" هاهنا في هذه الغابة هيّا بنا لنبنيَ محرقةً للموتى
من البتلات البيضاء الساقطة التي قد أينعت واحْمرَّ لونها،
هاهنا هيّا بنا لنحرقها في مشاعل نار الظهيرة اللاهبة. "
من البتلات البيضاء الساقطة التي قد أينعت واحْمرَّ لونها،
هاهنا هيّا بنا لنحرقها في مشاعل نار الظهيرة اللاهبة. "
ساروجيني نايدو ، شاعرة هندية
الحشائش الطويلة لا تغطي إلا سيقانهم ، والأرض الملتوية لا تمنعهم من الوقوف متصلبين كأنهم مزروعون في المكان ، الضخامة وحدها لا تعطي الأجساد قدرة على اتخاذ القرار ، يا لهم من أغبياء ..
أنا من يقرر ، من يحدد الوسيلة وطريقة التنفيذ ، تبدأ الحكاية معي وتنتهي إن أردت لها ذلك ..
أنظر إلى العيون المتحفزة ، والأيادي المتصلبة وقد استحالت أصابعها مخالبَ ، برزت بغتةً وكأنما تزداد طولاً كلما تحدثت أكثر ..
سيطرتي تبدو واضحة عليهم ، كلمتي لا ترد ، ونظرتي وحدها تجلدهم إن أردت ، أحدهم يتململ ، يقول فجأة :
- لكن .. أليسوا أخوة لنا .
لم يكد يتم كلمته ، حتى وجدني أمامه ، أرفع يدي بمنتهى القوة ، فتطير رأسه بعيداً عن جسده ، والدماء الحمراء القانية تلوث أرض الغابة لتنعش رائحتها كل مخلوقٍ في المكان ..
أشير إلى جثته التي تساقطت أرضاً :
- هذا جزاء العصاة
من يرفع سلاحه في وجهنا ليس أخاً ولن يكون .. هل فهمتم ؟
أشاروا برؤوسهم جميعاً في صمت ، لم تبدده إلا صرخات الحماس من بعض المتحمسين ، ثم بإشارة من يدي ، انطلقوا إلى هدفهم ، خلف الأشجار العالية ، يبحثون دون كللٍ أو ملل ..
أسمعهم يتهامسون ، أحدهم وقد تلفت حوله يساراً ثم يميناً :
- أخوتنا لم يخطئوا ، أليس منطقياً أن يسألوا عن أحقيته في الحكم ، وعن رغبتهم في منازعته سلطانه ، ألم تنجب الغابة أقوى منه أو أفضل ؟
ويقول زميله :
- لعلنا نموت من بعده ، فهو محور الكون كله .
يصمتان ، وأسمع صوت أرواحهم وهي تتمطى استعداداً لمغادرة الأجساد الهشة ، أرسل خلفهم من يبحث عنهم ، ليقتلهم ، يطاردهم وصولاً إلى النهر ، حيث يلقي الشاطئ الوليد بجثث الآلاف ممن يشبهونهم ، ممن سمحوا لأنفسهم بثقافة التفكير ، والاختلاف ..
سمعت الموج يغني ويردد قصائد اليوت ، " العقرب يصارع الشمس حتى تهبط الشمس والقمر ، وتبكي النيازك ويطير الأسد صائداً السماء والسهول " ، أعجبني ما سمعت ، أشدت بهذا الموج ، وأمرت بأن يكافأ ..
على شاطئ النهر وجدت زرافة تائهة رفعت عنقها فوق مستواي ، صرخت بالجنود : اقتلوها
ففعلوا ، فلم أشعر بنار تبرد في صدري ، فأمرت أحدهم أن ينهق عالياً ليأتي بكل رفاقه ففعل ، فأمرتهم أن يغتصبوها ، رد قائلاً من فوقها : وهل تتناسل الجثث ؟
قتلته ، وأمرت موجي بابتلاعه ، فقال قبل أن يموت :
- وهل هناك موجٌ في مياه النهر ؟
ثم مات ..
أصرخ بها :
- احبلي ..
وأنا أداعب العنق الطويل وأقطعه ..
أودعتها بوابة الحمقى ، جمعت جثث الحمقى ، وأمرت بإحراقها ، شممت رائحة الشواء فانتشيت ، تلفت حولي ، فلم أجد أحدا ، مضيت إلى حيث اختفى الموج وكأنما سمع كلام الأحمق قبل أن يموت ..
نظرت إليه فلم يرجع إلي كما عودني ، ولم يردد على مسامعي قصائد اليوت ، ولم تنعكس صورتي على سطحه الصافي ,
اقتربت كثيراً حتى لامست رأسي مياهه فأجفلت ، لم أر صورتي ترافق الشمس وهي تنعكس عليه ،
صرخت فيه قائلاً :
- ألا ترى أسدا ، أنسيتني ؟
فرد النهر مبتسما :
- بل لا أرى أحدا
واحمر لونه فلم تعد الشمس تبدو ، ولا السماء ..
تعليق