الانصار
قصة قصيرة ***********
كان يجب علي ان ارجع لتكملة ساعات عملي في المكتب بعد ان تناولت طعام الغداء في منزلي ، و لكن فجاءة و دون سابق انذر او ربما كانت هناك بعض المؤشرات ولكن لم تكن لتنبئ بما حدث ، اشتدت الريح محملة بكل انواع الغبار ، فاصبح لون السماء احمر قاتم مائل الى السواد، وغاب نور الشمس، و قد عبر احدهم اننا في مدينتا عندما نريد ان نخرج الي النزهه نزور الصحراء و لكن في اوقات اخري تاتي الصحراء لتزورنا ، لذا قررت ان لا اعود الى العمل و بقيت في البيت.
اعددت قهوة تركية بدون سكر كما احبها، رفعت الفنجان اشتم عبقها، وجلست الي مكتبي والتقطت كتابا و جعلت اقرأ فيه دون تخطيط مسبق و كان كتابا في السيرة، وهنا بدأت حكايتي، وجدتني أسافرالى فضاء من الزمن قد مضي و عندما وصلت هناك كنت وحدي في ظلة ورأيت مشاهد ثلاثية الابعاد اكاد أحسها بيدي، حاولت الاقتراب اكثر ولكن منعني من التقدم حاجز شفاف من برزخ الزمن ، فوقفت انظر
مشهد مهيب خنقتني العبرة فيه، مشهد لا أدري لماذا ذرفت الدموع وانا أنظر اليه، هل هي دموع حزن و خوف؟ ، ام دموع فرح ؟ لا شئ مما سبق واقرب وصف وجدته هو دموع شفقة ! و لكن على من ؟ ، بالتاكيد على نفسي !!
كنت اشاهد القوم بعد غزوة حنين وقد وضعت الحرب اوزارها و بدات الوفود تدخل على رسول الله وجلهم من حديثي العهد بالاسلام ، وهذا رسول الله بجبينه الازهز وبهيبته وجماله ، بابي هو و امي ، خير من سعت به قدم ، وخير خلق الله كلهم، وفيه احسن ما في الاحسن الشيم ، فجعل عليه الصلاة والسلام يجزل لهم العطاء من الغنائم ، يأسرك جمال المشهد ، مشهد النصر ، تستنشق عبير نسائمه الباردة رغم ان غبار المعركة مازال عالقا في الافق ، و لكنه ابدا ليس مثل عاصفة الغبار الذي كانت تمر بمدينتنا.
وقف الانصار غير بعيد ينظرون والغنائم تختفي شيئا فشيئا من امام اعينهم ، فيجد حديثو السن منهم في انفسهم شيئا ، فيعلم رسول الله بذلك فيدعوهم الى قبه . و ياله من اجتماع و موقف ... تسمع رسول الله يطلب تفسيرا و توضيحا لما بدر من امرهم، فتجدهم يردون : لله ورسوله المنة والفضل ، في كل مرة يسالهم رسول الله، ياله من ادب جم و خلق سامي، الله اكبر!! ... يقولون: لله و رسوله المنة و الفضل!!! .. هكذا كانوا يردون دون تردد ، ثم ياتي حديث رسول الله لهم:
" أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتم ولصُدِّقتُم: أتيتنا مكذَّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألاترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة، لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا، وسلكتْ الأنصار شعبًا وواديًا لسلكتُ شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار, اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار"
الله ... الله ... الله ... يقول لهم الرسول الكريم : (ألاترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟) ... اي مقارنة تلك ... الشاء و البعير ... و رسول الله ... الله اكبر ... مشهد يبهتك جماله، فيلقي في نفسك جرعة هائلة من السرور و الغبطه لما وصل اليه هؤلاء القوم من رفعة في المقام ، مختلطة بشفقة علي نفسك انك لم تكن معهم ، و لم تحظي حتي بالنظر الى رسول الله ... و انا انظر الى المشهد متفرجا فقط رغم محاولاتي الاقتراب من الجمع و في كل مرة يصدني برزخ الزمن ... كم تمنيت ان اكون في مقدمة القوم و ابكي معهم و انا استمع الي تلك الكلمات ، و ارتمي في احضان رسول الله ، بابي هو وامي ، أقبل يديه واقبله من كل جانب و اقول مثلما قالوا : رضينا برسول الله قسما و حظا .
ربما تجد اشخاصا منفردين لهم نصيب من مكارم الاخلاق، و لكن ان تجد مجموعة من البشر في مكان واحد و زمان واحد تجتمع لديهم بمجموعهم و دون تردد مكارم الاخلاق ، ربما يكون ذلك من الصعوبة بمكان.
لم يجتمع لمجموعة من البشر ما اجتمع للانصار من مكارم الاخلاق، فوقاهم الله شح انفسهم ، فكان الايثار ممتزجا بالكرم و الجود، والرحمة و التواضع، ورضى النفس، و قوة الايمان بالله وعطاءة وباليوم الاخر ، وحب غير محدود لله ورسوله، فاحبهم الله و رسوله.
انتبهت ، فوجدت القهوة قد بردت ، فاحتسيت حسوات منها ، و شربت كوبا من الماء البارد، لعل ذلك يهدئ من روعي قليلا فقد كانت رحلة ذات شجون ، فهل ياترى لو كنت معهم حقا رضيت بما رضوا به ؟ ام سيستزلني الشيطان فاكون من الفاسقين؟
انتهت ....
تعليق