تجلياتُ ايامٍ صدئة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالرحمن البيدر
    عضو الملتقى
    • 10-01-2012
    • 77

    تجلياتُ ايامٍ صدئة

    لم يكن بين ثنايا رأسها ومضة تشير إلى أنها ستنوء بهذا الكم من الهموم التي ما فتئت تتراكم حتى أصبحت كجبل يتكئ على كتفيها المتعبين , حين كانت يدها الناعمة تمسك بالمشط الخشبي وهو يخترق شعرها العاكس لأشعة الشمس الذهبية رسمت في مخيلتها الصغيرة ثمة إطارا ورديا لحياة بسيطة هادئة , لكنها
    الان اقتنعت أن الأيام تسير دون أن تصغي لأحد , وأن الايام دائما تستطيع الإفلات دون أن يتمكن منها احد ,
    شعرها الذي كان موشحا بالسواد بدأ الشيب يغزوه مثلما ينقض النهارعلى أطراف الليل المدلهم , في قلبها الخافق بلا هوادة ليس ثمة أمل , التجاعيد التي أمسكت بوجهها المحزون لم تعد تعني لها الكثير , بعد أن أصبح المعيارلديها مختلفا, استمرار دوران الحياة .. أو بلوغها أطراف الزمن لم يعد يعني الكثير ، الحياة بلا ملح .. الزمن متخم بالحروب .. متخم بالمأساة , ما زالت تتذكر آخر قهقهة لها في اليوم السابع لزواجها وهي تجلس على كرسي الخوص في الطرف الشمالي لحديقة البيت الذي حلمت أن تجعل منه واحة تعج بالحياة , حينها كانت أختها الكبرى - التي ماتت لاحقا بعد عجز كليتيها - توصيها .. إياك والهم .. إرمي همومك على الله .. كانت هي تصغي بانتباه واضح مثل طفلة حذقه تفتح ذراعيها لحياة هادئة بسيطة يطرزها الامل .
    ها هو الليل قد صبغ بلونه القاتم كل شيء .. البيوت .. الشوارع .. الأشجار .. وتقاسيم وجهها التي ضاعت بينها سنوات العمر , لقد فقدت أطراف تأملاتها ... كانت تستلقي في فراشها باستسلام وقلق واضحين ، عواء ذئاب يجوب الشوارع , السقوف تئن تحت وطأة أزيز الحوامات التي ما فتئت تسبح بعنجهية في سماء المدينة ...... قبل أن يستباح الزمن كانت السماء تحتضن النجوم بسكينة , وكانت هي تعرف جزءا من احتمالات مجرى الحياة , لكنها الآن ضاعت بين تقلبات الزمن , حرب ٌتلد أخرى .. حصار ٌيلد حصارا .. وهما ًيلد آخر .... كبر إبنها الوحيد في خضم هذه الأيام الموتورة بالقلق , أضاف قلقها على مستقبله هما آخر إلى ما تحمل من هموم , حين تنظر إلى الجبال كانت تراها صغيرة ... فهي ليست بحجم الهم الذي تحمله على كتفيها المتعبين اللذين يقتربان من الأرض حين تتوكأ على عكازها الخشبي الذي اقتطعه لها ابنها من شجرة التوت التي مازالت في وسط الحوش تراقب تقلبات الزمن , كانت شجرة التوت تنتظرعودة سلام كما تنتظره هي , فهو الذي زرعها منذ ان سكنوا هذه الدار , وكان يرويها رغم شحة الماء , كان يجمع الماء المستخدم في الغسيل ويكبه في حوضها حتى كبرت , اصبحت شجرة التوت جزءاً من العائلة فهي تذكرهم بسلام الذي كان يحب الجلوس في ظلالها وقت الصباح حين يتناول الشاي ويدخن سيكارته وهو ساند ظهره اليها ويستمع الى فيروز وهي تصدح في اذاعة بغداد .
    آه ... بدأت تقولها بصوت واضح دون أن يسمعها أحد , كانت مع هذا الهم تقترب من سلام في قفص الأسر الذي ولجه في الحرب الأولى , خلف أسوار القفص ثمة أسئلة .. عن المدينة .. وشجرة التوت .. وابنه الذي كبر .. والليل الذي كان وديعا , فرغم بساطة الحياة , إلا أنها كانت جميلة , أجمل ما فيها كان هدوء الليل وخفته , فهو لم يكن يطبق على صدر أحد ... كان مسالما ولم يألف عواء الذئاب , لقد طال فراقها مع سلام , وطال خصامها مع هذا الزمن الذي ما زالت بقعه المتعفنة تلطخ أيامها الصدئة , الحرب هي سبب كلما يحصل من ويلات , الناس قد نسوا تقريبا طقوس الزواج , والختان , والنجاح في الدراسة , فما يجري لا يمنح احدا فرصة للفرح أو للتأمل, إستفاقت قلقة من حلم ازعجها , أيعقل ان القدر قد ابتلاني ولا يريد ان يفارقني , ليس لدي الا هذا الولد , بدأت اخشى عليه كثيرا .... ترقب وانتظار مرعب , لا تريد ان تروي حلمها المزعج لولدها الذي بدأ يلح عليها في الذهاب الى الطبيب بعد أن اقلقه اصفرار وجهها وتهاوي قواها , رفضت الذهاب الى الطبيب ولكي تقنعه وتقلل من الحاحه عليها طلبت منه جلب بعض المسكنات من الصيدلية الملاصقة للمستشفى الوحيد في المدينة والذي يبعد عن دارهم ثلاثة كيلو مترات تقريبا , اسرع في المشي فليس لديه نقود زائدة عن الحاجة لكي يستأجر سيارة , وصل الصيدلية واشترى المسكنات التي طلبتها أمه , هم مسرعا للعودة الى البيت دون ان ينتبه وهو يعبر الشارع لتصدمه سيارة الاطفاء التي كانت تسير مسرعة باتجاه سوق المدينة لإطفاء حريق نشب في احد مخازن تجار الاسفنج . بعض القريبين من الحادث حملوه الى المستشفى وطلبوا من سائق سيارة الاطفاء استكمال مهمته , اصيب في ذلك الحادث بكسور في ساقيه , طلب من احد الحضور ايصال العلاج لامه وإخبارها بما جرى , تقاذفتها نوبات من القلق والاضطراب وهي تنتظر خبرا عن سبب تأخر ابنها الذي ايقنت انه قد حصل له مكروه , جاءها من يعطيها المسكنات ويخبرها بما حصل لابنها , استلت من قعر صدرها تنهيدة وقالت .... إن بعض الشر أهون .
    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحمن البيدر; الساعة 16-04-2012, 07:03. سبب آخر: بعض الكلمات
  • وردة الجنيني
    أديب وكاتب
    • 11-04-2012
    • 266

    #2
    شر اهون من شر المهم لم يمت/
    قبح الله الحروب واثارها على الناس/
    شكرا//

    تعليق

    • بيان محمد خير الدرع
      أديب وكاتب
      • 01-03-2010
      • 851

      #3
      قبل أن يستباح الزمن كانت السماء تحتضن النجوم بسكينة ..
      يااااااه لهذه الأحرف التي إختزلت حرقة في الكبد .. سرقت منا الحياة فالأمان هو الحياة .. فما جدوى لأي أمل .. إذا كنت ماشيا في الشارع أو راكبا حافلة و يأتي أناس جبناء ملثمون يطلقون النار عشوائيا .. دون أن تعرف من هم و ماذا يريدون فقط لإشاعة الفوضى و الذعر أصبحت مصائرنا بأيدي جهلة يريدون تقمص شخصية أبطال أفلام الأكشن .. و العكيد في مسلسل باب الحارة .. أو مسألة ثأر كل الإحتمالات مفتوحة و الخاسر الأوحد .. نحن من نمثل الإنسان بأحلامه البسيطة الوادعة .. الأمان و لمة العائلة واللقمة الهنيئة .. هل تصدقني أخي القدير عبدالرحمن أني أنا الآن جل أحلامي أن أمشي و أمشي في شوارع بلدي بأمان الله و أجلس قرب قبر والدي رحمهما الله .. و أغوص في نجوم سماء بلادي حتى إنبلاج الفجر و إنطلاق العصافير في رحلتها الصباحية مغردة أعذب الألحان .. ربما ستبقى هذه أمنيات و ستبقى الغربة قدر مقدر ..
      أشكرك الأديب الفاضل على رائعتك هذه التي أثارت شجن القلوب ..
      دمت بخير .. تقديري

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        أجدت التعبير عن الحالة...
        رغم بعض الطول و الإسهاب قبل أن يأتي الحدث في الأخير.
        لاحظت تكرار ...الذي و التي ..
        عدا ذلك سررت بالقراءة لك .
        تقديري.
        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        • عبدالرحمن البيدر
          عضو الملتقى
          • 10-01-2012
          • 77

          #5
          الاخت وردة الجنيني
          سعدت بمرورك
          دمت بخير

          تعليق

          • عبدالرحمن البيدر
            عضو الملتقى
            • 10-01-2012
            • 77

            #6
            الاستاذة بيان المحترمة
            اشعر بالم الغربة يتلظى بين اضلاعك
            سلمت ودمت
            مودتي وتقديري

            تعليق

            • عبدالرحمن البيدر
              عضو الملتقى
              • 10-01-2012
              • 77

              #7
              الاستاذة اسيا المحترمة
              شكرا لمرورك الكريم
              دمت بخير

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                كان لا بد أن تدخلنا في الحدث منذ أول نقرة على الكيبوورد
                لا أن تترك الأمور عائمة لنكتشف أنها تنتظر ولدها الذي ذهب لإحضار الدواء
                و أن يكون تركيزك أكبر ، و أكثر عفوية ، للتغلب على الاسترسال و التكرار الذي
                أذى القصة كثيرا

                أهلا بك أخي عبد الرحمن قاصا جميلا نتعلم منه

                محبتي
                sigpic

                تعليق

                يعمل...
                X