نصف تمثال من البرونز

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    نصف تمثال من البرونز

    تتشابك أحداث القرية ورتابة أيامها في عنادٍ ، ملتصقة ببعضها البعض وبمجريات أخرى كالنباتات المتسلقة ..
    فالنيل يطبق بضفتيه المتخمتين بالماء الداكن على أنفاس الجروف ..
    ثم يُخلي سبيلها في رتابة تموسقها الأمواج المتكسرة على الجانبين في لهوٍ مستمر .
    شمس المغيب تنشر لون الشفق الأحمر القاني على قمم الأشجار والنخيل في احتفالية صامتة، تكسر صمتها أصوات الطيور وهي تذعن إلى أوكارها.
    والجبال تلقي بظلالها من جهة الغرب .. فتزيد من الهدوء المخيم أوقات القيلولة وعند انبلاج الفجر.
    المعبد القديم يُلْقي مهابة ترقد في مخيلة كل من يمر بأعمدته الضخمة الراقدة على جانبي الطريق تحكي قصة قوم عمّروا الأرض ثم اندثروا تحت ثراها.
    عندما أتتْ ( عالمة الآثار ) الأجنبية بعربة ( اللاندروفر ) مُنْتَدَبَة من الحكومة .. تجمَّع الأهالي للفرجة على هذه السحنة القرمزية والعربة التي تحمل الخيام وأمتعة أخرى .
    بابتسامتها الودودة .. استطاعت أن تكسب وُد الجميع في فترة وجيزة .
    تعلمتْ عاداتهم المحلية ..
    وذاقت طعامهم ..
    ورقصتْ في أفراحهم ..
    وثقوا بها وأدخلوها بيوتهم في كل مناسباتهم.
    كانت تكلفهم بأعمال تنفحهم أحياناً عنها أجراً .. وأحياناً تكتفي بتوزيع ابتسامتها الودودة عليهم.
    حتى أنها عندما وجدتْ نصف تمثال مصنوع من البرونز مدفوناً بين تلال الرمال وسط المعبد القديم... أنطلق الكل للبحث عن نصف التمثال الآخر في كل أرجاء القرية بحماسٍ دافعه خدمة هذه الغريبة التي جاءت من ( آخر الدنيا ) بحثاً عن إرث الأجداد.
    نقّبوا كل شبر من المعبد ...
    عندما أنتابها اليأس، أعلنتْ عن جائزة قيمة لمن يجد نصف التمثال ..
    ( محمود ) أستاذ القرية ألحَّ عليها ليعرف أهمية التمثال ..
    قالت له : كما ترى فإن التمثال غير مكسور .. معنى ذلك بأن النصف المفقود قد تم نحته بطريقة لولبية ، أي يمكن فكُّه وتركيبه .. ونحن نعتقد بأن النصف المفقود به تجويف قد يحتوي على شفرة تحل لنا ألغازاً أثرية في غاية الأهمية.


    أطلق الأستاذ هذه المعلومة ، فازدادت شعلة نشاط أهل القرية وحماستهم.
    لكن دون طائل.
    بحثوا في عمق أطراف النيل ..
    وطال البحث تخوم الجبال .. والمنازل القديمة المتهدمة المهجورة والخرائب العتيقة.
    عندما تأكدتْ ( عالمة الآثار ) من فشلها في العثور على النصف الثاني .. قامت ببناء غرفة طينية صغيرة ووضعتْ فيه النصف الذي وجدته وأغلقتْ عليه باباً وأوكلتْ حراسته إلى شاب من القرية إلى حين عودتها مرة أخرى...
    فهي على ثقة بأن نصف التمثال لا يزال يقبع في مكان ما بالقرية.
    وغادرتْ القرية على أن تعود قريبا.
    في طرف القرية الجنوبي ...كان يقبع بيت ( مبروكة ) ..
    الأرملة ذات الثلاثين ربيعاً ..
    كانت تتمتع بجمال هادئ .. وعينين تفيضان بسحر غامض...
    قليلة الكلام .. يكسو محياها حزن يزيدها غموضاً ...
    فقدتْ زوجها الذي غرق بمركبه في خضم عاصفة شتوية عارمة..
    رفضتْ كل دعوات أهلها للرجوع إلى بيت الأسرة وكنفها .. وأسكنتْ معها شقيقها ( صابر ) الأبكم والأصم ..
    كان(صابر ) يحبها حبا جما، ويطيعها طاعة عمياء .. فهي الوحيدة التي تفهم لغة إشاراته وما يومئ به.
    لم تنجب بعد أن فقدتْ جنينها الأول يوم زفوا إليها خبر موت زوجها .. حيث انتابتها هستيرية عنيفة .. ثم نزفتْ حتى فقدت حملها ..
    شاركت أهل القرية في البحث عن نصف التمثال المفقود ..
    وجعلتْ شقيقها ( صابر ) يشارك وهو يرمقها باستغراب طوال أيام البحث.
    فقد كان متأكداً بأن نصف التمثال الذي تبحث عنه القرية يقبع في بيت ( مبروكة ) شقيقته منذ فترة طويلة ..
    تستعمله كطرف آخر يسند لوحاً خشبياً يقوم مقام الرف لتضع عليه بعض حاجياتها.
    عندما أشار إليها ذات ليلة وهو يستفسر عن سبب اشتراكها في البحث وهي تدري أن الذي يبحثون عنه موجود في بيتها .. أخرسته بنظرة يعرف مغزاها تماماً ...
    تتذكر عندما أتى زوجها بنصف التمثال هذا يجره بحبل مربوط بحمارته ( الداراوية ) ..
    لم تمض أيام قليلة بعدها حتى وافت زوجها المنية ..
    أنهمك ( صابر ) هو الآخر يبحث بجدية أكثر وكأنه يُبْعِد عنه وعن شقيقته تهمة إخفاء هذا الشيء الهام.
    عندما غادرت ( عالمة الآثار ) القرية ..
    كانت آخر عيون ترمق غبار العربة المنطلقة مغادرة القرية هي عيون (مبروكة) و( صابر ) ..
    أزدرد ( صابر ) الخبز المفتوت في ( طبق ) الحليب .. ثم مسح أطراف فمه بكُم جلبابه المتسخ .. وكرع ( كوزاً ) من ماء ( الزير ) المحاط بجوال قديم.. وتمدد على ( البرش ) الملقى على ( سرير خشبي ) منسوج بالحبل.
    سرعان ما علا شخيره ..
    وقفتْ (مبروكة) قربه لتتأكد من نومه ..
    ثم تسللتْ ( مبروكة ) إلى حيث التمثال ..
    أزاحت اللوح الخشبي وأنزلته ببطء على الأرض.
    ثم أمسكتْ بمنجل قديم .. وراحت تزيح طبقة متراكمة من الطين اليابس أعلى نصف التمثال .. كانت موقنة في قرارة نفسها بأنها ستجد سرا دفينا قد يغير مجرى حياتها.
    كان الطين اليابس أصلب من كتلة أسمنت ..
    انزاحت الطبقة بعد جهد وعناء .. وبدا التمثال وكأنه يدعوها إلى الحفر إلى تجويفه ..
    صارت تعمل المنجل فيتداعى الطين الجاف تراباً باهت اللون فتغرفه بيديها إلى الخارج ..
    حتى أصطدم نصل المنجل بشيء صلب ..
    فأدخلت النصل بين الجسم الصلب وحافة التمثال وأخرجتْ شيئاً أشبه بقطعة من (الخيش) ..
    لكنه كان متماسكاً .. وتفوح منه رائحة عتيقة ..
    وضعته على الأرض وبحذر شديد بدأتْ بقطع هذه الألياف ذات اللون الأرجواني الغامق ..
    عندما انزاحت طبقة خفيفة منه .. انبثق غبار كثيف دفعة واحدة غمر وجهها..
    صارت تسعل وتفرك عينيها ..
    هرعتْ إلى برميل الماء و اغترفت الماء بكفيها .. فغسلتْ وجهها ..
    أفاق ( صابر ) قليلاً ثم عاود النوم ..
    تكاد تجزم بأن هناك من يشاطرها المكان ..
    أحستْ بثقل يجثم على صدرها وكأن هناك مَن يحاول أن يجعلها تستلقي على ظهرها .
    كلما حاولت أن تقاوم هذه القوة الغامضة .. أزداد الدفع .. ورائحة الغبار تكتم أنفاسها ..
    ثم طغت عليها غشاوة وارتمت رغماً عنها على أرضية فناء منزلها المغطى بالطين الممزوج بروث البهائم..
    حاولت أن تنادي ( صابر ) .. ولكنها تذكرتْ عاهته ..
    أحستْ بأن جسداً يتمدد فوقها .. ويغمرها بالكامل من جبهتها حتى أخمص قدميها .. حتى أصاب الشلل أصابع يديها ورجليها ..
    أفاقت عند الفجر .. لاحظت إختفاء اللفافة ..
    شخصتْ جزعة ببصرها إلى حيث يرقد ( صابر ) فوجدته مستغرقاً في النوم ...
    جسدها مبلل بالعرق .. وبأشياء أخرى احتارت في كنْهها .. ومصدرها..
    وفي حلقها طعم الغبار المنبثق من اللفافة .. وأحشاؤها تتحدث عن جسد مازجها طوال الليل.
    عندما عادت من ( زريبة ) الغنم .. تأكدتْ من إحساسها المخيف ..
    بحثتْ عن اللفافة طويلاً في كل أرجاء البيت وما حوله دون جدوى.
    دلفتْ إلى فناء المنزل وهي متهالكة .. ومضعضعة النفس ..
    حانت منها التفاتة إلى حيث التمثال .. فندتْ عنها صرخة مكتومة ..
    فقد وجدت التمثال قد عاد كما كان يسند لوح الخشب ..
    تقدمتْ منه بحذر ووجل ..
    أزاحت اللوح .. فوجدت طبقة الطين قد عادت إليه كما كان من ذي قبل..
    جحظتْ عيناها وفغرت فمها لفترة لا تعلم مداها ..
    وتسللتْ متراجعة إلى غرفتها ...
    خوف مشوب بشعور لا تدري مغزاه ..
    أشار إليها ( صابر ) يستفسر عن شحوب وجهها .. أشارت إليه بما يطمئنه و هي تضع ابتسامة متكلفة ..
    كعادته .. تناول ( صابر ) طعامه المفضل .. ثم أنحشر بين طيات مرقده.
    ظلت ( مبروكة ) تنقل بصرها بين مكان التمثال ومكان حادثة الليل .. وما يشبه رائحة الغبار يدعوها إلى استنشاقها مرة أخرى ..
    يدعوها بقوة وكأنه صوت يستحثها لتفعل ذلك ..
    سدَّتْ أنفها بيدها ولكن نداء الرائحة كان كشيء أدمنته منذ وقت طويل...
    وكالمخدرة وجدتْ نفسها تقوم بحفر طبقة الطين الذي كان هشاً هذه المرة فوصلتْ إلى اللفافة في وقت وجيز ..
    وانبثق الغبار .. يغمر وجهها .. ويدفعها شيء للخلف فتراخت له طواعية .. يكبلها تماماً وتروح في غيبوبة لا تستيقظ منها إلا عند الفجر.
    راحت ( مبروكة ) تستعجل ساعات النهار ليأتي الليل لتستنشق رائحة الغبار ومن ثَمَّ ذلك الشعور الذي طاب لها.
    تراقب التمثال في غدوها ورواحها ...
    غمرتها حميمية تجاهه ...
    تغلغل شعور بالانتماء لهذا النصف البرونزي وكأنه مخلوق له روح يراقبها بينما هي تكنس بهو البيت .. وتجلس أمام أثافي الطبخ.
    أحستْ بأنه ثالثهما، هي و ( صابر ) ..
    فأضمرتْ في نفسها بأن تسحبه إلى مكان أكثر أماناً حتى لا تعود ( عالمة الآثار ) وتبحث عنه وتجده.
    ذلك اليوم .. عنَا لها أن تمارس نهاراً ما تمارسه ليلاً ...
    لكن شقيقها ( صابر ) كان بالبيت .. يلهو مع جروه الصغير ..
    طلبتْ منه أن يذهب للعب خارج البيت ..
    نظر إليها مندهشاً .. فالوقت منتصف النهار .. وحرارة الشمس لافحة..
    أشارت إليه بأن يخرج بوجه صارم ينضح برغبتها المجنونة العارمة..
    وما أن خرج، بدأتْ مشوارها التي لا تدري سره .. كيف بدأ و أين ينتهي ..
    غبار ...
    ثم فقدان سيطرتها على نفسها ..
    السباحة في عالم من الخدر الذي استعذبته ...
    وما أن بدأتْ رحلة الضياع في عالمها السحري ..
    أحستْ بأن الجسم يتراخى من فوقها ...
    ثم سمعتْ ارتطام جسم قريب منها ..
    رأت ( صابر ) يرتفع عن الأرض ثم يهوي إليه مرة أخرى كمن كان هناك شيء يمسكه من رجليه و يدك به أرضية الفناء..
    يرتفع ( صابر ) جاحظ العينين .. يئن كمن يستنجد بها.. ثم يهوي برأسه على الأرض ..
    مرتين أو ثلاثة .. ثم سكنتْ حركته .. وانبثق الدم من أنفة و فمه وأذنيه..
    أنتفض جسده النحيل كالمذبوح .. ثم تراخى ..
    اقتربت منه .. فوجدته قد فارق الحياة وهو لا زال ممسكاً ( بكوز الماء) بيده اليمنى ..
    لعِق الجرو وجه ( صابر ) ووقف يصدر صوتاً وكأنه يستحثه على مواصلة اللعب ..
    هبتْ ( مبروكة ) كالممسوسة .. وأخذتْ ( المعول ) وانهالت على التمثال .. حتى انكسرت عصا المعول ..وطارت يد ( المعول ) بعيداً وهوتْ بالقرب من الجرو .. فهرول مذعوراً إلى الخارج ..
    حشرتْ كمية من الخشب داخل تجويف التمثال وحوله ... و أضرمتْ فيه النار ..
    تطايرت ألسنة اللهب ..
    سمعتْ حشرجة كصوت حيوان يئن ألماً ...
    هرولتْ إلى شقيقها .. واحتضنته وهي مذهولة تشاهد النيران تعلو حتى سقف ( التعريشة )...
    لتمتد إلى بقية الغرف فيزيدها جريد النخل الجاف وجذوعه ضراوة ..
    اختلطت طقطقة الخشب بفعل النيران مع الصوت الصادر من تجويف التمثال ..
    عندما شاهد أهل القرية الدخان يتصاعد من منزل الأرملة ..
    هرعوا يتنادون نحو البيت المحترق ..
    قاوموا النيران بالماء يغترفونه من جدول ( المشروع الزراعي ) غير البعيد ..
    ولكن النيران كانت أسرع .. فقد أتت على الأخضر واليابس بالبيت ..
    وتصاعدت رائحة احتراق عدة أشياء صادرة من البيت من بين ألسنة النار والدخان ..
    دخل الأهالي إلى البيت المحترق بحذر .. كانت بقايا ( مبروكة ) المحترقة تحتضن بقايا شقيقها ( صابر ) ..
    قطع حبل السكون المهيمن على الجميع صراخ أحدهم : (نصف التمثال هنا ) ...
    وباتت القرية تتناحر في أحقية الجائزة ولمن تؤول ... وطال جدالهم في انتظار ( عالمة الآثار ) ..
    ويجزمون بأن أصوات ( مبروكة ) و ( صابر ) وصوت كفحيح الأفاعي ينطلق كل ليلة من بقايا البيت الذي أتتْ عليه النيران.
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    يا للنهاية التعيسة ...

    نصك هذا ذكرني بلعنة الفراعنة...

    شكرا لك على قصة مشوقة بامتياز..

    تحيتي وتقديري.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • جلال داود
      نائب ملتقى فنون النثر
      • 06-02-2011
      • 3893

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
      يا للنهاية التعيسة ...

      نصك هذا ذكرني بلعنة الفراعنة...

      شكرا لك على قصة مشوقة بامتياز..

      تحيتي وتقديري.
      تحياتي أستاذة ريما
      للفراعنة يد طُوُلَى في شتى أمور الحياة. ولا تزال بعض النواحي يكتنفها الغموض ولم يستطع عالمنا الحالي بكل أدواته أن يسبر أغوارها.
      أشكرك على القراءة

      تعليق

      يعمل...
      X