نُشرت في مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 452 كانون الأول 2009
الغرفة رقم صفر
ماذا لو تراجعت عن القرار في دخول المستشفى؟ ماذا لو تركت هذا الشيء المجهول ينمو في أنسجتها أكثر؟ ليس أخطر من الهموم... وآلام الذاكرة... ووجع الماضي. هي مثل شجرة مثقلة بهذه الثمار المرة. للذاكرة طعم حاد والرأس مثل ثمرة معطوبة. متساقطة أوراقها مع أحداث الماضي... من بين أكداسه اليابسة تبحث عن خيط صدق. يبدو انها دائماً هي خيوط الألم الكبير. تخرج من ذاتها من أجل أن تبحث من جديد. مثل فراشة ترتطم بزجاج قاس. ترتد إلى ذاتها من جديد... تتقوقع كحلزون:
ـ المكان مدهش يا نور... جنة أسطورية في كهف. لم لا تسرين؟ كأنك لا تريدين.
ـ أريد... لكنني أفشل.
(منذ بدأت البحث عن وجوه أطفال نسيناهم... منذ زمن لا أعرف تاريخه وأنا هكذا. آه أيها الصغار... يا أقماراً سقطت من سماء الجنة. مازلت أراكم معلقين في قلبي بينما دماؤكم تسري في عروق الأرض ولحمها. مازالت عيوني محشوة بالرماد... ومازال الرأس يثقل... يثقل... يتحول إلى حجر).
ـ تقولين هذا لي... وأنا الذي...
ـ أنا لم أقل شيئاً.
ـ عيناك قالتا... مع الدمع المحبوس. هل تفشلين وأنت التي...
ـ أنا لم أنتصر إلا على ذاتي.
(وانتظرت أن يكون للخبز طعم الفرح... وأن أرى خليفة الله على الأرض... وانهزمت... وأثخنت بالجراح. لكني لم أعرف طعم المرارة. لم أفقد حلم الزمن الآتي. طفلتي أصبحت في سن العشق ولم يأت هذا الآتي الذي به حلمت).
ـ كأنك تخافين.
ـ مم يجب أن أخاف؟ من مبضع جراح؟
(حين تحركت الأرض تحت أقدامنا تفجر العذاب... اختفت ألوف الوجوه... رحلت العصافير... سقطت الأشجار والبيوت .... وفي خيمة عارية السقف كنت... على مشارف صحراء الموت والجنون).
ـ دعي الأحداث في هذا الليل المحذوف من قائمة الزمن... الأحداث ليست في يد أحدنا... ليست من صنعه وحده.
ـ الأحداث لم تعد تهزني... في أعصابي زلزال لا يتوقف... أمشي وأغوص في الحطام... في الأنقاض... وفوق الجماجم المحروقة. أهوي حتّى الأعماق ولا أتوقف. تلهيني لعبة الأرقام... تفجعني لغة الأخبار. أحاول أن أصل إلى بذرة الأشياء. لعل فيها النهاية أو الخلاص.
ـ أنا أريد أن أنسى.
ـ وأنا.... ماذا يهم؟ أن أضحك... أو أن أبكي؟ في وطني ضحك كالبكاء... وبكاء كأنه الوهم.
ـ فيك ما هو مغلق عليّ.
ـ وأنا أراك في طقس وداعي يا هاني... منذ سنين لم أرك... كأني التقيتك لأودعك. هل تذكر تلك الأيام؟
ـ أذكر كل شيء... لكنها اللحظة... عيشي اللحظة.
ـ اللحظة لم تعد تعنيني. حملنا لحظات هي لغيرنا... دفاتر مزورة ليست لنا... ووقعنا في الفخ.
(وقرأت رسائله التي تحمل عطر الياسمين... ياسمين دمشق... وقرأت فيها عشق القدس. تابعت خطى الانتظار... وكان طريق العذاب... ومن بين أهدابي نبع الحزن مع الليل).
الصباح. وهي في طريقها إلى المستشفى تمتلئ بالتحدي. تسمع صوت المنهزمين... يهربون من أزيز طائرة غير مقاتلة... من حبات رصاص طائش. يبيعون... ويشترون وينزلق الضحك فوق إسفلت شارع مغسول بالمطر. بالأمس كانت ثملة بخمر محبة صافية. لكنها كانت تعسة... والقمر هرب من بين الغيوم... وأضاعت الفرصة.. لم تسافر في العيون التي رأت... لم تشد على الأيدي التي قاتلت... والتي كتبت. وانتصر شيطان الشعر... وسمعت كلاماً يقرع كالطبول. وهاهي مع صباح فيه قتامة... تمشي بساقين من قش. الطريق المؤدية إلى حيث ستبرأ تفوح برائحة فاجعة ما. أي برد هذا؟ جسدها مثخن بقروح خفية وجسد المدينة أيضاً. يا جرحها العميق الذي لم يعرفه أحد. كيف تبرأ منه؟ كيف؟ الأفكار تهرب من رأسها مثل طيور مهاجرة. في زحمة الوجوه لا ترى وجهاً تعرفه. تغمض عينيها وأذنيها هل تستطيع أن تقسو؟ هي المفعمة بالحنان: هل تستطيع أن تجمد وأعصابها مشدودة مثل أسلاك تهتز؟
الغرفة رقم ألف... الغرفة رقم ألف... الدور العاشر والمدينة ترتجف بالرصاص المخبوء في الصدور... برقص الجاز وعطور النساء. والبحر عن بعد كفّ عن أن يكون شاهداً. البياض الكثيف يقلع عينيها. أية قشعريرة تسري في مفاصلها. أي ارتعاش. إنها المواجهة للموت. ولكن... ماذا يعني أن تموت والناس هنا مهددون جميعاً؟ ماذا يعني أن تنتهي ونهايات الأشياء معلقة فوق سطوح المباني وعلى رؤوس الشجر؟ ترتمي فوق غطاء السرير. ترتعش. تحملها أمواج. تعلو...تهبط. تتمدد... تنكمش. تغدو خرقة... بالوناً منفوخاً. من حولها تنبع أفاع صغيرة بيضاء ذات رؤوس نارية. تزحف نحوها. تغزو جسدها المتهالك. تتركها ترتفع فوق صدرها... وذراعيها... وبطنها... وساقيها. تغرس فيها أنياباً حادة مثل رؤوس دبابيس. إحساسها مخدر... الأفاعي تمتص دمها... تغدو حمراء منتفخة مثل علقات سمينة ضخمة. دون أن تتحرّك تبدأ تتساقط. تنظر إلى جسدها. تجده بلون أزرق يميل إلى السواد. تهب من جهة البحر ريح حادة. هل هي في صحراء؟ الضوء المزرق الشاحب يغدو شمساً محرقة. يلفحها الوهج. تغدو خشباً قابلاً للاشتعال. تضغط فوق جرس صغير. تنتصب أمامها ممرضة. طائراً غريباً بين طيور شبه متجانسة. من أعماق آسيا.. من تلايلاند أو فيتنام. الوجه الأصفر حزين.. والعينان الضيقتان ضاع منهما التعبير. تنظر إليها بحب. تصطدم بأسلاك شائكة وبأغصان أشجار ميتة. تنفجر أمامها الغام وتشتعل حرائق ويصرخ أطفال مشوهون وتتمزق ثياب. ثم ... يتسلل مهاجرون عبر خطوط الذل والانكسار. الممرضة تفحصها بدهشة. أي جسد معافى هذا الذي يأمرون أن تجهزه لمبضع الجراح... إلا أن عليها أن تفعل. تجوس أناملها الباردة فوق أعضائها المتراخية. لغة ما توصل ما بين جسدها المشبع بالألم وبين اليد النحيلة الصفراء. تنزع عنها ثيابها.. تُلبسها ثوب مستشفى بلون باهت. شرارة تقدح بينهما:
ـ أنت عربية... أليس كذلك؟
ـ كيف عرفت؟
ـ ليس عندي دليل. لكني أحسست بذلك. لم أنت حزينة هكذا؟ سوف تشفين... لا أعتقد أن مرضك خطير.
تقول هذا بإنكليزية ركيكة. ثم ترخي جفونها الذابلة.
تحار بم تجيب. هل لأنها عربية هي حزينة أم العكس؟ يا لحزنها... جذوره تغلغلت في أعماق الشرايين.. في تلافيف الدماغ.. في البذرة من كل الخلايا.
ـ ليس من أجل مرضي أنا حزينة... إنما...
وتبتلع كلمات جافة كالشوك.
ـ كان عليك أن تطمئني... غرفتك من فئة الألف... وهي في الدور العاشر.. ذلك يعني أنك في حالة جيدة.
ـ لم أفهم.
ـ أقصد أن ذوي الحالات الخطيرة نحتفظ بهم في الدور الأرضية. اعتبريها استراحة مرضيّة لا أكثر. أما الجراحة فسوف تمر بسلام.
من قلب المرارة والدمع تبتسم. الممرضة تبتسم. تحقنها بمادة مهدئة وترفع فوقها الغطاء.
السكون يمزقه صرير عجلات نقالة. الممر خال من كل أحد ما عدا الرجل الملثم الذي يدفع النقالة. يمر أمام غرفتها. الممرضة تمتقع. تتلهف لأن تعرف.
ـ ماذا يفعلون؟
ـ يهبطون به إلى دور آخر... إلى التاسع ربما...
ـ من؟ مريض الغرفة المجاورة؟ لكنه...
تريد أن نقول لها إنه ليس مريضاً على الإطلاق. دخلت غرفته وتعرفت عليه. شاب يمور بالعافية. قال لها إن وجوده في المستشفى إجراء احترازي لا أكثر.
ـ يبدو أنهم فجأة اكتشفوا أن لديه مرضاً ما.
تقفز صورته إلى وجهها. في الثلاثين وبشرته السمراء تلمع كما لو أنها مطلية بزيت حار. كان يضحك... ويتكلم... وهو في غاية الهدوء والصفاء. سألها عن مرضها. قاسمها فطيرة محشوة بالقشدة والعسل... ومنحها هذا القدر من الشجاعة الذي تتزود به الآن. قال لها:
ـ علينا أن نتحمّل أقدارنا... في أسرّة المستشفيات أو بين أحضان من تحب. على الأرصفة وفي الشوارع تماماً كما في البيوت الأنيقة والمكاتب. أنا مقاتل. مقاتل دائم. أتعرفين ما معنى أن يظل الإنسان مقاتلاً؟ قمت بعمليات كثيرة ضد العدو ومع هذا فأنا كما تربن لم أصب بأي خدش. نحن في الحقيقة كلنا مقاتلون ولو أن ساحات قتالنا مختلفة. مساحات أوراقك الصغيرة البيضاء لا تفترق عن خارطة وطني.
وقال كلاماً كثيراً... وأحست أنها محمولة فوق غيمة... وأنها أقوى وأكثر عناداً وعندما التهب الرصاص ممتزجاً بالبرق والرعد وهرعت إلى غرفتها كان صوته يلاحقها:
ـ لا تخافي... أنا معك... إلى جوارك. هل تظنين أني من غير سلاح؟ وعبر زجاج نافذته أطلق عيارات نارية... وضحك. واختبأت بين الأغطية والعرق الغزير يغسل جسدها المرتجف.
(هاني... يا هاني.. هل كنت تعرف وأنت تودعني أمام باب المستشفى أنني سأواجه هذه التجربة القاسية؟ أما كنت تأخذني إلى مستشفى ميدان إذن؟ لست أحتمل صوت الرصاص... صوت انفجاري الداخلي... أنا أتمزق يا هاني... أنا أموت).
في الفراغ الموحش ترتمي. لا ممرضة. لا طبيب. لا أحد من أهلها. حتّى نجمة عمرها... طفلتها لم تصل بعد. لكنها جاهزة لأن ينقلوها إلى غرفة الجراحة. الفراغ يتسع... يمتد... تنهار الجدران. في سهل فسيح تجد نفسها... أعشاب طويلة منداة تغمرها والأرض هشة رطبة مثل ثلج موشك على الذوبان. صورة أبيها... والماضي... وأرضهم المعبودة في ريف دمشق التي لم تعد إلا مراعي لقطعان غازية. أبوها يبتسم... الماضي محمل بثمار معطوبة لم يعد لها طعم (تعبت يا أبي... تعبت منذ تركتني أترنح على تخوم عالم لم نكن قد رسمنا ملامحه بعد إلا في الذاكرة. وتكسرت قوائم الجياد... وسقط فرسان.. وتقنع آخرون. وتبعثرت الحجارة العلامات على الطريق. داهمنا ليل أسود طويل... وعندما انبثق أمامنا صبح بهر أعيننا الضوء فأصبحنا أيضاً لا نرى. تعبت من الركض في مساحات المستحيل.... في دوائر الممكن. في أعماق الذات المتحولة باستمرار... المتصلبة باستمرار. تعبت يا أبي... لم أقطف إلا الشوك والصبّار وضاعت من فمي حلاوة الثمر. وجاري في غرفة المرض قاسمني فطيرة نظيفة من لبن وعسل. نقلوه إلى حيث لا أعلم. إلى غرفة محظورة في دهليز مجهول. جسدي صحيح يا أبي... جسدي مريض. تعبت من اللا حرب... من اللاسلم. وجودي أصبح عبئاً عليّ. المعركة لم تبدأ... لم تنته.
دقائق. قلبها بدأ يضرب ببطء. ما الذي فعلته بها تلك الممرضة؟ أية حقنة عجيبة تلك التي أوصلت سمّها إلى الشرايين؟ إنها تنسى... تتذكّر. تتذكّر ثمّ تنسى. تحسّ ثمّ تتخدّر. ومن خلال خدرها تحس. الإحساس مشحوذ كحد السكين... الذاكرة مشحوذة كحدّ السكّين. لكن مفاصلها تتفكّك. مثل دمية تتفكّك. رأسها إلى قبر أمها... قلبها عصفور متعب طائر وراء نجمة العمر... أناملها تقبض على غطاء السرير. ثمّ تسقط... تسقط.
يجتازون بها ممراً جليدياً صامتاً مرتجف الضوء واللون. يمر الآخرون بها وكأنهم لا يرونها. كلهم ملتفون بأردية بيضاء بلا أقدام ولا أحذية. تيار بارد يلسع جسدها الذي بدأ يغزوه الرعب. إلى أين يمضون بها؟ تحاول أن تقطف ظلاً من نور... من تعبير وجه إنساني... من صوت. لا شيء... والعجلات التي تحملها تصر بأنين خافت فوق بلاط يفوح برائحة أدوية معقمة وعقاقير. قبل أن تنزلق العجلات إلى القاعة الرهيبة قاعة الجراحة تلمح رفيقها في الغرفة المجاورة مسجى فوق سرير أصغر من حجمه بكثير. الغرفة ضيقة... وغير مضاءة بشكل كاف. وهو بلا أغطية وبثياب داخلية نصفية فقط. تحاول أن تصرخ به. العجلات تخطفها. تعلق عيناها فوق اللوحة المثبتة على الباب (الغرفة رقم صفر) ماذا يعني هذا الرقم... في هذا القبو... قرب القاعة الكبيرة قاعة الموت؟ هل يعني موتاً من نوع آخر؟ هل سيعالجونه هنا أم هو السجن؟ تفكيرها يُشل... ورأسها يسقط. تغمض عينيها... تحاول أن تعثر على جرعة هواء. وتضيع منها نفسها... ويضيع كل شيء.
على شريط اللاوعي... اللاوجود تترنح من جديد. ثم تفيق. تخاف أن تسقط في الغيبوبة من جديد. تحاول أن تفتح عينيها... أن تحرك رأسها... أو يديها... أو قدميها... أو أي عضو من جسدها فتفشل.
تكتشف أنها ملفوفة بأقمطة مثل مومياء محنطة... من الرأس حتّى أخمص القدمين هي ملفوفة. تحاول أن تصرخ... أن تحتج. لكن فمها محكم الإغلاق بشريط بلاستيكي لزج. ليس إلا فوهتا أنف محترق ومحجرا عينين ملتهبتين تحاصرهما الأشباح. لم فعلوا بها كل هذا؟ هل لا تزال تحيا أم إنها أدرجت في أكفانها وانتهى الأمر؟ تفكيرها ينبض مثل قلب موشك أن يكف عن الخفقان. يستطيعون أن يقيدوا كل إحساسها فيما عدا دماغها. تشحذ تفكيرها أكثر... تحاول أن تخرج من قفص التعذيب هذا. ولكن كيف؟ كل عضو فيها محكوم عليه بأن يتعطل. تسمع أنينا معجوناً بضحك مرّ. إنه جارها في الغرفة رقم ألف. هل هو مثلها؟ هل يراها؟ هل يقدر أن ينقذها؟ عيناها تدوران في السقف... تحاول أن تخرج أي صوت يدل على وجودها. تسمع صرير عجلات سرير يقترب منها. لا شك أنه هو...
ـ فكني من قيودي... أرجوك... قادرة أن أتكلم.... وأن أسمع... وأن أمشي. فكني أو حاول أن تجعلني أموت.
العجلات تقترب أكثر... وقلبها يخفق أكثر: تشعر أن موجة من الدم تتدفق من جسدها كله... رغم اللفائف والأغطية. الدم يغمر الغرفة... يغدو بركة تتعذر معها النجاة. إنه يقترب منها... تحس أنفاسه الحارقة تلامس جفنيها وأنفها. ليت أنها تقبله كما يفعل البدائيون. بلمسة الأنف للأنف... الهدب للهدب. الأنفاس تزداد اشتعالاً لكنها لا تقترب. لم لا تقترب؟ يتوقف صرير العجلات. تغمض عينيها تسكت تنفسها وتنتظر. لحظة الانتظار تطول... وتطول. ثم يقع الجسد القريب منها إلى الأرض. ويقع أملها في نقطة العدم.
تضج الغرفة بأصوات مجنونة... مزيج من بكاء هستيري وقهقهة شيطان وأنين محتضر يصارع الموت. داخل لفائفها وأغطيتها تنكمش... مثل سلحفاة مسحوقة.. تقفل أجفانها... تقطع أنفاسها. آه... أيها الموت... أيها الموت... لكن الصوت المطروح أرضاً يخترقها ويشعل فيها النار.
ـ أنا هنا... انتظري... هل تظنين أني سأتخلى عنك؟ لا... لن أفعل. شاطرتك فطيرة القشدة والعسل وشاطرتني دمعة الألم. قالوا إن عمودي الفقري مصاب بالشلل... وأنا الفتي... وأنا القوي. شلل مفاجئ... لكن جرثومته تسللت إليّ منذ سنين. تصوري... منذ سنين وأنا لا أدري. هل أنا وحدي المصاب أم أصيب آخرون كثيرون مثلي؟ معي؟ المهم أنهم سيعالجونني. هم وعدوني. وأنا لم أصدق. لو أستطيع أن أفكك لأتيت لي بالدواء... من النخاع الشوكي للنمور الهائجة الوحشية... من لحى أشجار الشوك وعصير الصبّار. هل ستأتين به؟ ولكن كيف وأنت المغيبة وراء هذه الأحزمة؟ الملفوفة بألف قماط وأنا المطعون ظهري؟
الصوت يتهدج... يتشنج.. ثم ينهار. ينهار سقف الغرفة... تنهار الجدران وينهار السرير أيضاً. على الأرض هما متجاوران يمد يده لكي يصل إليها إلى أي خيط من لفائفها الأكفان. قوة خارقة تصلب عضلاتها وأعصابها ونسيج لحمها كله. تشعر أنها تتضخّم... وتتضخّم.. وأن للقماش إذ يبدأ يتمزّق صوت تشقق الصخر... هدير اندفاع الماء من أعالي الجبال. تغمض عينيها... تعبئ كلّ ذرة من إرادتها... إرادة الانتصار على الموت... إرادة الحياة. تعاند القدر.. تمشي بعكس اتجاه التيار... وتوقن أنه يجب ألاّ تتراجع... ألا تتعب أو تيأس. إنها المعجزة لو تمت في عصر لم يعد يعترف بالمعجزات. يا مسيحها... يا مسيح الإنسان فيها... ألا مدد من قوة خارقة فوق طاقة البشر؟ محكوم عليها بالموت... هي ورفيقها ولولا ذلك لما وضعوهما هكذا في هذه الغرفة محكمة الإغلاق. إنها غرفة الموت.. وعلى بابها مكتوب (الدخول محظور).
لحظات... ثم تسقط. في فوهة بركان تسقط. سواد... وحجارة لها ملامح البشر... وجماجم... وهياكل من العظم الصلب المتضخم. تزلزل الأرض... تنهار... وينفجر الرصاص.
تسمع أصواتاً مختلطة. صراخ وأنين وزعيق أطفال ونواح نساء. أذناها إذن سليمتان. تمد يديها... تلتصقان بدم حار لزج. تحاول أن تنتصب على قدميها. تقع. أما صوتها فلا يزال في حلقها محبوساً. تتمزق من أجل أن تصرخ... أن يسمعوها. إنه هاني... ورفاقه. إنهم هم. هل جاؤوا من أجلها؟ من أجل رفيقها؟ من أجلهما معاً؟
تبحث عنه... رفيقها. يحجبه ضباب رمادي.. تئز رصاصة أخرى مثل التي في مسدسه انطلقت مرة. هل هو الذي يطلق النار؟ لا تراه... لا ترى قدميها المشدودتين إلى الأرض بكتل من حديد.
ومن بعيد يهدر صوت النار.. وترتسم أمامها دائرة الصفر.
في الغرفة رقم صفر.
دمشق 1985
الغرفة رقم صفر
ماذا لو تراجعت عن القرار في دخول المستشفى؟ ماذا لو تركت هذا الشيء المجهول ينمو في أنسجتها أكثر؟ ليس أخطر من الهموم... وآلام الذاكرة... ووجع الماضي. هي مثل شجرة مثقلة بهذه الثمار المرة. للذاكرة طعم حاد والرأس مثل ثمرة معطوبة. متساقطة أوراقها مع أحداث الماضي... من بين أكداسه اليابسة تبحث عن خيط صدق. يبدو انها دائماً هي خيوط الألم الكبير. تخرج من ذاتها من أجل أن تبحث من جديد. مثل فراشة ترتطم بزجاج قاس. ترتد إلى ذاتها من جديد... تتقوقع كحلزون:
ـ المكان مدهش يا نور... جنة أسطورية في كهف. لم لا تسرين؟ كأنك لا تريدين.
ـ أريد... لكنني أفشل.
(منذ بدأت البحث عن وجوه أطفال نسيناهم... منذ زمن لا أعرف تاريخه وأنا هكذا. آه أيها الصغار... يا أقماراً سقطت من سماء الجنة. مازلت أراكم معلقين في قلبي بينما دماؤكم تسري في عروق الأرض ولحمها. مازالت عيوني محشوة بالرماد... ومازال الرأس يثقل... يثقل... يتحول إلى حجر).
ـ تقولين هذا لي... وأنا الذي...
ـ أنا لم أقل شيئاً.
ـ عيناك قالتا... مع الدمع المحبوس. هل تفشلين وأنت التي...
ـ أنا لم أنتصر إلا على ذاتي.
(وانتظرت أن يكون للخبز طعم الفرح... وأن أرى خليفة الله على الأرض... وانهزمت... وأثخنت بالجراح. لكني لم أعرف طعم المرارة. لم أفقد حلم الزمن الآتي. طفلتي أصبحت في سن العشق ولم يأت هذا الآتي الذي به حلمت).
ـ كأنك تخافين.
ـ مم يجب أن أخاف؟ من مبضع جراح؟
(حين تحركت الأرض تحت أقدامنا تفجر العذاب... اختفت ألوف الوجوه... رحلت العصافير... سقطت الأشجار والبيوت .... وفي خيمة عارية السقف كنت... على مشارف صحراء الموت والجنون).
ـ دعي الأحداث في هذا الليل المحذوف من قائمة الزمن... الأحداث ليست في يد أحدنا... ليست من صنعه وحده.
ـ الأحداث لم تعد تهزني... في أعصابي زلزال لا يتوقف... أمشي وأغوص في الحطام... في الأنقاض... وفوق الجماجم المحروقة. أهوي حتّى الأعماق ولا أتوقف. تلهيني لعبة الأرقام... تفجعني لغة الأخبار. أحاول أن أصل إلى بذرة الأشياء. لعل فيها النهاية أو الخلاص.
ـ أنا أريد أن أنسى.
ـ وأنا.... ماذا يهم؟ أن أضحك... أو أن أبكي؟ في وطني ضحك كالبكاء... وبكاء كأنه الوهم.
ـ فيك ما هو مغلق عليّ.
ـ وأنا أراك في طقس وداعي يا هاني... منذ سنين لم أرك... كأني التقيتك لأودعك. هل تذكر تلك الأيام؟
ـ أذكر كل شيء... لكنها اللحظة... عيشي اللحظة.
ـ اللحظة لم تعد تعنيني. حملنا لحظات هي لغيرنا... دفاتر مزورة ليست لنا... ووقعنا في الفخ.
(وقرأت رسائله التي تحمل عطر الياسمين... ياسمين دمشق... وقرأت فيها عشق القدس. تابعت خطى الانتظار... وكان طريق العذاب... ومن بين أهدابي نبع الحزن مع الليل).
الصباح. وهي في طريقها إلى المستشفى تمتلئ بالتحدي. تسمع صوت المنهزمين... يهربون من أزيز طائرة غير مقاتلة... من حبات رصاص طائش. يبيعون... ويشترون وينزلق الضحك فوق إسفلت شارع مغسول بالمطر. بالأمس كانت ثملة بخمر محبة صافية. لكنها كانت تعسة... والقمر هرب من بين الغيوم... وأضاعت الفرصة.. لم تسافر في العيون التي رأت... لم تشد على الأيدي التي قاتلت... والتي كتبت. وانتصر شيطان الشعر... وسمعت كلاماً يقرع كالطبول. وهاهي مع صباح فيه قتامة... تمشي بساقين من قش. الطريق المؤدية إلى حيث ستبرأ تفوح برائحة فاجعة ما. أي برد هذا؟ جسدها مثخن بقروح خفية وجسد المدينة أيضاً. يا جرحها العميق الذي لم يعرفه أحد. كيف تبرأ منه؟ كيف؟ الأفكار تهرب من رأسها مثل طيور مهاجرة. في زحمة الوجوه لا ترى وجهاً تعرفه. تغمض عينيها وأذنيها هل تستطيع أن تقسو؟ هي المفعمة بالحنان: هل تستطيع أن تجمد وأعصابها مشدودة مثل أسلاك تهتز؟
الغرفة رقم ألف... الغرفة رقم ألف... الدور العاشر والمدينة ترتجف بالرصاص المخبوء في الصدور... برقص الجاز وعطور النساء. والبحر عن بعد كفّ عن أن يكون شاهداً. البياض الكثيف يقلع عينيها. أية قشعريرة تسري في مفاصلها. أي ارتعاش. إنها المواجهة للموت. ولكن... ماذا يعني أن تموت والناس هنا مهددون جميعاً؟ ماذا يعني أن تنتهي ونهايات الأشياء معلقة فوق سطوح المباني وعلى رؤوس الشجر؟ ترتمي فوق غطاء السرير. ترتعش. تحملها أمواج. تعلو...تهبط. تتمدد... تنكمش. تغدو خرقة... بالوناً منفوخاً. من حولها تنبع أفاع صغيرة بيضاء ذات رؤوس نارية. تزحف نحوها. تغزو جسدها المتهالك. تتركها ترتفع فوق صدرها... وذراعيها... وبطنها... وساقيها. تغرس فيها أنياباً حادة مثل رؤوس دبابيس. إحساسها مخدر... الأفاعي تمتص دمها... تغدو حمراء منتفخة مثل علقات سمينة ضخمة. دون أن تتحرّك تبدأ تتساقط. تنظر إلى جسدها. تجده بلون أزرق يميل إلى السواد. تهب من جهة البحر ريح حادة. هل هي في صحراء؟ الضوء المزرق الشاحب يغدو شمساً محرقة. يلفحها الوهج. تغدو خشباً قابلاً للاشتعال. تضغط فوق جرس صغير. تنتصب أمامها ممرضة. طائراً غريباً بين طيور شبه متجانسة. من أعماق آسيا.. من تلايلاند أو فيتنام. الوجه الأصفر حزين.. والعينان الضيقتان ضاع منهما التعبير. تنظر إليها بحب. تصطدم بأسلاك شائكة وبأغصان أشجار ميتة. تنفجر أمامها الغام وتشتعل حرائق ويصرخ أطفال مشوهون وتتمزق ثياب. ثم ... يتسلل مهاجرون عبر خطوط الذل والانكسار. الممرضة تفحصها بدهشة. أي جسد معافى هذا الذي يأمرون أن تجهزه لمبضع الجراح... إلا أن عليها أن تفعل. تجوس أناملها الباردة فوق أعضائها المتراخية. لغة ما توصل ما بين جسدها المشبع بالألم وبين اليد النحيلة الصفراء. تنزع عنها ثيابها.. تُلبسها ثوب مستشفى بلون باهت. شرارة تقدح بينهما:
ـ أنت عربية... أليس كذلك؟
ـ كيف عرفت؟
ـ ليس عندي دليل. لكني أحسست بذلك. لم أنت حزينة هكذا؟ سوف تشفين... لا أعتقد أن مرضك خطير.
تقول هذا بإنكليزية ركيكة. ثم ترخي جفونها الذابلة.
تحار بم تجيب. هل لأنها عربية هي حزينة أم العكس؟ يا لحزنها... جذوره تغلغلت في أعماق الشرايين.. في تلافيف الدماغ.. في البذرة من كل الخلايا.
ـ ليس من أجل مرضي أنا حزينة... إنما...
وتبتلع كلمات جافة كالشوك.
ـ كان عليك أن تطمئني... غرفتك من فئة الألف... وهي في الدور العاشر.. ذلك يعني أنك في حالة جيدة.
ـ لم أفهم.
ـ أقصد أن ذوي الحالات الخطيرة نحتفظ بهم في الدور الأرضية. اعتبريها استراحة مرضيّة لا أكثر. أما الجراحة فسوف تمر بسلام.
من قلب المرارة والدمع تبتسم. الممرضة تبتسم. تحقنها بمادة مهدئة وترفع فوقها الغطاء.
السكون يمزقه صرير عجلات نقالة. الممر خال من كل أحد ما عدا الرجل الملثم الذي يدفع النقالة. يمر أمام غرفتها. الممرضة تمتقع. تتلهف لأن تعرف.
ـ ماذا يفعلون؟
ـ يهبطون به إلى دور آخر... إلى التاسع ربما...
ـ من؟ مريض الغرفة المجاورة؟ لكنه...
تريد أن نقول لها إنه ليس مريضاً على الإطلاق. دخلت غرفته وتعرفت عليه. شاب يمور بالعافية. قال لها إن وجوده في المستشفى إجراء احترازي لا أكثر.
ـ يبدو أنهم فجأة اكتشفوا أن لديه مرضاً ما.
تقفز صورته إلى وجهها. في الثلاثين وبشرته السمراء تلمع كما لو أنها مطلية بزيت حار. كان يضحك... ويتكلم... وهو في غاية الهدوء والصفاء. سألها عن مرضها. قاسمها فطيرة محشوة بالقشدة والعسل... ومنحها هذا القدر من الشجاعة الذي تتزود به الآن. قال لها:
ـ علينا أن نتحمّل أقدارنا... في أسرّة المستشفيات أو بين أحضان من تحب. على الأرصفة وفي الشوارع تماماً كما في البيوت الأنيقة والمكاتب. أنا مقاتل. مقاتل دائم. أتعرفين ما معنى أن يظل الإنسان مقاتلاً؟ قمت بعمليات كثيرة ضد العدو ومع هذا فأنا كما تربن لم أصب بأي خدش. نحن في الحقيقة كلنا مقاتلون ولو أن ساحات قتالنا مختلفة. مساحات أوراقك الصغيرة البيضاء لا تفترق عن خارطة وطني.
وقال كلاماً كثيراً... وأحست أنها محمولة فوق غيمة... وأنها أقوى وأكثر عناداً وعندما التهب الرصاص ممتزجاً بالبرق والرعد وهرعت إلى غرفتها كان صوته يلاحقها:
ـ لا تخافي... أنا معك... إلى جوارك. هل تظنين أني من غير سلاح؟ وعبر زجاج نافذته أطلق عيارات نارية... وضحك. واختبأت بين الأغطية والعرق الغزير يغسل جسدها المرتجف.
(هاني... يا هاني.. هل كنت تعرف وأنت تودعني أمام باب المستشفى أنني سأواجه هذه التجربة القاسية؟ أما كنت تأخذني إلى مستشفى ميدان إذن؟ لست أحتمل صوت الرصاص... صوت انفجاري الداخلي... أنا أتمزق يا هاني... أنا أموت).
في الفراغ الموحش ترتمي. لا ممرضة. لا طبيب. لا أحد من أهلها. حتّى نجمة عمرها... طفلتها لم تصل بعد. لكنها جاهزة لأن ينقلوها إلى غرفة الجراحة. الفراغ يتسع... يمتد... تنهار الجدران. في سهل فسيح تجد نفسها... أعشاب طويلة منداة تغمرها والأرض هشة رطبة مثل ثلج موشك على الذوبان. صورة أبيها... والماضي... وأرضهم المعبودة في ريف دمشق التي لم تعد إلا مراعي لقطعان غازية. أبوها يبتسم... الماضي محمل بثمار معطوبة لم يعد لها طعم (تعبت يا أبي... تعبت منذ تركتني أترنح على تخوم عالم لم نكن قد رسمنا ملامحه بعد إلا في الذاكرة. وتكسرت قوائم الجياد... وسقط فرسان.. وتقنع آخرون. وتبعثرت الحجارة العلامات على الطريق. داهمنا ليل أسود طويل... وعندما انبثق أمامنا صبح بهر أعيننا الضوء فأصبحنا أيضاً لا نرى. تعبت من الركض في مساحات المستحيل.... في دوائر الممكن. في أعماق الذات المتحولة باستمرار... المتصلبة باستمرار. تعبت يا أبي... لم أقطف إلا الشوك والصبّار وضاعت من فمي حلاوة الثمر. وجاري في غرفة المرض قاسمني فطيرة نظيفة من لبن وعسل. نقلوه إلى حيث لا أعلم. إلى غرفة محظورة في دهليز مجهول. جسدي صحيح يا أبي... جسدي مريض. تعبت من اللا حرب... من اللاسلم. وجودي أصبح عبئاً عليّ. المعركة لم تبدأ... لم تنته.
دقائق. قلبها بدأ يضرب ببطء. ما الذي فعلته بها تلك الممرضة؟ أية حقنة عجيبة تلك التي أوصلت سمّها إلى الشرايين؟ إنها تنسى... تتذكّر. تتذكّر ثمّ تنسى. تحسّ ثمّ تتخدّر. ومن خلال خدرها تحس. الإحساس مشحوذ كحد السكين... الذاكرة مشحوذة كحدّ السكّين. لكن مفاصلها تتفكّك. مثل دمية تتفكّك. رأسها إلى قبر أمها... قلبها عصفور متعب طائر وراء نجمة العمر... أناملها تقبض على غطاء السرير. ثمّ تسقط... تسقط.
يجتازون بها ممراً جليدياً صامتاً مرتجف الضوء واللون. يمر الآخرون بها وكأنهم لا يرونها. كلهم ملتفون بأردية بيضاء بلا أقدام ولا أحذية. تيار بارد يلسع جسدها الذي بدأ يغزوه الرعب. إلى أين يمضون بها؟ تحاول أن تقطف ظلاً من نور... من تعبير وجه إنساني... من صوت. لا شيء... والعجلات التي تحملها تصر بأنين خافت فوق بلاط يفوح برائحة أدوية معقمة وعقاقير. قبل أن تنزلق العجلات إلى القاعة الرهيبة قاعة الجراحة تلمح رفيقها في الغرفة المجاورة مسجى فوق سرير أصغر من حجمه بكثير. الغرفة ضيقة... وغير مضاءة بشكل كاف. وهو بلا أغطية وبثياب داخلية نصفية فقط. تحاول أن تصرخ به. العجلات تخطفها. تعلق عيناها فوق اللوحة المثبتة على الباب (الغرفة رقم صفر) ماذا يعني هذا الرقم... في هذا القبو... قرب القاعة الكبيرة قاعة الموت؟ هل يعني موتاً من نوع آخر؟ هل سيعالجونه هنا أم هو السجن؟ تفكيرها يُشل... ورأسها يسقط. تغمض عينيها... تحاول أن تعثر على جرعة هواء. وتضيع منها نفسها... ويضيع كل شيء.
على شريط اللاوعي... اللاوجود تترنح من جديد. ثم تفيق. تخاف أن تسقط في الغيبوبة من جديد. تحاول أن تفتح عينيها... أن تحرك رأسها... أو يديها... أو قدميها... أو أي عضو من جسدها فتفشل.
تكتشف أنها ملفوفة بأقمطة مثل مومياء محنطة... من الرأس حتّى أخمص القدمين هي ملفوفة. تحاول أن تصرخ... أن تحتج. لكن فمها محكم الإغلاق بشريط بلاستيكي لزج. ليس إلا فوهتا أنف محترق ومحجرا عينين ملتهبتين تحاصرهما الأشباح. لم فعلوا بها كل هذا؟ هل لا تزال تحيا أم إنها أدرجت في أكفانها وانتهى الأمر؟ تفكيرها ينبض مثل قلب موشك أن يكف عن الخفقان. يستطيعون أن يقيدوا كل إحساسها فيما عدا دماغها. تشحذ تفكيرها أكثر... تحاول أن تخرج من قفص التعذيب هذا. ولكن كيف؟ كل عضو فيها محكوم عليه بأن يتعطل. تسمع أنينا معجوناً بضحك مرّ. إنه جارها في الغرفة رقم ألف. هل هو مثلها؟ هل يراها؟ هل يقدر أن ينقذها؟ عيناها تدوران في السقف... تحاول أن تخرج أي صوت يدل على وجودها. تسمع صرير عجلات سرير يقترب منها. لا شك أنه هو...
ـ فكني من قيودي... أرجوك... قادرة أن أتكلم.... وأن أسمع... وأن أمشي. فكني أو حاول أن تجعلني أموت.
العجلات تقترب أكثر... وقلبها يخفق أكثر: تشعر أن موجة من الدم تتدفق من جسدها كله... رغم اللفائف والأغطية. الدم يغمر الغرفة... يغدو بركة تتعذر معها النجاة. إنه يقترب منها... تحس أنفاسه الحارقة تلامس جفنيها وأنفها. ليت أنها تقبله كما يفعل البدائيون. بلمسة الأنف للأنف... الهدب للهدب. الأنفاس تزداد اشتعالاً لكنها لا تقترب. لم لا تقترب؟ يتوقف صرير العجلات. تغمض عينيها تسكت تنفسها وتنتظر. لحظة الانتظار تطول... وتطول. ثم يقع الجسد القريب منها إلى الأرض. ويقع أملها في نقطة العدم.
تضج الغرفة بأصوات مجنونة... مزيج من بكاء هستيري وقهقهة شيطان وأنين محتضر يصارع الموت. داخل لفائفها وأغطيتها تنكمش... مثل سلحفاة مسحوقة.. تقفل أجفانها... تقطع أنفاسها. آه... أيها الموت... أيها الموت... لكن الصوت المطروح أرضاً يخترقها ويشعل فيها النار.
ـ أنا هنا... انتظري... هل تظنين أني سأتخلى عنك؟ لا... لن أفعل. شاطرتك فطيرة القشدة والعسل وشاطرتني دمعة الألم. قالوا إن عمودي الفقري مصاب بالشلل... وأنا الفتي... وأنا القوي. شلل مفاجئ... لكن جرثومته تسللت إليّ منذ سنين. تصوري... منذ سنين وأنا لا أدري. هل أنا وحدي المصاب أم أصيب آخرون كثيرون مثلي؟ معي؟ المهم أنهم سيعالجونني. هم وعدوني. وأنا لم أصدق. لو أستطيع أن أفكك لأتيت لي بالدواء... من النخاع الشوكي للنمور الهائجة الوحشية... من لحى أشجار الشوك وعصير الصبّار. هل ستأتين به؟ ولكن كيف وأنت المغيبة وراء هذه الأحزمة؟ الملفوفة بألف قماط وأنا المطعون ظهري؟
الصوت يتهدج... يتشنج.. ثم ينهار. ينهار سقف الغرفة... تنهار الجدران وينهار السرير أيضاً. على الأرض هما متجاوران يمد يده لكي يصل إليها إلى أي خيط من لفائفها الأكفان. قوة خارقة تصلب عضلاتها وأعصابها ونسيج لحمها كله. تشعر أنها تتضخّم... وتتضخّم.. وأن للقماش إذ يبدأ يتمزّق صوت تشقق الصخر... هدير اندفاع الماء من أعالي الجبال. تغمض عينيها... تعبئ كلّ ذرة من إرادتها... إرادة الانتصار على الموت... إرادة الحياة. تعاند القدر.. تمشي بعكس اتجاه التيار... وتوقن أنه يجب ألاّ تتراجع... ألا تتعب أو تيأس. إنها المعجزة لو تمت في عصر لم يعد يعترف بالمعجزات. يا مسيحها... يا مسيح الإنسان فيها... ألا مدد من قوة خارقة فوق طاقة البشر؟ محكوم عليها بالموت... هي ورفيقها ولولا ذلك لما وضعوهما هكذا في هذه الغرفة محكمة الإغلاق. إنها غرفة الموت.. وعلى بابها مكتوب (الدخول محظور).
لحظات... ثم تسقط. في فوهة بركان تسقط. سواد... وحجارة لها ملامح البشر... وجماجم... وهياكل من العظم الصلب المتضخم. تزلزل الأرض... تنهار... وينفجر الرصاص.
تسمع أصواتاً مختلطة. صراخ وأنين وزعيق أطفال ونواح نساء. أذناها إذن سليمتان. تمد يديها... تلتصقان بدم حار لزج. تحاول أن تنتصب على قدميها. تقع. أما صوتها فلا يزال في حلقها محبوساً. تتمزق من أجل أن تصرخ... أن يسمعوها. إنه هاني... ورفاقه. إنهم هم. هل جاؤوا من أجلها؟ من أجل رفيقها؟ من أجلهما معاً؟
تبحث عنه... رفيقها. يحجبه ضباب رمادي.. تئز رصاصة أخرى مثل التي في مسدسه انطلقت مرة. هل هو الذي يطلق النار؟ لا تراه... لا ترى قدميها المشدودتين إلى الأرض بكتل من حديد.
ومن بعيد يهدر صوت النار.. وترتسم أمامها دائرة الصفر.
في الغرفة رقم صفر.
دمشق 1985
تعليق