فَلْتَةُ يَد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.طاهر سماق
    طبيب وشاعر سوري
    • 24-10-2009
    • 154

    فَلْتَةُ يَد

    فَلْتَةُ يَد

    توقَّفْنا للتوِّ أمامَ سيّارةٍ سدَّتْ علينا الطريقَ من الحوبانِ إلى الكدَرَة، بوضعيةٍ اعتيادية.
    كان كلُّ شيءٍ يوحي بحصولِ كارثة .. رغمَ الهدوء المُطبقِ والصمتِ المُلتَف.
    أناسٌ ترجَّلوا من تلك السيارة وكأنَّ الطيرَ على رؤوسِهم .. يبدو في نظراتِهِمٌ الذُّعرُ وعلى ملامحِهِمُ الحيرةُ وفي حركاتِهِمُ الريبةُ والتَّطير.

    طريقُ الحوبانِ – الكدرةِ لا تُتيحُ لأيةِ مركبةٍ أن تسيرَ فيها بأسرعِ من سَيرِ الدَّواب.

    طريقٌ تملؤها سَلَخاتُ الصخورِ وحدباتُها كأنها قِطعةٌ من حَرَّة، تنشقُّ على خاصرة الجبلِ متلوِّيةً دونَ لينٍ ودونَ رحمةٍ بإطاراتِ السّيارات، ولا حتى بأقدامِ المُشاة إن سلكوها، حتى ليكادُ المرء يَجزمُ باستحالةِ حصولِ حادث سيرٍ عليها.


    في اليوم السابق تماماً كنتُ أشربُ الشاي مع العمِّ سالمٍ وابنهِ على ناصية الجبل المطلَّةِ على هذه الطريق.
    كانَ رجُلاً ودوداً ترتسمُ البسمةُ على محيَّاهُ السَّمْحِ مطلِقةً لنديمِه رحابَ الارتياحِ والطمأنينة.
    إنه يقطَعُ الحجارةَ الصَّلْدَةَ عن سفحِ الجبل بإزميلٍ ودُبُّورة .. حجارةٌ يُنسِّقُها في كُوَمٍ مُعَدَّةٍ للبيع للبنَّائين.


    اليوم ..
    انفلتتْ إحداها من بينِ يديه لتهوي متدحرجةً على سفح الجبلِ، لا تستهدِفُ أي شيءٍ سوى رأسَ سائقِ تلكَ السَّيارةِ لتُدميهِ فتصرعُهُ، وتترُكُه مستلقياً على المِقْوَدِ كأنه يأخذ قسطاً من الراحة.


    كان يضعُ ذراعَهُ اليسرى على حافة النافذة، تارِكاً المجالَ لدمائهِ كي تسيلَ على الصخورِ الناتئة في أرضية الطريق.
    توقَّفتْ حينَها سَيَّارتُهُ دونَ حِراك .. وفي ذاتِ اللحظة .. توقَّفَ النَّبضُ في جَنَباتِ صدرِه.


    في اليومِ التالي ..
    كانتْ مجموعةٌ من وجَهاءِ الكَدَرةِ وشيخها عبد الوهاب، يذهبون إلى بني يوسُف، يحمِلونَ ديَّةَ القتيلِ، ويرفعونَ عن أبي سالمٍ ما حُمِّلَ من وزْرٍ لم يكنْ قد حُمِّلَ مثلَهُ منذ أكثرَ من أربعين عاماً كان يعمل خلالها في قطع الحجارة على ذاتِ السفح.

    حجرٌ واحدةٌ سقطت في تلك الأعوامِ الأربعين .. لتختارَ رأساً بعينِها .. في ساعةٍ بعينِها.

    فـــسبحان الله.
    15/4/2012
  • وردة الجنيني
    أديب وكاتب
    • 11-04-2012
    • 266

    #2
    قصة حقيقية اكيد/
    سبحان الله ولا اله الا الله/
    ولا راد لقضائه/
    شكرا//

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      أهلا بك دكتور طاهر
      و أهلا بقصتك و أسلوبك الجميل في القص
      و لغتك الطيبة الخالية من العثرات ، و ليس هذا غريبا فأنت شاعر كما ارى أمامي
      و لكن هذا الجزء ، لم يضف شيئا للحالة ، و لم يغير طبيعة الأمور
      في اليومِ التالي ..
      كانتْ مجموعةٌ من وجَهاءِ الكَدَرةِ وشيخها عبد الوهاب، يذهبون إلى بني يوسُف، يحمِلونَ ديَّةَ القتيلِ، ويرفعونَ عن أبي سالمٍ ما حُمِّلَ من وزْرٍ لم يكنْ قد حُمِّلَ مثلَهُ منذ أكثرَ من أربعين عاماً كان يعمل خلالها في قطع الحجارة على ذاتِ السفح.

      حجرٌ واحدةٌ سقطت في تلك الأعوامِ الأربعين .. لتختارَ رأساً بعينِها .. في ساعةٍ بعينِها.

      فـــسبحان الله.
      فنحن نقدم الحالة دون أى تعليق منا ، بل نتركها تفعل في القارئ ما تشاء
      و لا نقدم قصة مدينة مثلا ، لنذكر كل ما يحدث فيها في وقت ، سواء كان يخدم القص أم لا !

      تقبل خالص محبتي
      و أهلا بك دوما و أبدا

      محبتي

      sigpic

      تعليق

      • د.طاهر سماق
        طبيب وشاعر سوري
        • 24-10-2009
        • 154

        #4
        شكراً لكِ أخت وردة .. وشكراً للأستاذ ربيع على هذا التعقيب ..
        وقعتُ في أكثر من قصة قدَّمتُها في ذاتِ المأزق .. وكأني أريد أن أضع انطباعي الأخير مستأثراً باستخلاصاتي .. غير تاركٍ المجال للقارئ كي يستخلص ما يشاء
        محبتي أستاذ ربيع .. وتقديري لملاحظتك

        تعليق

        • فايزشناني
          عضو الملتقى
          • 29-09-2010
          • 4795

          #5

          أخي طاهر حياك الله
          كما عهدتك ترصد حالات انسانية وتقدمها بطريقتك الخاصة
          الالتزم صفة تلزم نصوصك وهي تناصر الحق وقضايا الناس
          أرجو أن تكون بخير
          محبتي
          هيهات منا الهزيمة
          قررنا ألا نخاف
          تعيش وتسلم يا وطني​

          تعليق

          يعمل...
          X