بين المعقول و اللامعقول إلى أين تقودنا ( طلقة ) دينا نبيل
.. مقدمة
توخيت مواكبة النص في التحليل ، فأن ما أبديته من أراء من خلال التسلسل في طرح أفكاري وآرائي لم تكن نهائية ، لكني أردت أن أسير مع الكاتبة خطوة بخطوة حتى لا أترك ثغرة من ثغرات النص إلا وتناولتها بالتحليل لم أشأ أعطاء رأيي دفعة واحدة بل عمدت إلى مثل هكذا تحليل لنصل سوية إلى المضمون
النص النقدي
.... تستهل الأديبة دينا نبيل قصتها بطلقتين وهما كمدخل للقصة ،
طلقة .. تبتدئه بهما
وماءٌ يسيلُ .. من بين رجليها يبللُ المقعد ، في الأرضية بركةٌ تغمرُ قدميها ..من الناحية العلمية يمزق عنق المشيمة ويظهر الماء الأبيض وهو دلالة على قرب الولادة،
طلقة ..
ودماءٌ تنفجرُ .. بقعةٌ بنفسجيةٌ تعلو فستانها الأزرقَ ، لا تفرقُ كثيرًا عن لون شفتيها ..
في الطلقة الثانية هي ظهور بقع دموية قد تكون حمراء فاتحة أو وردية داكنة لتعطينا دلالة على حراجة موقفها لأن الولادة أ صبحت وشيكة ، وقد يسقط الجنين في الطريق أو في السيارة
الاستهلال خروج عن المألوف لأن صورة النقل أتت مشوشة وأن هناك تناقضا بين حقيقة ما حدث وبين مشاهدات السارد البصرية ، فهو بالكاد أن يرى تلك الفتاة ليميز ملامحها وشكلها فكيف بإمكانه أن يرى الماء النازل منها ، والدماء التي كونت بقعة على فستانها ، لذا فأن ما تم سرد ه
في هذا الاستهلال هو مدخل للقصة وهو بلسان الكاتبة ، عين الرقيب الأخر التي ترى الحدث من زاوية أكثر قربا ، والتي كانت بمثابة البديل للراوي في تهيئة أجواء النص، وشحنه بالأحداث
وبلغة ( أنا رجل ) ولكون السارد ذكرا لذا فأن تأثيره على النص يكون أكثر تشويقا وعمقا وتأثيرا فيما لو كانت الساردة امرأة لأن المرأة لها معالجاتها التي تمليها عليها غريزتها الأنثوية لذا فقد كان اختيارها لهكذا سرد موفق جدا ،
ننطلق لنتابع أحداث عنيفة ، مشدودين حتى النهاية ، فما أن تقترب السيارة حتى تبدأ معاناتها وآلامها تزداد وهي تبحث في هذه الظلمة عن منجد
(( مَنْ هذه المجنونة التي تخرجُ في مثلِ هذه الساعة من تلك الليلةِ العاصفةِ ؟! .. تنتظرُ الحافلة ؟ .. وحدها ؟! .. أين زوجُها أو أحدُ ذكور عائلتها ؟! .. ))
، وتدور في خلدنا نفس تساؤلات السائق ، لم هي وحيدة ...؟، تعاني آلام المخاض ، وبرودة الجو في تلك الليلة العاصفة ، والظلمة ، والرعود . وبلا رفيق . ليتبادر لنا أن شيء خفيا أكبر منها هو الذي جعلها تأتي وحيدة بلا معين ، . لقد جسدت الكاتبة مشاهد قريبة من سيناريو فيلم تتحكم الكاميرا في وضعية لقطاته فهي مابين لقطة بعيدة وأخرى قريبة فوضع المرأة وحركة السيارة ، والجو الماطر وعصف الريح وضوء البرق كلها استباقات إجرائية لغرض تحديد اللقطات التي يستند عليها المشهد وجمعها في مشاهد عدة ، ليكون لنا دراما مقروءة مرئية ، الفرق بين قصها وبين كتابة السيناريو إنها تناولت النص بشكل أدبي ، قد لا يحتاجه كاتب السيناريو لأنه معني بالمرئيات.!
أن هذا التمازج بين مشاهد الطبيعة وتقلباتها والانعكاسات النفسية واضطراب البطل أضفى على النص جوا تراجيديا ، جعل من النص شكسبيري الصياغة في تصويره لمصائب لا تأتي فرادى ، مما أعاد ذاكرتي إلى مشهد من مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير ) (عندما يجتمع المتآمرون يوافق " بروتوس " على اغتيال " قيصر " وفي دراما عنيفة المشاهد
في صباح اليوم التالي الواقع في الخامس عشر من آذار. و في ليلة الرابع عشر من آذار تضطرب الطبيعة، وتبدو أنوار غريبة في السماء، وتنشق القبور وتسير الأشباح، ويهيمن جو من الرعب على المدينة.))
فهو يربط بين الهياج وثورة الطبيعة واضطرابها وبين محاولة اغتيال يوليوس قيصر ،
"ما أفعل ؟! .. إلى أين آخذكِ ؟!" ..
هي حيرة تلف الرجل الذي ضاعت السبل أمامه لنجدتها ما لذي يفعله وهو يقود سيارته دون هداية ، وفي متاهة صوتها الذي راح يفزعه ، يربكه ويوتره ، التصوير هنا كان في غاية الإتقان
وكأننا نشاهده بأعيننا ، بل نشارك الفتاة آلامها وخوفها، ونشارك الرجل حيرته واضطرابه
تصوير يجمع بين التقريرية في النقل ، والألم الجسدي ، والصراع النفسي ، والدراما ، ورغم أن الكاتبة جعلتنا نعيش أجواء من كآبة خانقة ، لكنها استطاعت
أن تعطينا بصيص ضوء نميز فيه الطريق ،
وهكذا عودتنا دينا فقصها أراه كأدب يريد أن يقفز من طبيعته المقروءة ليكون كالحياة ، صورة مرئية ، وهذا النوع من الأدب يحتاج
إلى قدرات فنية وإبداعية قد لا نجدها إلا عند القليل وأرى أن الكاتبة تستمد هذه الإمكانية من مخزونها الثقافي والفكري وقدرتها على التحليل والاستقراء ولكونها ناقدة فهي تستطيع أن تخلق لقصها مقومات نجاحه ، وهي قاصة بارعة تستطيع أن تشد القارئ ليكون جزءا من ثلاثي النص
( الكاتب ، و طريقة السرد ، والثيمة .).
الحوار جاء في غاية الاقتضاب ليكمل الحبكة والتي جاءت بتصاعد تواتري ، وكأنها تخترق طريقا ضبابيا ، ملبدا بغيوم أسرار تلك المرأة التي فككنا بعضا منه ،
نزلتُ من سيارتي ، أسندتُّها إلى كتفي وهي تسندُ أسفلَ بطنها المتكورِ المنتفخِ بيدها ، جسمُها الباردُ ينتفضُ بين ذراعيّ .. "ما أفعل ؟! .. إلى أين آخذكِ ؟!" ..
قد يبدو سؤاله ساذجا ، أمام هكذا حالة لكنه سؤال لابد منه ليكون بداية لحديث
قد تكون هي البادئة بقتل كل ما يختلج نفسه من فضول لتبوح له بالسر الخفي وراء ذلك الخروج المريب ، ولكن الآلام اكبر من أن تبوح بما يخالجها من مشاعر لتؤكد لنا القاصة إن فن القصة القصيرة هو ليس نقلا مباشرا للحدث وإنما هو مشاركة وجدانية تكتمل فصولها بين القارئ والقاص والموضوع , وهي تتناول جوهر المشكلة ولا تهتم بالشكليات والديباجات النمطية التي لازال الكثير غير متحرر منها ، يدفعها إحساس وهاجس نفسي لتناول هذه الأخلاقيات بما لديها من إمكانيات إبداعية ، فهي ترصد الحدث ثم ، تستخدم أدواتها الفنية بتفكيكه وتحليله وفق رؤيا متحررة من تبعات العمل ، بل لها القدرة أن تجعلك أحد شخوص النص
فأنت الباحث مع البطل عن عناوين الأطباء أو المستشفيات ، وأنت المتوجس خيفة من طريق مشحون بالآلام والبكاء والصراخ ، وتشارك السائق مقود السيارة ، والوقت مشترك معكم في تزامن مع حركة عجلات السيارة ،
تنقطع أنفاسنا وهذا التصاعد الارتدادي التواتري للحدث لا تترك لك مجالا لأن تجذب تلك الأنفاس ، حتى تصل وإياها إلى نهاية تلك الهواجس التي سيطرت على العمل الفني ونحن منشغلون بالمتوقع والممكن وبالمتحقق ، وكل ذلك مسيطر عليه بإمكانيات عجيبة ، فهي تمسك باللجام جيدا ولا تعطي لقلمها الفرصة بأن يزوغ
في تشتت نشاز خارج إطار العمل لديها السيطرة الكلية على زاوية الرؤية ومتابعة الحدث بدقة ، والغور في أعماق العقدة
صراخُها يوتّرُني .. أنسَاني العناوينَ والأماكن!، كلُّ المباني متشابهةٌ .. ضخمةٌ غارقةٌ في صمتٍ عجيبٍ ، يجعلها أكثرَ وحشةً من ظلِّ خلفيةٍ للوحةِ أطلالٍ مقبورة ، تستثيرُ هلعي باقتدار! .. في تلك المدينة الغريبة التي هجرها سكانها هذه الليلة فقط ، لا تتحركُ سوى سيارتي الهوجاء تدورُ في متاهةٍ ، تتعملقُ الدقائقُ ، تضغطُ أعصابي .. تنحتُها بأزميلٍ .. تتساقطُ فتاتاً بسيارتي أدهُسُه ، بينما أنا مشلولٌ على المقود!
لربما هذا النص وحده ،والذي أضطرني لقراءته عدة مرات وبعمق استبين صوره وأستجلي مكنوناته وبهذه الصياغة الحاذقة التي رسمت به الكاتبة مشاهده وهي تنبض بالحياة والتي اعتمد ت على تصوير فيه محاكاة للحدث وتجسيد بلاغي هو الوصول إلى قمة الإبداع حيث تتعملق الصور الوصفية ويتصاعد الخط البياني للحدث وينمو التوتر الانفعالي الذي أصاب البطل وشل تفكيره ، فاقدا الرؤيا أمام حالة محيرة لا يملك إزاءها حيلة غير أن تسعفه ذاكرته إلى أقرب مكان يلقي به حمل أعباءه
مشاهد حية نراها بعين لا تزوغ ، بل تشدنا إلى متابعة الحدث ، لأنها تخترق الأعماق ، وتجدك منقاد إلى أن تشارك البطل انفعالاته وحيرته
أن واحدة من الحقائق الواضحة (هكذا نتصور أو يمليه علينا الواقع ) في مثل هكذا شخصية إنها شخصية لا تمتلك الخبرة في الحياة وليس لها دراية بما يكتنف الليل من أسرار وربما لو أشارت الكاتبة الغاية من خروجه في هذا الليل البهيم ، لربما أعطى النص تكاملا في حلقاته التي أغلقت بإحكام وجعلت من البطلة الوحيدة التي تعاني ،
ولكن ثمة معاناة هي الأخرى تتجلى في تصرفات البطل المرتبكة ، ( وهذا وحده يثير في دواخلنا مشاعر من الشك والريبة)
مشاهد تقودنا إلى حالة تبدل سلوكية الفرد أثناء المرور بمحنة
حيث يمر بعدة أدوار وظيفية
الصراع حيث تتولد هذه المشاعر نتيجة الحيرة والارتباك ، والتي مر بها البطل و الروادع والموانع التي يمكنها أن تحول دون الوصول إلى القرار الصحيح وهذا ناتج عادة أما من عدم الخبرة ، ووجود موانع و روادع ذاتية ، أو إن ثمة غايات تدور في نفسه
تتشبثُ بذراعي وتمرِّغُ وجهَها في كتفي ، تسمِّرني في مُدن فزعي التي أجتازُها بمركبتي .. أردتُ قطعَ ذلك الصراخ الجنوني بنزر حديثٍ عاقلٍ .. " من أنتِ؟ .. كيف أتصل بأهلك ؟ " .
هنا يفقد المنطق لديه قدرته على استيعاب الحقيقة ، بل أن السؤال هنا في غاية السذاجة وهو يوضح لنا ربما حيرته واضطرابه ، كيف لها أن تخبره عن أهلها وهي الهاربة من الفضيحة متسترة برداء الليل بعد أن تمكنت منها ألام الطلق ، فيما فسر لنا ذلك هو أنه حديث عاقل
ولربما هو كان على معرفة تامة بها لكن الكاتبة أرادت التمويه على الحقيقة بحوار داخلي يحاول من خلاله السائق التنصل من مسؤوليته
. أحاولُ لَملمةَ شتاتها .. " لمَ تبكين ؟ "
ليس من المنطق أن يسأل الفتاة عن سر بكاءها ، وهو يراها بهذه الحال إلا أذا كان يخفي سؤالا أخرا ،( وهو إني سأ ذهب بك إلى المستشفى وينتهي كل شيء )
تمسكُ بأسفل بطنها ترفعُه وتضمُ فخذيها بارتعادٍ .. " لا أريدُ أن ألد ! .. ليتني أحبسُه في ( عُنقي )، تنحشر رأسُه بداخلي فيختنق .. قبل أن أسمعَ صُراخه .. قبل أن أراه .. قبل أن أشتمَ جلده الورديّ ، عندما للدنيا أُطلقُه ! "
وتبدأ الصورة تتجلى لنا بكل تفاصيلها هنا يتحول الشك إلى يقين لم تكن البطلة إلا امرأة تعيش حالة من القلق ومحاولة للهروب من واقع أقل ما يو صمها بأنها زانية ، طرحتها دينا دون أن تعطيننا مبررا أو سببا لجنوحها ولكنها جعلتنا نتعاطف معها ، لم تكن بنت هوى ، بل كانت ضحية لمن هتك عرضها واستباح جسدها قد تكون نزوة عابرة ، أو تكون محاولة اغتصاب استسلمت لها مرغمة ، أو حالة خداع أوقعتها في شباك محكمة النسج ، تعاطفنا معها ،
تتكرر صور الحرام في الأدب والسينما فتبقى الصور عالقة في الذهن ،فحين صور فلم الحرام لهنري بركات أحدث ضجة كبيرة في المجتمع لأنه يحاكي واقعا معاشا وكان من الأفلام المتميزة في السينما المصرية لحد هذه الساعة ولازال تأثيره باقيا و تأثير فلم البوسطجي لا يقل أهمية ، وفي الأدب تناول الأديب الكبير طه حسين في دعاء الكروان حالة الفتاة المظلومة ، وكلنا تعاطفنا مع أولئك البطلات لأننا عرفنا السبب أما بطلة دينا فقد بقت شخصية يلفها الغموض وبقينا حتى النهاية باحثين عن الأسباب وراء سقوطها في براثن الخطيئة
....
طلقة .. طلقة ..
يسيلُ الماء .. تنفجرُ الدماء ..
بركةٌ في أرضية السيارة .. وبقعةٌ على الفستان ..
وأزرارُ الفُستان على عجلٍ تفكُّها .. قد استعرَ جسدُها .. تَرْشحُ من الثنايا .. تجتاحها الرّجفات ، يعلو الصُّراخ وتمسكُ ببطنها .." لا .. لا تنزلْ !!"
وتتضح في هذه اللقطة حالة كانت متداخلة في النص تبدو غير منسجمة مع واقعية السرد وتثير تساؤلا منطقيا ـ وهو كيف أن السائق رأى هذه التفاصيل الدقيقة رغم الظلام الدامس ولم أشأ أن أكشف الحقيقة حتى يصل القارئ معي إلى هذه النقطة ليكون هناك عنصر شد ولا أريد فضح مكنون النص في البداية ، حيث أن دينا بدأت السرد من ما بعد البداية بقليل فرسمت لنا صورة بالفلاش باك لتصورات السائق قبل أن يركبها السيارة ، وما أن وصلت إلى البداية التي بدأت منها في استهلال القصة حتى استرسلت بالسرد الطبيعي وهي تقنية جديدة في القصة القصيرة حاولت فيها التمويه على القارئ لتذويب الفاصل الزمني بالحدث
- "سننزلُ ! .. هيا ، ها هو المشفى !"
تأبَى .. يجذبُها بكلتا يديه .. تتشبثُ بالمقعد وتصيحُ في وجهه .." دعني أموتُ هنا ! ".. يحاولُ إخراجها من السيارة وهي تسحبُ نفسَها إلى الداخل .. تجلسُ مستعرضةً لتنحشرَ في الباب ..
تخشى عالماً سيتغيرُ فيه اسمها .. تحزرُ أن توسمَ بختمٍ لن يبارحَها
الحدث هنا يظهر لنا بثلاث أبعاد كل مشهد منه هو محاولة قد تفضي للخلاص
الخلاص من هذا الجنين ومن هواجسها وآلامها
رغبة السائق في أن ينتهي من ذلك الواجب الذي فرضته عليه الصدفة وإنسانيته وربما شيئا خفيا بعد أن قدم ما عليه ،
محاولاتها أن تضع حدا لأقاويل الناس وما سيحدثه هذا الإنجاب من وصمة عار ستكون لصيقة بها ..
حين تنفصلُ عن بناتِ جنسها اسماً ومضموناً ..
حين تتصلُ بوليدها بذاك الحبلِ ( السِّري ) كأمٍّ عرجاء ..
حين ترسفُ مترعةً بالألم في حجرِ أمومةٍ شوهاء .
تتحول تلك الولادة إلى أحساس بألم من نوع آخر ألم نفسي يتراوح بين الشعور بالذنب والإحساس بالنقص وكونها ستصبح منبوذة لأنها لم تعد تنظر بعين المساواة مع بنات جنسها فستصبح هي حاملة لعارها بأحضانها ، ترى خطيئتها بعينيها ، العلاقة التي تربطهما علاقة تخفي ورائها سر وجوده فهي لم تعني بالحبل السري ذلك الذي يربط الجنين بالمشيمة بل هو ذلك السر الذي سيكون ملازما لهما طيلة حياتهما
...
كم هي عسيرةٌ إزاحتكِ ! ..
مؤلمٌ خمشكِ إياي !
أ تُراهم يُسرعون نحوي يخلصُونني من مخالبها المستحكمة ؟! .. يشدُّونها من ذراعيها ورجليها ليجلسُوها على كرسيٍ مدولبٍ .. يمرقون بها وسطَ سيولِ الأمطار .. العجلاتُ تنزلقُ بين طينٍ وماءٍ .. وقطراتِ دماء .. يُشظِّيني أزيزُها تحت دورانها المرتجف ..
....نعم الإزاحة عسيرة ،
وفي تصوير مشهد يقترب من سيناريو أفلام الأكشن ،تتحول الكاتبة من تصوير سردي بطيء الوقع إلى أحداث متسارعة ومشوقة تشدنا إليها بلهفة تجعل أنفاسنا تتسارع لنصل إلى الغاية
التي تريد ها الكاتبة فهي تصعد الخط البياني الوظيفي للنص إلى الذروة وفق تقنية مستوحاة من السينما ، فهي لم تقدم مشهدا مترابطا بل قطعته إلى مقاطع على طريقة المونتاج السينمائي لتشكل بمجموعها تشابكا في الرؤى وحيرة ليس لها حدود عبرت عنها البطلة بمحاورات داخلية (مونولوج داخلي )و محاولات حثيثة (تصوير خارجي لمشاهد قريبة )لإنقاذ الفتاة من قبل الفريق الطبي ورغبة للسائق بأن ينهي تلك القصة ليطمئن إلى إنها قد تعدت مرحلة الخطر ،
وربما مشهد عملية الولادة هي أشد المشاهد قسوة فهي لم تصور أطباء بل أوحت لنا بجزارين يحيطون بذبيحة يحاولون تقطيعها إربا ،إربا . وقد صورت هؤلاء الأطباء بلا رحمة ولا قلوب ،فهي شبهت تحلقهم بها بأنه تكالب
وشبهت المريضة بالذبيحة ، أذن هناك غاية من وراء هذا التشبيه وهذه الغاية لم تكن وجهة نظر القاصة بل هي نظرة الفتاة إلى الأطباء ، فهي لم تشعر بأنهم سيخلصونها من عذاباتها بل هم من سيكشفون عن ما كانت تخبئه من فضيحة تكورت في بطنها وأخفتها عن عين راصد أو رقيب طيلة هذ ه الأشهر ، هي شعرت بأنهم كمن يساهم في قتلها ، وذبحها فربما تلك المشارط ستكون خناجرا بأيدي أهلها سيقطعونها ويمزقوها إربا ، إذا ما أتت بدليل خيانتها بيدها
السائق لم يكن شاهد عيان على تلك الولادة بدء من دخولها إلى المشفى وحتى دخولها ردهة الولادة بل هي إيحاءات و تصورات ذهنية راح يتوقع حدوثها
أوقد يكون القصد حاضرا وإن الكاتبة أرادت أن تنقل شكلا من أشكال التخاطر الذهني بين السائق والفتاة ، وهي تستعيض بهذه التصورات عما يدور في خلد الفتاة التي ستشغلها آلام المخاض عن كل تفكير لذا أرادت من السائق أن يتكلم بلسان حال الفتاة ، وهذا ما أعطى النص حالة من السريالية السردية ، فالنص يبدو وكأنه يدور في دوامة اللا معقول
-- "ها هو الرأسُ ..! .. هيا .. ادفعي لأسفلَ قليلاً ! .. تنفّسي ! "
تتم الولادة وتنتهي رحلة الآلام وينزل مؤشر الحدث إلى المستوى الذي بدأت منه الكاتبة ، بل تجمدت الحركة في النص ، حتى بدت رتيبة ، وتموت البطلة ، ويكون السائق هو الكافل لأبن الحرام هذا ،
وكأنه هو المسئول عما حدث ، يقودنا الشك إلى عدة تساؤلات
تقربنا من هذه التخمين إنه أب لهذا الولد
قد يفرز الواقع حالات إنسانية ولكن في مثل هكذا حالة لا يقدم الشخص على خطوة أكثر من إيصالها إلى المستشفى ليتولى بعد ذلك المعنيين رعايتها فقد يخاف الرجل أن يكون عرضة للمسائلة القانونية ، وربما اتهام يتهم به ،
من قبل عائلتها بأن يكون هو الجاني ،لذا فما أن يوصل الفتاة حتى يتحين الفرصة للهرب من المسؤولية ، ورغم ذا فإن مثل هذا الفرض قد لا يكون عاما لأن الإنسان قد يقدم على حماقات قد تؤدي به إلى حتفه ، وهذا مالا أريد التوغل به لأن بعض الأخوة النقاد يريد فرض رأيه على الكاتب وجعل ماهو عام حالة خصوصية ، ولكن الذي يقوم بعملية الولادة يبتسم له وسيعطيه الأذن برؤية الوليد ، والاقتراب من الفتاة ، وثمة لهفة في داخله لم يفصح عنها تشده لرؤية هذا الوليد ، أهي رغبة بالفضول ..؟ أم غريزة الأبوة
يخرج به يلفه ويضمه بشغف لا يعرف أين يذهب ، لا يعرف وقد دفع إليه دفعا ، دون أدنى سؤال ، طفل قد يكون عمره ساعات يخرج من المستشفى مع شخص مجهول الهوية ، أخذه دونما أي استعداد لتبنيه ، يترك المرأة مسجاة تحت كشاف أضواء غرفة العمليات ،
القصة تسقط الكثير من الحسابات المنطقية المفروضة ، فبين المعقول والمفروض والواجب تسقط كم من الحقائق والتي تجعلنا ندور في تيه وعدم دراية
وهنا تعاملت الكاتبة مع القارئ أما على أساس العفوية ، وإنها أعدت النص للقراءة فقط دون أن تترك لنا مجالا بأن نسأل ، أو إن غاية خفية تكمن وراء الأحداث
ولكن كاتبة مثل دينا لا أعتقد إنها تستهين بذكاء القارئ لذا فالعقدة
تكمن في هذا الإصرار على المتابعة وإن جعلت من عملية التخاطر الذهني كطريق لإيصال أفكار الفتاة ، وهذا أيضا يقودنا إلى حقيقة مفترضة أن مثل هذا التقارب الذهني لابد وأن يخفي وراءه سرا
انهيار الرجل من هول ما شاهد بعد أن سرى خدر في جسده الطفل يبحث عن صدر دافئ يطعمه ، لكنه يموت ، لتنتهي الحكاية ، وربما ينتهي النص ونرتاح من عناء رحلة طويلة بين شد وجذب ، ولكن السطور الأخيرة جعلت للحكاية بدايات أخرى
ستولد من جديد
البطل أراد طلقة تنسف رأسه لتخرجه من عذاب ضمير دائم من عالمه الموبوء بالخداع والإيقاع بالنساء والغدر بهن ، فلم تكن المرأة تلك هي إلا ضحية له ولم تكن ضحيته الأولى بل سبقتها ضحايا أخرى ، ولم يكن الطفل هو الأسود المعدني ، بل إن المقصود به أفعاله هو ـ لذا فهو يراها سوداء قاتمة ، نعم فمن هول ما رأى تكشفت له حقيقة أعماله وطيشه فانقشاع الغيامات هي صحوة من الضمير لديه
هذا الضمير الذي ظل غائبا عنه وكان يقول له
بأن أفعاله لا تأتي إلا من أبن حرام
كان في حالة تأنيب لنفسه ، جعله يتمنى الموت
هذه الحقيقة تعيده إلى ذات الحكاية التي تتكرر كل حين في ضحية أخرى من ضحاياه ، وكم هن أولئك الضحايا لا أحد يعرف يختم حواره الداخلي بهذه الكلمات
والتي بطلتُها في كلِ مرةٍ ..
تلك التي ألعنُها كلَ يومٍ! "
أي شيء يلعنه غير تلك النزوة العابرة وهذه الشهوة التي سيطرت عليه وحولته إلى قاتل ومجرم ، أذن فصاحبنا لم تكن إنسانيته هي التي جعلته يقدم على محاولة إنقاذها ، وأن كم التساؤلات التي وضعتها في التحليل كانت في حسابات الكاتبة ، حيرة البطل ، لم تكن جهلا منه بل لأن في رأسه يحاك مخطط أخر ربما قتلها لتموت الجريمة وتدفن معها
تقديري للجميع
ولأديبة واعية تحترم وعي القارئ وذكاءه
.. مقدمة
توخيت مواكبة النص في التحليل ، فأن ما أبديته من أراء من خلال التسلسل في طرح أفكاري وآرائي لم تكن نهائية ، لكني أردت أن أسير مع الكاتبة خطوة بخطوة حتى لا أترك ثغرة من ثغرات النص إلا وتناولتها بالتحليل لم أشأ أعطاء رأيي دفعة واحدة بل عمدت إلى مثل هكذا تحليل لنصل سوية إلى المضمون
النص النقدي
.... تستهل الأديبة دينا نبيل قصتها بطلقتين وهما كمدخل للقصة ،
طلقة .. تبتدئه بهما
وماءٌ يسيلُ .. من بين رجليها يبللُ المقعد ، في الأرضية بركةٌ تغمرُ قدميها ..من الناحية العلمية يمزق عنق المشيمة ويظهر الماء الأبيض وهو دلالة على قرب الولادة،
طلقة ..
ودماءٌ تنفجرُ .. بقعةٌ بنفسجيةٌ تعلو فستانها الأزرقَ ، لا تفرقُ كثيرًا عن لون شفتيها ..
في الطلقة الثانية هي ظهور بقع دموية قد تكون حمراء فاتحة أو وردية داكنة لتعطينا دلالة على حراجة موقفها لأن الولادة أ صبحت وشيكة ، وقد يسقط الجنين في الطريق أو في السيارة
الاستهلال خروج عن المألوف لأن صورة النقل أتت مشوشة وأن هناك تناقضا بين حقيقة ما حدث وبين مشاهدات السارد البصرية ، فهو بالكاد أن يرى تلك الفتاة ليميز ملامحها وشكلها فكيف بإمكانه أن يرى الماء النازل منها ، والدماء التي كونت بقعة على فستانها ، لذا فأن ما تم سرد ه
في هذا الاستهلال هو مدخل للقصة وهو بلسان الكاتبة ، عين الرقيب الأخر التي ترى الحدث من زاوية أكثر قربا ، والتي كانت بمثابة البديل للراوي في تهيئة أجواء النص، وشحنه بالأحداث
وبلغة ( أنا رجل ) ولكون السارد ذكرا لذا فأن تأثيره على النص يكون أكثر تشويقا وعمقا وتأثيرا فيما لو كانت الساردة امرأة لأن المرأة لها معالجاتها التي تمليها عليها غريزتها الأنثوية لذا فقد كان اختيارها لهكذا سرد موفق جدا ،
ننطلق لنتابع أحداث عنيفة ، مشدودين حتى النهاية ، فما أن تقترب السيارة حتى تبدأ معاناتها وآلامها تزداد وهي تبحث في هذه الظلمة عن منجد
(( مَنْ هذه المجنونة التي تخرجُ في مثلِ هذه الساعة من تلك الليلةِ العاصفةِ ؟! .. تنتظرُ الحافلة ؟ .. وحدها ؟! .. أين زوجُها أو أحدُ ذكور عائلتها ؟! .. ))
، وتدور في خلدنا نفس تساؤلات السائق ، لم هي وحيدة ...؟، تعاني آلام المخاض ، وبرودة الجو في تلك الليلة العاصفة ، والظلمة ، والرعود . وبلا رفيق . ليتبادر لنا أن شيء خفيا أكبر منها هو الذي جعلها تأتي وحيدة بلا معين ، . لقد جسدت الكاتبة مشاهد قريبة من سيناريو فيلم تتحكم الكاميرا في وضعية لقطاته فهي مابين لقطة بعيدة وأخرى قريبة فوضع المرأة وحركة السيارة ، والجو الماطر وعصف الريح وضوء البرق كلها استباقات إجرائية لغرض تحديد اللقطات التي يستند عليها المشهد وجمعها في مشاهد عدة ، ليكون لنا دراما مقروءة مرئية ، الفرق بين قصها وبين كتابة السيناريو إنها تناولت النص بشكل أدبي ، قد لا يحتاجه كاتب السيناريو لأنه معني بالمرئيات.!
أن هذا التمازج بين مشاهد الطبيعة وتقلباتها والانعكاسات النفسية واضطراب البطل أضفى على النص جوا تراجيديا ، جعل من النص شكسبيري الصياغة في تصويره لمصائب لا تأتي فرادى ، مما أعاد ذاكرتي إلى مشهد من مسرحية يوليوس قيصر لشكسبير ) (عندما يجتمع المتآمرون يوافق " بروتوس " على اغتيال " قيصر " وفي دراما عنيفة المشاهد
في صباح اليوم التالي الواقع في الخامس عشر من آذار. و في ليلة الرابع عشر من آذار تضطرب الطبيعة، وتبدو أنوار غريبة في السماء، وتنشق القبور وتسير الأشباح، ويهيمن جو من الرعب على المدينة.))
فهو يربط بين الهياج وثورة الطبيعة واضطرابها وبين محاولة اغتيال يوليوس قيصر ،
"ما أفعل ؟! .. إلى أين آخذكِ ؟!" ..
هي حيرة تلف الرجل الذي ضاعت السبل أمامه لنجدتها ما لذي يفعله وهو يقود سيارته دون هداية ، وفي متاهة صوتها الذي راح يفزعه ، يربكه ويوتره ، التصوير هنا كان في غاية الإتقان
وكأننا نشاهده بأعيننا ، بل نشارك الفتاة آلامها وخوفها، ونشارك الرجل حيرته واضطرابه
تصوير يجمع بين التقريرية في النقل ، والألم الجسدي ، والصراع النفسي ، والدراما ، ورغم أن الكاتبة جعلتنا نعيش أجواء من كآبة خانقة ، لكنها استطاعت
أن تعطينا بصيص ضوء نميز فيه الطريق ،
وهكذا عودتنا دينا فقصها أراه كأدب يريد أن يقفز من طبيعته المقروءة ليكون كالحياة ، صورة مرئية ، وهذا النوع من الأدب يحتاج
إلى قدرات فنية وإبداعية قد لا نجدها إلا عند القليل وأرى أن الكاتبة تستمد هذه الإمكانية من مخزونها الثقافي والفكري وقدرتها على التحليل والاستقراء ولكونها ناقدة فهي تستطيع أن تخلق لقصها مقومات نجاحه ، وهي قاصة بارعة تستطيع أن تشد القارئ ليكون جزءا من ثلاثي النص
( الكاتب ، و طريقة السرد ، والثيمة .).
الحوار جاء في غاية الاقتضاب ليكمل الحبكة والتي جاءت بتصاعد تواتري ، وكأنها تخترق طريقا ضبابيا ، ملبدا بغيوم أسرار تلك المرأة التي فككنا بعضا منه ،
نزلتُ من سيارتي ، أسندتُّها إلى كتفي وهي تسندُ أسفلَ بطنها المتكورِ المنتفخِ بيدها ، جسمُها الباردُ ينتفضُ بين ذراعيّ .. "ما أفعل ؟! .. إلى أين آخذكِ ؟!" ..
قد يبدو سؤاله ساذجا ، أمام هكذا حالة لكنه سؤال لابد منه ليكون بداية لحديث
قد تكون هي البادئة بقتل كل ما يختلج نفسه من فضول لتبوح له بالسر الخفي وراء ذلك الخروج المريب ، ولكن الآلام اكبر من أن تبوح بما يخالجها من مشاعر لتؤكد لنا القاصة إن فن القصة القصيرة هو ليس نقلا مباشرا للحدث وإنما هو مشاركة وجدانية تكتمل فصولها بين القارئ والقاص والموضوع , وهي تتناول جوهر المشكلة ولا تهتم بالشكليات والديباجات النمطية التي لازال الكثير غير متحرر منها ، يدفعها إحساس وهاجس نفسي لتناول هذه الأخلاقيات بما لديها من إمكانيات إبداعية ، فهي ترصد الحدث ثم ، تستخدم أدواتها الفنية بتفكيكه وتحليله وفق رؤيا متحررة من تبعات العمل ، بل لها القدرة أن تجعلك أحد شخوص النص
فأنت الباحث مع البطل عن عناوين الأطباء أو المستشفيات ، وأنت المتوجس خيفة من طريق مشحون بالآلام والبكاء والصراخ ، وتشارك السائق مقود السيارة ، والوقت مشترك معكم في تزامن مع حركة عجلات السيارة ،
تنقطع أنفاسنا وهذا التصاعد الارتدادي التواتري للحدث لا تترك لك مجالا لأن تجذب تلك الأنفاس ، حتى تصل وإياها إلى نهاية تلك الهواجس التي سيطرت على العمل الفني ونحن منشغلون بالمتوقع والممكن وبالمتحقق ، وكل ذلك مسيطر عليه بإمكانيات عجيبة ، فهي تمسك باللجام جيدا ولا تعطي لقلمها الفرصة بأن يزوغ
في تشتت نشاز خارج إطار العمل لديها السيطرة الكلية على زاوية الرؤية ومتابعة الحدث بدقة ، والغور في أعماق العقدة
صراخُها يوتّرُني .. أنسَاني العناوينَ والأماكن!، كلُّ المباني متشابهةٌ .. ضخمةٌ غارقةٌ في صمتٍ عجيبٍ ، يجعلها أكثرَ وحشةً من ظلِّ خلفيةٍ للوحةِ أطلالٍ مقبورة ، تستثيرُ هلعي باقتدار! .. في تلك المدينة الغريبة التي هجرها سكانها هذه الليلة فقط ، لا تتحركُ سوى سيارتي الهوجاء تدورُ في متاهةٍ ، تتعملقُ الدقائقُ ، تضغطُ أعصابي .. تنحتُها بأزميلٍ .. تتساقطُ فتاتاً بسيارتي أدهُسُه ، بينما أنا مشلولٌ على المقود!
لربما هذا النص وحده ،والذي أضطرني لقراءته عدة مرات وبعمق استبين صوره وأستجلي مكنوناته وبهذه الصياغة الحاذقة التي رسمت به الكاتبة مشاهده وهي تنبض بالحياة والتي اعتمد ت على تصوير فيه محاكاة للحدث وتجسيد بلاغي هو الوصول إلى قمة الإبداع حيث تتعملق الصور الوصفية ويتصاعد الخط البياني للحدث وينمو التوتر الانفعالي الذي أصاب البطل وشل تفكيره ، فاقدا الرؤيا أمام حالة محيرة لا يملك إزاءها حيلة غير أن تسعفه ذاكرته إلى أقرب مكان يلقي به حمل أعباءه
مشاهد حية نراها بعين لا تزوغ ، بل تشدنا إلى متابعة الحدث ، لأنها تخترق الأعماق ، وتجدك منقاد إلى أن تشارك البطل انفعالاته وحيرته
أن واحدة من الحقائق الواضحة (هكذا نتصور أو يمليه علينا الواقع ) في مثل هكذا شخصية إنها شخصية لا تمتلك الخبرة في الحياة وليس لها دراية بما يكتنف الليل من أسرار وربما لو أشارت الكاتبة الغاية من خروجه في هذا الليل البهيم ، لربما أعطى النص تكاملا في حلقاته التي أغلقت بإحكام وجعلت من البطلة الوحيدة التي تعاني ،
ولكن ثمة معاناة هي الأخرى تتجلى في تصرفات البطل المرتبكة ، ( وهذا وحده يثير في دواخلنا مشاعر من الشك والريبة)
مشاهد تقودنا إلى حالة تبدل سلوكية الفرد أثناء المرور بمحنة
حيث يمر بعدة أدوار وظيفية
الصراع حيث تتولد هذه المشاعر نتيجة الحيرة والارتباك ، والتي مر بها البطل و الروادع والموانع التي يمكنها أن تحول دون الوصول إلى القرار الصحيح وهذا ناتج عادة أما من عدم الخبرة ، ووجود موانع و روادع ذاتية ، أو إن ثمة غايات تدور في نفسه
تتشبثُ بذراعي وتمرِّغُ وجهَها في كتفي ، تسمِّرني في مُدن فزعي التي أجتازُها بمركبتي .. أردتُ قطعَ ذلك الصراخ الجنوني بنزر حديثٍ عاقلٍ .. " من أنتِ؟ .. كيف أتصل بأهلك ؟ " .
هنا يفقد المنطق لديه قدرته على استيعاب الحقيقة ، بل أن السؤال هنا في غاية السذاجة وهو يوضح لنا ربما حيرته واضطرابه ، كيف لها أن تخبره عن أهلها وهي الهاربة من الفضيحة متسترة برداء الليل بعد أن تمكنت منها ألام الطلق ، فيما فسر لنا ذلك هو أنه حديث عاقل
ولربما هو كان على معرفة تامة بها لكن الكاتبة أرادت التمويه على الحقيقة بحوار داخلي يحاول من خلاله السائق التنصل من مسؤوليته
. أحاولُ لَملمةَ شتاتها .. " لمَ تبكين ؟ "
ليس من المنطق أن يسأل الفتاة عن سر بكاءها ، وهو يراها بهذه الحال إلا أذا كان يخفي سؤالا أخرا ،( وهو إني سأ ذهب بك إلى المستشفى وينتهي كل شيء )
تمسكُ بأسفل بطنها ترفعُه وتضمُ فخذيها بارتعادٍ .. " لا أريدُ أن ألد ! .. ليتني أحبسُه في ( عُنقي )، تنحشر رأسُه بداخلي فيختنق .. قبل أن أسمعَ صُراخه .. قبل أن أراه .. قبل أن أشتمَ جلده الورديّ ، عندما للدنيا أُطلقُه ! "
وتبدأ الصورة تتجلى لنا بكل تفاصيلها هنا يتحول الشك إلى يقين لم تكن البطلة إلا امرأة تعيش حالة من القلق ومحاولة للهروب من واقع أقل ما يو صمها بأنها زانية ، طرحتها دينا دون أن تعطيننا مبررا أو سببا لجنوحها ولكنها جعلتنا نتعاطف معها ، لم تكن بنت هوى ، بل كانت ضحية لمن هتك عرضها واستباح جسدها قد تكون نزوة عابرة ، أو تكون محاولة اغتصاب استسلمت لها مرغمة ، أو حالة خداع أوقعتها في شباك محكمة النسج ، تعاطفنا معها ،
تتكرر صور الحرام في الأدب والسينما فتبقى الصور عالقة في الذهن ،فحين صور فلم الحرام لهنري بركات أحدث ضجة كبيرة في المجتمع لأنه يحاكي واقعا معاشا وكان من الأفلام المتميزة في السينما المصرية لحد هذه الساعة ولازال تأثيره باقيا و تأثير فلم البوسطجي لا يقل أهمية ، وفي الأدب تناول الأديب الكبير طه حسين في دعاء الكروان حالة الفتاة المظلومة ، وكلنا تعاطفنا مع أولئك البطلات لأننا عرفنا السبب أما بطلة دينا فقد بقت شخصية يلفها الغموض وبقينا حتى النهاية باحثين عن الأسباب وراء سقوطها في براثن الخطيئة
....
طلقة .. طلقة ..
يسيلُ الماء .. تنفجرُ الدماء ..
بركةٌ في أرضية السيارة .. وبقعةٌ على الفستان ..
وأزرارُ الفُستان على عجلٍ تفكُّها .. قد استعرَ جسدُها .. تَرْشحُ من الثنايا .. تجتاحها الرّجفات ، يعلو الصُّراخ وتمسكُ ببطنها .." لا .. لا تنزلْ !!"
وتتضح في هذه اللقطة حالة كانت متداخلة في النص تبدو غير منسجمة مع واقعية السرد وتثير تساؤلا منطقيا ـ وهو كيف أن السائق رأى هذه التفاصيل الدقيقة رغم الظلام الدامس ولم أشأ أن أكشف الحقيقة حتى يصل القارئ معي إلى هذه النقطة ليكون هناك عنصر شد ولا أريد فضح مكنون النص في البداية ، حيث أن دينا بدأت السرد من ما بعد البداية بقليل فرسمت لنا صورة بالفلاش باك لتصورات السائق قبل أن يركبها السيارة ، وما أن وصلت إلى البداية التي بدأت منها في استهلال القصة حتى استرسلت بالسرد الطبيعي وهي تقنية جديدة في القصة القصيرة حاولت فيها التمويه على القارئ لتذويب الفاصل الزمني بالحدث
- "سننزلُ ! .. هيا ، ها هو المشفى !"
تأبَى .. يجذبُها بكلتا يديه .. تتشبثُ بالمقعد وتصيحُ في وجهه .." دعني أموتُ هنا ! ".. يحاولُ إخراجها من السيارة وهي تسحبُ نفسَها إلى الداخل .. تجلسُ مستعرضةً لتنحشرَ في الباب ..
تخشى عالماً سيتغيرُ فيه اسمها .. تحزرُ أن توسمَ بختمٍ لن يبارحَها
الحدث هنا يظهر لنا بثلاث أبعاد كل مشهد منه هو محاولة قد تفضي للخلاص
الخلاص من هذا الجنين ومن هواجسها وآلامها
رغبة السائق في أن ينتهي من ذلك الواجب الذي فرضته عليه الصدفة وإنسانيته وربما شيئا خفيا بعد أن قدم ما عليه ،
محاولاتها أن تضع حدا لأقاويل الناس وما سيحدثه هذا الإنجاب من وصمة عار ستكون لصيقة بها ..
حين تنفصلُ عن بناتِ جنسها اسماً ومضموناً ..
حين تتصلُ بوليدها بذاك الحبلِ ( السِّري ) كأمٍّ عرجاء ..
حين ترسفُ مترعةً بالألم في حجرِ أمومةٍ شوهاء .
تتحول تلك الولادة إلى أحساس بألم من نوع آخر ألم نفسي يتراوح بين الشعور بالذنب والإحساس بالنقص وكونها ستصبح منبوذة لأنها لم تعد تنظر بعين المساواة مع بنات جنسها فستصبح هي حاملة لعارها بأحضانها ، ترى خطيئتها بعينيها ، العلاقة التي تربطهما علاقة تخفي ورائها سر وجوده فهي لم تعني بالحبل السري ذلك الذي يربط الجنين بالمشيمة بل هو ذلك السر الذي سيكون ملازما لهما طيلة حياتهما
...
كم هي عسيرةٌ إزاحتكِ ! ..
مؤلمٌ خمشكِ إياي !
أ تُراهم يُسرعون نحوي يخلصُونني من مخالبها المستحكمة ؟! .. يشدُّونها من ذراعيها ورجليها ليجلسُوها على كرسيٍ مدولبٍ .. يمرقون بها وسطَ سيولِ الأمطار .. العجلاتُ تنزلقُ بين طينٍ وماءٍ .. وقطراتِ دماء .. يُشظِّيني أزيزُها تحت دورانها المرتجف ..
....نعم الإزاحة عسيرة ،
وفي تصوير مشهد يقترب من سيناريو أفلام الأكشن ،تتحول الكاتبة من تصوير سردي بطيء الوقع إلى أحداث متسارعة ومشوقة تشدنا إليها بلهفة تجعل أنفاسنا تتسارع لنصل إلى الغاية
التي تريد ها الكاتبة فهي تصعد الخط البياني الوظيفي للنص إلى الذروة وفق تقنية مستوحاة من السينما ، فهي لم تقدم مشهدا مترابطا بل قطعته إلى مقاطع على طريقة المونتاج السينمائي لتشكل بمجموعها تشابكا في الرؤى وحيرة ليس لها حدود عبرت عنها البطلة بمحاورات داخلية (مونولوج داخلي )و محاولات حثيثة (تصوير خارجي لمشاهد قريبة )لإنقاذ الفتاة من قبل الفريق الطبي ورغبة للسائق بأن ينهي تلك القصة ليطمئن إلى إنها قد تعدت مرحلة الخطر ،
وربما مشهد عملية الولادة هي أشد المشاهد قسوة فهي لم تصور أطباء بل أوحت لنا بجزارين يحيطون بذبيحة يحاولون تقطيعها إربا ،إربا . وقد صورت هؤلاء الأطباء بلا رحمة ولا قلوب ،فهي شبهت تحلقهم بها بأنه تكالب
وشبهت المريضة بالذبيحة ، أذن هناك غاية من وراء هذا التشبيه وهذه الغاية لم تكن وجهة نظر القاصة بل هي نظرة الفتاة إلى الأطباء ، فهي لم تشعر بأنهم سيخلصونها من عذاباتها بل هم من سيكشفون عن ما كانت تخبئه من فضيحة تكورت في بطنها وأخفتها عن عين راصد أو رقيب طيلة هذ ه الأشهر ، هي شعرت بأنهم كمن يساهم في قتلها ، وذبحها فربما تلك المشارط ستكون خناجرا بأيدي أهلها سيقطعونها ويمزقوها إربا ، إذا ما أتت بدليل خيانتها بيدها
السائق لم يكن شاهد عيان على تلك الولادة بدء من دخولها إلى المشفى وحتى دخولها ردهة الولادة بل هي إيحاءات و تصورات ذهنية راح يتوقع حدوثها
أوقد يكون القصد حاضرا وإن الكاتبة أرادت أن تنقل شكلا من أشكال التخاطر الذهني بين السائق والفتاة ، وهي تستعيض بهذه التصورات عما يدور في خلد الفتاة التي ستشغلها آلام المخاض عن كل تفكير لذا أرادت من السائق أن يتكلم بلسان حال الفتاة ، وهذا ما أعطى النص حالة من السريالية السردية ، فالنص يبدو وكأنه يدور في دوامة اللا معقول
-- "ها هو الرأسُ ..! .. هيا .. ادفعي لأسفلَ قليلاً ! .. تنفّسي ! "
تتم الولادة وتنتهي رحلة الآلام وينزل مؤشر الحدث إلى المستوى الذي بدأت منه الكاتبة ، بل تجمدت الحركة في النص ، حتى بدت رتيبة ، وتموت البطلة ، ويكون السائق هو الكافل لأبن الحرام هذا ،
وكأنه هو المسئول عما حدث ، يقودنا الشك إلى عدة تساؤلات
تقربنا من هذه التخمين إنه أب لهذا الولد
قد يفرز الواقع حالات إنسانية ولكن في مثل هكذا حالة لا يقدم الشخص على خطوة أكثر من إيصالها إلى المستشفى ليتولى بعد ذلك المعنيين رعايتها فقد يخاف الرجل أن يكون عرضة للمسائلة القانونية ، وربما اتهام يتهم به ،
من قبل عائلتها بأن يكون هو الجاني ،لذا فما أن يوصل الفتاة حتى يتحين الفرصة للهرب من المسؤولية ، ورغم ذا فإن مثل هذا الفرض قد لا يكون عاما لأن الإنسان قد يقدم على حماقات قد تؤدي به إلى حتفه ، وهذا مالا أريد التوغل به لأن بعض الأخوة النقاد يريد فرض رأيه على الكاتب وجعل ماهو عام حالة خصوصية ، ولكن الذي يقوم بعملية الولادة يبتسم له وسيعطيه الأذن برؤية الوليد ، والاقتراب من الفتاة ، وثمة لهفة في داخله لم يفصح عنها تشده لرؤية هذا الوليد ، أهي رغبة بالفضول ..؟ أم غريزة الأبوة
يخرج به يلفه ويضمه بشغف لا يعرف أين يذهب ، لا يعرف وقد دفع إليه دفعا ، دون أدنى سؤال ، طفل قد يكون عمره ساعات يخرج من المستشفى مع شخص مجهول الهوية ، أخذه دونما أي استعداد لتبنيه ، يترك المرأة مسجاة تحت كشاف أضواء غرفة العمليات ،
القصة تسقط الكثير من الحسابات المنطقية المفروضة ، فبين المعقول والمفروض والواجب تسقط كم من الحقائق والتي تجعلنا ندور في تيه وعدم دراية
وهنا تعاملت الكاتبة مع القارئ أما على أساس العفوية ، وإنها أعدت النص للقراءة فقط دون أن تترك لنا مجالا بأن نسأل ، أو إن غاية خفية تكمن وراء الأحداث
ولكن كاتبة مثل دينا لا أعتقد إنها تستهين بذكاء القارئ لذا فالعقدة
تكمن في هذا الإصرار على المتابعة وإن جعلت من عملية التخاطر الذهني كطريق لإيصال أفكار الفتاة ، وهذا أيضا يقودنا إلى حقيقة مفترضة أن مثل هذا التقارب الذهني لابد وأن يخفي وراءه سرا
انهيار الرجل من هول ما شاهد بعد أن سرى خدر في جسده الطفل يبحث عن صدر دافئ يطعمه ، لكنه يموت ، لتنتهي الحكاية ، وربما ينتهي النص ونرتاح من عناء رحلة طويلة بين شد وجذب ، ولكن السطور الأخيرة جعلت للحكاية بدايات أخرى
ستولد من جديد
البطل أراد طلقة تنسف رأسه لتخرجه من عذاب ضمير دائم من عالمه الموبوء بالخداع والإيقاع بالنساء والغدر بهن ، فلم تكن المرأة تلك هي إلا ضحية له ولم تكن ضحيته الأولى بل سبقتها ضحايا أخرى ، ولم يكن الطفل هو الأسود المعدني ، بل إن المقصود به أفعاله هو ـ لذا فهو يراها سوداء قاتمة ، نعم فمن هول ما رأى تكشفت له حقيقة أعماله وطيشه فانقشاع الغيامات هي صحوة من الضمير لديه
هذا الضمير الذي ظل غائبا عنه وكان يقول له
بأن أفعاله لا تأتي إلا من أبن حرام
كان في حالة تأنيب لنفسه ، جعله يتمنى الموت
هذه الحقيقة تعيده إلى ذات الحكاية التي تتكرر كل حين في ضحية أخرى من ضحاياه ، وكم هن أولئك الضحايا لا أحد يعرف يختم حواره الداخلي بهذه الكلمات
والتي بطلتُها في كلِ مرةٍ ..
تلك التي ألعنُها كلَ يومٍ! "
أي شيء يلعنه غير تلك النزوة العابرة وهذه الشهوة التي سيطرت عليه وحولته إلى قاتل ومجرم ، أذن فصاحبنا لم تكن إنسانيته هي التي جعلته يقدم على محاولة إنقاذها ، وأن كم التساؤلات التي وضعتها في التحليل كانت في حسابات الكاتبة ، حيرة البطل ، لم تكن جهلا منه بل لأن في رأسه يحاك مخطط أخر ربما قتلها لتموت الجريمة وتدفن معها
تقديري للجميع
ولأديبة واعية تحترم وعي القارئ وذكاءه
تعليق