كنت أسير.. أسير على غير هدى .. لا أعرف لي مكاناً أتيت منه .. ولا أعرف مكاناً أذهب إليه..فقط أسير بلا توقف !
عشرات المحال والعمائر والمطاعم والأسواق والبيوت والفيلات مرت أمام عيني.. مرت..تباعدت .. تبخرت .. وفي لحظة أخرى أبطأت .. تقاربت .. تكاثفت خالقة لي عالم كضباب الأحلام أسير من خلاله.. كما يسير النائم وسط جنازة حبيب في حلم.. يعرف من هو.. لكن لا يعرف له اسماً .. يشعر بالحزن.. لكنه يدرك في غموض إنه ليس حزناً حقيقياً.. وأن حبيبه لم يمت .. وأنه سوف يصحو على يد تهزه.. ليجد حبيبه يبتسم في وجهه.. ويقول له برقة :
" قم ! ناموسيتك كحلي ! "
هكذا ! هكذا كنت أرى الأشياء من حولي..
كم من مرة توقفت أمام بيت أو سوق أو محل ولدى شعور طاغيا بأنني أعرف هذا المكان.. نعم !
أنا أعرف هذا البيت .. لقد دخلته من قبل.. وهناك ( بالأمارة ) لوحة في الصالون تمثل ولداً صغيراً يبكي !
وذلك المحل.. أجل ! إنني أعرفه ولقد سبق وأن اشتريت منه لعبة على شكل قرد صغير يقرع بيديه على الطبلة.. اشتريتها لطفلة جميلة ذهبية الشعر.. وأذكر جيداً أنها قبلتني.. عندما حملت لها الهدية.. وقالت لي :
" شكراً يا ..."
لا أتذكر بما نادتني.. ولا ما هو اسمها..ولا أين تقيم !
************
مضيت أهيم على وجهي.. تتقاذفني الشوارع والحارات.. نمت في مسجد " الحسين " ليلة .. وفي مساجد أخرى ليالي أخرى كثيرة.. كان الناس يعطفون علي.. وكان خدام المساجد ومؤذنيها يرأفون بحالي ويسمحون لي بالمبيت فيها.. لم يكن حالي بالغاً غاية السوء.. فهناك على الأقل من يضمن لي لقمة تقويني ومكان أبيت فيه .. وقد حاول أولاد الحلال الاستدلال على شخصيتي بكل الطرق ..ففتشوا بدقة الملابس التي كنت أرتديها ساعة العثور على هائماً بالقرب من الحسين .. وقلبوا محتويات الحقيبة الصغيرة التي كانت بحوزتي وقتها .. فتشوها وأعادوا تفتيشها مرات عدة .. حتى أنهم مزقوا الجيوب السرية فيها وانتزعوا الحشو الداخلي .. ولما يئس أهل الخير من هذا الطريق.. نشروا صورتي في جريدة كبري وتحتها نداء لأي شخص يعرفني أو يعتقد أنه يعرفني .. بل ووضع الناس صوري على عربات نصف نقل ومروا بها عبر عدة مناطق من القاهرة دون جدوى !
************
مرت على سنوات طويلة وأنا على هذه الحال.. ولم يكن حالي يشغلني كثيراً.. فقد أطلق على الناس الطيبون في الحسين أسماً .. وخلقوا لي عملاً في أحد الأسواق.. وكنت أكسب ما يقيم أودى ويقيني شر الحاجة.. وكنت أواظب على الصلاة والصوم.. ولم أكن أصلى لله كما يصلى سائر الناس..بل كنت أفرح بدخول وقت الصلاة وأهرع لأؤديها بشوق ولهفة ..ألست أقف بين يدي الله الذي هو وحده يعرف من أكون ؟!
ولما دنت النهاية .. رقدت في غرفتي مستسلماً للقدر مسلماً أمري لربي.. ربي الذي خلقني وسواني وهو أقرب إلى من حبل الوريد.. وعندما داهمني النزع الأخير وجدني الناس الملتفون حولي أبتسم.. أبتسم لهذا المخلوق الذي أراه ولا يرونه ..وكيف لا أبتسم وقد ابتسم لي وناداني باسمي..
اسمي الحقيقي.. الذي لم أعرفه إلا الآن ؟!
عشرات المحال والعمائر والمطاعم والأسواق والبيوت والفيلات مرت أمام عيني.. مرت..تباعدت .. تبخرت .. وفي لحظة أخرى أبطأت .. تقاربت .. تكاثفت خالقة لي عالم كضباب الأحلام أسير من خلاله.. كما يسير النائم وسط جنازة حبيب في حلم.. يعرف من هو.. لكن لا يعرف له اسماً .. يشعر بالحزن.. لكنه يدرك في غموض إنه ليس حزناً حقيقياً.. وأن حبيبه لم يمت .. وأنه سوف يصحو على يد تهزه.. ليجد حبيبه يبتسم في وجهه.. ويقول له برقة :
" قم ! ناموسيتك كحلي ! "
هكذا ! هكذا كنت أرى الأشياء من حولي..
كم من مرة توقفت أمام بيت أو سوق أو محل ولدى شعور طاغيا بأنني أعرف هذا المكان.. نعم !
أنا أعرف هذا البيت .. لقد دخلته من قبل.. وهناك ( بالأمارة ) لوحة في الصالون تمثل ولداً صغيراً يبكي !
وذلك المحل.. أجل ! إنني أعرفه ولقد سبق وأن اشتريت منه لعبة على شكل قرد صغير يقرع بيديه على الطبلة.. اشتريتها لطفلة جميلة ذهبية الشعر.. وأذكر جيداً أنها قبلتني.. عندما حملت لها الهدية.. وقالت لي :
" شكراً يا ..."
لا أتذكر بما نادتني.. ولا ما هو اسمها..ولا أين تقيم !
************
مضيت أهيم على وجهي.. تتقاذفني الشوارع والحارات.. نمت في مسجد " الحسين " ليلة .. وفي مساجد أخرى ليالي أخرى كثيرة.. كان الناس يعطفون علي.. وكان خدام المساجد ومؤذنيها يرأفون بحالي ويسمحون لي بالمبيت فيها.. لم يكن حالي بالغاً غاية السوء.. فهناك على الأقل من يضمن لي لقمة تقويني ومكان أبيت فيه .. وقد حاول أولاد الحلال الاستدلال على شخصيتي بكل الطرق ..ففتشوا بدقة الملابس التي كنت أرتديها ساعة العثور على هائماً بالقرب من الحسين .. وقلبوا محتويات الحقيبة الصغيرة التي كانت بحوزتي وقتها .. فتشوها وأعادوا تفتيشها مرات عدة .. حتى أنهم مزقوا الجيوب السرية فيها وانتزعوا الحشو الداخلي .. ولما يئس أهل الخير من هذا الطريق.. نشروا صورتي في جريدة كبري وتحتها نداء لأي شخص يعرفني أو يعتقد أنه يعرفني .. بل ووضع الناس صوري على عربات نصف نقل ومروا بها عبر عدة مناطق من القاهرة دون جدوى !
************
مرت على سنوات طويلة وأنا على هذه الحال.. ولم يكن حالي يشغلني كثيراً.. فقد أطلق على الناس الطيبون في الحسين أسماً .. وخلقوا لي عملاً في أحد الأسواق.. وكنت أكسب ما يقيم أودى ويقيني شر الحاجة.. وكنت أواظب على الصلاة والصوم.. ولم أكن أصلى لله كما يصلى سائر الناس..بل كنت أفرح بدخول وقت الصلاة وأهرع لأؤديها بشوق ولهفة ..ألست أقف بين يدي الله الذي هو وحده يعرف من أكون ؟!
ولما دنت النهاية .. رقدت في غرفتي مستسلماً للقدر مسلماً أمري لربي.. ربي الذي خلقني وسواني وهو أقرب إلى من حبل الوريد.. وعندما داهمني النزع الأخير وجدني الناس الملتفون حولي أبتسم.. أبتسم لهذا المخلوق الذي أراه ولا يرونه ..وكيف لا أبتسم وقد ابتسم لي وناداني باسمي..
اسمي الحقيقي.. الذي لم أعرفه إلا الآن ؟!
تعليق