زارني صديق، وأنا أشتعل قلقا،وأنقبض اختناقا .. بات عقلي يعج بفوضى الأفكار، لم أترك موضوعا إلا وناقشته في سري حتى أوجست خيفة من الوضع الذي ألت إليه.نصحنِي صديقي نصيحة أخ.
لما شرحت له وضعي، بأدق تفاصيله .لم يعد شيءمنِيّ يحتمل التأجيل، ففي المدة الأخيرة، انتابتني نوبة هستيرية انتقاديه،فلا أرى الأمور من حولي كما هي .لم أترك أمرا إلا و أخرجت عيوبه ، وكشفت مواقع عمليات التجميل به .بدءاً من الحاكم إلى عامة الناس منتهيا بي.لمتنفع معِي عمليات الترقيع، لسد ثغرات العجز المادي الذي أعانيه، مع زيادة تكالب الأمراض على جسدي الهزيل من الأنيميا ، فلا يكاد الدوار يفارقني،وقد كست فمي طبقة بيضاء، قيل أنها إفرازات المعي الغليظ ، وضعف النظر بات يؤرقني، فلا أستطيع تحديد الأشخاص من بعد أمتار .
لم أترك طبيبا إلا وزرته، ولا دواء إلاوتناولته عن طيب خاطر أو مرغما، مع هذا زادت حالتي سوءًا ،و تعثرت مشاريعي حتى زواجي تأخر ، كلما أقدمت على الزواج طرأ مايمنعه،وحالات القلق الدائم التي لم تفارقني فتضيق عليّ مساحات السعادة المعدودة .
- فقال بعد نقاش جاد بيننا:
- لم يبق أمامك إذا إلا الرقية
حدجته بنظرة محتج وبسرعة البرق قال:
- رقية شرعية
أجبت بعد عمق في التفكير و تردد...
- رقية شرعية وحسب؟
- بلا زيادة.
دائما كنت أرفض معالجة الأمور المستعصية بمثل هذه الطرق، لكن الحاجة في بعض الأحيان تجبرنا على سلوك طرق أخرى للنجاة ،ولما لم أر حلا لمشكلتي، قررت أن أخوض مغامرة الرقية، علّها تكون مفتاحا لحل مشاكلي، ومخرجا لكابوس أغرقني في أفكاره السوداء رغم التزامي دينيا،فقد كنت وما زلت مواظبا على الصلاة والصيام والصدقات، إلا أنني لم أنجُ من الفشل في أموري الدنيوية، تملكني الوسواس الخناس، وجعلني محط تفريغ هواجسه، ومسرحا للعب بمشاعري المرهفة، وأدخلني دوامة الشكوك بكل ما يحيط بي .
صرت أشك في عدم ترقيتي على أن أحدهم دس لي مانعا، وأشك في تعطل زواجي بأن شخصا بغيضا حاقدا عمل لي عملا يحول بيني وبين طريقي إلى السعادة، وأصبحت أشك في أن بقائي في قائمة الفقراء من فعل فاعل، فكيف الجاه والمال لهم دائما،والفقر والحرمان لنا دوما ! والحكم والسلطان لهم أبدا ! والشجب والاستنكار لنا قطعا !
من طيب قلب صديقي دلني بلا تردد على أحد الرقاة، بل قام بإحضاره لمنزلي المتواضع،
وقد وفر عليّ مشوار البحث الطويل في ظل كثرتهم،وانتشارهم مثل جنود يحمون الناس من شر النفاثات في العقد ، وقد صار منالصعب أن تجد راقيا يرقي رقية شرعية بحتة، فمنهم من يستعين بالجن لإخراج العمل، ومنهم من يجالس المريض فيرى بدلا منه موضع العمل، و يحدد الأشخاصالذين قاموا بدس السحر . كثيرون منهم من تيسرت حاله، بنوّا لأنفسهم فيللّاواشتروا سيارات .وكثيرون هّم الموظفون أمثالي ما زالوا يحيون تحت خط ا لفقر، ويستظلون تحت رحمة عائلهم الشهري،ينتظرون طاقة القدر تفتح لهم ، لترفع أجورهم وتسيّر أحوالهم .
كان الراقي شيخا طاعنا في السن يحمل عصا يتكئ عليها في سره ، رمقني بنظرة ثاقبة، وكأنه يكشف ما وراء هذا الجسد الهزل من أفكار مجنونة تغلف دربي، ولم ينج بيتي من نظراته الإشعاعية ، كأنها جهازاستكشاف ، يظهر له أمورا قد أخفيت عنّي ؟
طرحت عليه السلام فبادلني بالسؤال : أشم رائحة الفجل
: فجل ؟ لا أملك فجلا في الدار
-حقا !
-قطعا !
حول نظّره عنّي كأنّه لم يصدقني ، طلب إحضار دلو من الماء ، و أمدد جسدي فوق السرير . استغل صديقي الفرصة ، فمدد جسده هو الآخر. كان لصوت الشيخ صدى ، و حنجرته قوية ، تطرق الآذان الصماء . ما أن بدأ بتلاوة الذكر الحكيم ، حتى شعرت بقوة مغناطيسية ، تجذب يديّإلى أعلا ، دون أن أحركهما ، أحسست بألم في بطني ، وآخر في عمودي الفقري ، وآخر في رأسي ، وبدأتأهتز ، وكأنني أتعرض لهجوم ذبذبات كهربائية ، تخزّني بلا توقف .
اقترب الشيخ مني ، وقال : أنتمن أحضر الفجل .
: أنا؟؟
فهمت من كلامه أنه يستنطق الروح التي تسكنني!
وقلبت حياتي رأسا على عقب ، وزرعت بذور الشك ، حتى صارت شجرةمن المخاوف ، تلاحقني في السر والعلانية ، كنت أتشوق لسماع صوت روح أخرىغير روحي ، تتكلم على لساني . استمر الشيخ بالتلاوة ، وجسدي بالاهتزاز حدالبكاء .أكنت من يبكي؟ أم هي الروح ؟ كان بين الحين والآخر يقترب أكثر مني ، يسكب الماء المرقي على وجهي .لم يكن يعرف قصتي مع الماء ، ومدى كرهي له ؛ فقد بدأت هذه العقدة ، عندما سقطت في حوض ماء، كنت في الرابعة من عمري ، حين غرقت ، وكدت أودع هذا الجسد .أنا الآن أغرق بين يدي شيخ.
تعالت أصواتي وصيحاتي ، وهويسكب الماء ، ويستنطقني
: من أنت. لم أتيت إلى هذا الجسد المسكين. أليس حراما عليك.
لقد تأكد أن روحي من تصرخ!
حاصرها بالماء والتلاوة والأسئلة. لم أحتمل الوضع ؛ فقد ضقت ذرعا ، وانتفضت واقفا ، كمنخرج منقعر البحر
: أليست عندك طريقة أخرى يا هذا !
: أنت مسحور .
: عليك أن تخرجه .
لمحت صديقي ،يدخل رأسه في وعاء مملوء بالماء ، ويخرجه ، فقلت له مندهشا:{واش راك الدير. }
-{ راني نتبحر}
- قال الشيخ سأخرج السحر بهذه الطريقة !
- أبدا !
طلبت منه أن يكمل مع صديقي ، ويعجل في أمره. ما عاد شيء مني يحتمل . وبعد مرور أسابيع جاءني صديقي ، وهو يبتسم من بعيد : وجدت لك راقيا ممتازا .. وسينفعك.
: النافع هو الله .
قررت بعدها أن لا أطلق العنان لهواجسي، وأن أوقفها عند عتبة إن بعض الظن إثم.وأن أتوكل على الحي الذي لا يموت ، وبعونه ترقيت ، وتزوجت ، وتحسنت أحوالي الصحية.
ماي2010
لما شرحت له وضعي، بأدق تفاصيله .لم يعد شيءمنِيّ يحتمل التأجيل، ففي المدة الأخيرة، انتابتني نوبة هستيرية انتقاديه،فلا أرى الأمور من حولي كما هي .لم أترك أمرا إلا و أخرجت عيوبه ، وكشفت مواقع عمليات التجميل به .بدءاً من الحاكم إلى عامة الناس منتهيا بي.لمتنفع معِي عمليات الترقيع، لسد ثغرات العجز المادي الذي أعانيه، مع زيادة تكالب الأمراض على جسدي الهزيل من الأنيميا ، فلا يكاد الدوار يفارقني،وقد كست فمي طبقة بيضاء، قيل أنها إفرازات المعي الغليظ ، وضعف النظر بات يؤرقني، فلا أستطيع تحديد الأشخاص من بعد أمتار .
لم أترك طبيبا إلا وزرته، ولا دواء إلاوتناولته عن طيب خاطر أو مرغما، مع هذا زادت حالتي سوءًا ،و تعثرت مشاريعي حتى زواجي تأخر ، كلما أقدمت على الزواج طرأ مايمنعه،وحالات القلق الدائم التي لم تفارقني فتضيق عليّ مساحات السعادة المعدودة .
- فقال بعد نقاش جاد بيننا:
- لم يبق أمامك إذا إلا الرقية
حدجته بنظرة محتج وبسرعة البرق قال:
- رقية شرعية
أجبت بعد عمق في التفكير و تردد...
- رقية شرعية وحسب؟
- بلا زيادة.
دائما كنت أرفض معالجة الأمور المستعصية بمثل هذه الطرق، لكن الحاجة في بعض الأحيان تجبرنا على سلوك طرق أخرى للنجاة ،ولما لم أر حلا لمشكلتي، قررت أن أخوض مغامرة الرقية، علّها تكون مفتاحا لحل مشاكلي، ومخرجا لكابوس أغرقني في أفكاره السوداء رغم التزامي دينيا،فقد كنت وما زلت مواظبا على الصلاة والصيام والصدقات، إلا أنني لم أنجُ من الفشل في أموري الدنيوية، تملكني الوسواس الخناس، وجعلني محط تفريغ هواجسه، ومسرحا للعب بمشاعري المرهفة، وأدخلني دوامة الشكوك بكل ما يحيط بي .
صرت أشك في عدم ترقيتي على أن أحدهم دس لي مانعا، وأشك في تعطل زواجي بأن شخصا بغيضا حاقدا عمل لي عملا يحول بيني وبين طريقي إلى السعادة، وأصبحت أشك في أن بقائي في قائمة الفقراء من فعل فاعل، فكيف الجاه والمال لهم دائما،والفقر والحرمان لنا دوما ! والحكم والسلطان لهم أبدا ! والشجب والاستنكار لنا قطعا !
من طيب قلب صديقي دلني بلا تردد على أحد الرقاة، بل قام بإحضاره لمنزلي المتواضع،
وقد وفر عليّ مشوار البحث الطويل في ظل كثرتهم،وانتشارهم مثل جنود يحمون الناس من شر النفاثات في العقد ، وقد صار منالصعب أن تجد راقيا يرقي رقية شرعية بحتة، فمنهم من يستعين بالجن لإخراج العمل، ومنهم من يجالس المريض فيرى بدلا منه موضع العمل، و يحدد الأشخاصالذين قاموا بدس السحر . كثيرون منهم من تيسرت حاله، بنوّا لأنفسهم فيللّاواشتروا سيارات .وكثيرون هّم الموظفون أمثالي ما زالوا يحيون تحت خط ا لفقر، ويستظلون تحت رحمة عائلهم الشهري،ينتظرون طاقة القدر تفتح لهم ، لترفع أجورهم وتسيّر أحوالهم .
كان الراقي شيخا طاعنا في السن يحمل عصا يتكئ عليها في سره ، رمقني بنظرة ثاقبة، وكأنه يكشف ما وراء هذا الجسد الهزل من أفكار مجنونة تغلف دربي، ولم ينج بيتي من نظراته الإشعاعية ، كأنها جهازاستكشاف ، يظهر له أمورا قد أخفيت عنّي ؟
طرحت عليه السلام فبادلني بالسؤال : أشم رائحة الفجل
: فجل ؟ لا أملك فجلا في الدار
-حقا !
-قطعا !
حول نظّره عنّي كأنّه لم يصدقني ، طلب إحضار دلو من الماء ، و أمدد جسدي فوق السرير . استغل صديقي الفرصة ، فمدد جسده هو الآخر. كان لصوت الشيخ صدى ، و حنجرته قوية ، تطرق الآذان الصماء . ما أن بدأ بتلاوة الذكر الحكيم ، حتى شعرت بقوة مغناطيسية ، تجذب يديّإلى أعلا ، دون أن أحركهما ، أحسست بألم في بطني ، وآخر في عمودي الفقري ، وآخر في رأسي ، وبدأتأهتز ، وكأنني أتعرض لهجوم ذبذبات كهربائية ، تخزّني بلا توقف .
اقترب الشيخ مني ، وقال : أنتمن أحضر الفجل .
: أنا؟؟
فهمت من كلامه أنه يستنطق الروح التي تسكنني!
وقلبت حياتي رأسا على عقب ، وزرعت بذور الشك ، حتى صارت شجرةمن المخاوف ، تلاحقني في السر والعلانية ، كنت أتشوق لسماع صوت روح أخرىغير روحي ، تتكلم على لساني . استمر الشيخ بالتلاوة ، وجسدي بالاهتزاز حدالبكاء .أكنت من يبكي؟ أم هي الروح ؟ كان بين الحين والآخر يقترب أكثر مني ، يسكب الماء المرقي على وجهي .لم يكن يعرف قصتي مع الماء ، ومدى كرهي له ؛ فقد بدأت هذه العقدة ، عندما سقطت في حوض ماء، كنت في الرابعة من عمري ، حين غرقت ، وكدت أودع هذا الجسد .أنا الآن أغرق بين يدي شيخ.
تعالت أصواتي وصيحاتي ، وهويسكب الماء ، ويستنطقني
: من أنت. لم أتيت إلى هذا الجسد المسكين. أليس حراما عليك.
لقد تأكد أن روحي من تصرخ!
حاصرها بالماء والتلاوة والأسئلة. لم أحتمل الوضع ؛ فقد ضقت ذرعا ، وانتفضت واقفا ، كمنخرج منقعر البحر
: أليست عندك طريقة أخرى يا هذا !
: أنت مسحور .
: عليك أن تخرجه .
لمحت صديقي ،يدخل رأسه في وعاء مملوء بالماء ، ويخرجه ، فقلت له مندهشا:{واش راك الدير. }
-{ راني نتبحر}
- قال الشيخ سأخرج السحر بهذه الطريقة !
- أبدا !
طلبت منه أن يكمل مع صديقي ، ويعجل في أمره. ما عاد شيء مني يحتمل . وبعد مرور أسابيع جاءني صديقي ، وهو يبتسم من بعيد : وجدت لك راقيا ممتازا .. وسينفعك.
: النافع هو الله .
قررت بعدها أن لا أطلق العنان لهواجسي، وأن أوقفها عند عتبة إن بعض الظن إثم.وأن أتوكل على الحي الذي لا يموت ، وبعونه ترقيت ، وتزوجت ، وتحسنت أحوالي الصحية.
ماي2010
تعليق