلم بعد؟!؟!........لقد اختارني الهام العظيم زوجة له.....سيبدأ الحفل الأسبوع القادم وسيستمر لأسبوعين.....أبي يعد للحفل منذ مدة، سيكون هناك ليالي جميلة من الغناء والرقص......ليتك ترى الأثواب التي أعدتها لي أمي..........

                    واسترسلت الفتاة تقص على الشنفرى بفرحة كبيرة عن زفافها للهام، وهو يتحسر عليها......كيف لكل هذا الجمال الغض أن يفنيه ذلك الشرير في ليلة واحدة، كيف لهذه الفرحة الغامرة أن تنقلب موتاً زؤاماً.......أحس بالحزن الشديد يعتصر قلبه، شكر الفتاة وواصل طريقة على الضفة في عكس اتجاه جريان الوادي.



                    يتبع......

                    تعليق

                    • سالم الجابري
                      أديب وكاتب
                      • 01-04-2011
                      • 473

                      #11
                      طفلتان وساحرتان


                      بعد أن تأكد أنه ابتعد عنها رمى بعنقود العنب بعيداً، بحث عن مكان يرتاح فيه فوجد شجرة كبيرة استند لجذعها، أخرج كيس الشحم وأطعم حيّته وذئبه وأكل منه هو أيضاً.......شعر برغبة شديدة بالنوم....أسند رأسه للجذع وأغمض عينيه، اقترب الذئب ليضع رأسه في حجر الشنفرى لكنه وجد أن الحيّة قد سبقته، حاول أن يزيحها بأنفه قليلاً ويشاركها المكان لكنها أبت فعاد ليتوسد يده بالقرب منهما.

                      نام الشنفرى طوال الظهر حتى العصر، استيقظ على أصوات غناء وأجراس ودف.......فتح عينيه فإذا بطفلتين صغيرتين يتبعهما موكب من الناس.....كانت الطفلتان كأنهما قمران يمشيان على الأرض.....كانتا في أبهى زينة، وورائهما موكب فرح، دفوف وأجراس وغنا وشموع......مر الموكب من أمامه وهو مأخوذ بكل هذا، وبرغم ما هو بصدده إلا أنه لم يستطع إلا أن ينساق في موكب الحبور، مشى في مؤخرة الموكب، استمتع كثيراً بالنشيد الذي كان يردد......وصل الموكب لسوق على جانب الوادي ودخل بين صفي الدكاكين، هال الشنفرى ما رأى من أعداد الرجال والنساء، احتار بين أين يقلب بصره......سوق طويل جداً......وبين جنبيه يجري وادي من البشر.....بضائع ملونة من كل لون......حرص أن يبقي ذئبه يمشي بين قدميه لألا يضيع منه..........مشى خلف الموكب حتى وصل لساحة واسعة في وسط السوق، رفعت الفتاتان الصغيرتان على منصة مرتفعة وأخذ الراقصون والعازفون يدورون حول المنصة......الكل سعيد......إمرأة توزع الحلوى على الحاضرين وهم يهنئونها.

                      ما هو سبب الإحتفال؟!......هكذا سأله قلبه

                      التفت الشنفرى للرجل الذي بجانبه وسأله؟

                      -ما هو سبب الإحتفال؟!؟!

                      -أحقاً لا تعلم؟!......أنت غريب ولاشك.....حسبتك بهلواناً عندما رأيتك تحمل الحية ويتبعك هذا الذئب.....لا عليك، الآن سترى ما سيحدث......ستأتي حوريتان لتحملان هاتان الطفلتان لسيدنا الهام، لقد اختارهما لتكونان من الملائكة، فقط قف هنا وراقب السماء.

                      نظر الشنفرى للطفلتين البريئتين وقد عرف ما ينتظرهما، دمعت عيناه واعتصر قلبه.......تعالت الهتافات فجأة، تلفت حوله فإذا الكل ينظر للسماء......رفع بصره فإذا كالغمامتان تنزلان من السماء فوق المنصة، تابع الغمامتان ببصره حتى دنتا من الأرض......تبينت الغمامتان عن مرأتين .......لم يشك الشنفرى في كون المرأتين ساحرتين من أعوان الهام، هل يتركهما لتأخذا الطفلتين المسكينتين؟........لكنه كان يخشى لو قام بأي شيء لأمسك به هؤلاء السكارى، لم يتخذ قراراً حتى لحظة أن بدأت الساحراتان بحمل الطفلتين، حينها قرر أنه لا يمكنه تركهما.......تراجع بسرعة كبيرة لوراء الحشد......ألقم قوسه سهماً وسدده لرأس إحدى الساحرتين، أفلت سهمه ومد يده بسرعة ليأخذ سهماً آخر من كنانته للساحرة الأخرى.......لكنه لم يكن بحاجة لذلك، ما إن اخترق سهمه الأول رأس الساحرة وانفلق حتى صرخت الأخرى وهربت تاركة الفتاتين......عم الصراخ والخوف في الجمهور المحتشد.....لم يدرك أحد ما حصل، لكن رأس الساحرة المنفلق على المنصة وجسمها الذي بدا بشعاً أرعب الجميع، تظاهر الشنفرى أيضاً أنه يهرب وعاد لدربه الصاعد بعكس اتجاه الوادي.


                      يتبع....

                      تعليق

                      • سالم الجابري
                        أديب وكاتب
                        • 01-04-2011
                        • 473

                        #12
                        البوابة الأولى

                        ظل الشنفرى يعدو ، مر بأشياء كثيرة، بيوت وأسواق وأناس يحتفلون.....لم يكن يلتفت لشيء أبداً.....ركض طوال الليل، وعندما أشرف الفجر على الطلوع كان قد اقترب من رأس الوادي، لا بيوت ولا بشر.....أشجار كثيفة ملتفة، ترك الذئب يتقدمه لأنه أقدر على الرؤية في ظلام الغابة، وعندما انتشر ضياء الشمس وجد نفسه يسير في ما يشبه النفق الذي شكلته الأشجار على مجرى الوادي الذي أخذ يضيق شيئاً فشيئاً.

                        تناهت له من بعيد أصوات ضحكات عذبة، توقف ليستمع....عادت الضحكات وصاحبتها همسات....تقدم أكثر فوجد أن مياه الوادي اختفت تحت منبسط من الأرض.....وانفرجت مساحة تختلط فيها أنوار الشمس بظلال الأشجار......وسكنت كل الأصوات إلا صوت الهمسات العذبة، تلفت يمنة ويسرة فلم يرَ أحداً......تقدم أكثر....وكأن الضباب انقشع من أمامه فظهرت له بوابة واسعة في جدار مرتفع، تقدم نحوها بحذر.....وانقشع الفراغ هذه المرة عن صاحبات الصوت العذب.....ثلاث حوريات لم ترَ العين في مثل جمالهن وجمال ملبسهن، يناجين بأعذب الكلام....يتطاير السكر العذب من أفواههن.....لم ينظرن للشنفرى وواصلن حديثهن، إحداهن كانت تحكي بنشوة بالغة عن أول قبلة ذاقتها......والشنفرى يستمع، ثم روت الثانية عن حبيبها أجمل الأشعار.......طرب الشنفرى للشعر وهي صناعته، كاد أن ينسى تحذير العفريت وينساق ليجلس على الكرسي الفارغ لولا أن اعترضه الذئب وعاد لرشده.

                        نظر لأعلى البوابة فرأى الغول كما وصفه العفريت، جامد كالتمثال الأصم.....اللهم إلا إشعاع عينيه، مد الشنفرى يده لرقبته وكأنه يوسع لفات الحيّة حولها، لم يكن بحاجة لأكثر من ذلك لتفهم الحيّة ما عليها فعله.........انسلت عبر قدمه واختفت تحت أوراق الشجر.......وتقدم الشنفرى قليلاً نحو الفتيات ليبقي الغول مشغولاً بمراقبته........كان الغول يتحرق للحظة التي سيجلس فيها الشنفرى على الكرسي، ولم يدرِ بالحيّة الي تسلقت الشجرة ومنها للجدار لتفاجئه بغرس أنيابها في مؤخرته.......أحس كأن حشرة صغيرة قرصته ولم يكلف نفسه حتى النظر للوراء، بل أبقى عينيه مركزتان على الشنفرى........لكنه هوى على وجهه ميتاً بعد ثوانٍ قليلة واختفت الفتيات الثلاث.......فهم الشنفرى أنهن من تصوير سحر الغول.

                        حاول الشنفرى فتح البوابة، لكن المزلاج الضخم كان صدئاً وعالقاً........تذكر الشحم الذي أعطاه إياه الشيخ، أخرج قطعة من الكيس وفرك بها المزلاج حتى انزلق وفتحت البوابة الضخمة.


                        يتبع.....

                        تعليق

                        • سالم الجابري
                          أديب وكاتب
                          • 01-04-2011
                          • 473

                          #13
                          المستنقع

                          فتحت البوابة على مستنقع واسع كالبحر، لا يحده شيء سوى ظلمة غابة بعيدة ترى في الأفق.......سطح مياه المستنقع ساكنة وكأنها لم تتحرك منذ مئات السنين.......وقف الشنفرى ينتظر أن يتحرك شيء ما......أين هي التماسيح التي تكلم عنها العفريت؟.....هكذا سأل الشنفرى نفسه

                          وهنا انتبه أن قلبه كان يردد سؤالاً عليه وهو منشغل بالنظر للمستنقع، كان قلبه يسأل

                          -ماذا ستطعم التماسيح لتنقلك عبر المستنقع يا شنفرى؟

                          الغول......هكذا أجاب الشنفرى على سؤال قلبه، عاد وسحب جثة الغول عبر البوابة لساحل المستنقع، وهو ينتظر أن تأتي التماسيح لاحظ ذيل الغول، كان عجيباً للغاية......على جانبيه صفين من الحراشف الحادة والمنحنية كالخطاطيف......لهذا كان العفريت يحذر منها.

                          وكأنه سمع صوت قلبه يسأل.....هل ستحتاج لذيل الغول؟

                          طلب الشنفرى من الذئب أن ينتزع ذيل الغول من قعره بأسنانه، ثم لفّه بحذر شديد وخبأه في كنانة السهام.

                          انتظر الشنفرى أن يحدث شيء دون جدوى وقد قاربت الشمس المغيب.......ثم أكمل انتظاره طول الليل بين إغفاء وصحو......مع أول أنوار الفجر قام وهو ضجر من الإنتظار ووضع رجله على جثة الغول......خرج بعض الدم من حيث انتزع الذئب الذيل وانساب نحو المستنقع......كان الشنفرى يراقب بكسل انسياب قطرات الدم، وما أن انتشرت أول قطرة دم على سطح الماء حتى حدث شيء مخيف.......كأنه جبل من الماء ارتفع فجأة.....اضطرب المستنقع وتلاطمت أمواجه.......ثم هدأت فجأة......لكن شيئاً كالصخرة الكبيرة المغمورة بدأ بالتحرك نحو الساحل مستهدفاً جثة الغول......لقد كان تمساحاً ضخماً ، استعد الشنفرى للقفز على ظهر التمساح.....لاحظ اضطراب الذئب وخوفه الشديد فحمله بين يديه ودس رأسه تحت قميصه.

                          وصل التمساح للساحل وفتح فمه باتساع كهف والتقم جثة الغول، وما إن استدار نحو المستنقع حتى كان الشنفرى مستقراً على ظهره.

                          بنعومة واستقرار عجيب كان التمساح يسير .......كأنه يطير في الماء......ثابت إلا من تموجات ذيله المرتخية، كان ظهره واسعاً بحيث يمكن المشي عليه عدة خطوات.

                          شيئاً فشيئاً كانت الغابة المظلمة تقترب، كانت الأشجار لشدة خضرة أوراقها تميل للسواد......جذوع الأشجار قبيحة ويعلوها العفن الأسود........اخترق التمساح الغابة وعبرها إلى مساحة أكثر انفتاحاً وإشراقاً......عاد الهواء رقيقاً بارداً يغري بالنوم مع انسياب حركة التمساح، جلس الشنفرى وذئبه الخائف مازال في حجره.......وكادت تأخذه إغفاءه لولا ارتفاع متسارع لهدير قوي......رفع بصره بعيداً للأمام فإذا بشلال مياه أبيض يصب في البحيرة........بدأ هدير المياه يصم الآذان كلما اقتربوا منه أكثر، كان التمساح يتجه بهم نحو الشلال بشكل مباشر أولاً، ثم انتحى بهم يميناً وكأنه يتحاشى تيار المياه القوي المتدفق من الشلال، كان يقصد منطقة خلف الشلال وكأنها كهف واسع......خلف الشلال هدأ صوت هدير المياه أكثر كلما اقتربوا من الساحل الصخري، ومع أول حجر يمر بقربه التمساح قفز الشنفرى عليه تاركاً جزيرته المتحركة.

                          وهنا يبدو أن قلب الشنفرى كان فضولياً.....سأل.....أين سيذهب التمساح ياترى وماذا سيفعل بجثة الغول التي أتى بها من هناك؟!؟!؟

                          ظل الشنفرى يراقب بفضول ليعرف ، توقف التمساح بعد قليل في وجه الكهف وسكن عن الحركة......وبعد قليل خرجت من الكهف تماسيح أصغر، كانت مسرعة ...... ألقى لها التمساح جثة الغول وبدأت تأكل وكأنها لم تأكل منذ مئة عام.

                          -ماذا كان سيحدث يا ترى لو دخلت الكهف يا شنفرى قبل أن تخرج هذه التماسيح؟؟؟؟!!!....هكذا سأله قلبه.


                          يتبع.....

                          تعليق

                          • سالم الجابري
                            أديب وكاتب
                            • 01-04-2011
                            • 473

                            #14
                            البوابة الثانية



                            وضع الشنفرى ذئبه على الأرض والذي عجّل بالدخول لبطن الكهف مبتعداً عن التماسيح، ليس هناك من طريق آخر.......تبعه الشنفرى، بعد مسافة قصيرة في داخل الكهف كان هناك ما يشبه الجدار الحجري الذي رصت حجارته بدقة متناهية.....أدرك الشنفرى أنها البوابة.......لكن كيف السبيل لفتحها؟!؟!......لا مزلاج ولا أي شيء ، حاول الحفر أسفل البوابة لعله يجد شيئاً، لكنه لم يجد........جلس وهو خائف من أن ترجع التماسيح التي كانت هنا من قبل.

                            وكأن قلب الشنفرى تذكر فجأة.....أين ذيل الغول ياشنفرى؟

                            ذيل الغول!!.....كيف يمكن أن يكون مفيداً؟...سأل الشنفرى نفسه وهو يخرجه من كنانته....حاول عابثاً أن يغرز أحد خطاطيف الذيل الحادة بين ما كان يظنه أحجار الجدار.....ويا للمفاجأة.....لم يكن ذلك جداراً، لقد كان جلد تمساح سميك جداً ...... شقّ الخطاف الحاد جلد التمساح كأنه قطعة قماش......زال الهم عن الشنفرى وأحس بنشوة النصر وهو يعبر بوابة أخرى ويقترب أكثر من هدفه.



                            يتبع.....

                            تعليق

                            • سالم الجابري
                              أديب وكاتب
                              • 01-04-2011
                              • 473

                              #15
                              البوابة الثالثة

                              لفرط فرحه بنجاحه في عبور الوادي والمستنقع والبوابتين الأولى والثانية ازدادت ثقة الشنفرى بنفسه كثيراً، واستهان بأمر متاهة الأنفاق، وظن أنه سيستطيع بالتجربة والخطأ أن يجد البوابة الثالثة حتى لو أضاع بعض الوقت......فبعد أن عبر البوابة ودخل في النفق الذي وراءها وجد أنه يتفرع لثلاثة أنفاق......اختار أن يجربها بالترتيب من اليمين إلى اليسار، ولما دخل النفق الأول وسار به مسافة طويلة وجده يتفرع لثلاثة أنفاق أخرى......قرر أن يعود أدراجه خشية أن يتوه في المتاهة لكنه أيضاً وبعد سير طويل وجد أمامه ثلاثة أنفاق......ظل هكذا مصراً وعنيداً......وانقضت عدة أيام وهو من نفق لآخر دون أن يجد أي شيء ولا حتى حفر النار التي قال بها العفريت، كادت قربته تنفذ من الماء، وكاد كيس الشحم أن يخلو........وأصيب الشنفرى بإحباط شديد من طول المشي في ظلمة الأنفاق دون أن يصل لشيء.......جلس واستند لجدار النفق وكأنه أقر بضعفه ، وقعت عينه بعيني ذئبه، كان اصفرارها يشع في الظلام.

                              هنا وجد قلبه فرصة ليتكلم ويسأل......لماذا تشع عيناه يا ترى؟!؟!

                              أجابه الشنفرى

                              -لأنهما خلقتا للظلام.

                              هنا انتبه الشنفرى لأمر.......طلب من الذئب أن يتقدم ويبحث عن البوابة، وتقدم الذئب.......كان يرى نهاية الأنفاق البعيدة المظلمة.......كان يشم مداخل الأنفاق ليتحسس تيار الهواء والرطوبة المتدفقة......لم تمضي ساعة حتى كان الذئب يقود الشنفرى لبوابة ضخمة تنفذ من شقوقها خيوط نور قوية.....وفتح الشنفرى البوابة ووجهه للوراء ليتحاشى أشعة النور الساطعة.


                              يتبع......

                              تعليق

                              يعمل...
                              X