ليلة التكريم
---------
عليّ الجلوس هنا على المقعد الأزرق الوثير أنتظر دوري، أعتلي المنصة لأتسلم وسام الدولة التشجيعية من الدرجة الأولى نيابة عن والدي- يرحمك الله،
كم تمنيتُ أن تكون حاضراً تجلس مكاني مزهواً تتأبط دفاترك الملونة وقلمك، تلمع عيناك حين يرنّ اسمك مجلجلاً في كل القاعة، تتجه للمسرح، تتسلم بنفسك الوسام، يلفه حول عنقك مسؤول رفيع المستوى من وزارة الثقافة ويقبلك.
تستدير إلى الجمهور ممتناً، تنحني شاكراً ، وتعجّ القاعة بتصفيق حارّ، وتنهال عليك ورود جورية حمراء، ووجهك يتألق خجلاً بحمرة شاهقة، ثم تعتلي المنصة تلقي كلمة ناصعة البيان، وتعود راجعاً بين أضواء الكاميرات وكلمات الاستحسان، تعود لنلتقي في حضن طويل، تبكي فرحاً. ما أحوجني الآن إلى مثل هذا الحضن وتلك النظرة!
كنت تحب القصائد كأنها بناتك ، تعتني بها وتدللها حتى نغار منها، تدخل خلوتك تقبع الساعات تكتب وتكتب، لا تردّ على هاتف أو طارق على بابك، يتوقف الزمن عند باب مكتبك الموصد كأنك تصنع زمانا آخر تعيشه.
عندما تنتهي تخرج علينا ملوّحاً بورقة كأنك خرجت للتوِّ من معركة بنصر عظيم, وتلهج بالقراءة والإعادة، مازال صوتك دافئاً مرتعشاً، أسمعه كأنك تولد في كل كلمة تنطقها ونحن متحلّقون حولك فرحين نصغي باهتمام، وتطلب منّا الرأي، مازال القلم نابضاً في يديك، يعدّل وينقّح وينسّق ويشكّل في الورقة.
كنتَ بالنسبة لي مثل مسلّة شامخة، لم أقتنع بسهولة بموتك، ظللت أهزّك وأناديك مرات وأنت منكفئ على مكتبك وتلك القصيدة أمامك خضراء نابتة على الورقة تنتظر لمسة قلمك.
كم أجفلني رحيلك باكراً، كنت تكره الابتعاد عني، في كل سفر تعانقني وتدمع عيناك وتقول: أنت رجل الدار؛ كن مكاني وافعل كل شيء كما أتمنى. ها أنا اليوم في مكانك، فوق كتفي حمل لا أطيقه، كيف أتسلم جائزة كنت تتنمنى أن تلمسها بيديك؟!
لكنه شرف لم تحظَ به طيلة حياتك رغم أشعارك المطبوعة ومقالاتك الأدبية الراقية وجهودك الخلاقة في خدمة اللغة العربية وتراثها...
هذا الوسام الذي سأستلمه الآن، شرف عظيم يُضاف إلى سيرتك الذاتية، أنت أحق به؛ ولذلك سأصعد إلى المسرح وأتسلم الوسام مزهوًّا كأني أرى عينيك المبتهجتين ثم ألقي على الجمهور قصيدتك ، وعندما تعج القاعة بالتصفيق أشعر أن الزمن يتغير، وأنك عدت تجلس بين الحضور تصفّق راضياً،وتلوح لي بقلمك وأنا غارق في ورود المهنئين.
-------------
نهى رجب محمد
ريشة المطر
22|9|2010
أتشرف بكل قلم أصيل وكلمة نبيلة
تعليق