القصيدة البوليفونية
Polyphonie Pome
وشعريــــــــــة تعـــدد الأصوات
قراءة فـي المدونة الشعــــــــــرية الكاملة
لـ (د .عبد العزيـــز المقالــــــح)
دكتــــــــــــــــــور : أحمـــد عــــزي صغيـــــــــــر
أستاذ النقد الأدبي المشارك
جامعة الحديدة = اليمن
.................................................. ........................
مدخل..
مصطلح ( بوليفونيـة Polyphonie
أحد المصطلحات الموسيقية ’ يتكون من كلمتين : كلمة فون Phone ’ وتعني صوت و كلمة بولي Poly و تعني تعدد(1) و قد استعار النقاد المعاصرون هذا المصطلح لاستعماله في الحقل الروائي ’ ونحن نحاول في هذه الدراسة توسيع مجال استخدامه و تطبيقه على النص الشعري ’ بوصفه خطاباً أدبياً ذا طابع سردي ’ لاستقصاء و فحص ظاهرة تعبيرية و فنية كشفت عنها مسيرة الشعر العربي الحديث ’ الذي انفتح على الأنواع الأدبية الأخرى ’ و أخذ ينهل من فضاءاتها بما يتلاءم و خصوصيته الشعرية’ انطلاقاً من اعتقادنا أن النص الشعري ’ على الرغم من هيمنة الرؤية الأحادية فيه ’ إلا أنه يظل محتفظاً بالتعددية ’ شأنه شأن الخطاب الأدبي عموماً الذي لا يشير إلى صوت قائله أو وجهة نظره حسب ’ بل يشير إلى صوت الآخر’ فالخطاب الأدبي ’ عموماً ’ خطاب حواري في جوهره ’ بوصفه محطة لالتقاء الأصوات و الرؤى في فضاء مشترك(2) و قد اخترنا الأعمال الشعرية الكاملة للدكتور الشاعر / عبد العزيز المقالح حقلاً تطبيقياً لهذه الدراسة ’ بوصفه أحد رموز الشعر العربي المعاصر ’ مع الأخذ في الاعتبار الفوارق النوعية و خصوصية كل نوع أدبي في التعامل مع هذه الظاهرة
إن جوهر عملية التجديد يكمن في قدرة الشعر على تجاوز حالات العقم في الفن، وعدم الوقوف على أشكال معينة من التعبير وتقديم رؤية مشخصة عن الحياة –الرؤيا التي يريدها الشاعر معتمداً على التجربة الخلاقة أداءً وتوصيلاً (3)
في ضوء ذلك سعت حركة الحداثة الشعرية للانفتاح على الأنواع الأدبية الأخرى , و توظيف بعض تقنياتها في بنية النص الشعري لاستثمار طاقاتها الإيحائية , و الخروج من دائرة التواتر المألوف و تحقيق قدر من تعدد الأصوات في النص الشعري , و كان القناع – بمرجعياته وفلسفاته وأشكاله المتنوعة- واحداً من هذه التقنيات التي استثمرتها الشعرية العربية الحديثة ’ فالقناع "حالة من التماهي أو التلبس بشخصية أخرى تختفي فيها شخصية الشاعر وتنطق خلال النص بدلاً منه."(4) وقد وصفه البياتي بأنه "الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعرنفسه متجرداً من ذاتيته (5) ولعل أول إشارة غير مباشرة إلى أسلوب القناع مصطلحاً كانت تلك التي تضمنتها مقدمة "أغاني مهيار الدمشقي"(6) لكن هذه الإشارة لم تكن اصطلاحاً لأسلوب القناع بقدر ما كانت معنىً له، فقد جاء فيها: "يلجأ علي أحمد سعيد (أدونيس) إلى طريقة جديدة في التعبير الشعري، هي إبداع شخصية جديدة تتقمص خواطره ومشاكله ونوازعه وتجسد حياته وتجربته، هي شخصية مهيار الدمشقي "(7) إلا أن "الإشارة الصريحة إلى القناع مصطلحاً أسلوبياً في الشعر الحديث كانت لدى عبد الوهاب البياتي في (تجربتي الشعرية)
وأول من استخدمه من النقاد كان فاضل ثامر في (وجه البياتي عبر قناع الخيام)(8) والقناع من تقنيات القصيدة الجديدة يلعب دوراً أساسياً في بنية القصيدة , فمن خلاله يتجرد الشاعر عن ذاتيته، فيبتعد عن انكشاف العاطفة مما يضفي على صوته نبرة موضوعية أو شبه محايدة تعينه على الابتعاد عن الغنائية المباشرة (9) و الشاعر اليمني – بوصفه جزءاً من الشعرية العربية و أحد أدواتها - أدرك هذا البعد الفني والدور التقني للقناع , واستطاع التعامل معه بفنية ناضجة وكانت وظيفة القناع لديه تتنوع على وفق فكرة القصيدة و موقف الشاعر وربما كان الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح واحداً من أبرز شعراء قصيدة القناع ليس على مستوى اليمن حسب بل على مستوى الشعر العربي بعامة .
وقصيدة القناع في شعر عبد العزيز المقالح - من الناحية الفنية - تنقسم على قسمين: الأول القناع التام الخالص : ونقصد به قناع الشخصية التي لا تسمح للشاعر بتعديل صوتها أو الخروج عما ارتبطت به من أحداث , فيكون تقمص الشاعر لها تقمصاً تاماً, بحيث يسيطر صوت القناع كلياً على النص. والآخر القناع المرن أو المتراخي : ونقصد به الشخصية التي تسمح للشاعر بالتدخل في تاريخها وتحويره على لسانها ومحاولته النطق بمقاصده الفنية والفكرية والحيوية وأن يضيف إليها ما لم يكن في تاريخها الواقعي(10) وسنحاول في توقفنا عند تقنية القناع في شعر المقالح ’ بوصفها أحد آليات تعدد الأصوات ’ أن ندمج جوانبها الثلاثة: النمط والوظيفة والبناء الفني مع كل نص نتوقف عنده، دون تصنيفها تصنيفاً منفصلاً مستقلاً بعنوان.
القناع التام:
يلجأ المقالح إلى تجسيد أفكاره في أكثر من قناع ويضيف أكثر من دلالة جديدة على أقنعته مع الاحتفاظ بالدلالة الأصلية للقناع المستخدم، فقد يخرج من أحداث القصة التاريخية إلى رؤية إنسانية أرحب، وقد يلتزم بسياقاتها لأسباب دلالية أيضاً , وهو في كل ذلك ينطلق من زاوية نظر فنية وفكرية تخدم الهدف المراد التعبير عنه, وقد تعددت الشخصيات التي كان المقالح يبث من خلالها رؤاه و أفكاره , منها ما هو تاريخي ومنها الأدبي و الديني و الأسطوري ,ففي قصيدة ( من يوميات سيف بن ذي يزن في بلاد الروم ) (11) يتكئ الشاعر على هذه الشخصية بأبعادها التاريخية المتجذرة في الثقافة العربية إذ يقول :
• معابدُ القمرْ
في مأرب الحزينْ
حملتها معي تحت الجفون في السفرْ
نقشتُ رسمها على الجبينْ
و في البصرْ
..............
تقولُ لي رفيقتي رومية العينين :
ما الذي تريد ؟
أريدُ أن يكونَ لي قبرٌ هناكَ
عند نخلةٍ يظلها الجريدْ
أدفنُ في رمالهِ التشريدْ
أريدُ ثورةً تغسلُ عن حبيبتي صنعا مهانةَ العبيدْ
........
الجزرُ السبعُ عبرتها
و السبعةُ البحورْ
كلُ سفائني تحطمتْ
و اغتالتِ الأمواجُ سيفيَ المسحورْ
أينَ ينامُ مثخنَ الجفونِ
( سيف آصفِ بْنِ برخيا )؟
أين تنامُ ( عاقِِصة)؟
أين اختفى .. في أي قمقمٍ ثوى ( عيرُوط) ؟
.......
على حدائق ِ الظلامِ
أشجارُ الدماءِ تنبتُ الرؤوسْ
و لم تزلْ بعيدةً كالفجرِ ( منيةُ النفوسْ )
النص أحادي الصوت , صوت واحد يسيطر ( سمعياً ) على بنية النص , هو صوت القناع ( سيف بن ذي يزن ) أما صوت الشاعر فلا أثر له إلا عبر تلك الرؤى و الأفكار المبثوثة في بنية الخطاب ’ التي تتمحور حول فكرة التشرد و الاغتراب خوفاً من قياصرة الوطن و بحثاً عن الخلاص بوصفه صوتاً مدركاً ,لا سمعياً ’ فمعاناة سيف( القناع ) ببعده التاريخي – و على الرغم من الفارق الزمني – هي نفسها معاناة الشاعر المعاصر, فإذا كان (سيف) – بوصفه بطلاً تاريخياً – عانى ما عاناه من أجل تحرير اليمن من جبروت الأحباش , فإن (المقالح ) الشاعر يعاني هو الآخر- بوصفه يمنياً – ظلم النظام الاستبدادي و جبروت الاحتلال البريطاني الجاثم على أنفاس الوطن , فتشابه المعاناة , و التقاء الشاعر و القناع في الهوية و الجغرافيا – بوصفهما يمنيين - جعل الشاعر يفضل دمج قضيته المعاصرة بقضية القناع ببعدها التاريخي , إذ وصل الهم القديم بالجديد, و بهذا استطاع الشاعر أن يضفي على نصه و قضيته بعداً زمنياً واسعاً , مؤكداً بذلك استمرارية المعاناة و اتساع فضاؤها التاريخي , مع احتفاظه بملامح رؤاه و أفكاره المعاصرة التي تشي بصوت الشاعر و حضوره بين الفينة و الأخرى ’ ففي توحيد الصوتين، صوت الشاعر والقناع خطوة فنية كبيرة يحققها الشاعر, فالنص صرخة احتجاج يرفعها على لسان قناعه , معاناة قديمة من منظور معاصر , و معاناة معاصرة بصوت قديم , و تأكيداً لدمج الحقيقتين و تقديمها في صورة واحدة تتسم بالاستمرارية و تتماهى فيها رؤية الشاعر المعاصرة و قضية القناع , عمد الشاعر إلى أسلوب التمويه الفني و الشعري , إذ ضمَّنَ نصه بعض الإشارات و الحقائق ذات الارتباط الواقعي بشخصية القناع , بغية إيهام المتلقي بواقعية النص و المتحدث فيه , فالنص يتضمن عدداً من الإشارات التاريخية الواقعية , منها رحلة سيف إلى بلاد الروم و ما يحكى عن علاقته بالفتاة الرومية : ( تقول لي رفيقتي رومية العينين ) و منها أيضاً قوله :( أين ينام مثخن الجفون سيف آصف بن برخيا ؟ أين تنام عاقصة ) و قوله : ( و لم تزل بعيدة كالفجر منية النفوس ) كل هذه الإشارات لها ارتباط واقعي بشخصية القناع , فـ( سيف آصف بن برخيا ) هو السيف المسحور الذي كان يستخدمه سيف في السيرة الشعبية , و ( عاقصة ) كما تروي السيرة الشعبية هي أخت سيف من أم جنية , و ( عيروط ) خادمه من الجان , أما ( منية النفوس ) فهي محبوبته . وبهذا يكون الشاعر قد نجح في إضفاء البعد التاريخي لنصه و تقديم رؤيته من خلال صوت قناعه الذي أوهم المتلقي بواقعية حضوره .
و من نماذج القناع التام نقرأ هذا النص المجتزئ من قصيدة :
( الرحلة الثانية لسليمان الحلبي* ) (12) إذ يقول :
• كانتِ الغيمةُ تبكي
فوقَ سورِ القلعةِ المهدومِ
كانَ الوقتُ ليلْ
و جيادُ الفارسِ المهزوم عند البابِ تشكو ألفَ ويلْ
سقطتْ حِطينُ
في عمَّانَ آلافُ الحرائقْ
غرقتْ سيناءُ ,
وجهُ القدسِ دامٍ,
إخوتي فوقَ المشانقْ
جثتي في حَلبِ العمياءِ
في الفسطاطِ رأسي , و دمي نهرُ الفراتْْْ
و بلادي أمةٌ منزوعةُ العينين في سوقِ الغزاةْ
لم تعدْ تجدي طبولُ الكلماتْ
غرقَ الحرفُ
هوتْ رايته الخضراءُ في الأغوارِ.. في المرتفعاتْ
لفظَ الروحَ و ماتْ
فدعوني مرةً أخرى إلى الفسطاطِ أرحلْ
ربما عاد كليرْ
يزرعُ النيلَ بسودِ الخطواتْ
و على الأهرام ِ كالفرسان يعلو
كالبغايا يتكسر .
النص ينقل موقف الشاعر المعاصر و رؤاه من خلال صوت القناع ,
فالقناع – واقعياً – مناضل عربي رفض الصمت و الاستسلام و التعايش السلمي مع العدو المحتل لأراضيه , ففجر صمته بفعلٍ تاريخي بطولي أضاء به طريق الاستقلال و الخلاص , و الشاعر مناضل من نوع آخر , شاعر معاصر يناضل بالكلمة و يؤمن بمبدأ الحوار السلمي في استرداد الحقوق المسلوبة , إيماناً منه أن الوعي الحضاري هذب السلوك الإنساني و جعله أكثر إيجابية في التعامل مع الآخر و احترام حريته و استقلاله , لكن يبدو أن الثقافة الحضارية شئ و الممارسة الواقعية شئ آخر , إذ وجد الشاعر نفسه محاصراً بما يناقض وعيه الحضاري , فما يعانيه الإنسان العربي على أراضيه المحتلة من ظلم و اضطهاد و قهر و إراقة دماء , و ارتفاع حدة العدوانية و احتلال البلدان العربية و استغلال ثرواتها تحت مسميات و شعارات لا معنى لها , كل ذلك جعل الشاعر يعيد النظر
في أسلوب نضاله الحضاري – بوصفه شاعراً عربياً مسكوناً بهمه القومي و قضاياه العربية المصيرية : ( لم تعد تجدي طبول الكلمات , غرق الحرف .
هوت رايته الخضراء في الأغوار في المرتفعات .. لفظ الروح و مات )
و في ضوء هذا الضغط النفسي و انهيار القيم الحضارية من حول الشاعر و تراجع دور الكلمة في تحقيق الحرية و الاستقرار , لم يجد الشاعر بداً من الرجوع إلى إرشيف ذاكرة النضال العربي بحثاً عن أنموذج يجيد التعامل مع مثل هذا السلوك البربري , فأسعفته ذاكرته القومية بأحد النماذج النضالية(سليمان الحلبي ) الحاضرة في الوعي الجمعي العربي و في وعي أعداء العرب على السواء , و كان الشاعر موفقاً في اختيار شخصية قناعه لتجسيد وحدة الهم العربي و المصير المشترك , فشخصية القناع مواطن سوري يناضل في مصر إيماناً بوحدة المصير العربي , ولم يكتفِ الشاعر باستنطاق القناع و بث أفكاره من خلاله , و لكنه أراد أن يجذر في وعي المتلقي الإيمان المطلق بوحدة الهوية العربية – على لسان قناعه – انطلاقاً من إيمانه الشخصي : ( سقطت حطين .. في عمان آلاف الحرائق .. غرقت سيناء .. وجه القدس دام .. إخوتي فوق المشانق .. جثتي في حلب العمياء .. في الفسطاط رأسي .. و دمي نهر الفرات .. أمتي منزوعة العينين في سوق الغزاة .) هذا هو الموقف الذي أراد الشاعر أن يصل إليه من خلال صوت قناعه , وتجربة الشعراء في أسلوبهم هذا، يقصد منها الوصول إلى غاية صميمة مخضة هي تشكيل رؤيتهم عن العالم، والكون، والتعبير عما يعانونه من محن اجتماعية و قضايا مصيرية من خلال تقديم البطل النموذجي الذي يرونه قادراً على صياغة الفعل الخلاق في قضية خلاصهم الشخصي الذي هو خلاص العالم لأن "الفردي وحده هو الذي يثير اهتمام الفن عندما يكون فيه شيء يعبر عن العام فيعكسه" (13) و المقالح استطاع أن يعكس الوضع العربي من خلال هذه الشخصية ولاشك أنها تشكل لديه شيئاً ما جعله يختارها لهذه المهمة العظيمة في زمن وأد الأفكار وكبحِ الأصوات.
و كما يؤمن الشاعر المقالح بوحدة الهم القومي و المصير العربي المشترك , يؤمن كذلك بوحدة الهم الإنساني و حق الإنسان المقهور ’ مسلوب الحرية في النضال من أجل حريته و تقرير المصير , و أن النضال المشروع من أجل الحريات و استرداد الحقوق هي الهوية المشتركة التي يلتقي تحت رايتها كل المقهورين بصرف النظر عن الانتماءات الأخرى , يتجلى هذا واضحاً في قصيدته التي تحمل عنوان:( البيان الأول للعائد من ثورة الزنج )(14) التي يتخذ من بطلها قناعاً ينطلق من خلاله لبث أفكاره و رؤاه , مجسداً وحدة الهم الإنساني و الشعور المشترك تجاه قضايا تقرير المصير مهما تباينت الجغرافيا و تعددت الجنسيات , فمن خلال قناعه يقول :
كنتُ في عسكرِ الزنجِ
عبداً يقاتلُ عن حلمٍ
يتراءى على صفحةِ الشمسِ .. فوقَ الخليجِ الضريرِ
ينامُ , و يصحو
و يعدو , و يكبو
و حينَ تعثَّرَ حلمي و حلم الرفاقِ
تأبطتُ سيفي و قلتُ :
الجنوبُ سمائي و وجهي
و لي في الجنوبِ رفاقٌ
بأحلامهم سبقوني إلى مرفأ الشمسِ .. غرقى بأنوارها
بعد أن ذبلتْ نارُ أجسادهم في سجون الإمامِ
و تحتَ سياطِ الدخيلِ
قضى نحبهُ الفجرُ في أعينٍ ذبلتْ
في رؤوسٍ تسامتْ , و جادتْ بنيرانها ..
آهِ لم ينتهوا ..
هاهي الآنَ أحلامهم في خصوبتها , تثمرُ الحبَ و الضوءَ
هذا (فلان)
و هذا (فلان)
تكادُ يدي تلمسُ الراحلينَ مع الحلم
تلمسُ جرحَ التراب .....
ها أنا ذا أكتب اللغة المستقيمة
أطلع من لغة الزنج
من قبر ( حمدان )
في لغتي أعجن الأرض
أنشرها كعكة للملايين:
للطفل في ثديها مثلما لأبيه
و للصقر ما للحمام
و للسيفِ ما للزهور .
.................
النص يكشف عن رؤية عميقة و وعي متقدم للإحساس بقضايا الإنسان و حريته ’ من خلال صوت القناع ’ بوصفه أنموذجاً إنسانياً ’ يترجم فكر و رؤى الشاعر و قناعاته ’ و على الرغم من أنه لا يتوفر لدينا معلومات تكشف أبعاد شخصية القناع ’ إلا أن ( ثورة الزنج ) – المعطى النصي – تمنحها بعداً موضوعياً و تاريخياً في الوقت نفسه ’ فالثورة على الظلم و الاستبداد هدف و هم إنساني مشترك ’ فهي إن لم تتوفر لها عوامل النجاح هناك فلابد أن يكتب لها النجاح هنا أو في أي موقع آخر ’ و قد أحسن الشاعر تجسيد إيمان الثائر ( القناع ) بوحدة الهم لدى الثوار مهما تنوعت أو اختلفت جغرافياتهم ’ و يقينه أن قلوب إخوانه الثوار اليمنيين مفتوحة له بعد أن تعثر نجاح ثورته هناك :
و حين تعثَّر حلمي و حلم الرفاق
تأبطتُ سيفي و قلتُ : الجنوب سمائي و وجهي
و لي في الجنوب رفاق بأحلامهم سبقوني إلى مرفأ الشمس ...
كما استطاع الشاعر أن يكشف عن أواصر الود و المحبة و التواصل بين مناضلي ثورة الزنج و مناضلي الثورة اليمنية تجسيداً لوحدة الهدف الإنساني المشترك ’ فضلاً عن إيمان القناع بوحدة اليمنيين أرضاً و شعباً :
بعد أن ذبلتْ نارُ أجسادهم في سجون الإمامِ
و تحتَ سياطِ الدخيلِ
قضى نحبهُ الفجرُ في أعينٍ ذبلتْ
في رؤوسٍ تسامتْ , و جادتْ بنيرانها ..
آهِ لم ينتهوا ..
هاهي الآنَ أحلامهم في خصوبتها , تثمرُ الحبَ و الضوءَ
هذا (فلان)
و هذا (فلان)
تكادُ يدي تلمسُ الراحلينَ مع الحلم
تلمسُ جرحَ التراب .....
فقصيدة القناع شكل من أشكال القصيدة البوليفونية ’ متعددة الأصوات ’ فإذا كان صوت الشاعر في قصيدة القناع الخالص يتماهى كلياً في صوت القناع ’ بحيث لا يسمع في النص إلا صوت القناع فقط ’ إلا أن النص يظل يحتفظ بصوت الشاعر الفكري و الرؤيوي ’ إذ يبقى حاضراً ضمنياً في ذهن القارئ ’ فالقارئ يدخل إلى النص من خلال اسم الشاعر المرسوم أعلى أو أسفل النص أو المدون على غلاف المجلد أو المجموعة الشعرية ’ لكنه في قصيدة القناع يفاجئ بأفكار و رؤى الشاعر تتدفق من خلال صوت آخر هو صوت القناع ’ وبهذا يبقى الشاعر صوتاً متصَـوَراً ذهنياً لدى القارئ ’ وحاضراً في البنية السردية للنص شأنه شأن الكاتب الضمني Implied Ectivant و لعل هذا الأمر يبدو أكثر جلاءً من خلال قصيدة القناع المتراخي
* القناع المتراخي :
تجاوزت القصيدة الحديثة المستوى الغنائي البسيط التي ظلت تحوم في دائرته زمناً طويلاً، وبلغت مرحلة من التعقيد والتركيب الذي يتناسب وتعقيد الهموم والمشاعر التي تعبر عنها (15) وأخذت تتقارب مع الفنون الأخرى وبالأخص الأسلوب الدرامي ’ وشرعت تستعير من الدراما والرواية بعض ملامحها، ومن أبرز تلك الملامح تعدد الأصوات Polyphonie ويعني تعدد الأشخاص المتكلمين داخل النص، من خلال تقنية القناع بوصفه آلية تسمح بدخول صوت آخر غير صوت الشاعر في بنية النص الشعري ’ إذ يقوم القناع على شخصية تتبنى السرد ’ فتعدد الأصوات فيتحرر النص من الرؤية الأحادية ’ الأمر الذي يحقق صراعاً ويولد حركة تنتقل من موقف لآخر يقابله ومن فكرة لفكرة مضادة (16( لأن الحياة "في مجملها قائمة على هذا الأساس الدرامي" (17) وقد أشار (إليوت) إلى هذه الظاهرة بقوله:" ما نستمع إليه عادةً في المونولوج الدرامي هو في الواقع صوت شاعر وقد لبس مسوخ شخصية تاريخية أو شخصية روائية وقد يحدث بين الحين والحين أن نسمع صوت الكاتب وقد توَّحد مع صوت الشخصية" (18) وعلى هذا التأسيس يمكن القول إن تعدد الأصوات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحوار وما يقوم مقامه في النص ’ و قد أدرك المقالح أهمية هذه التقنية و دورها ’ و عمل على استثمارها و توظيفها شعرياً بالشكل الذي يضفي على نصه بعداً رؤيوياً و حركياً ملائماً , ففي قصيدته الموسومة :(هوامش يمانية على تغريبة ابن زريق البغدادي)(19) يقول :
بكى.. فأورقتِ الأشجانَ أدمعُـه و أثمرتْ شجـرَ الأحزانِ أضلعــه
النار تكتبُ في عينيـه لوعتــه و يحفـرُ الشوقُ فيهـا ما يلوعــه
ناءٍ تغـرَّبَ في الأيــام زورقـــــُه و تاهَ في ظلماتِ الأرضِ مشرعُـــه
تغربتْ في نــواه كلُ نافــــــــــذةٍ من خلفها الوطنُ الدامــي يروعُــهُ
تُـرى يعـودُ إلى أحضانِ قريته تضمـهُ أمُه الثكـلى و ترضعُــــه
عيناهُ في المنفى ..
تحدقان للرمادِ
تحترقان شوقاً عاصفاً
لعل (رخ) سندبادْ
ينهضُ من رمادهِ
يعيدُه للوطنِ القاطن في أعماقه ..
للوطنِ الميلادْ
................
من ينفضُ الأشجانَ حول قبرهِ؟
من ينفضُ الرمادْ؟
تقيحتْ أيامُه رعباً
تناثرتْ على طريقه أسئلةٌ جريحةُ الأبعادْ .
هكذا يستهل الشاعر قصيدته بصوته و رؤاه ’ مقدماً صورةً كلية عن قضية القناع على وفق سياقها التاريخي ’ و التي ينطلق منها لطرح قضيته الوطنية المعاصرة ’ تارةً على لسان قناعه ’ و تارةً أخرى على لسانه’ فبعد هذا المقطع يأتي صوت القناع ( ابن زريق) قائلاً :
** ماذا أكونُ؟ لمن أبكي؟ ألا وطنٌ في ظله يرتوي عمري و أزرعـهُ ؟
قد كانَ لي ’ ثمَّ أضنانـي تمزقــهُ و هالني في ظلامِ الليلِ مصرعُــهُ
" ودعتُــه و بـــــودي لـو يودعُنــي صفـوُ الحياةِ و أنـي لا أودعــــــــــــهُ "
بعــــــــدتُ عنـه لأبكيــهِ و أبعثـهُ من قبره ’ هل أنا بالبعـدِ أخدعُـهُ ؟
أكادُ ألمــحُ عن بُعــــــــدٍ طلائعـــهُ تقيــمُ جســــرَ أمانينا و تشـرِعُـــــــهُ
الميتُ الحيُ ..كم نشقـى بغفـوتـه و كم يطيــــــــلُ مآسينـا تمنُّعــــــــــــهُ
يدنـو و ينأى و في عيني مواجعُــه و في الضميـر مرايـــاهُ و مخدعُــهُ
حملتــهُ بين أفكاري علـى عجـــــــــلٍ فما تركتُ سـوى ما كان يـفزعــــــهُ
فالصوت الآخر دخل على نحو مفاجئ ليشكل نقلة درامية ’ من خلال هذا الحوار الذي أضفى ظلالاً فنية أكسبت النص نوعاً من الدينامية’ و التنوع الرؤيوي الناتج عن تعدد الأصوات و من ثم تعدد وجهات النظر .
بعد هذا المقطع يظهر مجدداً صوت الشاعر :
بلا وطنْ
تفتتْ أقدامهُ على طريقِ الليلِ و الشجنْ
يرضعُ في عينيهِ جرح ( يعقوبَ )
تخونه ذاكرةُ النفي
و يوسفُ اختفى عريانَ .. لا قميصَ..
هل يردُ ضوءَ عينيهِ
و يوسفَ المشرَّدَ ’ الزمنْ ؟
.........................
متى يثوب؟
تحترقُ النجومُ في عينيهِ و الدروبْ
مغترباً في ثوبِ ( عوليسَ)
فلا ريحُ الشمالِ أشفقتْ على زورقهِ اللاهثِ في بحارها
و لا نوارسُ الجنوبْ
صنعاءُ ترتدي غربتهُ
حيناً غلائلَ الفجرِ
و أحياناً ستائرَ الغروبْ
و من جديد يطفو صوت القناع على سطح النص :
**أستودعَ اللهُ في صنعاءَ لي قمـراً في الأسرِ ’ سبتمبرُ المهجورُ مطلعُهُ
رأيتــهُ في ظـــــــــــلامِ الليــلِ مشتعلاً و هــــــــــــزني في سباتِ الكهـفِ مدفعُـهُ
أعــادَ وجهَ بلادي بعــدَ غـــــــربتـهِ و كان يحــلمُ.. أنّـــــــــــــــــــَا لا نضيعُـــهُ
لكنهُ ضــاعَ في أبعـــــــــــادِ خيبتـــنا لا الوجـهُ باقٍ و لا من جاءَ يـــرجعـهُ
حلمتُ لو أنني في الصحــو أشهـدهُ وددتُ لو أنني في الحلـــــــــمِ أسمعـــهُ
هل يقـدرُ الشعرُ منفيـاً يــردُ لـه بريقــهُ ’ و من الأشواقِ يجمعــهُ
........
ثم يدخل صوت الشاعر :
الشاعرُ الضِّليلُ يكتبُ بالدمعِ من المنفى ’
قصائدَ العودةِ في أعماقهِ
ينتظرُ الرحيلْ
......
تمضغهُ الغربةُ ( قاتاً ) يابساً
تشربهُ على مقاهي الحزنِ (بناً) نازحاً
يشيخُ .. يسَّاقطُ لحمُهُ
عظامُ كبريائه تصرخُ في عباءةِ الدخيلْ
.............
و هكذا...
فالقصيدة طويلة ’ تتبنى حواراً وجدانياً و فكرياً بين الشاعر و القناع ’ و تتعدد فيها الأصوات و الرؤى تعدد أساليب التعبير الشعري و أشكاله في النص و تتحاور فيما بينها حول فكرة الوطن الحلم – الوطن الميلاد – المنفى’ قسوته و معاناته – الحنين و لوعاته ’ فالشاعر في غربته و منفاه استلهم معاناة الشاعر ( القناع ) في منفاه الذي مات فيه شوقاً و كمداً للأهل و الحبيب و الوطن ’ فانطلق منها محاوراً قناعه’ و قد كان الشاعر موفقاً أيما توفيق ’ إذ نوَّع في أشكال التعبير الشعري ’ فجعل القناع يتحدث من خلال البنية التقليدية (العمود) تأكيداً لخصوصية القناع ’ ليس هذا حسب ’ بل أنه جعل من قصيدة (ابن زريق ) الشهيرة الحاضرة بمأساتها التاريخية في عقل و وجدان القارئ العربي ’ قالباً موسيقياً ’ ملتزماً رويَّها و بنيتها العروضية ليدخل القارئ في جو المعاناة بكل تفاصيلها و أطرها التاريخية و الفنية ’ و أخذ يحاكيها و يحاورها تارة بأسلوبها ’ و تارة أخرى بأسلوب الشعرية الجديدة ’ بوصفه شاعراً معاصراً ’ فضلاً عن أنه أستطاع أن يسد فجوات النص و يحافظ على تماسك بنيته موضوعياً و فنياً على الرغم من اعتماده تقنية تعدد الأصوات من خلال تهيئته الموضوعية و الفنية للحظة دخول صوت القناع إلى بنية النص ’ كما يحدث في أسلوب الإسترجاع المعلوماتي أحد آليات الزمن السردي في الخطاب الروائي التي تعمل على التمهيد لدخول شخصية جديدة إلى مسرح الأحداث بإضاءة فضائها التاريخي و تهيئة القارئ لاستقبالها ’ إذ كان قبل الانتقال من صوت إلى آخر و من رؤية إلى أخرى يهيئ القارئ لهذه النقلة ’ بما يوحي بتحول في صيرورة السرد ’ بحيث يجعل الصوت اللاحق فضاءً للصوت السابق أو رداً عليه ’ كما لاحظنا آنفاً
و للشاعر قصائد أخرى كثيرة من هذا النوع تتمثل تقنية تعدد الأصوات منها قصيدته الموسومة : ( عودة وضاح اليمن ) (20) إذ يقول :
ضائعاً- كنتُ- محترقاً ’ أتمزق في قبضة الليل و الشجنِ البربريِّ الرماديِّ أصرخُ ’ أرحلُ في سفنِ الحزنِ ’ تحملني في بحار من اليأسِ’ أذكرها تتعذبُ بعدي ’ تواجه أعداءها في ثباتٍ ’ أمد يدي نحوها ’ تتراخى يدي تحتَ رعبِ المسافات ’ أبكي ’ يطيرُ بيَ الدمعُ ’ يرجع بي نحوها .. يا لَرَخٍّ من الدمع يحملني في حنانٍ رحيم ...
** من أنتَ؟ ما تبتغي من عجوزٍ بلا زادٍ أسلمها قومها للمجاعة و الموتِ ’ باعوا ضفائرها للظلام حبالاً ’ و ناموا على عتباتِ المواعيد يقتسمون كؤوسَ المهانة في الحلم ’ يختصمون على القيدِ يحتطبون بوادي الثعابين ’ يستمطرون الغبار العقيم؟
من تكون ؟ متى جئتَ؟ كيف تسللتَ عبرَ الظلامِ إلى و حدتي ؟ ............
عُدْ إنِ استطعتَ ’ فالصائدونَ حواليكَ كُثرٌ ’ و من حولنا الرملُ مقبرةٌ و الصحارى جحيم.
أأهربُ عنكِ ؟ و أنتِ نصيبي من الأرضِ و الشمسِ و القمرِ المتلألئ في وطني و اغترابي ....
أنا أنتِ ’ وضَّاحُ يا شِعرَ وضاحَ ’ يا قلبهُ القرويَ اليماني المعلقَ في الأرضِ . لم يغتربْ ظلَّ يخفقُ للفجرِ .... يكبرُ في السنديانِ الجديد – القديم.
** أُوه , وضاحُ لا تقتربْ ’ صرتُ مجذومةً ’ يتساقطُ لحمي على الأرضِ تأكله الدودُ من كلِ ناحيةٍ .....
لماذا تأخرتَ ؟ هل شغلتكَ عن الأهل و الأرضِ ( أمُّ البنيين ).....؟
لا و عينيكِ ’ يا روضةَ الحبِ ’ ما خنتُ عينيكِ ’ بل كنتُ مغترباً رهنَ صندوقِ خوفيَ يحملني الفقرُ و الجوعُ عبرَ شوارعِ بغدادَ ’ في ( تُرَبِ ) النيلِ ’ بين قرى الشامِ ’ أبحثُ عن هدهدٍ يتعرفُ حزني ’ يدلُ على محنتي و انكساري .......
** لماذا تأخرتَ ؟ إني هنا جثةٌ نبذتها المدينةُ تنتظرُ الدفنَ .... كأني بقايا عظامٍ من الأمسِ لا تستطيبُ الطيورُ لها مطعماً ’ فابتعدْ.... ’ إني على موعدٍ و المواجيدِ ’ أبكي بَنِيَّ الذينَ أضاءوا و ماتوا ’ أبوا أن يَفِرُّوا ’ فكانوا غذاءَ الذئابِ مساءً ’ و عند الظهيرةِ كانوا غذاءَ الهشيمْ .
...............
القصيدة تتضمن عدداً من المقاطع الحوارية التي تتعدد فيها الأصوات وجهات النظر من خلال صوتي وضاح و روضة قناعي النص ’ فضلاً عن صوت الشاعر المتموضع ضمنياً في بنية النص يدير الحوار و يوجهه على وفق مقاصده الموضوعية و الفنية ’ "وهذا النمط من النصوص تتداخل فيه الشخصيات، تتحاور فيما بينها أو تدخل على القصيدة فتعبر عن آراء أخرى غير رأي الشخصية الأولى في النـــص" (21).
و يبدو أن الشاعر اتكأ على حكاية القناع و حبه الأثير ’ لينفذ من خلالها في أسلوب رمزي مفعمٍ بالشعرية لمعالجة قضية حبه الكبير صنعاء – الوطن .
بيد أن رمزيته كانت مكشوفة تشي بتحولات دلالية ذات طبيعة رمزية تعين القارئ على فك شفرات النص ’ و تضمن استمرارية تواصله معه.
في الاتجاه نفسه نقرأ هذه القصيدة الموسومة :(قراءة لكف الوطن العربي ) (22) يتحاور فيها صوتا العراف و الشاعر على النحو الآتي :
بقعٌ للظلِّ .. و أخرى للدمِ
نهرٌ للقاتِ .. و نهرٌ للأفيونْ
طفلٌ تقتلهُ – فوق سريرِ الذهبِ – التخمةُ
و مئاتُ الأطفالِ يموتونَ على صدرِ الحارةِ
ينتشرونَ بُثُوراً في جسدِ الجوعْ.
** هذا وجهي
جمجمةُ الملحِ
و هذا كفُّ العربِ المتورمِ بالبترولِ ’ النافقِ بالفقراءِ ’
المتسكعِ في ليل العصرْ
من بينِ أصابعه تخرجُ شمسُ الثورةِ
تدخلُ شمسُ الثورةِ ’
ما بينَ خروجِ الشمسِ ’ وبينَ دخولِ الليلِ
لحظةُ إخصابٍ .. لحظةُ إنجابٍ ..
** منْ يضمنُ أن المولودَ ذَكَرْ ؟
ليسَ المولودُ حجرْ ’
أنثى عذراءْ .. لم يطمثها في رحمِ الأمِ بشرْ
** كم طفلٍ حملته أصابعُ هذا الكفِّ المتدلي كُرهاً ......
لا تبحثْ في الكف المترهلِ عن نخلةِ عامِ الفيلِ
النخلةُ ضائعةُ في الكفِّ ’ هجرتْ زمنَ الرملِ اليابسْ
و توارتْ عن صدرِ الأنهارِ
انظرْ..
هاهيَ قادمةٌ في عُلبِ الإصحاحِ العاشرِ ’
تسبقها قبعةٌ زرقاءُ العينِ
و يتبعها قمحٌ مفتولُ الشاربِ
** أينَ النخلةُ ؟
في الطرفِ النائي المتوهجِ من نهرِ السَّبابةِ
حيثُ الجوعُ ’ المطرُ ’ الثورةُ ...
** هل يتسعُ الطرفُ النائي من سبابةِ كفِّ العربِ المشلولِ ’
لمواليد الشمسِ الأخرى
لمواليدِ النخلةِ ؟ .
يتسم النص بالحوارية و تباين وجهات النظر ’ يرسم الواقع العربي البائس ’ و عيناه تراقبان بوادر الأمل و الانفراج ’ و قد أحسن الشاعر بأن تركَ للعراف مساحةً واسعةً من النص ليقول على لسانه ما يختلج في نفسه ’ واكتفى بأن يقف موقف المتسائل العربي الباحث عن الحقيقة المتلهف لملامح غدٍ أفضل ’ مما جعل النص أكثر واقعية.
و لم تكن المسألة لدى الشاعر مجرد قناع ينفذ من خلاله بقدر ما هي حوار أو جدل رؤيوي تتعدد فيه الأصوات و تتباين وجهات النظر بشفافية شعرية خدمة لقضايا الإنسان ’ ففي قصيدته الموسومة (عندما نبكي الأرض بعيون القمر) (23) يقدم الشاعر واقع الإنسان و يناقش أحواله من خلال رؤى و أصوات متعددة و متباينة على النحو الآتي :
صوت من القمر : (نيل آرمسترونج):
الصورُ التي التقطتها العربتان أبولو8 و أبولو 10 عن المكان الذي ستهبطان فيه كانت واضحةً جداً و ما شاهدناه يشبه هذه الصور شبهاً كبيراً.. ......
صوت من الأرض : ( محمد علي كلاي )
جلدي أسودُ ’ في لونِ حياتي هذا الجلدُ’ و أيامي طافيةٌ غارقةٌ ’ أنبشُ في ذاكرتي ’ أتقيأُ تاريخي .آلهةُ البيضِ عصورٌ حاقدةٌ ألقتْ جسدي في أفرانِ الليلِ الشتويِ’ تنقعني في آبار القارِ ’ على مائدة الفرحِ الأبيضِ ’ تسلخني ’ تشربني ’ تأكلني نيَّا........
القوة معبودي و العضلات .. الحلبات تناديني تدعو خصمي .. أصرعه .. يصرعني نسقط ’ ننهضُ .. يوقظنا التصفيقُ معاً ’ ملعونٌ من يقتل طفلاً و امرأةً ’ يزني بالأرض ’ يشوهُ وجه القمر الحلم ’ يطير إليه بأجنحة من دم.
صوت من القمر : (نيل آرمسترونج):
هبط النسرُ .. خطوةٌ صغيرةٌ للإنسان ’ لكنها قفزة عملاقةٌ للإنسانية.
صوت من الأرض : ( مناضل فلسطيني )
في بندقيتي أنام ْ .......
أحلمُ أنني رجعتُ ’ أن بيتي عادَ .... إخوتي ’ يافا ’ شوارع القدسِ و أن أمي لم تعدْ وحيدةً ’ صارتْ تغني .............
منذ فقدتُ وطني ’ منذ سطا على ترابه النملُ الغريبْ
روحي تنامُ في جبالهِ ’ تقتاتُ من أعشابهِ
و جسدي ينامُ في مخافر التعذيبْ....
القمرُ الذي أحببته
القمرُ الذي أهوى الصعودَ نحوهُ هو الوطنْ.......
صوت من القمر: (نيل آرمسترونج):
تراب القمر ناعمٌ ... لا أرى آثاراً لقدميَّ ’ سطح القمر كغبار الفحم ’ ليست هناك صعوبة في السير على سطح القمر ’ المكان جميلٌ جميل .. خراب رائع.
صوت من الأرض: (شاعر)
صار ينبتُ كالعشب في القلب ’ يفترشُ العين طوعاً و كرهاً ’ ....
على شفةٍ كنتُ أعبدها ’ ... على قمرٍ كان حبي على صدره وجَه روحي وعمري معلَّق..
ما الذي جدَّ في أمرنا ؟ قمري و أنا –
أنا يغتالني الحزن في مطلع الشمس ’ تمضغ وجهي عيونُ التعاسة و الجدب ’ تعشق موتي ’ تطاردني .
و هو في قبضة الليل يحتله ( المدنيون ) ’ تنبشُ أقدامهم وجهه الضاحك القروي الطفولي .. أصبح مثلي حزيناً ’ و مثل رفاقي يُقدمُ للإغتيال.
صوت من القمر:
اللون يختلف وفقاً للزاوية التي ننظر منها .. لا لون تقريباً ....
الفوهات منتشرة في كل مكان .. و المكان الذي هبطتْ عليه المركبة مسطحٌ نسبياً ’ لكن يمكن مشاهدة عددٍ كبير من الفوهات من جميع الأحجام في جميع الاتجاهات ....
صوت من الأرض ( مناضل فيتنامي)
كانت مدرسةً هذه الفوهة ....
الأبناء ’ الأشجار’ تنامُ هنا ’ ....... دخانٌ يتصاعد .......
نهرُ الميكونج يسيلُ دماً ..... لن تركع هذي الأرضُ الباكية الشاحبة اللون... ما زال بريقٌ من وجه القمر المحتل يمـدُّ أصابعه عبر الأسلاك... يصارع مثلي طوفان الليل الأحمق .. و يضئ طريق رفاق السجن .
........................
النص يقدم صورة لواقع الإنسان من زوايا و عوالم شتى ’ الواقع و الحلم ’ الزيف و الحقيقة ’ شعارات الإنسان و الإنسانية و اضطهاد الإنسان و قهره’ واقع يضج بالمتناقضات في ضوء صورته المقروءة .
و قد أحسن الشاعر في اختيار أصوات النص و التقاطه نماذج إنسانية قريبة و حاضرة في فكر المتلقي و ثقافته ’لتجسيد هذا الواقع و رسم ملامحه
ففي الوقت الذي استطاع فيه دعاة الحرية و حقوق الإنسان اقتحام الفضاء و فك أسراره تحت شعار خدمة الإنسان و الإنسانية ’ فإن هناك ’ و ممن يعيشون تحت ظلال هذه المبادئ و الشعارات من يعاني من ضغوطات التفرقة العنصرية و يرى أن لونه الأسود أصبح مصدراً من مصادر بؤسه الذي يقدم على مائدة أفراح البيض
فصوت(محمد علي كلاي ) في النص يقدم دوراً مزدوجاً ’ فهو من حيث انتماؤه للجنس الأسود يقدم صورة واقعية مغايرة لما يدعيه حملة شعار المساواة ’ فهو يعاني من سلوكيات التفرقة العنصرية التي تكشف زيف و ادعاء شعارات المساواة : ( أتقيأُ تاريخي .آلهةُ البيضِ عصورٌ حاقدةٌ ألقتْ جسدي في أفرانِ الليلِ الشتويِ’ تنقعني في آبار القارِ ’ على مائدة الفرحِ الأبيضِ ’ تسلخني ’ تشربني ’ تأكلني نيَّا........)
و من جانب آخر’ بوصفه من عبَّاد القوة و أحد آلياتها ’ يعترض اعتراضاً صريحاً على أولئك الذين يستخدمون القوة لقهر الشعوب وقتل الأبرياء و مصادرة الحقوق ’ و يقدم رؤيته الخاصة التي ترى أن للقوة مجالاتها و ميادينها و مبادئها التي لا تتعارض مع حرية الإنسان و حقوقه:
(القوة معبودي و العضلات .. الحلبات تناديني تدعو خصمي .. أصرعه .. يصرعني ’ نسقط ’ ننهضُ .. يوقظنا التصفيقُ معاً ’ ملعونٌ من يقتل طفلاً و امرأةً ’ يزني بالأرض ’ يشوهُ وجه القمر الحلم ’ يطير إليه بأجنحة من دم.)
بعد هذا تتعدد الأصوات و تتنوع وجهات النظر’ ( صوت المناضل الفلسطيني – صوت الشاعر – صوت المناضل الفيتنامي ....) لتتكشف معها حقائق عالم الإنسان و دعاة الإنسانية’ فما بين الصوت القادم من القمر المفعم بالأنانية الهابط على أحلام المقهورين ’ وبين الأصوات القادمة من الأرض’ النازفة دماً الباحثة عن الإنسان ’ مسافة بعيدة تعدل المسافة الفاصلة بين الأرض و القمر’فإذا كان الصوت القادم من القمر يدعي أن الوصول للقمر خطوة كبيرة وعملاقة للإنسانية(: هبط النسرُ .. خطوةٌ صغيرةٌ للإنسان ’ لكنها قفزة عملاقةٌ للإنسانية).فإن الأصوات القادمة من الأرض (قلب الحدث و محك شعار الإنسانية) تكشف عن قهر الشعوب وكفاحها الدؤوب بحثاً عن الوطن و العيش بسلام’ كما تكشف عن افتقار الإنسان على الأرض لأبسط مقومات الإنسانية.
فالنص حوار رؤيوي تلتقي فيه وجهات النظر تأتلف و تختلف في أسلوب شعري بوليفوني أستطاع من خلاله الشاعر تقديم رؤيته و قراءته لواقع الإنسان المعاصر.
و للشاعر قصائد أخرى تتعدد فيها الأصوات و تتنوع وجهات النظر منها قصيدة ( بلقيس) (24) التي يحاول الشاعر من خلالها رسم ملامح هذه الشخصية التاريخية و يلقي الضوء على جوانب من تاريخها السبئي من زوايا و وجهات نظر متعددة ’ فإلى جانب صوت الشاعر هناك صوت بلقيس و صوت سليمان عليه السلام و أصوات أخرى ’ إذ يبدأ النص بصوت الشاعر متحدثاً عن بلقيس:
هي من هذه الأرضِ
معجونة بأساطيرها ’ و بأحزانها ..
و لها من جمال السهول ’ و من كبرياء الجبال
و لم تنحدر من سماء الخرافات
أو هطلتْ ذات صبحٍ مع الغيم
ما زال شباك منزلها مورقاً بالأحاديث و اللفتاتِ
و أصداء ضحكتها كسلاسل من ذهبٍ
تتفتح كالضوء عبر الزمانِ
ترنُّ ..
تزيلُ الغبار عن الروحِ و اللغة المتعبة.
بعد هذا السرد الشعري المدهش بصوره الفنية العميقة الدلالة الذي يؤكد من خلاله الشاعر و اقعية الحدث و يمنية بلقيس ’ يأتي صوت بلقيس :
من ألبسني هذا الصوت .. و أطعمني هذا الإيقاع؟
من ألقى في شفتي أطواق نجاةٍ للكلمات ؟
من وهب الماء لذاكرتي
و أعاد الشمس لدورتها و النهر إلى مجراه ؟
بعد ذلك يدخل صوت آخر و كأنه كان يشارك الشاعر لحظة تجليه و يستمع إلى شريط ذاكرته التاريخية ليفاجئ بحضور بلقيس من وراء الزمان و المكان فينطلق قائلاً:
ماذا أرى ؟
ضوء طيفٍ جميل يشاركنا حلمنا ..
يتقدم خمرة أشواقنا دافئاً
إنه طيفها .. طيفُ بلقيس
يخرج من صفحات الزمان القديم ..
و في شبقٍ مبهمٍ يحتوينا ..
يرممُ أوقاتنا بالأحاديث
يورقُ في شطحات الخيالْ
إلى هنا و النص لم يلامس بعد وقائع قصة بلقيس التاريخية ’ لكن بدخول صوت سليمان عليه السلام تتجسد خيوط هذه الملحمة :
هذه المرأة فاتنة ..
و أنوثتها في حكمتها ..
لا الخمرة باحت بالأسرار و لا الساقان ...
.. الحكمة بابُ سماوات الشرق و مخزن كل يواقيت العالم...
فمن خلال صوت سليمان عليه السلام تتجلى الأحداث التاريخية ’ فالحكمة سمة من سمات بلقيس المميزة ’ بل مقوم أساس من مقومات نظامها السياسي في مملكة سبأ ’ و لفظة ( الساقان ) بقدر ما هي إشارة لفتنة بلقيس و أنوثتها بقدر ما هي التفات إلى الحدث التاريخي ’ عندما أمر سليمان أحد أعوانه أن يأتيه بعرشها فجعله مستقراً أمامه و حين جاءت بلقيس لم تعرفه و حسبته لُجةً و كشفتْ عن ساقيها و قد أورد القرآن الكريم تفاصيل القصة في سورة سبأ.
ثم يعود صوت الشاعر مجدداً ’ ثم يسلم زمام السرد لصوت آخر في تناوب و تناغم شعري جميل .
..........................
• الخلاصـــــــــة:
استناداً إلى استقراء النصوص و تحليلها ’ و إلى ما قدمته هذه الدراسة حول القصيدة البولوفونية و شعرية تعدد الأصوات من خلال مدونة المقالح الشعرية ’ فقد رصدت الدراسة جملة من النتائج أهمها
أن مصطلح ( بوليفونيـة Polyphonie
أحد المصطلحات الموسيقية ’ يتكون من كلمتين : كلمة فون Phone ’ وتعني صوت و كلمة بولي Poly و تعني تعدد ’ تم نقله و استخدامه في النقد الأدبي و طبقه إجرائياً في الحقل الروائي الناقد العراقي فاضل تامر في دراسته للرواية العراقية الحديثة في كتابه الصوت الآخر.
أن محاولتنا استخدام هذا المصطلح و تطبيقه إجرائياً كان رغبة في توسيع مجالات استخدام هذا المصطلح و إعطائه فضاءاً نقدياً جديداً ’ و استجابة لمعطيات النصوص الشعرية المختارة.
الشعر العربي المعاصر غني بمعطياته الفنية و أساليب الشعرية المعاصرة ’ و من ضمنها الأسلوب البوليفوني أو تعدد الأصوات و كثير من الشعراء العرب مارسوا هذا الأسلوب ’ و قد تم اختيار نصوص الشاعر عبد العزيز المقالح حقلاً تطبيقياً بوصفه أحد هؤلاء الشعراء الذين أدركوا البعد الفني لهذا الأسلوب الشعري المعاصر.
تقنية القناع آلية من آليات النص البوليفوني لاسيما إذا تعددت أصوات الأقنعة في النص.
القناع نوعان : الأول القناع التام الخالص : ويقصد به قناع الشخصية التي لا تسمح للشاعر بتعديل صوتها أو الخروج عما ارتبطت به من أحداث , فيكون تقمص الشاعر لها تقمصاً تاماً, بحيث يسيطر صوت القناع كلياً على النص. والآخر القناع المرن أو المتراخي : ونقصد به الشخصية التي تسمح للشاعر بالتدخل في تاريخها وتحويره على لسانها ومحاولته النطق بمقاصده الفنية والفكرية والحيوية وأن يضيف إليها ما لم يكن في تاريخها الواقعي.
.............................
• الهوامش:
1- ينظر: الصوت الآخر : فاضل ثامر : دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد1992ص20
2- نفســــــــــه:ص10
3- ينظر : دراسات في الشعر العربي المعاصر : د/ عبد الرضا علي : المؤسسة العربية للطباعة و النشر- بيروت (د.ت) ص17
4- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: د/سامح الرواشدة: مطبعة كنعان- الأردن – ط1 1995ص10
5- ينظر: تجربتي الشعرية ج2: عبد الوهاب البياتي : دار العودة بيروت –ط3-1979ص38
6- ينظر: دراسات في الشعر العربي المعاصر: مرجع سابق ص13
7- ينظر: مقدمة أغاني مهيار الدمشقي : د/ خالدة سعيد: بيروت- ط1-1961ص9
8- ينظر: دراسات في الشعر العربي المعاصر: مرجع سابق ص13
9- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: مرجع سابق ص11
10-ينظر : تقنية القناع في شعر المقالح: د/ سمير الخليل: مج/كلية المعلمين – بغداد- ع/13-1998- ص73
11-ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح :ج3/109- إصدارات وزارة الثقافة –صنعاء 2004
12- نفســـــــه: ص175
13- ينظر: موجز تاريخ النظريات الجمالية : نيكوف افنيسا – سمير نوفا : بيروت – ص446
14- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج2/624
15- ينظر : بناء القصيدة العربية الحديثة: علي عشري : دار العروبة الكويت- 1981-ص24
16- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: مرجع سابق ص131
17- ينظر: الشعر العربي المعاصر- قضاياه و ظواهره الفنية: د/ عز الدين إسماعيل: دار العودة –بيروت-ط5-1988 ص229
18- ينظر: مقالات في النقد الأدبي: ت.إس.إليوت : ت. لطيفة الزيات : مطبعة الأنجلو- مصر-ص83
19- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح :ج3/9
20- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج2/637
21- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: مرجع سابق ص133
22- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج2/576
23- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح :ج3/49
24- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج1/21
.................................................. .................................................. ........
Polyphonie Pome
وشعريــــــــــة تعـــدد الأصوات
قراءة فـي المدونة الشعــــــــــرية الكاملة
لـ (د .عبد العزيـــز المقالــــــح)
دكتــــــــــــــــــور : أحمـــد عــــزي صغيـــــــــــر
أستاذ النقد الأدبي المشارك
جامعة الحديدة = اليمن
.................................................. ........................
مدخل..
مصطلح ( بوليفونيـة Polyphonie

إن جوهر عملية التجديد يكمن في قدرة الشعر على تجاوز حالات العقم في الفن، وعدم الوقوف على أشكال معينة من التعبير وتقديم رؤية مشخصة عن الحياة –الرؤيا التي يريدها الشاعر معتمداً على التجربة الخلاقة أداءً وتوصيلاً (3)
في ضوء ذلك سعت حركة الحداثة الشعرية للانفتاح على الأنواع الأدبية الأخرى , و توظيف بعض تقنياتها في بنية النص الشعري لاستثمار طاقاتها الإيحائية , و الخروج من دائرة التواتر المألوف و تحقيق قدر من تعدد الأصوات في النص الشعري , و كان القناع – بمرجعياته وفلسفاته وأشكاله المتنوعة- واحداً من هذه التقنيات التي استثمرتها الشعرية العربية الحديثة ’ فالقناع "حالة من التماهي أو التلبس بشخصية أخرى تختفي فيها شخصية الشاعر وتنطق خلال النص بدلاً منه."(4) وقد وصفه البياتي بأنه "الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعرنفسه متجرداً من ذاتيته (5) ولعل أول إشارة غير مباشرة إلى أسلوب القناع مصطلحاً كانت تلك التي تضمنتها مقدمة "أغاني مهيار الدمشقي"(6) لكن هذه الإشارة لم تكن اصطلاحاً لأسلوب القناع بقدر ما كانت معنىً له، فقد جاء فيها: "يلجأ علي أحمد سعيد (أدونيس) إلى طريقة جديدة في التعبير الشعري، هي إبداع شخصية جديدة تتقمص خواطره ومشاكله ونوازعه وتجسد حياته وتجربته، هي شخصية مهيار الدمشقي "(7) إلا أن "الإشارة الصريحة إلى القناع مصطلحاً أسلوبياً في الشعر الحديث كانت لدى عبد الوهاب البياتي في (تجربتي الشعرية)
وأول من استخدمه من النقاد كان فاضل ثامر في (وجه البياتي عبر قناع الخيام)(8) والقناع من تقنيات القصيدة الجديدة يلعب دوراً أساسياً في بنية القصيدة , فمن خلاله يتجرد الشاعر عن ذاتيته، فيبتعد عن انكشاف العاطفة مما يضفي على صوته نبرة موضوعية أو شبه محايدة تعينه على الابتعاد عن الغنائية المباشرة (9) و الشاعر اليمني – بوصفه جزءاً من الشعرية العربية و أحد أدواتها - أدرك هذا البعد الفني والدور التقني للقناع , واستطاع التعامل معه بفنية ناضجة وكانت وظيفة القناع لديه تتنوع على وفق فكرة القصيدة و موقف الشاعر وربما كان الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح واحداً من أبرز شعراء قصيدة القناع ليس على مستوى اليمن حسب بل على مستوى الشعر العربي بعامة .
وقصيدة القناع في شعر عبد العزيز المقالح - من الناحية الفنية - تنقسم على قسمين: الأول القناع التام الخالص : ونقصد به قناع الشخصية التي لا تسمح للشاعر بتعديل صوتها أو الخروج عما ارتبطت به من أحداث , فيكون تقمص الشاعر لها تقمصاً تاماً, بحيث يسيطر صوت القناع كلياً على النص. والآخر القناع المرن أو المتراخي : ونقصد به الشخصية التي تسمح للشاعر بالتدخل في تاريخها وتحويره على لسانها ومحاولته النطق بمقاصده الفنية والفكرية والحيوية وأن يضيف إليها ما لم يكن في تاريخها الواقعي(10) وسنحاول في توقفنا عند تقنية القناع في شعر المقالح ’ بوصفها أحد آليات تعدد الأصوات ’ أن ندمج جوانبها الثلاثة: النمط والوظيفة والبناء الفني مع كل نص نتوقف عنده، دون تصنيفها تصنيفاً منفصلاً مستقلاً بعنوان.
القناع التام:
يلجأ المقالح إلى تجسيد أفكاره في أكثر من قناع ويضيف أكثر من دلالة جديدة على أقنعته مع الاحتفاظ بالدلالة الأصلية للقناع المستخدم، فقد يخرج من أحداث القصة التاريخية إلى رؤية إنسانية أرحب، وقد يلتزم بسياقاتها لأسباب دلالية أيضاً , وهو في كل ذلك ينطلق من زاوية نظر فنية وفكرية تخدم الهدف المراد التعبير عنه, وقد تعددت الشخصيات التي كان المقالح يبث من خلالها رؤاه و أفكاره , منها ما هو تاريخي ومنها الأدبي و الديني و الأسطوري ,ففي قصيدة ( من يوميات سيف بن ذي يزن في بلاد الروم ) (11) يتكئ الشاعر على هذه الشخصية بأبعادها التاريخية المتجذرة في الثقافة العربية إذ يقول :
• معابدُ القمرْ
في مأرب الحزينْ
حملتها معي تحت الجفون في السفرْ
نقشتُ رسمها على الجبينْ
و في البصرْ
..............
تقولُ لي رفيقتي رومية العينين :
ما الذي تريد ؟
أريدُ أن يكونَ لي قبرٌ هناكَ
عند نخلةٍ يظلها الجريدْ
أدفنُ في رمالهِ التشريدْ
أريدُ ثورةً تغسلُ عن حبيبتي صنعا مهانةَ العبيدْ
........
الجزرُ السبعُ عبرتها
و السبعةُ البحورْ
كلُ سفائني تحطمتْ
و اغتالتِ الأمواجُ سيفيَ المسحورْ
أينَ ينامُ مثخنَ الجفونِ
( سيف آصفِ بْنِ برخيا )؟
أين تنامُ ( عاقِِصة)؟
أين اختفى .. في أي قمقمٍ ثوى ( عيرُوط) ؟
.......
على حدائق ِ الظلامِ
أشجارُ الدماءِ تنبتُ الرؤوسْ
و لم تزلْ بعيدةً كالفجرِ ( منيةُ النفوسْ )
النص أحادي الصوت , صوت واحد يسيطر ( سمعياً ) على بنية النص , هو صوت القناع ( سيف بن ذي يزن ) أما صوت الشاعر فلا أثر له إلا عبر تلك الرؤى و الأفكار المبثوثة في بنية الخطاب ’ التي تتمحور حول فكرة التشرد و الاغتراب خوفاً من قياصرة الوطن و بحثاً عن الخلاص بوصفه صوتاً مدركاً ,لا سمعياً ’ فمعاناة سيف( القناع ) ببعده التاريخي – و على الرغم من الفارق الزمني – هي نفسها معاناة الشاعر المعاصر, فإذا كان (سيف) – بوصفه بطلاً تاريخياً – عانى ما عاناه من أجل تحرير اليمن من جبروت الأحباش , فإن (المقالح ) الشاعر يعاني هو الآخر- بوصفه يمنياً – ظلم النظام الاستبدادي و جبروت الاحتلال البريطاني الجاثم على أنفاس الوطن , فتشابه المعاناة , و التقاء الشاعر و القناع في الهوية و الجغرافيا – بوصفهما يمنيين - جعل الشاعر يفضل دمج قضيته المعاصرة بقضية القناع ببعدها التاريخي , إذ وصل الهم القديم بالجديد, و بهذا استطاع الشاعر أن يضفي على نصه و قضيته بعداً زمنياً واسعاً , مؤكداً بذلك استمرارية المعاناة و اتساع فضاؤها التاريخي , مع احتفاظه بملامح رؤاه و أفكاره المعاصرة التي تشي بصوت الشاعر و حضوره بين الفينة و الأخرى ’ ففي توحيد الصوتين، صوت الشاعر والقناع خطوة فنية كبيرة يحققها الشاعر, فالنص صرخة احتجاج يرفعها على لسان قناعه , معاناة قديمة من منظور معاصر , و معاناة معاصرة بصوت قديم , و تأكيداً لدمج الحقيقتين و تقديمها في صورة واحدة تتسم بالاستمرارية و تتماهى فيها رؤية الشاعر المعاصرة و قضية القناع , عمد الشاعر إلى أسلوب التمويه الفني و الشعري , إذ ضمَّنَ نصه بعض الإشارات و الحقائق ذات الارتباط الواقعي بشخصية القناع , بغية إيهام المتلقي بواقعية النص و المتحدث فيه , فالنص يتضمن عدداً من الإشارات التاريخية الواقعية , منها رحلة سيف إلى بلاد الروم و ما يحكى عن علاقته بالفتاة الرومية : ( تقول لي رفيقتي رومية العينين ) و منها أيضاً قوله :( أين ينام مثخن الجفون سيف آصف بن برخيا ؟ أين تنام عاقصة ) و قوله : ( و لم تزل بعيدة كالفجر منية النفوس ) كل هذه الإشارات لها ارتباط واقعي بشخصية القناع , فـ( سيف آصف بن برخيا ) هو السيف المسحور الذي كان يستخدمه سيف في السيرة الشعبية , و ( عاقصة ) كما تروي السيرة الشعبية هي أخت سيف من أم جنية , و ( عيروط ) خادمه من الجان , أما ( منية النفوس ) فهي محبوبته . وبهذا يكون الشاعر قد نجح في إضفاء البعد التاريخي لنصه و تقديم رؤيته من خلال صوت قناعه الذي أوهم المتلقي بواقعية حضوره .
و من نماذج القناع التام نقرأ هذا النص المجتزئ من قصيدة :
( الرحلة الثانية لسليمان الحلبي* ) (12) إذ يقول :
• كانتِ الغيمةُ تبكي
فوقَ سورِ القلعةِ المهدومِ
كانَ الوقتُ ليلْ
و جيادُ الفارسِ المهزوم عند البابِ تشكو ألفَ ويلْ
سقطتْ حِطينُ
في عمَّانَ آلافُ الحرائقْ
غرقتْ سيناءُ ,
وجهُ القدسِ دامٍ,
إخوتي فوقَ المشانقْ
جثتي في حَلبِ العمياءِ
في الفسطاطِ رأسي , و دمي نهرُ الفراتْْْ
و بلادي أمةٌ منزوعةُ العينين في سوقِ الغزاةْ
لم تعدْ تجدي طبولُ الكلماتْ
غرقَ الحرفُ
هوتْ رايته الخضراءُ في الأغوارِ.. في المرتفعاتْ
لفظَ الروحَ و ماتْ
فدعوني مرةً أخرى إلى الفسطاطِ أرحلْ
ربما عاد كليرْ
يزرعُ النيلَ بسودِ الخطواتْ
و على الأهرام ِ كالفرسان يعلو
كالبغايا يتكسر .
النص ينقل موقف الشاعر المعاصر و رؤاه من خلال صوت القناع ,
فالقناع – واقعياً – مناضل عربي رفض الصمت و الاستسلام و التعايش السلمي مع العدو المحتل لأراضيه , ففجر صمته بفعلٍ تاريخي بطولي أضاء به طريق الاستقلال و الخلاص , و الشاعر مناضل من نوع آخر , شاعر معاصر يناضل بالكلمة و يؤمن بمبدأ الحوار السلمي في استرداد الحقوق المسلوبة , إيماناً منه أن الوعي الحضاري هذب السلوك الإنساني و جعله أكثر إيجابية في التعامل مع الآخر و احترام حريته و استقلاله , لكن يبدو أن الثقافة الحضارية شئ و الممارسة الواقعية شئ آخر , إذ وجد الشاعر نفسه محاصراً بما يناقض وعيه الحضاري , فما يعانيه الإنسان العربي على أراضيه المحتلة من ظلم و اضطهاد و قهر و إراقة دماء , و ارتفاع حدة العدوانية و احتلال البلدان العربية و استغلال ثرواتها تحت مسميات و شعارات لا معنى لها , كل ذلك جعل الشاعر يعيد النظر
في أسلوب نضاله الحضاري – بوصفه شاعراً عربياً مسكوناً بهمه القومي و قضاياه العربية المصيرية : ( لم تعد تجدي طبول الكلمات , غرق الحرف .
هوت رايته الخضراء في الأغوار في المرتفعات .. لفظ الروح و مات )
و في ضوء هذا الضغط النفسي و انهيار القيم الحضارية من حول الشاعر و تراجع دور الكلمة في تحقيق الحرية و الاستقرار , لم يجد الشاعر بداً من الرجوع إلى إرشيف ذاكرة النضال العربي بحثاً عن أنموذج يجيد التعامل مع مثل هذا السلوك البربري , فأسعفته ذاكرته القومية بأحد النماذج النضالية(سليمان الحلبي ) الحاضرة في الوعي الجمعي العربي و في وعي أعداء العرب على السواء , و كان الشاعر موفقاً في اختيار شخصية قناعه لتجسيد وحدة الهم العربي و المصير المشترك , فشخصية القناع مواطن سوري يناضل في مصر إيماناً بوحدة المصير العربي , ولم يكتفِ الشاعر باستنطاق القناع و بث أفكاره من خلاله , و لكنه أراد أن يجذر في وعي المتلقي الإيمان المطلق بوحدة الهوية العربية – على لسان قناعه – انطلاقاً من إيمانه الشخصي : ( سقطت حطين .. في عمان آلاف الحرائق .. غرقت سيناء .. وجه القدس دام .. إخوتي فوق المشانق .. جثتي في حلب العمياء .. في الفسطاط رأسي .. و دمي نهر الفرات .. أمتي منزوعة العينين في سوق الغزاة .) هذا هو الموقف الذي أراد الشاعر أن يصل إليه من خلال صوت قناعه , وتجربة الشعراء في أسلوبهم هذا، يقصد منها الوصول إلى غاية صميمة مخضة هي تشكيل رؤيتهم عن العالم، والكون، والتعبير عما يعانونه من محن اجتماعية و قضايا مصيرية من خلال تقديم البطل النموذجي الذي يرونه قادراً على صياغة الفعل الخلاق في قضية خلاصهم الشخصي الذي هو خلاص العالم لأن "الفردي وحده هو الذي يثير اهتمام الفن عندما يكون فيه شيء يعبر عن العام فيعكسه" (13) و المقالح استطاع أن يعكس الوضع العربي من خلال هذه الشخصية ولاشك أنها تشكل لديه شيئاً ما جعله يختارها لهذه المهمة العظيمة في زمن وأد الأفكار وكبحِ الأصوات.
و كما يؤمن الشاعر المقالح بوحدة الهم القومي و المصير العربي المشترك , يؤمن كذلك بوحدة الهم الإنساني و حق الإنسان المقهور ’ مسلوب الحرية في النضال من أجل حريته و تقرير المصير , و أن النضال المشروع من أجل الحريات و استرداد الحقوق هي الهوية المشتركة التي يلتقي تحت رايتها كل المقهورين بصرف النظر عن الانتماءات الأخرى , يتجلى هذا واضحاً في قصيدته التي تحمل عنوان:( البيان الأول للعائد من ثورة الزنج )(14) التي يتخذ من بطلها قناعاً ينطلق من خلاله لبث أفكاره و رؤاه , مجسداً وحدة الهم الإنساني و الشعور المشترك تجاه قضايا تقرير المصير مهما تباينت الجغرافيا و تعددت الجنسيات , فمن خلال قناعه يقول :
كنتُ في عسكرِ الزنجِ
عبداً يقاتلُ عن حلمٍ
يتراءى على صفحةِ الشمسِ .. فوقَ الخليجِ الضريرِ
ينامُ , و يصحو
و يعدو , و يكبو
و حينَ تعثَّرَ حلمي و حلم الرفاقِ
تأبطتُ سيفي و قلتُ :
الجنوبُ سمائي و وجهي
و لي في الجنوبِ رفاقٌ
بأحلامهم سبقوني إلى مرفأ الشمسِ .. غرقى بأنوارها
بعد أن ذبلتْ نارُ أجسادهم في سجون الإمامِ
و تحتَ سياطِ الدخيلِ
قضى نحبهُ الفجرُ في أعينٍ ذبلتْ
في رؤوسٍ تسامتْ , و جادتْ بنيرانها ..
آهِ لم ينتهوا ..
هاهي الآنَ أحلامهم في خصوبتها , تثمرُ الحبَ و الضوءَ
هذا (فلان)
و هذا (فلان)
تكادُ يدي تلمسُ الراحلينَ مع الحلم
تلمسُ جرحَ التراب .....
ها أنا ذا أكتب اللغة المستقيمة
أطلع من لغة الزنج
من قبر ( حمدان )
في لغتي أعجن الأرض
أنشرها كعكة للملايين:
للطفل في ثديها مثلما لأبيه
و للصقر ما للحمام
و للسيفِ ما للزهور .
.................
النص يكشف عن رؤية عميقة و وعي متقدم للإحساس بقضايا الإنسان و حريته ’ من خلال صوت القناع ’ بوصفه أنموذجاً إنسانياً ’ يترجم فكر و رؤى الشاعر و قناعاته ’ و على الرغم من أنه لا يتوفر لدينا معلومات تكشف أبعاد شخصية القناع ’ إلا أن ( ثورة الزنج ) – المعطى النصي – تمنحها بعداً موضوعياً و تاريخياً في الوقت نفسه ’ فالثورة على الظلم و الاستبداد هدف و هم إنساني مشترك ’ فهي إن لم تتوفر لها عوامل النجاح هناك فلابد أن يكتب لها النجاح هنا أو في أي موقع آخر ’ و قد أحسن الشاعر تجسيد إيمان الثائر ( القناع ) بوحدة الهم لدى الثوار مهما تنوعت أو اختلفت جغرافياتهم ’ و يقينه أن قلوب إخوانه الثوار اليمنيين مفتوحة له بعد أن تعثر نجاح ثورته هناك :
و حين تعثَّر حلمي و حلم الرفاق
تأبطتُ سيفي و قلتُ : الجنوب سمائي و وجهي
و لي في الجنوب رفاق بأحلامهم سبقوني إلى مرفأ الشمس ...
كما استطاع الشاعر أن يكشف عن أواصر الود و المحبة و التواصل بين مناضلي ثورة الزنج و مناضلي الثورة اليمنية تجسيداً لوحدة الهدف الإنساني المشترك ’ فضلاً عن إيمان القناع بوحدة اليمنيين أرضاً و شعباً :
بعد أن ذبلتْ نارُ أجسادهم في سجون الإمامِ
و تحتَ سياطِ الدخيلِ
قضى نحبهُ الفجرُ في أعينٍ ذبلتْ
في رؤوسٍ تسامتْ , و جادتْ بنيرانها ..
آهِ لم ينتهوا ..
هاهي الآنَ أحلامهم في خصوبتها , تثمرُ الحبَ و الضوءَ
هذا (فلان)
و هذا (فلان)
تكادُ يدي تلمسُ الراحلينَ مع الحلم
تلمسُ جرحَ التراب .....
فقصيدة القناع شكل من أشكال القصيدة البوليفونية ’ متعددة الأصوات ’ فإذا كان صوت الشاعر في قصيدة القناع الخالص يتماهى كلياً في صوت القناع ’ بحيث لا يسمع في النص إلا صوت القناع فقط ’ إلا أن النص يظل يحتفظ بصوت الشاعر الفكري و الرؤيوي ’ إذ يبقى حاضراً ضمنياً في ذهن القارئ ’ فالقارئ يدخل إلى النص من خلال اسم الشاعر المرسوم أعلى أو أسفل النص أو المدون على غلاف المجلد أو المجموعة الشعرية ’ لكنه في قصيدة القناع يفاجئ بأفكار و رؤى الشاعر تتدفق من خلال صوت آخر هو صوت القناع ’ وبهذا يبقى الشاعر صوتاً متصَـوَراً ذهنياً لدى القارئ ’ وحاضراً في البنية السردية للنص شأنه شأن الكاتب الضمني Implied Ectivant و لعل هذا الأمر يبدو أكثر جلاءً من خلال قصيدة القناع المتراخي
* القناع المتراخي :
تجاوزت القصيدة الحديثة المستوى الغنائي البسيط التي ظلت تحوم في دائرته زمناً طويلاً، وبلغت مرحلة من التعقيد والتركيب الذي يتناسب وتعقيد الهموم والمشاعر التي تعبر عنها (15) وأخذت تتقارب مع الفنون الأخرى وبالأخص الأسلوب الدرامي ’ وشرعت تستعير من الدراما والرواية بعض ملامحها، ومن أبرز تلك الملامح تعدد الأصوات Polyphonie ويعني تعدد الأشخاص المتكلمين داخل النص، من خلال تقنية القناع بوصفه آلية تسمح بدخول صوت آخر غير صوت الشاعر في بنية النص الشعري ’ إذ يقوم القناع على شخصية تتبنى السرد ’ فتعدد الأصوات فيتحرر النص من الرؤية الأحادية ’ الأمر الذي يحقق صراعاً ويولد حركة تنتقل من موقف لآخر يقابله ومن فكرة لفكرة مضادة (16( لأن الحياة "في مجملها قائمة على هذا الأساس الدرامي" (17) وقد أشار (إليوت) إلى هذه الظاهرة بقوله:" ما نستمع إليه عادةً في المونولوج الدرامي هو في الواقع صوت شاعر وقد لبس مسوخ شخصية تاريخية أو شخصية روائية وقد يحدث بين الحين والحين أن نسمع صوت الكاتب وقد توَّحد مع صوت الشخصية" (18) وعلى هذا التأسيس يمكن القول إن تعدد الأصوات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحوار وما يقوم مقامه في النص ’ و قد أدرك المقالح أهمية هذه التقنية و دورها ’ و عمل على استثمارها و توظيفها شعرياً بالشكل الذي يضفي على نصه بعداً رؤيوياً و حركياً ملائماً , ففي قصيدته الموسومة :(هوامش يمانية على تغريبة ابن زريق البغدادي)(19) يقول :
بكى.. فأورقتِ الأشجانَ أدمعُـه و أثمرتْ شجـرَ الأحزانِ أضلعــه
النار تكتبُ في عينيـه لوعتــه و يحفـرُ الشوقُ فيهـا ما يلوعــه
ناءٍ تغـرَّبَ في الأيــام زورقـــــُه و تاهَ في ظلماتِ الأرضِ مشرعُـــه
تغربتْ في نــواه كلُ نافــــــــــذةٍ من خلفها الوطنُ الدامــي يروعُــهُ
تُـرى يعـودُ إلى أحضانِ قريته تضمـهُ أمُه الثكـلى و ترضعُــــه
عيناهُ في المنفى ..
تحدقان للرمادِ
تحترقان شوقاً عاصفاً
لعل (رخ) سندبادْ
ينهضُ من رمادهِ
يعيدُه للوطنِ القاطن في أعماقه ..
للوطنِ الميلادْ
................
من ينفضُ الأشجانَ حول قبرهِ؟
من ينفضُ الرمادْ؟
تقيحتْ أيامُه رعباً
تناثرتْ على طريقه أسئلةٌ جريحةُ الأبعادْ .
هكذا يستهل الشاعر قصيدته بصوته و رؤاه ’ مقدماً صورةً كلية عن قضية القناع على وفق سياقها التاريخي ’ و التي ينطلق منها لطرح قضيته الوطنية المعاصرة ’ تارةً على لسان قناعه ’ و تارةً أخرى على لسانه’ فبعد هذا المقطع يأتي صوت القناع ( ابن زريق) قائلاً :
** ماذا أكونُ؟ لمن أبكي؟ ألا وطنٌ في ظله يرتوي عمري و أزرعـهُ ؟
قد كانَ لي ’ ثمَّ أضنانـي تمزقــهُ و هالني في ظلامِ الليلِ مصرعُــهُ
" ودعتُــه و بـــــودي لـو يودعُنــي صفـوُ الحياةِ و أنـي لا أودعــــــــــــهُ "
بعــــــــدتُ عنـه لأبكيــهِ و أبعثـهُ من قبره ’ هل أنا بالبعـدِ أخدعُـهُ ؟
أكادُ ألمــحُ عن بُعــــــــدٍ طلائعـــهُ تقيــمُ جســــرَ أمانينا و تشـرِعُـــــــهُ
الميتُ الحيُ ..كم نشقـى بغفـوتـه و كم يطيــــــــلُ مآسينـا تمنُّعــــــــــــهُ
يدنـو و ينأى و في عيني مواجعُــه و في الضميـر مرايـــاهُ و مخدعُــهُ
حملتــهُ بين أفكاري علـى عجـــــــــلٍ فما تركتُ سـوى ما كان يـفزعــــــهُ
فالصوت الآخر دخل على نحو مفاجئ ليشكل نقلة درامية ’ من خلال هذا الحوار الذي أضفى ظلالاً فنية أكسبت النص نوعاً من الدينامية’ و التنوع الرؤيوي الناتج عن تعدد الأصوات و من ثم تعدد وجهات النظر .
بعد هذا المقطع يظهر مجدداً صوت الشاعر :
بلا وطنْ
تفتتْ أقدامهُ على طريقِ الليلِ و الشجنْ
يرضعُ في عينيهِ جرح ( يعقوبَ )
تخونه ذاكرةُ النفي
و يوسفُ اختفى عريانَ .. لا قميصَ..
هل يردُ ضوءَ عينيهِ
و يوسفَ المشرَّدَ ’ الزمنْ ؟
.........................
متى يثوب؟
تحترقُ النجومُ في عينيهِ و الدروبْ
مغترباً في ثوبِ ( عوليسَ)
فلا ريحُ الشمالِ أشفقتْ على زورقهِ اللاهثِ في بحارها
و لا نوارسُ الجنوبْ
صنعاءُ ترتدي غربتهُ
حيناً غلائلَ الفجرِ
و أحياناً ستائرَ الغروبْ
و من جديد يطفو صوت القناع على سطح النص :
**أستودعَ اللهُ في صنعاءَ لي قمـراً في الأسرِ ’ سبتمبرُ المهجورُ مطلعُهُ
رأيتــهُ في ظـــــــــــلامِ الليــلِ مشتعلاً و هــــــــــــزني في سباتِ الكهـفِ مدفعُـهُ
أعــادَ وجهَ بلادي بعــدَ غـــــــربتـهِ و كان يحــلمُ.. أنّـــــــــــــــــــَا لا نضيعُـــهُ
لكنهُ ضــاعَ في أبعـــــــــــادِ خيبتـــنا لا الوجـهُ باقٍ و لا من جاءَ يـــرجعـهُ
حلمتُ لو أنني في الصحــو أشهـدهُ وددتُ لو أنني في الحلـــــــــمِ أسمعـــهُ
هل يقـدرُ الشعرُ منفيـاً يــردُ لـه بريقــهُ ’ و من الأشواقِ يجمعــهُ
........
ثم يدخل صوت الشاعر :
الشاعرُ الضِّليلُ يكتبُ بالدمعِ من المنفى ’
قصائدَ العودةِ في أعماقهِ
ينتظرُ الرحيلْ
......
تمضغهُ الغربةُ ( قاتاً ) يابساً
تشربهُ على مقاهي الحزنِ (بناً) نازحاً
يشيخُ .. يسَّاقطُ لحمُهُ
عظامُ كبريائه تصرخُ في عباءةِ الدخيلْ
.............
و هكذا...
فالقصيدة طويلة ’ تتبنى حواراً وجدانياً و فكرياً بين الشاعر و القناع ’ و تتعدد فيها الأصوات و الرؤى تعدد أساليب التعبير الشعري و أشكاله في النص و تتحاور فيما بينها حول فكرة الوطن الحلم – الوطن الميلاد – المنفى’ قسوته و معاناته – الحنين و لوعاته ’ فالشاعر في غربته و منفاه استلهم معاناة الشاعر ( القناع ) في منفاه الذي مات فيه شوقاً و كمداً للأهل و الحبيب و الوطن ’ فانطلق منها محاوراً قناعه’ و قد كان الشاعر موفقاً أيما توفيق ’ إذ نوَّع في أشكال التعبير الشعري ’ فجعل القناع يتحدث من خلال البنية التقليدية (العمود) تأكيداً لخصوصية القناع ’ ليس هذا حسب ’ بل أنه جعل من قصيدة (ابن زريق ) الشهيرة الحاضرة بمأساتها التاريخية في عقل و وجدان القارئ العربي ’ قالباً موسيقياً ’ ملتزماً رويَّها و بنيتها العروضية ليدخل القارئ في جو المعاناة بكل تفاصيلها و أطرها التاريخية و الفنية ’ و أخذ يحاكيها و يحاورها تارة بأسلوبها ’ و تارة أخرى بأسلوب الشعرية الجديدة ’ بوصفه شاعراً معاصراً ’ فضلاً عن أنه أستطاع أن يسد فجوات النص و يحافظ على تماسك بنيته موضوعياً و فنياً على الرغم من اعتماده تقنية تعدد الأصوات من خلال تهيئته الموضوعية و الفنية للحظة دخول صوت القناع إلى بنية النص ’ كما يحدث في أسلوب الإسترجاع المعلوماتي أحد آليات الزمن السردي في الخطاب الروائي التي تعمل على التمهيد لدخول شخصية جديدة إلى مسرح الأحداث بإضاءة فضائها التاريخي و تهيئة القارئ لاستقبالها ’ إذ كان قبل الانتقال من صوت إلى آخر و من رؤية إلى أخرى يهيئ القارئ لهذه النقلة ’ بما يوحي بتحول في صيرورة السرد ’ بحيث يجعل الصوت اللاحق فضاءً للصوت السابق أو رداً عليه ’ كما لاحظنا آنفاً
و للشاعر قصائد أخرى كثيرة من هذا النوع تتمثل تقنية تعدد الأصوات منها قصيدته الموسومة : ( عودة وضاح اليمن ) (20) إذ يقول :
ضائعاً- كنتُ- محترقاً ’ أتمزق في قبضة الليل و الشجنِ البربريِّ الرماديِّ أصرخُ ’ أرحلُ في سفنِ الحزنِ ’ تحملني في بحار من اليأسِ’ أذكرها تتعذبُ بعدي ’ تواجه أعداءها في ثباتٍ ’ أمد يدي نحوها ’ تتراخى يدي تحتَ رعبِ المسافات ’ أبكي ’ يطيرُ بيَ الدمعُ ’ يرجع بي نحوها .. يا لَرَخٍّ من الدمع يحملني في حنانٍ رحيم ...
** من أنتَ؟ ما تبتغي من عجوزٍ بلا زادٍ أسلمها قومها للمجاعة و الموتِ ’ باعوا ضفائرها للظلام حبالاً ’ و ناموا على عتباتِ المواعيد يقتسمون كؤوسَ المهانة في الحلم ’ يختصمون على القيدِ يحتطبون بوادي الثعابين ’ يستمطرون الغبار العقيم؟
من تكون ؟ متى جئتَ؟ كيف تسللتَ عبرَ الظلامِ إلى و حدتي ؟ ............
عُدْ إنِ استطعتَ ’ فالصائدونَ حواليكَ كُثرٌ ’ و من حولنا الرملُ مقبرةٌ و الصحارى جحيم.
أأهربُ عنكِ ؟ و أنتِ نصيبي من الأرضِ و الشمسِ و القمرِ المتلألئ في وطني و اغترابي ....
أنا أنتِ ’ وضَّاحُ يا شِعرَ وضاحَ ’ يا قلبهُ القرويَ اليماني المعلقَ في الأرضِ . لم يغتربْ ظلَّ يخفقُ للفجرِ .... يكبرُ في السنديانِ الجديد – القديم.
** أُوه , وضاحُ لا تقتربْ ’ صرتُ مجذومةً ’ يتساقطُ لحمي على الأرضِ تأكله الدودُ من كلِ ناحيةٍ .....
لماذا تأخرتَ ؟ هل شغلتكَ عن الأهل و الأرضِ ( أمُّ البنيين ).....؟
لا و عينيكِ ’ يا روضةَ الحبِ ’ ما خنتُ عينيكِ ’ بل كنتُ مغترباً رهنَ صندوقِ خوفيَ يحملني الفقرُ و الجوعُ عبرَ شوارعِ بغدادَ ’ في ( تُرَبِ ) النيلِ ’ بين قرى الشامِ ’ أبحثُ عن هدهدٍ يتعرفُ حزني ’ يدلُ على محنتي و انكساري .......
** لماذا تأخرتَ ؟ إني هنا جثةٌ نبذتها المدينةُ تنتظرُ الدفنَ .... كأني بقايا عظامٍ من الأمسِ لا تستطيبُ الطيورُ لها مطعماً ’ فابتعدْ.... ’ إني على موعدٍ و المواجيدِ ’ أبكي بَنِيَّ الذينَ أضاءوا و ماتوا ’ أبوا أن يَفِرُّوا ’ فكانوا غذاءَ الذئابِ مساءً ’ و عند الظهيرةِ كانوا غذاءَ الهشيمْ .
...............
القصيدة تتضمن عدداً من المقاطع الحوارية التي تتعدد فيها الأصوات وجهات النظر من خلال صوتي وضاح و روضة قناعي النص ’ فضلاً عن صوت الشاعر المتموضع ضمنياً في بنية النص يدير الحوار و يوجهه على وفق مقاصده الموضوعية و الفنية ’ "وهذا النمط من النصوص تتداخل فيه الشخصيات، تتحاور فيما بينها أو تدخل على القصيدة فتعبر عن آراء أخرى غير رأي الشخصية الأولى في النـــص" (21).
و يبدو أن الشاعر اتكأ على حكاية القناع و حبه الأثير ’ لينفذ من خلالها في أسلوب رمزي مفعمٍ بالشعرية لمعالجة قضية حبه الكبير صنعاء – الوطن .
بيد أن رمزيته كانت مكشوفة تشي بتحولات دلالية ذات طبيعة رمزية تعين القارئ على فك شفرات النص ’ و تضمن استمرارية تواصله معه.
في الاتجاه نفسه نقرأ هذه القصيدة الموسومة :(قراءة لكف الوطن العربي ) (22) يتحاور فيها صوتا العراف و الشاعر على النحو الآتي :
بقعٌ للظلِّ .. و أخرى للدمِ
نهرٌ للقاتِ .. و نهرٌ للأفيونْ
طفلٌ تقتلهُ – فوق سريرِ الذهبِ – التخمةُ
و مئاتُ الأطفالِ يموتونَ على صدرِ الحارةِ
ينتشرونَ بُثُوراً في جسدِ الجوعْ.
** هذا وجهي
جمجمةُ الملحِ
و هذا كفُّ العربِ المتورمِ بالبترولِ ’ النافقِ بالفقراءِ ’
المتسكعِ في ليل العصرْ
من بينِ أصابعه تخرجُ شمسُ الثورةِ
تدخلُ شمسُ الثورةِ ’
ما بينَ خروجِ الشمسِ ’ وبينَ دخولِ الليلِ
لحظةُ إخصابٍ .. لحظةُ إنجابٍ ..
** منْ يضمنُ أن المولودَ ذَكَرْ ؟
ليسَ المولودُ حجرْ ’
أنثى عذراءْ .. لم يطمثها في رحمِ الأمِ بشرْ
** كم طفلٍ حملته أصابعُ هذا الكفِّ المتدلي كُرهاً ......
لا تبحثْ في الكف المترهلِ عن نخلةِ عامِ الفيلِ
النخلةُ ضائعةُ في الكفِّ ’ هجرتْ زمنَ الرملِ اليابسْ
و توارتْ عن صدرِ الأنهارِ
انظرْ..
هاهيَ قادمةٌ في عُلبِ الإصحاحِ العاشرِ ’
تسبقها قبعةٌ زرقاءُ العينِ
و يتبعها قمحٌ مفتولُ الشاربِ
** أينَ النخلةُ ؟
في الطرفِ النائي المتوهجِ من نهرِ السَّبابةِ
حيثُ الجوعُ ’ المطرُ ’ الثورةُ ...
** هل يتسعُ الطرفُ النائي من سبابةِ كفِّ العربِ المشلولِ ’
لمواليد الشمسِ الأخرى
لمواليدِ النخلةِ ؟ .
يتسم النص بالحوارية و تباين وجهات النظر ’ يرسم الواقع العربي البائس ’ و عيناه تراقبان بوادر الأمل و الانفراج ’ و قد أحسن الشاعر بأن تركَ للعراف مساحةً واسعةً من النص ليقول على لسانه ما يختلج في نفسه ’ واكتفى بأن يقف موقف المتسائل العربي الباحث عن الحقيقة المتلهف لملامح غدٍ أفضل ’ مما جعل النص أكثر واقعية.
و لم تكن المسألة لدى الشاعر مجرد قناع ينفذ من خلاله بقدر ما هي حوار أو جدل رؤيوي تتعدد فيه الأصوات و تتباين وجهات النظر بشفافية شعرية خدمة لقضايا الإنسان ’ ففي قصيدته الموسومة (عندما نبكي الأرض بعيون القمر) (23) يقدم الشاعر واقع الإنسان و يناقش أحواله من خلال رؤى و أصوات متعددة و متباينة على النحو الآتي :
صوت من القمر : (نيل آرمسترونج):
الصورُ التي التقطتها العربتان أبولو8 و أبولو 10 عن المكان الذي ستهبطان فيه كانت واضحةً جداً و ما شاهدناه يشبه هذه الصور شبهاً كبيراً.. ......
صوت من الأرض : ( محمد علي كلاي )
جلدي أسودُ ’ في لونِ حياتي هذا الجلدُ’ و أيامي طافيةٌ غارقةٌ ’ أنبشُ في ذاكرتي ’ أتقيأُ تاريخي .آلهةُ البيضِ عصورٌ حاقدةٌ ألقتْ جسدي في أفرانِ الليلِ الشتويِ’ تنقعني في آبار القارِ ’ على مائدة الفرحِ الأبيضِ ’ تسلخني ’ تشربني ’ تأكلني نيَّا........
القوة معبودي و العضلات .. الحلبات تناديني تدعو خصمي .. أصرعه .. يصرعني نسقط ’ ننهضُ .. يوقظنا التصفيقُ معاً ’ ملعونٌ من يقتل طفلاً و امرأةً ’ يزني بالأرض ’ يشوهُ وجه القمر الحلم ’ يطير إليه بأجنحة من دم.
صوت من القمر : (نيل آرمسترونج):
هبط النسرُ .. خطوةٌ صغيرةٌ للإنسان ’ لكنها قفزة عملاقةٌ للإنسانية.
صوت من الأرض : ( مناضل فلسطيني )
في بندقيتي أنام ْ .......
أحلمُ أنني رجعتُ ’ أن بيتي عادَ .... إخوتي ’ يافا ’ شوارع القدسِ و أن أمي لم تعدْ وحيدةً ’ صارتْ تغني .............
منذ فقدتُ وطني ’ منذ سطا على ترابه النملُ الغريبْ
روحي تنامُ في جبالهِ ’ تقتاتُ من أعشابهِ
و جسدي ينامُ في مخافر التعذيبْ....
القمرُ الذي أحببته
القمرُ الذي أهوى الصعودَ نحوهُ هو الوطنْ.......
صوت من القمر: (نيل آرمسترونج):
تراب القمر ناعمٌ ... لا أرى آثاراً لقدميَّ ’ سطح القمر كغبار الفحم ’ ليست هناك صعوبة في السير على سطح القمر ’ المكان جميلٌ جميل .. خراب رائع.
صوت من الأرض: (شاعر)
صار ينبتُ كالعشب في القلب ’ يفترشُ العين طوعاً و كرهاً ’ ....
على شفةٍ كنتُ أعبدها ’ ... على قمرٍ كان حبي على صدره وجَه روحي وعمري معلَّق..
ما الذي جدَّ في أمرنا ؟ قمري و أنا –
أنا يغتالني الحزن في مطلع الشمس ’ تمضغ وجهي عيونُ التعاسة و الجدب ’ تعشق موتي ’ تطاردني .
و هو في قبضة الليل يحتله ( المدنيون ) ’ تنبشُ أقدامهم وجهه الضاحك القروي الطفولي .. أصبح مثلي حزيناً ’ و مثل رفاقي يُقدمُ للإغتيال.
صوت من القمر:
اللون يختلف وفقاً للزاوية التي ننظر منها .. لا لون تقريباً ....
الفوهات منتشرة في كل مكان .. و المكان الذي هبطتْ عليه المركبة مسطحٌ نسبياً ’ لكن يمكن مشاهدة عددٍ كبير من الفوهات من جميع الأحجام في جميع الاتجاهات ....
صوت من الأرض ( مناضل فيتنامي)
كانت مدرسةً هذه الفوهة ....
الأبناء ’ الأشجار’ تنامُ هنا ’ ....... دخانٌ يتصاعد .......
نهرُ الميكونج يسيلُ دماً ..... لن تركع هذي الأرضُ الباكية الشاحبة اللون... ما زال بريقٌ من وجه القمر المحتل يمـدُّ أصابعه عبر الأسلاك... يصارع مثلي طوفان الليل الأحمق .. و يضئ طريق رفاق السجن .
........................
النص يقدم صورة لواقع الإنسان من زوايا و عوالم شتى ’ الواقع و الحلم ’ الزيف و الحقيقة ’ شعارات الإنسان و الإنسانية و اضطهاد الإنسان و قهره’ واقع يضج بالمتناقضات في ضوء صورته المقروءة .
و قد أحسن الشاعر في اختيار أصوات النص و التقاطه نماذج إنسانية قريبة و حاضرة في فكر المتلقي و ثقافته ’لتجسيد هذا الواقع و رسم ملامحه
ففي الوقت الذي استطاع فيه دعاة الحرية و حقوق الإنسان اقتحام الفضاء و فك أسراره تحت شعار خدمة الإنسان و الإنسانية ’ فإن هناك ’ و ممن يعيشون تحت ظلال هذه المبادئ و الشعارات من يعاني من ضغوطات التفرقة العنصرية و يرى أن لونه الأسود أصبح مصدراً من مصادر بؤسه الذي يقدم على مائدة أفراح البيض
فصوت(محمد علي كلاي ) في النص يقدم دوراً مزدوجاً ’ فهو من حيث انتماؤه للجنس الأسود يقدم صورة واقعية مغايرة لما يدعيه حملة شعار المساواة ’ فهو يعاني من سلوكيات التفرقة العنصرية التي تكشف زيف و ادعاء شعارات المساواة : ( أتقيأُ تاريخي .آلهةُ البيضِ عصورٌ حاقدةٌ ألقتْ جسدي في أفرانِ الليلِ الشتويِ’ تنقعني في آبار القارِ ’ على مائدة الفرحِ الأبيضِ ’ تسلخني ’ تشربني ’ تأكلني نيَّا........)
و من جانب آخر’ بوصفه من عبَّاد القوة و أحد آلياتها ’ يعترض اعتراضاً صريحاً على أولئك الذين يستخدمون القوة لقهر الشعوب وقتل الأبرياء و مصادرة الحقوق ’ و يقدم رؤيته الخاصة التي ترى أن للقوة مجالاتها و ميادينها و مبادئها التي لا تتعارض مع حرية الإنسان و حقوقه:
(القوة معبودي و العضلات .. الحلبات تناديني تدعو خصمي .. أصرعه .. يصرعني ’ نسقط ’ ننهضُ .. يوقظنا التصفيقُ معاً ’ ملعونٌ من يقتل طفلاً و امرأةً ’ يزني بالأرض ’ يشوهُ وجه القمر الحلم ’ يطير إليه بأجنحة من دم.)
بعد هذا تتعدد الأصوات و تتنوع وجهات النظر’ ( صوت المناضل الفلسطيني – صوت الشاعر – صوت المناضل الفيتنامي ....) لتتكشف معها حقائق عالم الإنسان و دعاة الإنسانية’ فما بين الصوت القادم من القمر المفعم بالأنانية الهابط على أحلام المقهورين ’ وبين الأصوات القادمة من الأرض’ النازفة دماً الباحثة عن الإنسان ’ مسافة بعيدة تعدل المسافة الفاصلة بين الأرض و القمر’فإذا كان الصوت القادم من القمر يدعي أن الوصول للقمر خطوة كبيرة وعملاقة للإنسانية(: هبط النسرُ .. خطوةٌ صغيرةٌ للإنسان ’ لكنها قفزة عملاقةٌ للإنسانية).فإن الأصوات القادمة من الأرض (قلب الحدث و محك شعار الإنسانية) تكشف عن قهر الشعوب وكفاحها الدؤوب بحثاً عن الوطن و العيش بسلام’ كما تكشف عن افتقار الإنسان على الأرض لأبسط مقومات الإنسانية.
فالنص حوار رؤيوي تلتقي فيه وجهات النظر تأتلف و تختلف في أسلوب شعري بوليفوني أستطاع من خلاله الشاعر تقديم رؤيته و قراءته لواقع الإنسان المعاصر.
و للشاعر قصائد أخرى تتعدد فيها الأصوات و تتنوع وجهات النظر منها قصيدة ( بلقيس) (24) التي يحاول الشاعر من خلالها رسم ملامح هذه الشخصية التاريخية و يلقي الضوء على جوانب من تاريخها السبئي من زوايا و وجهات نظر متعددة ’ فإلى جانب صوت الشاعر هناك صوت بلقيس و صوت سليمان عليه السلام و أصوات أخرى ’ إذ يبدأ النص بصوت الشاعر متحدثاً عن بلقيس:
هي من هذه الأرضِ
معجونة بأساطيرها ’ و بأحزانها ..
و لها من جمال السهول ’ و من كبرياء الجبال
و لم تنحدر من سماء الخرافات
أو هطلتْ ذات صبحٍ مع الغيم
ما زال شباك منزلها مورقاً بالأحاديث و اللفتاتِ
و أصداء ضحكتها كسلاسل من ذهبٍ
تتفتح كالضوء عبر الزمانِ
ترنُّ ..
تزيلُ الغبار عن الروحِ و اللغة المتعبة.
بعد هذا السرد الشعري المدهش بصوره الفنية العميقة الدلالة الذي يؤكد من خلاله الشاعر و اقعية الحدث و يمنية بلقيس ’ يأتي صوت بلقيس :
من ألبسني هذا الصوت .. و أطعمني هذا الإيقاع؟
من ألقى في شفتي أطواق نجاةٍ للكلمات ؟
من وهب الماء لذاكرتي
و أعاد الشمس لدورتها و النهر إلى مجراه ؟
بعد ذلك يدخل صوت آخر و كأنه كان يشارك الشاعر لحظة تجليه و يستمع إلى شريط ذاكرته التاريخية ليفاجئ بحضور بلقيس من وراء الزمان و المكان فينطلق قائلاً:
ماذا أرى ؟
ضوء طيفٍ جميل يشاركنا حلمنا ..
يتقدم خمرة أشواقنا دافئاً
إنه طيفها .. طيفُ بلقيس
يخرج من صفحات الزمان القديم ..
و في شبقٍ مبهمٍ يحتوينا ..
يرممُ أوقاتنا بالأحاديث
يورقُ في شطحات الخيالْ
إلى هنا و النص لم يلامس بعد وقائع قصة بلقيس التاريخية ’ لكن بدخول صوت سليمان عليه السلام تتجسد خيوط هذه الملحمة :
هذه المرأة فاتنة ..
و أنوثتها في حكمتها ..
لا الخمرة باحت بالأسرار و لا الساقان ...
.. الحكمة بابُ سماوات الشرق و مخزن كل يواقيت العالم...
فمن خلال صوت سليمان عليه السلام تتجلى الأحداث التاريخية ’ فالحكمة سمة من سمات بلقيس المميزة ’ بل مقوم أساس من مقومات نظامها السياسي في مملكة سبأ ’ و لفظة ( الساقان ) بقدر ما هي إشارة لفتنة بلقيس و أنوثتها بقدر ما هي التفات إلى الحدث التاريخي ’ عندما أمر سليمان أحد أعوانه أن يأتيه بعرشها فجعله مستقراً أمامه و حين جاءت بلقيس لم تعرفه و حسبته لُجةً و كشفتْ عن ساقيها و قد أورد القرآن الكريم تفاصيل القصة في سورة سبأ.
ثم يعود صوت الشاعر مجدداً ’ ثم يسلم زمام السرد لصوت آخر في تناوب و تناغم شعري جميل .
..........................
• الخلاصـــــــــة:
استناداً إلى استقراء النصوص و تحليلها ’ و إلى ما قدمته هذه الدراسة حول القصيدة البولوفونية و شعرية تعدد الأصوات من خلال مدونة المقالح الشعرية ’ فقد رصدت الدراسة جملة من النتائج أهمها
أن مصطلح ( بوليفونيـة Polyphonie

أن محاولتنا استخدام هذا المصطلح و تطبيقه إجرائياً كان رغبة في توسيع مجالات استخدام هذا المصطلح و إعطائه فضاءاً نقدياً جديداً ’ و استجابة لمعطيات النصوص الشعرية المختارة.
الشعر العربي المعاصر غني بمعطياته الفنية و أساليب الشعرية المعاصرة ’ و من ضمنها الأسلوب البوليفوني أو تعدد الأصوات و كثير من الشعراء العرب مارسوا هذا الأسلوب ’ و قد تم اختيار نصوص الشاعر عبد العزيز المقالح حقلاً تطبيقياً بوصفه أحد هؤلاء الشعراء الذين أدركوا البعد الفني لهذا الأسلوب الشعري المعاصر.
تقنية القناع آلية من آليات النص البوليفوني لاسيما إذا تعددت أصوات الأقنعة في النص.
القناع نوعان : الأول القناع التام الخالص : ويقصد به قناع الشخصية التي لا تسمح للشاعر بتعديل صوتها أو الخروج عما ارتبطت به من أحداث , فيكون تقمص الشاعر لها تقمصاً تاماً, بحيث يسيطر صوت القناع كلياً على النص. والآخر القناع المرن أو المتراخي : ونقصد به الشخصية التي تسمح للشاعر بالتدخل في تاريخها وتحويره على لسانها ومحاولته النطق بمقاصده الفنية والفكرية والحيوية وأن يضيف إليها ما لم يكن في تاريخها الواقعي.
.............................
• الهوامش:
1- ينظر: الصوت الآخر : فاضل ثامر : دار الشؤون الثقافية العامة- بغداد1992ص20
2- نفســــــــــه:ص10
3- ينظر : دراسات في الشعر العربي المعاصر : د/ عبد الرضا علي : المؤسسة العربية للطباعة و النشر- بيروت (د.ت) ص17
4- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: د/سامح الرواشدة: مطبعة كنعان- الأردن – ط1 1995ص10
5- ينظر: تجربتي الشعرية ج2: عبد الوهاب البياتي : دار العودة بيروت –ط3-1979ص38
6- ينظر: دراسات في الشعر العربي المعاصر: مرجع سابق ص13
7- ينظر: مقدمة أغاني مهيار الدمشقي : د/ خالدة سعيد: بيروت- ط1-1961ص9
8- ينظر: دراسات في الشعر العربي المعاصر: مرجع سابق ص13
9- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: مرجع سابق ص11
10-ينظر : تقنية القناع في شعر المقالح: د/ سمير الخليل: مج/كلية المعلمين – بغداد- ع/13-1998- ص73
11-ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح :ج3/109- إصدارات وزارة الثقافة –صنعاء 2004
12- نفســـــــه: ص175
13- ينظر: موجز تاريخ النظريات الجمالية : نيكوف افنيسا – سمير نوفا : بيروت – ص446
14- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج2/624
15- ينظر : بناء القصيدة العربية الحديثة: علي عشري : دار العروبة الكويت- 1981-ص24
16- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: مرجع سابق ص131
17- ينظر: الشعر العربي المعاصر- قضاياه و ظواهره الفنية: د/ عز الدين إسماعيل: دار العودة –بيروت-ط5-1988 ص229
18- ينظر: مقالات في النقد الأدبي: ت.إس.إليوت : ت. لطيفة الزيات : مطبعة الأنجلو- مصر-ص83
19- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح :ج3/9
20- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج2/637
21- ينظر: القناع في الشعر العربي الحديث: مرجع سابق ص133
22- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج2/576
23- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح :ج3/49
24- ينظر: الأعمال الكاملة : د/ عبد العزيز المقالح: ج1/21
.................................................. .................................................. ........