كانت اضواءُ القدسِ الحزينة تتقاسَمُ الهموم مع عتْمةِ روحهِ هذا المساء ، ساعة قد انقضت وهو جالسٌ وسط هذا الفَيْض من النور الآلهيّ الذي يلُفُّ المكان بالسكينة والصفاء ، يرتشف بنظراتِه قطراتِ هذا الجمال المَهيب ، مُستَشْعِراً هذا التّجَلّي الفريد ، وقد تصاعدت من حولِهِ أصداء الآدعيةِ والصلوات ، تَرِفُّ كأجنحة الملائكة ، واصِلة ما بينَ الآرض والسماء .
وفجأة فاضت عيناهُ بالدموع . رفع كفّيْهِ هاتفاً من أعماقهِ ، وقد تَهدّجَ صوته بالدعاء :
__ يارب . قالها بحُرقةٍ ورجاء ، كأنهُ يودِعُ حروفها ، كل ما كان يعتملُ في صدره ، من حيرةٍ وهموم ..ثم صمت طويلا ….كأنهُ احْتارَ بماذا يدعو ربهُ ، أو كأنهُ خَجِلَ بِأثرٍ رجعيٍّ من وجه الله .. وقد عاودتهُ ذكرى إحساسهِ الدينيّ المعْطوب ….أيام كان لا يعرف عنه إلا أن الله غفورٌ رحيم …….!
مسح وجههُ بكفّيهِ..وطوى جراحهُ ثم فردَ جذْعهُ ، مُعتمِداً على ركبتيهِ المغروستين ، في وبر السجاد ،ونهض واقفاً ،وسار بِضْع خطواتٍ بإتجاه بوابة الآقصى ، ثم وقف بها …. متأمِلاً هذه الحجارة المضادةِ للزمن ، وتلك المنارة المُهَدّدة بالزوال ، وقد باتت تتقاذفها أطماع الشياطين ، ويحيق بها المَكْرُ السيئ وأسراب الغربان .
سار مُصدَّع الرأسِ ، مُثْقل الجفون ، وقد رسب في أعماقه حزن كبير، لما آلت اليهِ الآوضاع ، في أرجاء الوطن ، وفي النفوس التي باتت يمزقها التشرذمُ والآنقسام ، ولم يعُدْ بالإمكان تداركها إلا عَبْر معجزةٍ سماويةٍ ، إن كان ثمّةً مكان للمعجزات في هذا الزمان .!
كان يسير في الممر الطويل المحاذي ، لسورالحرم الشرقي ، ومقام سيدنا سليمان ، والمُؤدي إلى بوابة الحرم الخارجية ، وإلى باب الآسباط ، وقد هَفَتْ على قلبه أطيافٌ وذكريات …!
ذكريات هذا الشباب ، الذي مرّ على عجَلٍ ، دون أن يترك ذكرى مضيئة أو أثَرْ ، كأنما العمْر قد سيقَ ، من الطفولة إلى الكهولة ، مروراً بهذا الشباب الذي كانت سنينه تنضحُ بالعذاب ، وقد تَوَزّعتْ لَحْمَهُ الزّنازين ، وأقبيةُ التحقيق المُدجَّجةِ ، بكل ما من شأنِه ، أن يسحقَ الروحَ ، ويمتصّ من العروق نسغَ الحياة .
وها هو بعد عقدين من الزمن ، يخرج من بين أنياب الجحيم بِهُبوطٍ في القلب ، وارتفاعٍ في السكر والضغط ، وإنزلاقٍ خطير في فقرات الظّهر والعُمر ، وقد رسخ في عمق يقينهِ ، أن الطُّرُق المُسيّجة بالورودِ ، ليست طرق التحرر على أيّة حال !
أيقظهُ من أفكارهِ بوق سيارة ، كادت أن تدهمهُ ، لولا تلك الفرملةِ السريعة ، التي قام بها سائقها ، قاذفًاً في وجهه بعض الكلمات .
تنحّى يميناً . من بعد خرج من باب الآسباط ، ثم انعطف إلى يمين ذلك الشارع المُنحدر إلى الشارع العام ؛ ليستقلّ الحافلة المتوجهة الى المحطه المركزية ، قرب باب العامود ، وهناك ألقى بنفسه على أقرب مقعدٍ ، خلف سائق الحافلة المُتوجّهة إلى رام الله ؛ كي يُلبّي دعوة صديقٍ قديم ، كان قد أصرّ على دعوته ، مع مجموعةٍ ممن تبقى من أصدقاء الدراسة ؛ لإحتفال يليق بالافراج ، عن صداقة يربو عمرُها على عشرين عام .
كانت الحافلة تسير مسرعةً ، فوق الشوارع الرمادية، وقد أخذ ستارُ الليل بالإنتشار .
لكن هناك على رؤوس التلال ، كانت تتلآلآُ أضواء المستوطنات ، مُبْهِرةً ، صارخةً ، تُعمي العيون والآبصار.
تقلّصتْ قسمات وجههِ ، وتنهّدَ بعمقٍ ، ثم صرّ بأسنانهِ ؛ كاتِماً غيظهُ . سحبَ عينيهِ من الليل ، وقد إكفهرّ وجههُ ثم أسندً رأسهُ إلى ظهر المقعدِ ، وأغمضَ عينيه حتى لا يرى المزيد ؛ فقد كان مشهدُ القرى العربية ، في تلك المنطقة ببيوتها البائسة المتناثرة ، تبدوكمناطق عشوائية ، مُلْحقةٍ بالمستوطناتِ المترامية الآطراف ،كأُخطبوطٍ هائلٍ ، جثم على رؤوس التلالِ ، باسطاُ أذرعَهُ الطويلة ، على السفوحِ من مُخْتَلَفِ الجهات .
أحسّ بِغصّةٍ تتجمعُ في حلْقهِ ، حين مرّت الحافلةُ في شوارع بلدة شُعفاط ، وقد لاح له بيتٌ صغير ، خلف العمائر على بعد عشرات الأمتار ، وقد كَستْهُ عتمةٌ رمادية ، وتسلَّلَ من نوافذه ظلام الغياب ، أرسل نحوهُ نظرة طويلة ، لم يسترِدّها إلا دامعة .
هنا كان يعيش ، في ظل عائلة ، هو فيها ثاني ثلاثة أشقاء ، وأوسطهم ، وأقربهم من أبيه ، في المظهرِ والجوهر، ذلك الآب المُكافح ، الذي صعقهُ إستشهادُ نجلِه الأكبر ، مع اندلاع انتفاضة الآقصى ، قبل سنوات ، فقضى ، بينما كان ابنهُ الآوسط ، يقضي حُكماً مفتوحاً على المزيد من السنين ، إضافةً إلى عشرين عام .
وهذا شقيقهُ الآصغر ، قداستقبلهُ بعد تلك السنين بِحِياديّةٍ غريبة ، لا تنمُّ عن فُتورٍ أو حماس ، فكيف استطاع هذا الشباب الغَضّ ، أن يُدرَب النفسَ على هذا الإنطواءِ والإنزواء ، وقدأطلق لِحيتهُ ، وتقشفَ في معيشتهِ ، بعد أن وقفَ على أقربِ مِنبرٍ ، يقذف المجتمعَ بالكفرِ والفُسوق، مُكتفياً بِإستِنْزالِ اللعناتِ ، على من أنزلَ بشعبهِ النكبات!
غادَرَ الحافلة وسطَ رام الله ، ثم راح يخوض الليلَ والأضواء ، مُتلفِتاً حولهُ ، مذهولاً من كميّة العمائر الجديدةِ ، وهذا التغيير الذي شمل الوجوه والشوارع ،والمحال التجارية ، التي استبدلَتْ وجوهاً بوجوه ، وأسماءً بِأسماء .
ها هي رام الله ، نسمة الصيف الرقيقة ، وأماسيهِا الجميلة، وهذا شارع الإذاعة القديمة ، والمؤدي الى منطقة الإرسال ، ما زال يتوسطُ ذاكرتَهُ ، بأشجارهِ الوارفةِ الظلال ، وبناياته العتيقة ، التي لم يتبق منها الا القليل ، بعد أن بعثرتها يدُ التجديد ، وطالتها سطوة العمران !
تنهَّدَ هاتفاً في سرِّه : آهِ يا شارع الآحلام ، غادَرْتُكَ والعمرُ ربيعاً ، تضُجُّ دماؤهُ بالعنفوان ، وها أنا أعود إليكَ خريفاً متعثرُ الخطى ، صفر اليدينِ ، حتى من الأحلام !
وعلى رصيفِ فندق قصر الحمراء ، الكامن في نهاية الشارع ، كان صديقه في انتظاره ، صعدَ الى السيارةِ التي انطلقتْ بهما ؛ ليصلا بعد دقائق ، الى ذلك البيتِ المستقلِ الانيق ، وسط حديقة تموج بالورود والاشجار ، وقد انسكبت فوقه الآضواءُ وأنوارالكشافات ؛ لتُضفي عليه المزيد من التألقِ والجمال .
وسط جوّ ربيعيّ لطيف ، كان بعض المدعوين ، قد تناثروا هنا وهناك ، يتجاذبون أطراف القلقِ ، والحديث حول أخر أخبار الآزمات السياسية والاقتصاديةِ ، وتَذّبْذُبِ أسعار الدولارِ والدينار .
جلسَ الى مائدةٍ قربية ، وهو يحدّثُ نفسهُ ، كأنه يبرِّرُ لعينيهِ ما تراه ، من ثراء باذخ ، يطِلّ برأسِهِ من أبواب ونوافذ البيت ، الذي أقيم حسب أحدث خطوط الهندسة المعاصرة ، بكل ما تحمل من صرعاتٍ مُبهرةٍ وخطوطٍ وألوان :
(ما أسهلَ حياة أولئك ، الذين ورثوا أفكارَهم ومبادئهم وقناعاتِهم ، مع الآموال والعقارات ، التي آلت إليهم عن الآباء والآجداد ! فأراحوا واستراحوا، كهذا الصديق ،الذي عرفهُ أيام الدراسة الجامعية ، شابا مُرفّهاً ، أرستقراطيّ المنبت ، مخلصاً كريم الآخلاق ….و…الى جانب نظرةٍ سطحية للحياة ، كان فرديّا التّوجّه والاهتمامات ، قد حصر نفسهُ في دائرة ضيقة ، محيطها دراسته ، وحياته العائلية ، في ذلك الوسط المخمليّ ، كَإبنٍ وحيدٍ لِأبوينِ ميسورين ، أنفقا ثروةً لا يُستهانُ بها ، في عيادات الآطباء وغرف العمليات ؛ لكي يُرْزقا بهِ بعدَ صبرٍ وطول مُعاناه ؛ وليُصبحَ بالتالي كنْزَهُما الثمين ، وحُلمهما المشتَرَك ، الذي تجسّدَ بشراً سوِيا ،مما انعكس عليه مزيد من الحرص ، والتقوقع والتّفرُّد في عالمهِ الخاص ، وَرَغْمَ إدراكه لما يدور حولهُ ، من سطوةِ الآحتلال الجاثم فوق الصدور ، بكل ما يحمل من شرور ، إلا أن هذا الإدراك ، لم يَرقَ يوما ؛ ليكون دافعاً أو حافزاً له ، للانخراطِ في المقاومة ، أوإقحام نفسه في تحديات التصديَ ، بأي شكلٍ من الآشكال ….، فقد كان إحساسه الوطني عائماً مهزوزاً ، لا تستطيع أن تُصنِّفهُ ، تحت أيّ بند من البنود ….! إلاّ أنهُ والحقّ يُقال ، كان نظيفاً ،نقياُ من أيّ شائبةٍ أو انحراف.
كانا صديقين ، رغم تلك الإختلافات ، التي لم تصل يوماً ، حدّ االتنافر أو الاستفزاز ، ولم يَجِدْ ذلك الخيط القاتم ، الذي كان ينسحبُ ببطء ، على صداقتهما ، مجالاً للانتشار أو الإستشراء ؛ فقدَ سدّتْ عليهِ السُبُل ، حمْلةُ الاعتقالات ، التي طالته مع العشرات ، من زملاء النضال ، ألذين كانوا يَقُضّون مضاجع الإحتلال ، لِتُلقي به بين أنياب العذاب في غياهب المُعتقَلات ، ولتتساقط حجراً فحجراً جدران احلامِهِ ، ولتخْبوا شيئاً فشيئا، امانيه الكبار ، لتغدوا شجناً هادئاً ، ينام في ثنايا القلبِ ، تستدعيهِ في بعض الآحايين ، ذكرى موحِيةٌ أو موالٌ حزين ، يتردَّدُ صداهُ بين جدران الزنازينِ ، وقد أطلَقَهُ الحنينُ ، من مَكامِنِ الجرحِ في حبّةِ الفؤاد.
وعلى صوت فيروز ، عاد بفِكْرِهِ الى المكان والى الزمان ، وقد انطلق هادئاً شجياَ ، يغمرُ بدفئهِ الآجواء. وراحَ في شدْوِهِ يدعو القلوبَ للإصغاء . هزّتهُ الكلمات ، وأشْجَتْ قلبَهُ الآلحان ، وشيئاً فشيئاً تسللتْ اليه الذكرى، وترنّحتْ في خاطرِهِ الذكريات ، فجاشَ صدرهُ بإنفعالٍ حميمٍ ، قاومَهُ لحظات ، ثم استسلم لهُ مُبتسماً ، كأنهُ يفتحُ في خيالِهِ نافذةً على أُفُقِ الإنشراح .
مُستَذْكراً ذلك الصباح البعيدِ رَأها تدخُلُ المُدرج الجامعيّ ، فتاةٌ ريفيةٌ بسيطة المظهر ، بوجه مشرق رقيق ، يَخْلو من أي زينة او مساحيق ، كوجوه الآطفال ، وعيونٍ كَلَوْزِ نيسان ، وشعْرٍ كَليْلٍ معجونٍ بالحنّاء ، ممشوقةً كشجرة حور. كان الجمال قد قال كلمتهُ فيها فأبدع ، وختمها بتلك الشامة السوداء على خدّها، كأخِرِ نقطةٍ في ذلك الموّال الريفيّ الجميل . دعاها للجلوس بقربِه ، مُفْسِحاً لها مكانيْنِ ، أحدهما في قلبِهِ . وتبادلا نظراتٍ تُغْني عن قول الكثير ، ثم كان صمت طويل .وللصمتِ سحرٌ لا يضاهيهِ فيه اي كلام ، وأحاسيٌس لا تقبض عليها الكلمات ، لا تُقال ولا تُسمَع ، ولكن تُحَسّ بالأعماق .
وبهدوءٍ ورويّةٍ نما بينهما ، مع الآيام غرامٌ مَكين ، وبِالحاسّةِ السادسة ادركتْ شعورهُ نحوها ، وببقيةِ الحواس حاول هو أن يُخفي هذا الشعور ، قانعاً بدفء تلك الشمس ، التي أشرقت في جُنْحِ ليْلِهِ الزمهريريّ الطويل ، ودون أن يترك لها مجالاً ؛ لتعرفَ شيئاً عن تلك المعركة ، التي بدأت تدور في أعماقِهِ ، مذ وقعت عليها عيناه ، فلم يكن يريد ان يُشْركها في مخاوفهِ ، من غدٍ مجهول ، قد لا تجدْهُ فيه ، أو في حلمٍ بات يراودهُ ببيتٍ صغيرٍ ، وتعريشة ياسمين ، وعصفورين .وهنا إقتحمتهُ الذكرى حادّةً كَالسكين ، وتمطّىّ في عروقِهِ الحنين ، ثم أفاق ، ولم يَعُدْ يدري ، ما الذي أشجى مشاعرهُ الحبيسةَ ، في هدْأةِ هذا الليلِ المُتأهّبِ لإستقبال حُلُمِهِ المستحيل ؟ وبدأ يشعرُ أن خطواتهما ، ما زالت تدُبُّ في أروقةِ الجامعة هناك ، وأن ذكرياتِهِ ما زالت تتمشّى ، بين أشجارِ اللوز والزيتون ، على ذلك المُنْحَدَر المُعْشوشِب الآخضر .
تساءل في نفسهِ ، كأنهُ يحاورُ قلبه الموجوع :
ترى أين هي الآن ؟ وماذا فعلت بها الآيام ؟
كان مُستغرقاً في تساؤلاته الحائرة ، حين بدأت الحركة ، تدُبّ في الموائد والمقاعد ؛ استعداداً لتقديم الطعام . إانفصل عن مقعدهِ بشيء من الجُهد ، مُستشْعِراً في مفا صلهِ بعض ألآلام ؛ لكي ينضمّ الى بقيةالمدعوين .
فجأةً وبلا مقدّمات ، رأها . نعم راها . ها هي أمامهُ ، هناك على بُعْدِ خطوات .
لم يُصدّق عينيه للوهلة الاولى ، واحتار : أحقيقةٌ ما يرى ، أم هذا طيفها تسرَّب إليه ، عبر الخيال والتهيؤات ؟
أحسّ بقلبهِ يتجنَّح ، ثم يطير ، وبأن معجزةً سماويّة ، دبّت في مفاصلِهِ ، تحفزُها كي تبلغ أبعدَ الآبعاد.
من أين أشرق عليه هذا الفجر الجميل ، كومضات حلمٍ مُتْعَبٍ ، توارى في غياهب الظنون ؟
توَزّعّتْهُ صنوف شتىّ من الصدمة ، والحيرةِ ، والاضطراب ، وهو يراها تقترب بثوبٍ فلسطينيّ ، تسلّقتهُ العصافير والآزهار ، كشلالاتِ ربيعٍ ، تدفّقتْ حول هذا الكيان البديع .
اقترَبَت من المائدة التي كان يجلس اليها ، ثم مرّت بجانبها مسرعةً ، دون أن تراه . وهبَّ الهواء مُفعَماً ، بعطر الياسمينِ الجاثمِ ، فوق سور الحديقة . فعبقت رائحتها ، وتسرّبت الى أعماقهِ ، باعِثةً كل مخبوؤ الأشواقِ، ليُشعلَ النارَ في رمادِ الذكريات .
وقف ذاهلاً عمّا حوله ، متسائلاً في سِرِّهِ : (هل كان حقاً جديرا بهذا الحلم الجميل ؟) .
بينما كان صديقه يستحثُّهُ من بعيد قائلا:
: هيا يا عزيزي .. الكل هنا بالانتظار .
قالها ، ثم أومأ( للحلُمِ الجميل )، ان ينضمّ اليه ، للترحيب بالضيف العزيز .
أقبلت مُسْرعة ؛ ليبقى تساؤلهُ مُعلّقاً في الهواء .
ثَبتَّتتْ نظراتِها عليه برهة ، ثم شهقتْ بِإِسمِهِ في لَهْوجَةٍ وارتباك . وتنبهت حواسها كلها ، وتصاعدت الدماء دفعة واحدةً الى وجهها ، كأنما ضلّتْ الطريق الى قلبٍ ، تعثّرت دقاته في صعودٍ وهبوط . كانت تعلم مُسْبقاً بهذا اللقاء ، ولم يكُن يداخلها شك ، فيما سيعتريها من دهشةٍ وارتباك ، ولكن هالها ما رأتهُ ، من تبدلٍ في ملامحهِ ، ونحولٍ في جسمه ، وتقوّسٍ في ظهرِهِ ، وهذا الوجه الشاحب والعينين الغائرتين . لقد تهدّل كل مافيه ، حتى نظراته ، تهدّلت ، وخبا فيها ذلك البريق الآخّاذ .
ومن بعيد لاحت لها صورته القديمة ، فتِيّاً ، وسيماً مشدود القامةِ، مفتول العضلات .
رفع عينيهِ الغائمتين ، ونظر اليها ، كأنه يرى من خلال ضبابٍ كثيف ، حملق في وجهها ، ولبث لحظةً صامتاً جامداً ، لا يتكلم ولا يتحرك ، ولا يطرف له جفن ، ولسان حالِهِ يقول :
(أه .. يا مَوّالَ عمري الحزين ، كم رَدَّدَتْ صَداكَ جدران الزنازين ) .
وأحسّ بقلبِهِ يغوص بين ضلوعه ، وهو يسمعُ صديقهُ ، وقد أحاطَ كتفَها بِذراعِهِ ، يقول :
: زوجتي علياء . هل تذكرها ؟ زميلتنا في الجامعة .سقطَ على مقعدهِ دفعةً واحدة ، كأنهُ أصيبَ بِرصاصةٍ مفاجِئة ، لكنهُ ما لبث أن تحاملُ على نفسِهِ ، ونهض من جديد ، مُتَعَلّلاً بِدُوارٍ مفاجئ خفيف .
سار بينهما إلى مائدةالطعام ساهماً ، كأنّهُ يُشيِّعُ أحلامَ قلْبِهِ الكسير .
حول المائدة تفتّحت له الآذرع والعيون . وُجوهٌ لا يعرفها ، تقابلهُ بالودِّ والاحترام ، ووجوهٌ كاد ينساها ، تعودُ إليهِ طافِحَةً بالشوقِ والحنين .
وتضاربتْ مشاعرهُ ، اختلط في نفْسِه : الحُزن ، باليأسِ ، بالإعتزازِ ، بالعنفوان .
لم ينسُ أحد قصة حبهِ للوطن ؛ ذلك الحب الذي تصغرُ أمامه الكلمات ، والمُنغَرِس في الآرض ، كحبات المطر ، مُتَحَدّياً ألغام الحقدِ والدّمار، ولكن ... ماذا بإمكانهم أن يفعلوا ؛ لآِضاءةِ واقعِهِ المُعْتِم ، أو لملمةِ شظايا حُلُمِهِ المكسور ؟
لبث صامتاً ، كأنّ بداخِلِهِ حريقٌ ، يخشى إن هو تكلّمَ ، أن يتصاعدَ دُخانهُ بين الكلمات ، كأنهُ بصمتِهِ ، يحاول ان يكْتُمَ هذا الدخانَ ، حتى لا يؤذي أنفاس الآخرين .
جوٌّ من الآُلْفَةِ ساد بين الحضور . واستفاضَ الحديث في القضايا الآنيّةِ ، والمستقبليَّةِ ومُختَلَفِ التجاذبات ، والصّراعات التي تتصدّر الساحة المحلية والعالميّة ، هذه الآيام ، شاركَ في بعضها ، وسكت عن المشاركة في بعض الآحيان لكنّهُ تساءل فجأةً ، كأنّهُ يفكرُ بصوتٍ مسموع : أحقاً سيأتي ذلك اليوم ، الذي ننبُذ فيه هذه الفُرْقةِ والإنقسام ، وننزل عن تلك الآشجار ، التي اعتليْناها في ساعات الخصام والهوان ؛ لكي تُبحرُ سفينتنا ، بكافَّةِ أشرِعتها ، الى بر الحرية والآمان ؟
بصوتٍ خافت يهمس الصديق في أذنِهِ : لا تُعذِّب نفسكِ كثيراً ، يكفيكَ ما قاسيته ، من تعذيب وآلام ….إنتبه لنفسِكَ ولصحتِكَ الآن .
لكي تستطيع أن تتدارك ما فاتك ، وتتَدبّر أمور حياتك ( حاول أن تنظر الى نصف الكأس المَليء) .
إبتَسَمَ بمرارةٍ ، دون أيّ تعليق ، وقال في نفسهِ:( : ليتهُ يدري أنهُ ، مِنْ حيْثُ لا يدري ، قد أضاف أداةً جديدةً الى هذا التعذيب ، ومزيداً من المرارةِ ، الى هذا النّصفِ الطافحِ بالأحزان).
حانتْ منهُ إلتفاتةٌ نَحْوَها ، وهو يَهِمُ بمُغادرة المكان ، فَتَلاقتْ نظراتهُما ..خَطْفا ، فَأيْقَنَ أنَّ المَخْطوفَ هوعُمْرَهُ ،مُذْ كان ذلك الصباحُ البعيد ، حتى الآن …!!
تعليق