نهر الموت ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    نهر الموت ..

    " هاهنا في هذه الغابة هيّا بنا لنبنيَ محرقةً للموتى
    من البتلات البيضاء الساقطة التي قد أينعت واحْمرَّ لونها،
    هاهنا هيّا بنا لنحرقها في مشاعل نار الظهيرة اللاهبة. "
    ساروجيني نايدو ، شاعرة هندية

    الحشائش الطويلة لا تغطي إلا سيقانهم ، والأرض الملتوية لا تمنعهم من الوقوف متصلبين كأنهم مزروعون في المكان ، الضخامة وحدها لا تعطي الأجساد قدرة على اتخاذ القرار ، يا لهم من أغبياء ..
    أنا من يقرر ، من يحدد الوسيلة وطريقة التنفيذ ، تبدأ الحكاية معي وتنتهي إن أردت لها ذلك ..
    أنظر إلى العيون المتحفزة ، والأيادي المتصلبة وقد استحالت أصابعها مخالبَ ، برزت بغتةً وكأنما تزداد طولاً كلما تحدثت أكثر ..
    سيطرتي تبدو واضحة عليهم ، كلمتي لا ترد ، ونظرتي وحدها تجلدهم إن أردت ، أحدهم يتململ ، يقول فجأة :
    - لكن .. أليسوا أخوة لنا .
    لم يكد يتم كلمته ، حتى وجدني أمامه ، أرفع يدي بمنتهى القوة ، فتطير رأسه بعيداً عن جسده ، والدماء الحمراء القانية تلوث أرض الغابة لتنعش رائحتها كل مخلوقٍ في المكان ..
    أشير إلى جثته التي تساقطت أرضاً :
    - هذا جزاء العصاة
    من يرفع سلاحه في وجهنا ليس أخاً ولن يكون .. هل فهمتم ؟
    أشاروا برؤوسهم جميعاً في صمت ، لم تبدده إلا صرخات الحماس من بعض المتحمسين ، ثم بإشارة من يدي ، انطلقوا إلى هدفهم ، خلف الأشجار العالية ، يبحثون دون كللٍ أو ملل ..
    أسمعهم يتهامسون ، أحدهم وقد تلفت حوله يساراً ثم يميناً :
    - أخوتنا لم يخطئوا ، أليس منطقياً أن يسألوا عن أحقيته في الحكم ، وعن رغبتهم في منازعته سلطانه ، ألم تنجب الغابة أقوى منه أو أفضل ؟
    ويقول زميله :
    - لعلنا نموت من بعده ، فهو محور الكون كله .
    يصمتان ، وأسمع صوت أرواحهم وهي تتمطى استعداداً لمغادرة الأجساد الهشة ، أرسل خلفهم من يبحث عنهم ، ليقتلهم ، يطاردهم وصولاً إلى النهر ، حيث يلقي الشاطئ الوليد بجثث الآلاف ممن يشبهونهم ، ممن سمحوا لأنفسهم بثقافة التفكير ، والاختلاف ..
    سمعت الموج يغني ويردد قصائد اليوت ، " العقرب يصارع الشمس حتى تهبط الشمس والقمر ، وتبكي النيازك ويطير الأسد صائداً السماء والسهول " ، أعجبني ما سمعت ، أشدت بهذا الموج ، وأمرت بأن يكافأ ..

    على شاطئ النهر وجدت زرافة تائهة رفعت عنقها فوق مستواي ، صرخت بالجنود : اقتلوها
    ففعلوا ، فلم أشعر بنار تبرد في صدري ، فأمرت أحدهم أن ينهق عالياً ليأتي بكل رفاقه ففعل ، فأمرتهم أن يغتصبوها ، رد قائلاً من فوقها : وهل تتناسل الجثث ؟
    قتلته ، وأمرت موجي بابتلاعه ، فقال قبل أن يموت :
    - وهل هناك موجٌ في مياه النهر ؟
    ثم مات ..
    أصرخ بها :
    - احبلي ..
    وأنا أداعب العنق الطويل وأقطعه ..
    أودعتها بوابة الحمقى ، جمعت جثث الحمقى ، وأمرت بإحراقها ، شممت رائحة الشواء فانتشيت ، تلفت حولي ، فلم أجد أحدا ، مضيت إلى حيث اختفى الموج وكأنما سمع كلام الأحمق قبل أن يموت ..
    نظرت إليه فلم يرجع إلي كما عودني ، ولم يردد على مسامعي قصائد اليوت ، ولم تنعكس صورتي على سطحه الصافي ,
    اقتربت كثيراً حتى لامست رأسي مياهه فأجفلت ، لم أر صورتي ترافق الشمس وهي تنعكس عليه ،
    صرخت فيه قائلاً :
    - ألا ترى أسدا ، أنسيتني ؟
    فرد النهر مبتسما :
    - بل لا أرى أحدا
    واحمر لونه فلم تعد الشمس تبدو ، ولا السماء ..
    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    نص قوي
    ومعالجة أقل مايقال عنها بارعة !

    لي عودة

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • دينا نبيل
      أديبة وناقدة
      • 03-07-2011
      • 732

      #3
      أ / أحمد عيسى القدير ..


      اسمح لي سيدي الجليل هنا أن أصفق لك .. سأصفق لك طويلا !

      نص جديد مكثّف رائع الصياغة والحبكة والبناء والمعالجة ..
      تناص جميل بدأت منه القصة لتدخل بنا من خلال عناصر ( الغابة - البتلات البيضاء - الشمس الحمراء ) .. ذكّرني هذا التناص خاصة من الشاعرة الهندية الشهيرة بكليلة ودمنة لبيدبا الهندي أيضاً .. وكأنما صارت الحكمة تلقى من أفواه الحيوانات ، ولكن جاءت هنا حكمة من طراز آخر !

      كم هو حقير هذا الأسد ! ..

      لم ينصب نفسه ملكا للغابة فحسب وإنما صيّر نفسه ملكا للأرواح والأبدان .. وكأنما صار هو الإله يأمر ويطاع مهما طغا وبغى ، يأمر النهر وكأنه يسير موجه هنا وهناك يكافئ هذا ويعاقب ذاك! .. هو من يبدأ الحكاية وهو من ينهيها ، ذكّرني بالنمرود حينما يجادل في إحياء وإماتة البشر بكلمة منه !

      تجده يفعل أشنع الأفعال وأول من يضحي بهم هم معاونوه ! .. ليرى نفسه في النهاية وحيداً ، حتى غدا ملكاً على اللاشيء ، بل وصار الكون منه يتنكر وينقلب عليه ..

      أ تعرف ما الجديد في نصك أ / أحمد غير ما ذكرت ؟! .. إنه استخدامك الرواية على لسان ( الأسد ) فتكون وجهة نظر السرد من خلاله ، وهذا عسير في الصياغة خاصة إن كانت لك وجهة نظر معينة تريد طرحها غير التي يراها ويريدها ( الأسد ) ؟! ..

      لكن أرى أنك أجدت هذا بمهارة .. فقد استطعت أن تظهر جانبا نفسيا في شخصيته ، ذلك الضعيف ذو الخواء النفسي والعاطفي ولا يستغل سوى زئيره العالي ليغلب ويرعد به من حوله !

      تناص رائع أ / أحمد ورمزية ممتازة ..

      تقديري ليراعك المعطاء

      تحياتي

      تعليق

      • خديجة بن عادل
        أديب وكاتب
        • 17-04-2011
        • 2899

        #4
        قصة قوية وعميقة جدا
        الأسود الشبقية لرائحة الدم من أين لها أن تشم الطيب
        لا أظن !! العاكس والمعكوس الا خبث الأنفاس تتطاير في الهواء عسى أن يترنحوا أكثر
        ليتذوقوا نصر عصيانهم وجبروتهم وما الموت الآ موت بقدر وشرف من أجل بعث جديد .
        الأستاذ الفاضل : أحمد عيسى
        استمتعت بطريقة القص الجميلة رغم نزيف الحدث
        تحية بك تليق واحترامي .
        http://douja74.blogspot.com


        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          قوية هذه القصة ...
          طريقة المعالجة ذكية فعلا...
          اعجبني جدا توظيفك للنهر و الموج و الزرافة .
          أحيّيك .

          تقديري.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • أحمد عيسى
            أديب وكاتب
            • 30-05-2008
            • 1359

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
            نص قوي
            ومعالجة أقل مايقال عنها بارعة !

            لي عودة

            محبتي
            أستاذي الرائع : ربيع

            الأروع مرورك الأنيق على النص
            سعدت بك والله
            كانت محاولة ، وأتمنى أن أكون قد اقتربت من النجاح بها

            أنتظر عودتك بكل الشوق

            شكراً على التثبيت
            ومودتي كلها
            ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
            [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              الأعمال المدهشة تفرض نفسها
              و لا تحتاج منا إلي تدشين
              لأنها نطقت بما تحمل .. و في قوة
              رحل بي نصك أحمد إلي رواية العملاق الكولومبي ( جابو)
              خريف البطريرق
              و كيف أنك حين تقرأ ترى كل طغاة العالم و بكل ألوان قسوتهم و ملامحهم
              حتى العرب منهم !
              كنت هنا مدهشا
              و تحتاج القصة إلي تحليل لرؤية أسباب نجاحها !!

              محبتي
              sigpic

              تعليق

              • سلمى مصطفى
                أشقّ الطّريق
                • 28-11-2011
                • 78

                #8


                السلام عليكم ورحمة الله

                الاستاذ الفاضل أحمد عيسى
                حقيقة نصّ رائع ربّما ما زلت بحاجة لقراءته أكثر..
                - لم تك قاس جدّا لذا تطاولت بالردّ !
                استوقفتني بعض المقاطع غير مواضع قتل الروح الانسانية والاستبداد.
                سمعت الموج يغني ويردد قصائد اليوت ، " العقرب يصارع الشمس حتى تهبط الشمس والقمر ، وتبكي النيازك ويطير الأسد صائداً السماء والسهول " ، أعجبني ما سمعت ، أشدت بهذا الموج ، وأمرت بأن يكافأ ..

                الموج هل هو أسلوب تفكير يرى الوطن رقعة لا يجب أن تندسّ فيه يد مخاتل ومخادع بين الجحور !؟

                قتلته ، وأمرت موجي بابتلاعه ، فقال قبل أن يموت :
                - وهل هناك موجٌ في مياه النهر ؟
                ثم مات ..


                هنا معضلة أخرى
                هل هي محاولة لايقاض حالة من الحسّ الانساني
                فماذا يكون في النهر إن لم يكن موجا ركود دماء ..

                ألا ترى أسدا ، أنسيتني ؟
                فرد النهر مبتسما :
                - بل لا أرى أحدا
                واحمر لونه فلم تعد الشمس تبدو ، ولا السماء ..


                أن يردّ النهر لا أرى أحدا فهو نهاية الخوف
                ليصبح كلّ ما اعتقده تابع منقلبا رأسا على عقب على أسده
                وأن لا تبدو الشمس ولا السماء هل هذا يعني أنّها الدهماء الفوضى أم هي رؤيته هو (الأسد)؟
                عفوك سيّدي النّص أعمق منّي بكثير ..

                احترامي وتحيّاتي..


                التعديل الأخير تم بواسطة سلمى مصطفى; الساعة 16-03-2012, 15:21.

                تعليق

                • مالكة حبرشيد
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 28-03-2011
                  • 4544

                  #9
                  بعد انتهائي من قصتك الرائعة
                  والتي صورت الواقع بشكل جميل
                  رغم المرارة الرابضة بين الحروف
                  وجدتني استرجع كلماتي هاته =

                  تمثال تائه
                  يقود قطعان الدهشة
                  نحو يم المجهول
                  كل الحواس اللحظة
                  تفرد أجنحة الخوف
                  بعد انتهاء جولة النقع
                  في بيداء حلم
                  مأسور في بيت الخطيئة
                  رياح الأمس تهب
                  لهيبا ...موتا ...
                  الاحتراق شهيد
                  يغتسل في نهر الزغاريد
                  على وجه الصخر
                  ينقش ملامح إشراق
                  يردد أغنية انبعاث
                  على امتداد القيود
                  ينصب مقصلة
                  لشيخوخة الكوابيس

                  الجراح تتدفق في العروق
                  تستصرخ حبات الرمل
                  من البحر الى البحر
                  تستدرج الرؤى
                  في ليل الموت

                  ذبذبات تخترق صمت الضجيج
                  على النواصي فزاعات
                  تعزف موال الهزيمة
                  أشجار الظلم
                  توغل في الظلام
                  تعلق مصير أوراقها
                  على مشجب الريح

                  صرخة الوليد
                  تعصف بالصولجان
                  دم الصحوة يتسلق
                  شعاب القيود
                  يقطف الثمار
                  التي تدلت عناقيدها
                  على أرصفة الجوع

                  هذا فجر البدايات
                  السماء تمطر حبات نور
                  تروي طيور الرحمة
                  المحلقة في فضاء البركان
                  ينتصب الحق
                  في ساحة النار

                  شكرا استاذ احمد عيسى
                  موضوع قوي جدا يستحق وقفة طويلة
                  من اجل التامل واكثر من ذلك من اجل مناقشة
                  فسيحة تسلط الضوء على الغامض منه
                  نحتاج فعلا الى هكذا نصوص خصوصا في هذه الفترة الحرجة
                  التي يعيشها عالمنا العربي

                  تعليق

                  • شيماءعبدالله
                    أديب وكاتب
                    • 06-08-2010
                    • 7583

                    #10
                    هكذا ينظر بعض الحكام لشعوبهم نظرة استبداد وقسوة وغلاظة وكأنهم إله ؛
                    لبئس مايحكمون ..

                    القاص المبدع أستاذ أحمد عيسى
                    كان النص بمنتهى الروعة وارتباط الصور وتوظيفها يرقى بالق.ق على مستوى كبير
                    ولا يمكن لكلماتي المتواضعة تحقق لهذه القصة بإشادة أو قراءة تفي مستوى مامطلوب حق الإيفاء
                    لذا ينبغي الصمت في حضرة البهاء
                    قص مميز أحييك عليه من القلب
                    تحية كبيرة مع فائق التقدير

                    تعليق

                    • مها منصور
                      أديبة
                      • 30-10-2011
                      • 1212

                      #11
                      لا محالة صخب
                      وربما هو إعلان موسم التمرد
                      يصيبني الجنون أحياناً وأخالف رأي ا لأغلبية
                      ولكن أحياناً نُجبر على السير مع التيار
                      حين نقول لا في وجه الظالم يعني بأن الشمس ستشرق
                      وحين نخضع جبناً يموت القمر متوشحاًبالندم
                      بما حان الوقت لنحول الماء للوناً يشبه مواقيت البياض
                      نعم هناك ألف أسد ولكن ليس ملكاً للقلوب
                      بل صياد فرائس الجبروت وخنق الأرواح المُعلقة في الشهب
                      ترتجي من ينقذها ويجدد لها الحياة
                      و ما علينا إلا أن نرفع صوت القلم ونلقي تحية للنهر

                      جميلة جداً
                      أحب الأسلوب الذي يجبرك
                      على إعادة القراءة لتستمتع ولتخرج بحكمة
                      ولكن ليست حكمة مجنون هذه المرة ..
                      شكراً لك بعمق لنصك الرائع ...
                      تقديري ..

                      تعليق

                      • مصطفى الصالح
                        لمسة شفق
                        • 08-12-2009
                        • 6443

                        #12
                        رمزية متقنة

                        وأسلوب سلس منساب

                        تطويع الحروف لهكذا فكرة عميقة عمق الدكتاتورية والظلم في جسد الزمن يحتاج مهارة وأفقا واسعا حصدتهما بامتياز

                        لي ملاحظة بسيطة:

                        "أودعتها بوابة الحمقى ، جمعت جثث الحمقى ، وأمرت بإحراقها ، شممت رائحة الشواء فانتشيت ، تلفت حولي ، فلم أجد أحدا ، مضيت إلى حيث اختفى الموج وكأنما سمع كلام الأحمق قبل أن يموت ."

                        لعلك فهمت قصدي

                        نص يستحق في هذا الزمن الصعب
                        دمت مبدعا

                        تحيتي وتقديري
                        [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                        ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                        لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                        رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                        حديث الشمس
                        مصطفى الصالح[/align]

                        تعليق

                        • أحمد عيسى
                          أديب وكاتب
                          • 30-05-2008
                          • 1359

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة دينا نبيل مشاهدة المشاركة
                          أ / أحمد عيسى القدير ..


                          اسمح لي سيدي الجليل هنا أن أصفق لك .. سأصفق لك طويلا !

                          نص جديد مكثّف رائع الصياغة والحبكة والبناء والمعالجة ..
                          تناص جميل بدأت منه القصة لتدخل بنا من خلال عناصر ( الغابة - البتلات البيضاء - الشمس الحمراء ) .. ذكّرني هذا التناص خاصة من الشاعرة الهندية الشهيرة بكليلة ودمنة لبيدبا الهندي أيضاً .. وكأنما صارت الحكمة تلقى من أفواه الحيوانات ، ولكن جاءت هنا حكمة من طراز آخر !

                          كم هو حقير هذا الأسد ! ..

                          لم ينصب نفسه ملكا للغابة فحسب وإنما صيّر نفسه ملكا للأرواح والأبدان .. وكأنما صار هو الإله يأمر ويطاع مهما طغا وبغى ، يأمر النهر وكأنه يسير موجه هنا وهناك يكافئ هذا ويعاقب ذاك! .. هو من يبدأ الحكاية وهو من ينهيها ، ذكّرني بالنمرود حينما يجادل في إحياء وإماتة البشر بكلمة منه !

                          تجده يفعل أشنع الأفعال وأول من يضحي بهم هم معاونوه ! .. ليرى نفسه في النهاية وحيداً ، حتى غدا ملكاً على اللاشيء ، بل وصار الكون منه يتنكر وينقلب عليه ..

                          أ تعرف ما الجديد في نصك أ / أحمد غير ما ذكرت ؟! .. إنه استخدامك الرواية على لسان ( الأسد ) فتكون وجهة نظر السرد من خلاله ، وهذا عسير في الصياغة خاصة إن كانت لك وجهة نظر معينة تريد طرحها غير التي يراها ويريدها ( الأسد ) ؟! ..

                          لكن أرى أنك أجدت هذا بمهارة .. فقد استطعت أن تظهر جانبا نفسيا في شخصيته ، ذلك الضعيف ذو الخواء النفسي والعاطفي ولا يستغل سوى زئيره العالي ليغلب ويرعد به من حوله !

                          تناص رائع أ / أحمد ورمزية ممتازة ..

                          تقديري ليراعك المعطاء

                          تحياتي

                          الأديبة والناقدة البارعة : دينا نبيل

                          دائماً أنتظر مرورك ..
                          قراءاتك الواعية تزداد ألقاً كل يوم ، وهذا يعطيك من الوقت المزيد من القدرة والمعرفة لسبر أغوار أي نص مهما كان صعباً

                          لم أجد لهذا الأسد غير تلك الغابة ، في هكذا مفردات ، بيئة تناسب الحال تماماً ، حيث الفوضى تغمر كل شيء ، وحيث تصبر الاختيارات كلها صعبة ..
                          قسوة الواقع أحياناً تجبرنا على استخدام الرمز ، والهروب من الواقع الأليم ..


                          قراءتك واعية رائعة
                          شكراً لك

                          وتقديري الكبير لك
                          ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                          [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                          تعليق

                          • محمد سليم
                            سـ(كاتب)ـاخر
                            • 19-05-2007
                            • 2775

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة أحمد عيسى مشاهدة المشاركة
                            " هاهنا في هذه الغابة هيّا بنا لنبنيَ محرقةً للموتى
                            من البتلات البيضاء الساقطة التي قد أينعت واحْمرَّ لونها،
                            هاهنا هيّا بنا لنحرقها في مشاعل نار الظهيرة اللاهبة. "
                            ساروجيني نايدو ، شاعرة هندية
                            ------------------------
                            الحشائش الطويلة لا تغطي إلا سيقانهم ، والأرض الملتوية لا تمنعهم من الوقوف متصلبين كأنهم مزروعون في المكان ، الضخامة وحدها لا تعطي الأجساد قدرة على اتخاذ القرار ، يا لهم من أغبياء ..
                            أنا من يقرر ، من يحدد الوسيلة وطريقة التنفيذ ، تبدأ الحكاية معي وتنتهي إن أردت لها ذلك ..
                            أنظر إلى العيون المتحفزة ، والأيادي المتصلبة وقد استحالت أصابعها مخالبَ ، برزت بغتةً وكأنما تزداد طولاً كلما تحدثت أكثر ..
                            سيطرتي تبدو واضحة عليهم ، كلمتي لا ترد ، ونظرتي وحدها تجلدهم إن أردت ، أحدهم يتململ ، يقول فجأة :
                            - لكن .. أليسوا أخوة لنا .
                            لم يكد يتم كلمته ، حتى وجدني أمامه ، أرفع يدي بمنتهى القوة ، فتطير رأسه بعيداً عن جسده ، والدماء الحمراء القانية تلوث أرض الغابة لتنعش رائحتها كل مخلوقٍ في المكان ..
                            أشير إلى جثته التي تساقطت أرضاً :
                            - هذا جزاء العصاة
                            من يرفع سلاحه في وجهنا ليس أخاً ولن يكون .. هل فهمتم ؟
                            أشاروا برؤوسهم جميعاً في صمت ، لم تبدده إلا صرخات الحماس من بعض المتحمسين ، ثم بإشارة من يدي ، انطلقوا إلى هدفهم ، خلف الأشجار العالية ، يبحثون دون كللٍ أو ملل ..
                            أسمعهم يتهامسون ، أحدهم وقد تلفت حوله يساراً ثم يميناً :
                            - أخوتنا لم يخطئوا ، أليس منطقياً أن يسألوا عن أحقيته في الحكم ، وعن رغبتهم في منازعته سلطانه ، ألم تنجب الغابة أقوى منه أو أفضل ؟
                            ويقول زميله :
                            - لعلنا نموت من بعده ، فهو محور الكون كله .
                            يصمتان ، وأسمع صوت أرواحهم وهي تتمطى استعداداً لمغادرة الأجساد الهشة ، أرسل خلفهم من يبحث عنهم ، ليقتلهم ، يطاردهم وصولاً إلى النهر ، حيث يلقي الشاطئ الوليد بجثث الآلاف ممن يشبهونهم ، ممن سمحوا لأنفسهم بثقافة التفكير ، والاختلاف ..
                            سمعت الموج يغني ويردد قصائد اليوت ، " العقرب يصارع الشمس حتى تهبط الشمس والقمر ، وتبكي النيازك ويطير الأسد صائداً السماء والسهول " ، أعجبني ما سمعت ، أشدت بهذا الموج ، وأمرت بأن يكافأ ..

                            على شاطئ النهر وجدت زرافة تائهة رفعت عنقها فوق مستواي ، صرخت بالجنود : اقتلوها
                            ففعلوا ، فلم أشعر بنار تبرد في صدري ، فأمرت أحدهم أن ينهق عالياً ليأتي بكل رفاقه ففعل ، فأمرتهم أن يغتصبوها ، رد قائلاً من فوقها : وهل تتناسل الجثث ؟
                            قتلته ، وأمرت موجي بابتلاعه ، فقال قبل أن يموت :
                            - وهل هناك موجٌ في مياه النهر ؟
                            ثم مات ..
                            أصرخ بها :
                            - احبلي ..
                            وأنا أداعب العنق الطويل وأقطعه ..
                            أودعتها بوابة الحمقى ، جمعت جثث الحمقى ، وأمرت بإحراقها ، شممت رائحة الشواء فانتشيت ، تلفت حولي ، فلم أجد أحدا ، مضيت إلى حيث اختفى الموج وكأنما سمع كلام الأحمق قبل أن يموت ..
                            نظرت إليه فلم يرجع إلي كما عودني ، ولم يردد على مسامعي قصائد اليوت ، ولم تنعكس صورتي على سطحه الصافي ,
                            اقتربت كثيراً حتى لامست رأسي مياهه فأجفلت ، لم أر صورتي ترافق الشمس وهي تنعكس عليه ،
                            صرخت فيه قائلاً :
                            - ألا ترى أسدا ، أنسيتني ؟
                            فرد النهر مبتسما :
                            - بل لا أرى أحدا
                            واحمر لونه فلم تعد الشمس تبدو ، ولا السماء ..
                            ...معذرة أخى العزيز...كتبت أن قصتك سلمى أروع .
                            التعديل الأخير تم بواسطة محمد سليم; الساعة 16-03-2012, 22:50.
                            بسْ خلااااااااااااااااااااااااص ..

                            تعليق

                            • أحمد عيسى
                              أديب وكاتب
                              • 30-05-2008
                              • 1359

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة خديجة بن عادل مشاهدة المشاركة
                              قصة قوية وعميقة جدا
                              الأسود الشبقية لرائحة الدم من أين لها أن تشم الطيب
                              لا أظن !! العاكس والمعكوس الا خبث الأنفاس تتطاير في الهواء عسى أن يترنحوا أكثر
                              ليتذوقوا نصر عصيانهم وجبروتهم وما الموت الآ موت بقدر وشرف من أجل بعث جديد .
                              الأستاذ الفاضل : أحمد عيسى
                              استمتعت بطريقة القص الجميلة رغم نزيف الحدث
                              تحية بك تليق واحترامي .
                              الفاضلة : خديجة بن عادل

                              سعدت بك وبمرورك الراقي
                              وأتمنى لهذا الأسد أن يرى نفسه في مرآة حقيقية لا تمسك بها الصين وروسيا
                              ولا يمسك بها مؤيدون عميان !

                              أحييك
                              ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                              [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                              تعليق

                              يعمل...
                              X