قصيدة النثـــــــر
الخصوصيــة والانفتاح
الدكتــور:
أحمد عـــــــــــــــزي صغير
أستاذ الأدب و النقد المشارك
جامعة الحديدة - اليمن
__________________________________
مدخل :
منذ طالعتنا قصيدة النثر في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي من خلال مجلة شعر اللبنانية ’ والموقف النقدي العربي إزاء هذا النوع الأدبي الجديد منقسم على نفسه بين الرفض والتأييد’ بيد أن كلا الفريقين الرافض والمؤيد’ لم يقدم أسباباً منطقية واضحة و مقنعة ’ فالفريق الرافض لم يطرح سوى مسألتين أساسيتين : الأولى : ابتعاد قصيدة النثر عن الانتظام الوزني ’ الذي يعده شرطاً أساسياً لتحقق الشعر والأخرى : أن قصيدة النثر نوع أدبي تم استيراده من الغرب ’ في جملة ما استورده الأدب العربي ’ خلال موجات الاحتكاك الثقافي
أما الفريق المؤيد فهو على شحة ما قدمه من معالجة تنظيرية ’ لم يتطرق إلى سبر أغوار قصيدة النثر’ وفتح مغالقها واكتشاف فضاءاتها وعوالمها ’إذ توقف فجأة مكتفياً بمشواره الذي قطعه , بل إن بعضهم يرى أن الخوض في هذا الصدد مغامرة لا فائدة منها وربما كنتُ واحداً من أولئك الذين يشكلون فريقاً ثالثاً ’ يقف موقف المراقب الحذر ’ في انتظار ما يؤول إليه الجدل النقدي بين الفريقين السابقين ’ وما يمكن أن تحققه قصيدة النثر من نتائج ملموسة على الساحة الإبداعية ’ وظل الأمر كذلك حتى ( آذنتنا بوصلها بغداد) ’ حيث هيأت لي ظروف الدراسة في بغداد أن أكون أحد الشعراء المشاركين في مهرجان المربد الشعري للأعوام (99-2000-2001) ’ ولعل أكثر ما لفت انتباهي وانتباه كثير من النقاد آنذاك ’ هو حضور قصيدة النثر المتميز واللافت للنظر’ ومنذ تلك اللحظة أخذ موضوع قصيدة النثر يراودني بين الفينة والأخرى ’ حتى تمت الاستجابة ’ فحاولت أن أدلو بدلوي للمرة الأولى في مغامرة أرجو أن تضيف شيئاً إلى الجهد النقدي العربي المنجز بهذا الصدد ’ وقد اخترت نصوص قصائد النثر من خلال دواوين المربد التسعينية حتى تكون أكثر تنوعاً وشمولية’ بالإضافة إلى اختيار بعض القصائد النثرية التي تلبي أهداف الدراسة ’ مدركا ً مغامرة الخوض في موضوع كهذا ’ نظرا ً لشحة الدراسات المتعلقة به ’ و لاسيما التطبيقية منها على وجه الخصوص, ولكن شعوراً بحاجة دارسي الأدب لما يعينهم على التعامل مع قصيدة النثر- بالشكل الذي يجعلهم يملكون رؤية واضحة عنها معمدة بالدرس و التحليل- جاءت هذه الدراسة .
• المشروع الغربي / الإرهاصات المبكرة :
لا شك أن النثر الشعري وقصيدة النثر ميدانان متميزان متشابهان على سطح الساحة الأدبية الفرنسية ’ فكل منهما يتسم برغبة عارمة في الإنعتاق من التقاليد الموروثة واللجوء إلى قوى جديدة للغة (1)’ ولكن السؤال الذي تنكشف معه رحلة ميلاد هذا النوع الشعري الجديد’ هو: كيف تم الانتقال بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر من النثر الشعري الذي كان ما يزال غير عضوي إلى قصيدة النثر التي عدت نوعاً أدبياً حقيقياً ؟
من دون شك أن تفتح بذرة قصيدة النثر في حقل الآداب الفرنسية لم يحدث فجأةً ’ بل كان يحتاج إلى أرض مهيأة خصبة ’ وأذهانٍ مشرئبة تؤرقها ’ شعورياً أو لاشعورياً ’ الرغبة في إيجاد شكل جديد للشعر’ كما كان يحتاج أيضاً إلى الفكرة الأكثر خصوبة المشحونة بالإيمان أن النثر قابل لأن يكون شعراً . فقصيدة النثر ولدت من رغبة في التحرر و الانعتاق ’ ومن تمرد على التقاليد المسماة شعرية وعروضية ’ وعلى تقاليد وقد كان الطريق مهيَّـئاً بعد أن فرض النثر الشعري آنذاك طابع التمرد على القوانين القائمة والطغيان الشكلي ’ فكان القرن الثامن عشر إطاراً زمنياً تبلورت خلاله وعبر محاولات عديدة المبادئ الأساسية لقصيدة النثر( الحصر– الإيجاز– شدة التأثير– الوحدة العضوية )(2). بيد أن هناك من يرجع الإرهاصات الأولى لقصيدة النثر في فرنسا إلى عصر لويس الرابع عشر ’ والحقيقة أن القوى المحافظة وحب النظام والبنية التناسقية الجميلة كانت ما تزال قوية ومهيمنة في عصر لويس الرابع عشر وكانت بحاجة إلى قوة فاعلة تعمل على تصدع البيت الإسكندري’ ولم يطل الانتظار حتى كانت رياح المد الرومانتيكي تعلن عن ميلاد فجر جديد رافعاً لواء القضاء على البيت الكلاسيكي(3) . وعلى الرغم من ردود فعل الكلاسيكيين ’ إلا أن شيئاً لم يحدث ’ إذ أعلن الكتَّاب بحماس شديد أنهم قد تحرروا من عبودية أبيات الشعر متأثرين ومتبنين طروحات جماعات المترجمين الذين كانوا يتحدثون عن ضعف الشعر المنظوم في القرن الثامن عشر’ وينادون بتحرر اللغة ’مما هيأ الطريق أمام الكتَّاب وقادهم إلى البحث في النثر عن صيغ شعرية خارج سلطة الوزن والقافية ’ الأمر الذي جعل الباب مفتوحاً لمجيء هذا النوع الأدبي الأكثر حرية ومرونة وحداثة فكانت قصيدة النثر, فقصيدة النثر كما قدمتها سوزان بيرنار هي : ( القصيدة التي أنكرت على نحو تام قوانين علم العروض ’ و رفضت بإصرار أن تنقاد للتقنين ’ فهي قصيدة ولدت من تمرد على الاستعبادات الشكلية التي تحول دون أن يخلق الشاعر لنفسه لغة فردية ’ و التي تضطره إلى أن يصب مادة جمله اللدنة في قوالب جاهزة0) (4), لكن هذا النوع الأدبي الجديد ’ لم يتشكل جمالياً في الأدب الفرنسي ’ إلا على يد ( بودلير ) الذي وضع أسس الغنائية الحديثة حين قدم الفن في صيغة مغايرة ترى أنه : سحر إيحائي يحتوي على الموضوع والفاعل , العالم الخارجي بالنسبة إلى الفنان والفنان نفسه في آن واحد(5). - ومما لا شك فيه أن ( بودلير ) استطاع أن يقنع القارئ أن قصيدة النثر تأتي عادة من بناء يفتقر إلى الصرامة ويخضع لصدق الحدث بدلاً من تنظيم المادة بحسب قوانين فنية جامدة , من بناء يجعل نقاء الزخرفة الشعرية ينحرف باستطرادات أكثر شعرية , مؤكداً أن تجاوزات التطورات وانقطاعات النبرات العادية أو الابتذال في الشكل كل ذلك يقود إلى قصيدة النثر ويحد من قوة الشد العضوي الذي كان يصون جميع العناصر في النمط التقليدي(6). ومن فرنسا انطلقت قصيدة النثر إلى مختلف العواصم الأوروبية والعالم . فقد تبناها في ألمانيا ( كيستر ) وفي بريطانيا ( ستيفان جورج ) وفي أمريكا ( نوفاليس ) .
* قصيدة النثر في الأدب العربي ( المنجز الحداثي ) :
إذا كان المنجز النقدي الغربي لم يقدم تعريفاً وافياً وشاملاً لقصيدة النثر, بل ترك الباب مفتوحاً لاجتهادات فردية بحته , مكتفياً برأي ( موريس شابلان ) الذي يرى أنها : ) نوع لم يتجرأ منظِّر بعد أن يصوغ قوانينه )(7) ’ وعندما لا تقدمها دائرة معارف الشعر بجامعة برنستون الأمريكية بأكثر من أنها : ) إنشاء قادر على احتواء كل خصائص القصيدة الغنائية ) (8) ’ فإنه لا يمكن تقديم قصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر بأكثر من أنها ثمرة من ثمار حركة الحداثة الشعرية التي ظلت تبحث عن المدهش والغرائبي ’ في صراع دائم مع الأشكال الشعرية السابقة ’ في محاولة هدفها نفي السائد والانقطاع عنه(9)’من خلال نزوع دائم للخروج من دائرة التواتر المألوف وسلطة النظام . بيد أن ميلاد هذا النوع الشعري الجديد في الأدب العربي لم يكن هو الآخر وليد الصدفة أو حدثاً مفاجئاً ’ بل إنه امتداد لمحاولات تمرد سابقة ورغبة عارمة في التجديد كشفت عنها بدايات القرن العشرين من خلال النمط الشعري الذي تبناه آنذاك جبران خليل جبران وأمين الريحاني وآخرون ’ وأطلق عليه اسم (الشعر المنثور) أو (النثر الشعري)(10)’ هذا النمط الذي يقترب , من حيث المنطلق , كثيراً من قصيدة النثر ’ مع فارق جوهري تفرضه المرحلة وتطور اللغة وطبيعة التأثر بالغرب(11) وقد أدرك أدونيس بوصفه أحد أبرز النقاد العرب الذين نظَّــروا لقصيدة النثر ووضعوا أساسها النظري – أدرك طبيعة هذا التقارب ’ وحاول أن يجعل لقصيدة النثر تميزاً وافتراقاً عن الأنواع السابقة حين قال :( إن النثر الشعري إطنابي يسهب بينما قصيدة النثر مركزة ومختصرة ’ وليس هناك ما يقيد مسبقاً النثر الشعري ’ أما في قصيدة النثر فهناك شكل من الإيقاع ونوع من تكرار بعض الصفات الشكلية ’ ثم إن النثر الشعري سردي وصفي شرحي ’ بينما قصيدة النثر إيحائية ) (12) وعلى الرغم من أن أدونيس قد أسقط خصائص النثر العامة على محاولات جبران وأصحابه ( النثر الشعري ) , وعلى الرغم من أن كثيراً من قصائد النثر المنجزة تقدم خاصية السرد واحدةً من أبرز خصائصها – إلا أننا نجد أدونيس في تحديده لقصيدة النثر قد ركز على اللغة من خلال : الأطناب والسرد والوصف والشرح والاختصار’ مما يكشف عن الأهمية والأفضلية التي أعطاها للغة في تقديمه لقصيدة النثر(13)’ فإذا كان الأمر كما أشار أدونيس ’ يتعلق باللغة فهذا يعني أن العوامل التي تبلورت قصيدة النثر على أساسها ’ لم تكن بمعزل عن العوامل التي رافقت حركة التحديث الشعري في الوطن العربي منذ بدايات القرن الماضي المتمثلة في الدعوة إلى لغة الحديث اليومي والاقتراب من لغة الناس البسيطة في مقابل اللغة الجزلة الفخمة التي ظلت مستخدمة في الشعر’ فالمنطلق في كليهما واحد ’ وما دام الوزن عائقاً ’ كما يتصور’ فإن تحرير اللغة لا بد أن ينهض على أنقاض موسيقي الشعر(14)
على وفق هذا التأسيس يفترض ألاَّ نعطي الأثر الغربي المتعلق بميلاد قصيدة النثر في الوطن العربي تلك الأهمية المبالغ فيها كثيراً ’ والتي همشت قدرة الفكر العربي وتطلعه إلى استشراف فضاءات إبداعية أكثر انفتاحاً وإشراقاً. فإصرار المبدع العربي ورغبته المستمرة في البحث عن أشكال تعبيرية تلبي طموحاته العصرية ونزوعه إلى الخروج والتطلع وقهر الأسوار هو بدون شك العامل الأقوى والأكثر إشعاعاً في رحلة البحث عن الشكل التي انتهت إلى قصيدة النثر ’ وهذا ليس بجديد على طبيعة المبدع العربي الرافض دائماً سلطة النظام الجامد والهيكلية الصارمة ’ المتطلع بطبعهِ إلى كسر القيود المفروضة التي تعيق حريته الإبداعية. فما تعرض له الشعر العربي عموماً والقصيدة العربية خصوصاً من تغيير شمل جميع مستوياتها شكلاً ومضموناً منذ عمر بن أبي ربيعة وما أحدثه الشعراء المحدثون في العصر العباسي إلى يومنا هذا ’ يكشف عن شعور ذاتي عارم للتجديد يختلج في نفس المبدع ويعبر عن رغبته كلما رأى الساحة مهيأة لذلك .
فقد شهدت القصيدة العربية مجموعة من التحولات المهمة يمكن وصفها في بعض مستوياتها بالانقلاب الجذري ’ الأمر الذي يجعل الوصول إلى قصيدة النثر أمراً غير مفاجئ وشبه متوقع ’ بل يمكن اعتباره امتداداً طبيعياً لمحاولات التمرد المتعاقبة ’ فأول خطوة للتمرد على نمطية القصيدة العربية كانت من خلال بشار بن برد وأبي نواس ومجموعة الشعراء المحدثين ’ الذين لم يكتفوا بتجاوز المقدمة الطللية ووصف الرحلة التي ظلت حتى عهدهم مكوناً أساسياً في بنية القصيدة – بل تعدوا ذلك إلى اللغة والموضوع , ولم تكد القصيدة العربية تستوعب هذا التمرد حتى واجهتها موجة تمرد أخرى أكثر عنفاً تمثلت في أشكال جديدة من التعبير الشعري تمثلت في شعر: ( الرباعيات ) وشعر ( البند ) الذي خرج على العروض الخليلية المعروفة ’ ثم الموشحات التي كان لها هيكليتها الخاصة. وإذا ما انتقلنا إلى العصر الحديث وجدنا رياح التمرد أكثر عنفاً في ملامستها لجسد القصيدة شكلاً ومضموناً ’ ولعل أهم وأبرز ما حققته نازك والسياب وباكثير والبياتي وفدوى طوقان ’ من تأثير في القصيدة العربية على مستوى الشكل هو الانتقال من البيت الشعري إلى الجملة الشعرية والسطر الشعري ’ فضلاً عن تهشيم جدار اللغة ’ ولا شك أن كل ذلك كان استجابة لمتطلبات العصر, و رغبة الشاعر العربي في تجاوز حالات العقم و الوثوب إلى ما وراء الأسوار , هكذا ينبغي النظر إلى التحولات التي تعرضت لها القصيدة العربية وصولا ً إلى قصيدة النثر.
* الانطلاقة الأولى : ظلت قصيدة النثر قرابة نصف قرن محصورة على الغرب حتى كانون الثاني من العام 1957 ’ حين ظهر تجمع شعري في لبنان وأصدر ( مجلة شعر ) التي أعلنت عن ميلاد هذا النوع الأدبي الجديد ’ ونادت بالدفاع عنه ’ فمن خلال هذه المجلة التي كان يرأس تحريرها آنذاك يوسف الخال , مع أولئك الذين شكلوا النواة الأولى لتجمع شعر : أدونيس وخليل حاوي ونذير عظمة’ والذين انظم إليهم فيما بعد عدد من النقاد الشباب أمثال أسعد رزق وأنسي الحاج وخالدة سعيد وغيرهم ’ كان ظهور قصيدة النثر في الأدب العربي ’ بوصفها الشكل الشعري الذي من حقه أن يبقى ويسود . ولكن ما تجدر الإشارة إليه أن قصيدة النثر لم تتبلور نوعاً أدبياً في الأدب العربي إلا بعد ظهور كتاب ( قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ) لسوزان برينار عام ’1959 الذي ترجمه أدونيس ترجمة أولية ’ وتبنت الحركة مبادئه(15) وأهم هذه المبادئ :(16)
1- الوحدة العضوية : التي تعني هيمنة إرادة الوعي الذي يراقب التجربة ويوجهها , منطلقاً من وحدة الجملة ’ بوصفها خلية في منظومة خلايا تشكل جزءاً من كل عام واسع ذي بناء مماثل.
2- البنية الإيقاعية : المنبعثة من حالات التوازي والتكرار والنبر والتنغيم وتزاوج الأصوات الزمانية والمكانية - الهامسة والصائتة – الرخوة والشديدة –المستعلية والمنخفضة ’ فضلاً عن المقومات العامة التي استخلصها أدونيس وهي ( الكثافة – الإشراق- اللازمنية )
فالكثافة : تعني تلافي الاستطراد في الوعظ ’والابتعاد عن التفصيلات التفسيرية التي تؤول بها إلى عناصر النثر الأخرى . أما الإشراق فيعني التركيب المضيء بقيمه الجمالية ذي التناسق الجمالي المتميز الذي يمنحه صفة قصيدة
وأما المجانية أو اللازمنية : فتعني الحد الذي لا تتطور فيه القصيدة نحو هدف ’ بحيث لا تعرض سلسلة من الأفعال أو الأفكار ’ وإنما تظهر للمتلقي حاجة وكتلة لا زمنية(17) ’ وهذا ما عبر عنه بودلير بالإيحائية التي جعلها من أهم الخصائص المميزة لقصيدة النثر ’ إلا أن مجلة شعر اللبنانية التي ولدت قصيدة النثر بين يديها توقفت عن الصدور عام 1964 ’ على الرغم من كل الجهود التي بذلها أعضاء تجمع شعر ’ وبهذا بقيت قصيدة النثر داخل أسوار لبنان ولم تغادرها حتى عام 1968 ’ حيث تطالعنا من جديد من خلال مجلة ( الكلمة ) العراقية ’التي كان يرأس تحريرها حميد المطبعي ’إذ تبنت هذه المجلة قصيدة النثر , ونادت بالمبادئ التي نادت بها مجلة شعر اللبنانية ذاتها , و كان من أبرز شعراء قصيدة النثر العراقيين الذين قدمتهم مجلة الكلمة آنذاك : سركان بولص , وصلاح فائق , وفاضل العزاوي , ثم التحق بهم عبد الرحمن مجيد , ومؤيد الراوي , وموسى كريدي ونزار عباس وغيرهم(18), ومن العراق انطلقت قصيدة النثر لتنتشر في مساحات واسعة من البلدان العربية في مستويات فنية متفاوتة ’ عبر مسارها إلى يومنا.
و الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها ’ أن النص الذي قدمته قصيدة النثر ’ من وجهة نظر عدد من كتابها أو شعرائها ’ و حتى أولئك النقاد الذين ينظرون إلى الشعرية نظرة أكثر عمقا ً و شمولية ’ يبدو نصا ً ممتلئا ً بالشعرية ’ و أن تاريخ الأدب يحتفظ بما يحقق مشروعية ولادته عربيا ً’ و أعتقد أن الموقف النقدي الرافض لقصيدة النثر نتج عن سببين : الأول : يكمن في طبيعة تقديمها , فقد قام أصحابها بتقديمها على أنها الشكل الشعري الوحيد الذي من حقه أن يسود يبقى , من دون مراعاة للذائقة العربية التي أصبح الشعر بمعاييره المألوفة جزءً من تكوينها الفكري و الثقافي العام , و من دون تهيأة الظروف الملائمة لتقديم هذا المولود الجديد . السبب الآخر : يكمن قي أن تبنيه و تبلوره جاء في ظروف ربما تكون مقاربة للظروف التي كانت وراء إنتاجه في الغرب , ففي الفترة التي ظهرت فيها الدعوة إلى قصيدة النثر ’ كان الشاعر العربي مصابا ً بالقلق و الرفض و العبثية التي عاشها الشاعر الغربي قبل أن يصل إلى ابتكار قصيدة النثر’ فضلا ً عن أن المناخ الثقافي العالمي كان موحيا ً بذلك و مبشراً به’ بعد أن شهد تحولا ً في أسس الإبداع الأدبي ’ رافقه نقض لكثير من المسلمات السابقة ’ بحيث أصـُيب الشعراء بهوس التجديد و البحث الدؤوب عما لم يكتشف سابقا ً ’ وصولا ً إلى النص الخالد ’ حتى تداخلت الأنواع الأدبية و اختلط بعضها ببعض ’ بحيث أصبح من المتعذر الفصل بينها و وضع حدود صارمة لكل نوع ’ لاسيما ’ بعد النجاح الذي حققته الرواية في الإفادة من الشعر ( 19) بيد أن كل ذلك ’ لا ينفي أثر الثقافة الغربية و دورها في تبلور مشروع قصيدة النثر العربية ’ فالمثاقفة و تأثيرات الاحتكاك الفكري و الثقافي أمر وارد لا يمكن إنكاره ’ فهو ظاهرة يمكن تلمس آثارها في الأدب و الفكر الإنساني بصفة عامة ’ لا في الأدب العربي فحسب ’ بل أن أثر الاحتكاك بالثقافة الغربية ملموس في الأدب العربي ’ حتى قبل ميلاد قصيدة النثر ’ لكن هذا لا ينفي و لا ينبغي أن ينفي إمكانية المبدع العربي ’ و قدرته و دوره في ابتكار أشكال تعبيرية جديدة تلبي طموحاته و همومه و حساسيته الجمالية المعاصرة , فالواقع العربي إذن ’ كان يبشر بإمكانية ولادة مثل هذه القصيدة ’ و كان لابد لهذا الواقع أن يؤثر في نمط التفكير الشعري ’ و أن يعمل على زحزحة بعض المفاهيم الإبداعية السابقة ’ و تغيير الحساسية الشعرية تغييرا ً يلائم الظروف المستجدة ’ ففي ظل هذه الظروف و المستجدات ’ صار هاجس التغيير يلح و بقوة في طلب تجاوز المنجز الريادي ’ حتى أننا نستطيع العثور على نماذج من هذا النوع ’ أكثر شعرية من سواها قبل صدور مجلة شعر ’ فنصوص الشاعر العراقي حسين مردان ’ كانت تبدو مفعمة بالشعرية ’ إلا أنه كان يرفض أن يسمي هذه النصوص شعرا ً ’ ربما رغبة منه في الابتعاد عن تقليد المصطلحات الشائعة ’ في حين أن د/ علي جواد الطاهر ’ يرى أن النصوص النثرية أو النثر المركز الذي كان يكتبه حسين مردان ’ شعر ٌ آخر في روحه ’ إذا ما آمنا أن الشعر روح أولا ً ’ جـَّود فيه ’ و عبـَّر و صور’ و سيجده من يتأمله جديرا ً بالدرس 0 ( 20) فحسين مردان ’ قصد أو لم يقصد كان يؤسس لقصيدة نثر عربية ’ و إن لم تتطابق شروطها مع تلك الشروط التي قدمتها سوزان بيرينار و تبنتها بعد ذلك مجلة شعر , فالشعرية تتحقق في الوزن و القافية و بدونهما ’ ذلك أن الموسيقى تكمن في الكلمة ذاتها لأن الكلمة ارتباط نغمين أو أكثر ’ فالكلمة أصوات و الصوت و حركته ’ وحدة نغمية صغرى ’ لها أهمية كبرى في الشعر و لاسيما الشعر الحديث ’ بوصفها توقيعات تراكمية تتشكل من خلالها البنية الإيقاعية للنص 0 في ضوء ذلك ’ ينبغي أن نبحث عن شعرية قصيدة النثر ’ بعيدا ً عن الوزن و القافية ’ في الخصائص اللغوية ’ الأساس الذي تنطلق منه قصيدة النثر شعريا ً ’ إذ أن بمقدور اللغة أن تستقطب عناصر الشعرية بعيدا ً عن نظام العروض و القافية التقليدي ’ و بذلك يمكن تطويع لغة النثر لتصبح لغة شعر ’ عن طريق إعادة اكتشاف طاقة النثر الشعرية التي ظلت بعيدة عن الاستعمال الشعري ’ فضلا ً عن استغلال طاقة الانزياح في اللغة إلى أقصى حدودها أو استغلال الفجوة / مسافة التوتر ’ التي يراها أبو ديب مولدا ً شعريا ً أو الانحراف ’ بحسب تعبير ياكبسون و تودوروف ’ وقبلهما القرطاجني ’ وهذا يعني استثمار كل ما يمكن أن توفره اللغة من مولدات و عناصر شعرية قادرة على تحقيق شعرية النص .
* الموسيقى وعناصر الإيقاع :- الإيقاع الخارجي .. ( المباشر )
مما لا شك فيه أن المرحلة التي انبثقت فيها الدعوة إلى قصيدة النثر كانت مرحلةً محتدمة بالقلق والرفض والعبثية , موحية بانقلاب في كثير من المفاهيم و المسلمات السابقة ’ فبقدر ما كانت الهوة سحيقة بين الشعر والنثر الفني من الناحية النظرية في الموروث النقدي ’ أصحبت ضيقة جداً في العهود المتأخرة ’ حتى أن النظريات النقدية الحديثة تحاول في بعض مفاهيمها الجديدة إزالة الحواجز بين الصنّاعتين ’ فإذا الشعر نثر إذا كان نظماً وإذا النثر شعر إذا كان مشبعاً بالصور مثقلاً بالرؤى الشفافة محملاً على أجنحة الألفاظ ذات الخصوصيات الشعرية(21), و يبدو أن هذا الوعي النقدي ’ مدخل مناسب للحديث عن الموسيقى وعناصر الإيقاع في قصيدة النثر’ فهو بالإضافة إلى أنه لم يجعل الشعرية تتحقق بتحقق الوزن ولا غيابه متعلقاً بغيابها – نقرأ فيه تلخيصاً موجزاً لرؤية النظرية النقدية العربية للشعر وامتداداً لآراء الجاحظ والجرجاني وابن طباطبا ’ الذين لم يجعلوا الوزن والقافية شرطاً أساسياً من شروط الشعر ’ بل إنهم فضلوا عناصر أخرى غير الوزن والقافية – قادرة على ضمان تحقيق شعرية النص(22)
إذن .. هناك اتفاق نقدي قديم حديث على أن الشعر يمكن أن يوجد خارج الأوزان والقوافي ’ لأن الشعرية تتحقق وتتكامل في اللغة وليس في أي عنصر خارجي ’ ولعل هذا الوعي النقدي المبكر هو الذي دفع الجاحظ للحكم على صاحب هذين البيتين أنه لم يقل شعراً قط :
لا تحسبنَّ الموت موت البلى
كلاهما موت ولكنَّ ذا
فإنما الموت سؤال الرجال
أفظعُ من ذاك لذل السؤال
الأبيات ’ كما تبدو ’ حسنة الألفاظ شريفة المعنى مستقيمة الوزن ’ وعلى الرغم من ذلك فالجاحظ ’يخرج هذين البيتين من دائرة الشعر ’ فإذا كان الوزن والقافية هما الشرط الأساسي لتحقق الشعرية ’ ما كان الجاحظ يقف هذا الموقف ’مما يعني أن معايير الشعرية عند الجاحظ وغيره من النقاد الذين وضعوا أسس النظرية النقدية العربية عبارة عن منظومة متكاملة ’ لا يشكل الوزن فيها إلا جزءاً ضمن مجموعة أجزاء لها أهمية بالغة في تحقيق الشعرية , على هذا النحو تراجع الوزن باعتباره القضية العتيدة والعائق الهلامي الذي لازم الشعر قروناً طويلة ’ وبناءً على هذا الإحساس أصبح الوزن هو المستهدف في كل عملية تجديد أو كل حداثة , تراجع في ظل التأكيد على اللغة الشعرية – الخيال , الصورة – التكثيف – الرمز ’ وما آلت إليه آليات الشعرية المعاصرة (24) ’ وتلمساً لطريق الخلاص وتطلعاً للأنموذج المتوسم ورغبة في الوثوب إلى ما وراء الأسوار تلقف الشعراء الشباب في العراق ولبنان قصيدة النثر وراحوا يكتبون على طريقتها ويدافعون عنها, بيد أن فريقاً من النقاد العرب وقف موقفاً إما رافضاً انتماء هذا النوع إلى الشعر أو حذراً متردداُ ’ بل إن بعضهم وصل حد الاعتقاد بأن لا جدوى من أي جهد في هذا المجال(25), فنازك الملائكة ’ ترفض أن تسمي قصيدة النثر شعراً ’فهي لا تتصور خلو الشعر من الوزن ’ ذلك أنها تنطلق من مسلمات نظرية وعلمية تقيس على أساسها الشعر(26), فنازك الملائكة تجعل من الوزن محوراً أساسياً للشعر متجاوزة بقصد أو بدون قصد شعرية العناصر الأخرى ’ فإذا كان الأمر على ما تطرحه متعلقاً بالوزن ’ فاعتقد أن موضوع الوزن أمر قد انتهى النقد العربي قديماً وحديثاً من معالجته ’ بقي أن نناقش مسألة أن قصيدة النثر نوع تم استيراده من الغرب وأن قبولها والتعاطي معها مسخ لهوية وخصوصية الشعر العربي فما صحة هذا الزعم ؟ من البداهة أن نقرر’ كما سبقت الإشارة ’ أن مسألة المثاقفة والتأثير والتأثر من خلال موجات الاحتكاك الثقافي , واقع لا يمكن إنكاره ’ ليس فيما يتعلق بقصيدة النثر حسب ’ بل منذ زمن بعيد , قد يعود إلى بداية انفتاح الحضارة العربية على حضارات الشعوب الأخرى وخصوصاً الفرس والروم ’ وربما كان شعر الرباعيات و البند وشعر الموشحات أبرز شواهد هذا الاحتكاك والتأثر’ و في المقابل ’ نجد الأدب الغربي لا يخفي تأثره بالأدب و الثقافة العربية ’ و لعل الكوميديا الإلهية لـ ( دانتي ) تشي بتأثرها الواضح بحادثة الإسراء و بـ ( الفتوحات المكية ) لابن عربي و( رسالة الغفران ) لأبي العلاء المعري ’ هذا فيما يتعلق بالبعد التاريخي للمثاقفة بين الأدب العربي وآداب الشعوب الأخرى .أما في العصر الحديث فأشكال تأثر الأدب العربي بالأدب الغربي كثيرة ومتنوعة’ فهي إذا لم تكن على مستوى الشكل فهي على مستوى التقنية واللغة , فتقنية ( القناع والرمز والأسطورة ) في الشعر العربي المعاصر آليات دخلت على الشعر العربي نتيجة التأثر بالشعر الغربي وهي حاضرة في الشعر العربي , ومع ذلك لم يعترض أو يرفض أحد من النقاد قصيدة القناع – أو القصيدة التي تتكئ على الرموز الأسطورية ’ بحجة أن هذه التقنيات قادمة من الغرب ’ بل إن النقد العربي اعتبرها من فونيمات القصيدة المعاصرة التي من شأنها أن تحقق للقصيدة قدراً أكبر من الشعرية ’ فالبياتي يرى أن القصيدة العربية بدون هذه التقنيات تجوع وتعرى وتتحول إلى جثة هامدة (27) ’ فضلاً عن أن الشعر العربي الحديث تمثل كل مذاهب الأدب الغربي ’ كلاسيكية – ورومانسية – وواقعية – وسرياليه – ورمزية – و دادائية ’ وكل هذه المذاهب جاءت من الغرب محملة بفلسفة الغرب وثقافته ’ ومع ذلك لم نجد أحداً رفض أو اعترض , فكيف عندما تعلق الأمر بقصيدة النثر حدث هذا الرفض والانتصار للقصيدة العربية وخصوصيتها ؟ ثم هل الوزن والانتظام العروضي الصارم في القصيدة العربية هو عنوان هويتنا وخصوصيتنا ؟
أعتقد أن الشاعر العربي قادر على تأكيد هويته وخصوصيته من خلال الموقف والرؤيا والمعالجة ’ أكثر من أي وسيلة أخرى جامدة ’ هذا بالإضافة إلى أنه يجب علينا أن نقرر أن الشاعر كائن يطمح أن لا يقف أمام إبداعه سور أو حاجز وأن النص الإبداعي شعراً كان أم نثراً يفترض أن يكون إنسانيَ الهوية ’ ينفتح على كل هذا العالم’ ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية إلا بالتحرر من بعض القيود ’ ولا شك أن الانتظام الوزني كان أكثر القيود إعاقة لعولمة الشعر العربي’ هذا ما أكده كثير من المترجمين الذين تصدوا لنقل بعض نصوص الشعر العربي إلى بعض لغات العالم الأخرى’ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ’ إذا كانت قصيدة النثر قد تجاوزت مسألة الوزن إلا أنها ضمنت لنفسها بنية إيقاعية تحقق لها قدراً من الموسيقى ذات صلة بجوهر القصيدة ’ هذه الموسيقى المنبعثة من خصوصية اللغة ذاتها ’ وهذا يعني أن قصيدة النثر توافرت على قدر من الموسيقى من خلال تنوع بؤر الإيقاع والنبر والتنغيم خارج إطار الوزن العروضي ’ فالإيقاع هو عبارة عن ترديد وتناوب متناسق للمقاطع الصوتية يحسه الشاعر بفطرته إحساساً غريزياً ويتجلى في قصيدة النثر بأشكال عدة :
• ثنائية التوازي والتكرار : تعمل هذه الثنائية بشكل متناغم ومتناسق محدثة نبرات إيقاعية تتماهى مع عناصر الإيقاع الأخرى في منظومة نغمية لتشكل موسيقى قصيدة النثر 0
أ- التوازي: مقوم من مقومات الإيقاع في قصيدة النثر يسير جنباً إلى جنب مع التكرار لتحقيق قدر من الإيقاع المتنوع وهو على أشكال :
- توازي اللفظ .
- توازي الجملة .
- توازي النحو .
1- التوازي اللفظي : يعد التوازي اللفظي ذا قيمة إيقاعية أخَّاذة ’ تضفي على القصيدة إشعاعات نغمية هادئة ’ ونظرا ً لما تتسم به قصيدة النثر من السردية في أغلب نصوصها ’ فإننا لن نستطيع إيراد النصوص كاملة ’ و سنكتفي بأخذ مقاطع استشهادية لكل ظاهرة نتعرض لمعالجتها :
.. هائماً كروح قديس ’ كمجنون
وتسخر مني السماء المرتفعة , الشاسعة , القاصية
فما دمون غير حلم ٍ
وما عنيزة غير طيف(28)
في هذا المقطع يبدو جلياً الأثر الإيقاعي الذي أحدثته آلية التوازي منفردة حيناً ومشتركة مع آلية التكرار حيناً آخر’ ففي السطر الأول : ينبعث إيقاع التوازي من خلال لفظتي : ( قديس ) و ( مجنون ) ’ وهو توازٍ غير تام حيث تغاير مورفيم الياء ومورفيم الميم . ثم يأتي التوازي اللفظي في السطر الثاني من خلال لفظتي (الشاسعة) و ( القاصية ) ’ ومع أنه توازٍ غير تام أيضاً ’ إلا أن إيقاعه يختلف عن إيقاع التوازي الأول لانسيابية الإيقاع المهموس المنبعث من الألف المفتوح ما قبلها ( شا ) و ( قا ) بوصفها صوتاً زمنياً يمكن التحكم في مده ’ ومن ثمَّ يأتي الإيقاع في السطر الثالث والرابع .. الناتج عن اشتراك آليتي ( التوازي والتكرار ) في قوله : فمادمون غير حلم
وما عنيزة غير طيف
ليضيف دفقة إيقاعية شكلت بتكررها نوعاً من الإيقاع المنتظم ’ فإيقاع التوازي الناقص بين لفظتي ( حلم / طيف ) تماهى مع إيقاع التكرار الأسلوبي : ( فما دمون غير حلم / و ما عنيزة غير طيف ) ’ لتكوين موسيقى النص الخاصة0
وفي قصيدة أخرى ’ نحس بوقع التوازي اللفظي واضحاً وممتزجاً بالتكرار’ موزعاً توزيعاً لحنياً يضفي على المقطع الشعري مسحة موسيقية منتظمة:
وفي قصيدة أخرى : يتجلى إيقاع التوازي اللفظي بشكل أكثر فاعلية:
أحلم بدبابتي الأليفة
المدافع , الراجمات , الهاونات(29)
تأمل الإيقاع الناجم عن توازي لفظتي ( الراجمات ) و ( الهاونات ) كيف أعطى السطر دفقاً إيقاعياً هامساً يشعر المتلقي إزاءه كأنه قادم من وراء الأفق ’ دلالة على البعد ’ على عكس إيحاء السطر الأول ( أحلم بدباتي الأليفة ) الذي يشي بالقرب والحميمية والألفة . كما نقرأ أيضا ً :
في الطريق إلى بغداد ..
يولد الشعر و الشعراء
تورقُ الآن كلُ الشوارعِ
كلُ البيوتِ
المحطات
و الأغنيات
البنايات
و الأمنيات
المطارات
و اللافتات المضيئة (30)
لا شك أن آلية التوازي اللفظي هنا تمنح النص موسيقى هادئة تنبعث من خلال انسياب إيقاع صوت الألف المفتوح ما قبلها ’ التي تتراسل على طول الستة الأسطر ’ لتستقر على تاء مكسورة ’ تتلاحق تلاحق القافية التقليدية
2- توازي الجملة : لا شك أن إيقاع توازي الجملة أكبر مساحة من إيقاع توازي اللفظ , فالوحدات النغمية في الجملة أكثر منها في اللفظة ’ حيث أن الكلمات المتوازية داخل الأسطر قد تكون كثيرة وموزعة على وفق تشكيلها الزماني والمكاني : يجففون العناكب على حواسي
ويلطخون المنزل
بأعشاش ثرثرة حبلى بالصدأ (31)
تتجلى هنا آلية التوازي من خلال جملتي ( يجففون ) و ( يلطخون ) فالشاعرة تمكنت من صنع الإيقاع من خلال التوازي ’ ثم من خلال ضمير الفاعل ( الواو ) الذي أعطى للجملتين المتوازيتين إيقاعاً إضافياً داخل التوازي نفسه 0
.. ولنقرأ هذا النص :
ليس من أبناء إيثاكا كلُ من لم يهطل عليه المطر
أو يبلله المطر
من لم ينازل البحر بالحبال
أو يقارع الملمات بالعصا
إنهم يصنعون الخرائط
يعالجون الشراع
إنهم يباركون العاصفة و الخطر
لأنهم لا يأبهون بما يتوعدهم من خطر (32)
فالإيقاع الناجم عن توازي الجملة في هذا النص ’ يتشكل داخل الأسطر محدثا ً نغما ً موسيقيا ً ’ يطول مرة و يقصر أخرى ’ على وفق امتداد الوحدات النغمية في الجملة ذاتها ’ فالإيقاع المنبعث من توازي الجملتين : ( يهطل عليه المطر) س/1 و ( يبلله المطر) س/2 ’ متناغم مع إيقاع الـتوازي في الجملتين: ( ينازل البحر بالحبال) س/3 و ( يقارع الملمات بالعصا) س/4 , ثم يتسع إيقاع التوازي أفقيا ً في الأسطر الأخرى ’ من خلال : ( يصنعون الخرائط / يعالجون الشراع / يباركون العاصفة ) في تواصل حميم مع إيقاع التوازي في الأسطر الأولى ’ ثم ينكسر هذا الإيقاع ’ فجأة ’ في السطر الأخير محدثا ً كسر أفق توقع القارئ ’ من خلال الفجوة الإيقاعية ’ التي من شأنها توسيع مسافة التوتر لدى القارئ 0 و في نص آخر نقرأ :
ما كانت الدنيا لتلعن 00 فلماذا نلعنها ؟
ما كانت الدنيا لتضرب 00 فلمَ نهيلُ عليها بالطرق ؟
ما كانت الدنيا لتؤكل 00 فلمَ نحاولُ التهامها ؟ (33)
ينبعث الإيقاع هنا من تآزر آليتي التوازي و التكرار ’ إذ يأتي التوازي في ثلاث جمل :( لتلعن / لتضرب / لتؤكل ) متماشجا ً مع آلية التكرار في الثلاثة الأسطر’ مما أعطى النص لمسة موسيقية خاصة
3- التوازي النحوي : هو نوع من التوازي لا يعتمد الإيقاع بقدر ما يعتمد التركيب النحوي الذي بدوره يترك صداه الإيقاعي الخاص ’ فالجمل المتوازية نحوياً ’ تلتزم نسقاً نحوياً واحداً من خلال تسلسل العوامل النحوية : حين تكون ثمة وردة .. ثمة سنبلة .. ثمة إقحوانة ساحرة
ثمة بلبل صادح في هذا العالم
أو تكفي لإثارة ضحكة في أعماقي ؟
ثمة جحيم ينتظر الإنسان(34)
نلاحظ أن الإيقاع المنبعث من توازي الجملة الخبرية ’ وصفة الخبر في السطر الثالث : ( ثمة اقحوانة ساحرة ) توازن إيقاعياً مع الجملة الخبرية وصفة الخبر في السطر الرابع : ( ثمة بلبل صادح ) ’ مما خلق إيقاعاً منتظماً للسطرين وشكل امتداداً انسيابياً لإيقاع التوازي في السطرين الأول والثاني :( ثمة وردة ) و ( ثمة سنبلة ) ’ ثم ينكسر هذا الإيقاع الانسيابي فجأةً ’ من خلال الجملة الاستفهامية في السطرين الخامس والسادس : أو يكفي لإثارة ضحكةٍ في أعماقي محدثاً فجوةً إيقاعية من شأنها أن توسع مسافة التوتر بين النص والمتلقي وتحقق قدراً من الشعرية بحسب دكتور / كمال أبو ديب ’ ثم يعود النص لإيقاعه السابق من خلال إيقاع التوازي النحوي في السطر السابع :
( ثمة جحيم ينتظر الإنسان ) , فمغادرة الإيقاع و العودة إليه ’ يمنح النص تنوعا ً نغميا ً يحسب لموسيقاه .
ومن التوازي النحوي أيضاً :
- جنادبٌ على العشب , أصابع على البيانو
- أصابعٌ على البيانو – جنادبٌ على العشب(35)
التوازي النحوي هنا جاء تاماً من خلال أسلوب قلب المعاني ’ الذي جعل إيقاع التوازي يتماهى مع إيقاع التكرار في السطرين ’ مما خلق إيقاعاً أكثر قوة 0
هكذا يتجلى إيقاع آلية التوازي في قصيدة النثر’ بيد أننا نستطيع أن نلاحظ مما سبق أن إيقاع التوازي بأنواعه الثلاثة : ( اللفظي – الجملي – النحوي ) يتنوع طولاً وقصراً ’ وقوة وضعفاً ’بحسب نوعية التوازي و امتداد الوحدات النغمية في كل نوع ’ فإيقاع التوازي اللفظي أقل طولاً من توازي الجملة ’ بينما يكون التوازي النحوي أطول من توازي الجملة ’ فضلاً عن إيقاعات الأصوات المهموسة والمجهورة والأصوات الزمانية التي تقع داخل بنية التوازي نفسه ’ مما يجعل الإيقاع أكثر تنوعا ً و حيوية.
ب- التــكرار: قد عرفنا ما للتكرار من قيمة إيقاعية ومعنوية في القصيدة التقليدية بنظامها العروضي الصارم ’ بيد أننا هنا سنتحسس التكرار وتجلياته في قصيدة النثر وما يؤديه من إيقاع يعطي النص لمسةً موسيقيةً منتظمة تعوضه عن فقدان الوزن , فالتكرار في قصيدة النثر نوعان:
1- تكرار اللفظ : ويعني أن لفظاً ما يتضمن وحدات نغمية معينة ’ يعمد الشاعر إلى تكراره بهدف تحقيق نوع من الإيقاع الموحد للنص :
الرجل .. ذو الأنياب الخشبية
ذو الساق المفلوجة
ذو الأنف المعقوف
ذو الكف اليابس
ذو الوجه الأمرد .. ذو الرأس الجوزة (36)
فالشاعر هنا كرر لفظ ( ذو ) سبع مرات ’ مما جعل الأسطر السبعة تبتدئ بإيقاع منتظم موحد ’ لكن ما جعل إيقاع التكرار أكثر فاعلية ’ اشتراكه مع إيقاع التوازي في بعض الأسطر ’ فالإيقاع المنبعث من تكرار اللفظ ’ بوحدته النغمية الثابتة ’ تآلف مع الإيقاع المنبعث من توازي الجملة في الأربعة الأسطر الأولى ’ بوحداتها النغمية المتنوعة ’ لتشكيل بنية النص الموسيقية .
لديه ينسج البنفسج أغطيةً للأطفال
لديه عناقيد المشاوير اللاهثة
لديه أمومة كالبستان وشعب من إنسان
لديه ينطق الحرير انتفاضة المواقيد
لديه لؤلؤةً وعصا ومسائل لتسوية الضحى (37)
فهذا الإيقاع الهامس المتوالي المنبعث من تكرار لفظ ( لديه ) قادر على تحقيق انتظام إيقاعي يعمل على ضمان استمرارية التواصل بين النص والمتلقي ’ من خلال خيط نغمي هادئ يؤطر النص دلاليا ً و موسيقيا ً ’ فموسيقى النص تتمحور حول بؤرة نغمية واحدة و منتظمة تشترك فيها ’ و تنطلق منها جميع أسطر النص الشعرية ’ متمثلة في إيقاع الوحدات النغمية للفظ ( لديه) ’ العامل المشترك بين كل الأسطر , ثم تأمل كيف يستثمر الشاعر القيمة الدلالية والإيقاعية لتقنية التكرار في هذا النص:
قبل أن تخمد جذوة إيماني
قبل أن يُسفح دمُ فجري
قبل أن يمس الفن نقاء صباي
قبل أن يتحرك غضب الغيرة فيَّ
قبل أن تتخثر دماء العشق في شراييني
قبل أن يطوق الاختناق عنقُ معرفتي
قبل أن تقطع سكينة النسيان حبل وجودي
قبل أن يتهرأ سِفرُ أمنياتي
كنتُ نبعَ الأبدية وملاذَ المعرفة (38)
للتكرار في هذا المقطع وظيفتان ’ إحداهما دلالية تؤكد من خلال تكرار لفظتي ( قبل أن ) عدداً من الدلالات التي أراد الشاعر تجذيرها في نفس المتلقي ’ على وفق أثرها النفسي لدى الشاعر ذاته ’ ليشتركا معاً في تصور موضوعي واحد ’ والأخرى إيقاعية تضفي على النص شكلاً إيقاعياً خاصاً ’ من خلال الوحدات النغمية المنتظمة الموحدة في بداية كل سطر ’ فما حققه تكرار لفظ ( لديه ) على مستوى الإيقاع في النص السابق ’ يحققه تكرار ( قبل أن ) في هذا النص ’ إلا أن مساحة الوحدات النغمية في ( قبل أن ) أكبر منها في ( لديه ) ’ فضلا ً عن تقارب إيقاع الأفعال الواقعة بعد ( أن ) ’ مما يجعل موسيقى النص أكثر تناغما ً.
2- تكرار الجملة: كما أن لتكرار اللفظ قيمة معنوية وإيقاعية ’ فإن لتكرار الجملة معانيَ وإيقاعات يحاول الشاعر من خلالها أن يؤكد على دلالات ما و تثبيتها في ذهن المتلقي ’ على وفق أهميتها وأثرها في نفس الشاعر :
أخذت عن النهر غيابهُ , قلت :
إذا اعترتني خضرةٌ سأدوِّن مائي وأقيس جلال العشب وسيادة النور’
لكنني لم أجد سحباً على الورق
أخذت عن النهر غربته , قلت : إذا أصابني الحب سأحرر أغنيتي
أرى النساء يدخرن أنوثةً للصباح وللظهيرة الكلمات وللمساء تروض الفحول
لكنني لم أجد عاشقاً في الطريق
أخذت عن النهر غبطتهُ , قلت : إذا صعقتني نشوة سأطير بعيداً ,
لم يقف النهر, لكنني .. شطبت الغروب عن الشجر(39)
فالإيقاع الناجم عن تكرار جملة : ( أخذت عن النهر ) ثلاث مرات , له قيمته في التشكيل الإيقاعي للنص ’ إذ يتداخل مع بقية عناصر البنية الإيقاعية الأخرى’ ما يخلق تنوعاً نغمياً ملائماً لحركة القصيدة ’ و يخلق قدراً من الموسيقى الملائمة لها. و في الاتجاه نفسه نقرأ :
الذي يسأل عن قهوتي .. هو الذي سرق فنجاني
الذي يسأل عن لحيتي...
الذي يسأل .... استعار أدوات حلاقتي
والذي يسأل عن .... ويسأل عن .....
هم وراء ما... وما .... (40)
لا شك أن أبرز ما يثير المتلقي ويلفت انتباهه ’ هو أن هذا المقطع ينتهي دلالياً وإيقاعياً بمثل ما ابتدأ به ’ فعلى المستوى الدلالي يأتي السطر الأول كامل الدلالة في حين جاء السطر الأخير مفتوح الدلالة ’ من خلال تقنية الفراغ ( النقط ) إحدى تقنيات القصيدة المعاصرة ’ بهدف ترك مساحة لاشتراك المتلقي في عملية البث والتأويل ’ أما على المستوى الإيقاعي ’ فإن الإيقاع الذي تحمله فونيمات جملة ( الذي يسأل عن ) في السطر الأول ’ يتكرر مرة أخرى في السطر الأخير من خلال تكرار الجملة نفسها ’ وبهذا يكون المقطع واقعاً بين صدىً إيقاعي واحد ’ وبدرجة واحدة ’ من حيث الطول والقوة ’ ثم يتخلل هذا الصدى الإيقاعي أصداء أخرى أقل طولاً وقوةً من الإيقاع الأول ’ وذلك من خلال إيقاعات التوازي والتكرار في الأسطر: الثاني والثالث والرابع ’ مما خلق تنوعاً في الإيقاع يمكن أن يكون بديلاً حداثياً عن إيقاع الوزن 0
* الإيقاع الداخلي (غير المباشر): إذا كنا ’ في المحور السابق ’ قد وقفنا على عناصر الإيقاع المباشر وتجلياته ’ فإن عناصر الإيقاع غير المباشر وتجلياته في قصيدة النثر’ لا تكشف عن نفسها بطريقة اعتباطية مباشرة ’ بل إن الوقوف عليها واكتناه أسرارها وقيمها يحتاج إلى دراية ودربة نقدية كافية ’ و إن كنت لا أدعي ذلك ’ لأن حركة الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر’ ليست حركة لفظية كما رأيناها في الإيقاع المباشر’ وإنما هي حركة ذهنية تشبه الموسيقى الشعرية ’ بوصفها حركة نفسية أو ترجمة صوتية عن تجربة الكاتب ’ هدفها إعانة اللغة على أداء المضمون الروحي للكاتب(41). لكن ما ينبغي الإشارة إليه ’ وهو من الأهمية بمكان ’ هو أن طبيعة الإيقاع بشكليه المباشر وغير المباشر ذو طبيعةُ متداخلة تداخلاً عضوياً ’لا يعمل أحدهما بمعزل عن الآخر ’ و هناك محاولة نقدية جادة ’ لتحديد مرتكزات الإيقاع الداخلي أو غير المباشر في قصيدة النثر’ منطلقة من خصوصية اللغة وفضائها الموسيقي ’ راصدة سبع ممكنات(42)’ ترى أنها بالإمكان أن تحقق قدراً من الإيقاع الداخلي لقصيدة النثر’ يمكن مناقشتها في ضوء واقع النصوص المختارة :
1- استثمار إمكانات الإيقاع البصري الناشئ عن الشكل الخطي والطباعي الشبيه بقصيدة الشعر الحر أو القصيدة المدورة أو بالأشكال الهندسية والإفادة من العناصر التشكيلية البصرية لخلق إيقاع بصري على المستوى السيكلولوجي وإن لم يتجاوزه صوتياً0
ولا شك أن قصيدة النثر أدركت أهمية المنظور الخطي واستفادت من هذه الإمكانية ’ لأنها أكثر التصاقاً بطبيعتها ’ بوصفها قصيدة مكتوبة من ناحية ’ وإيحائية من ناحية أخرى ’ فطبيعة رسم مفرداتها على الورق ’ جزءٌ لا يتجزأ من بنيتها الموسيقية ’ فإذا كان البيت الشعري ’ بمساحته العروضية المحددة ’ مظهرا ً من المظاهر الأساسية لموسيقى القصيدة العمودية ’ وإذا كانت مساحة الأسطر الشعرية على الورق ’ و تنوعها طولا و قصرا ً’ مظهرا ً أساسيا ً من مظاهر التشكيل الموسيقي في شعر التفعيلة’ فإن الإيقاع النفسي للفكرة ’ المتدفق من لا وعي الشاعر ’ له أثره في طبيعة رسم و تشكيل قصيدة النثر على الورق ’ بوصفه أحد مظاهر البنية الموسيقية’ فشكل قصيدة النثر على الورق ’ صورة لإيقاع أثر الفكرة في نفس الشاعر: تعبَ الشارعُ من وقع ِ الخطى..
من نقطةٍ في جمار اللظى
فانتعشَ النبض ُ ..
و ثمة ضلع ٌ
يتجسدُ .. في فوهةِ الموالِ
تعبَ الراكضُ في ...
و علي ٌ .. يختبئ الآن ببئر الدمع ِ
و عليٌ سرُ الفصل ’ و سرُ اللهبِ الموغل ِ في الصحراء
و عليٌ بلسمُ هذا الدمع المورق في ليل الشهداء (43) .
2- دراسة إمكانات الأنظمة النبرية والمقطعية للغة العربية والخطاب الشعري.
ولا شك أن قصيدة النثر حاولت استثمار هذه الإمكانية وإنما بحذر شديد نظراً لقلة الدراسات الصوتية التي تعنى بهذا الجانب , و التي من شأنها أن تعين الشاعر في الاستفادة منها و توظيفها توظيفا ملائماً .
3- العناية بخلق أنساق التوازي والتكرار والتشاكل والتمفصل.
ولهذه النقطة بالذات تجليات واسعة في النصوص المختارة كما لاحظنا آنفاً ولعلها أبرز مظاهر التداخل العضوي بين الإيقاعين .
4- توظيف خاصية التنغيم والوقف والتلوين الصوتي .
غير أني أرى أنه على الرغم من القيمة الإيقاعية لخاصية التنغيم والوقف والتلوين الصوتي ’ إلا أنها لا تتلاءم وطبيعة قصيدة النثر’ بوصفها قصيدة مكتوبة بينما تبرز قيمتها وفاعليتها في الأشكال الشعرية الأخرى0
5- استثمار الإمكانات البلاغية المختلفة كالجناسات والتقفية الداخلية والتمفصلات النحوية والتركيبة .
وفيما مضى من النصوص وقفنا على استثمار الشعراء لهذه الإمكانية ’ ولكن بالشكل الذي لا يوقع القصيدة في شرك الصناعة البديعية ونظامها الإيقاعي الصارم’ من مثل قول الشاعر :
تعالي .. نسأل موجة َ ذاك الخليج
تموز ’ ينهضُ الآنَ
و يأتي مؤتلقا ً في احتفال ٍ بهيج
عشتار ’ تبيحُ أنوثتها بين أحضان تموز..
إنه العرسُ المقدس ..
حتى ’ إذا ما الليل عسعس
تمطتْ عروق النخل في عمق التراب (44).
فالشاعر هنا استطاع أن يستثمر آلية الجناس و التقفية الداخلية , بالشكل الذي يمنح نصه إيقاعا ً ملائما ً ’ من دون الوقوع في شرك الصناعة البديعية المقصودة لذاتها.
6- البحث عن نويَّات إيقاعية صغرى ’ قد تتمثل في الأسباب والأوتاد والفواصل ’ أو في زحافات التفاعيل الاعتيادية ’ وخلق سياق نغمي جديد منها .
إذا ما اعتقدنا أن في قصيدة النثر نوعاً من التفاعيل قصد إليه الشاعر قصداً ’ فهذا يعني الجزم بوجود نمط إيقاعي منتظم تبعثه هذه التفاعيل ’ وهذا أمر لا يقرره واقع قصيدة النثر التي تعتمد عناصر إيقاعية أخرى بعيدة عن نظام التفاعيل ’ بيد أنه يمكن الحديث عن مقاطع صوتية وتشكيلاتها الزمانية والمكانية التي يمكن استثمارها في خلق سياق نغمي ملائم ’ كما مر بنا آنفا ً من خلال آليتي التوازي و التكرار.
7- الاهتمام بخلق رؤية شعرية متكاملة على مستوى القصيدة أو ما يسمى بإيقاع الفكرة.
وأعتقد أن القليل جداً من شعراء قصيدة النثر استطاع تمثل هذه الإمكانية بوعي تام ’ من خلال نسيج ذهني يؤطر القصيدة لغرض استمرارية التواصل بين النص والمتلقي لتحقيق المقصدية الفنية والموضوعية ’ من مثل قول الشاعر: الذي ألقى بي دفعة واحدة
في سعير اللذة شدَّ وثاقي
بمعدن اللهبْ
ولما أندلعت بالجهات عدوى الحريق
أردت الصراخ فأغلق فمي (45)
فحركة القصيدة هنا حركة ( ثيمية) لولبية في نسيج ذهني منشأة بؤرة واحدة (مناط الفكرة )
الخصائص الفنية :
لا تختلف قصيدة النثر’ من الناحية الفنية كثيراً ’ عن سواها من الأنواع الأدبية الأخرى ذات الخصوصية الشعرية ’ ذلك أن الشعر بوصفه خطاباً لا تتحقق شعريته ’ إلا بتوافره على مجموعة الخصائص الشعرية ’ وقد حدد الدرس اللساني الحديث ست وظائف للخطاب من خلال مرسومة جاكبسون(46) الشهيرة التي تحدد طبيعة الخطاب وخصوصية الخطاب الأدبي :
ويرى جاكبسون ’ أن تحديد ماهية الخطاب واتجاهه ’ إنما يتحدد بتركيز المرسل على أحدى هذه الوظائف دون غيرها ’ فالوظيفة الانفعالية تأتي للتعبير عن المرسل وطبيعته وانطباعاته الذاتية ’ أما الوظيفة الإبلاغية ( الإيهامية ) ’ فتتعلق بالمرسل إليه وأحواله’ أما الوظيفة الإنشائية ( الشعرية) ’ فهي جوهر الرسالة التي يحملها الخطاب الأدبي ’ وهي الوظيفة التي تجعل الرسالة هدفاً في ذاتها وتمنحها الشكل الذي يجعل منها نصاً أدبياً ’ أما الوظيفة المعجمية فتعني وجود شفره مفهومة بين طرفي الخطاب( المرسل – المرسل إليه ) أما ضمان صيرورة التواصل بينهما ’ فهذا ما تحققه الوظيفة الانتباهية وهذا يعني أن للخطاب الشعري خصيصات نوعية ’ هي وحدها التي تميزه من سواه من خطابات الحياة اليومية ’ ولعل أهم هذه الخصيصات ’ اللغة واستعمالاتها الخاصة التي تتجاوز الوظيفة الإبلاغية ’ وهذا ما عبر عنه جاكبسون في مرسومته بالوظيفة الإنشائية ( الشعرية ) التي تجعل من الرسالة’ بوصفها كياناً لغوياً هدفاً في ذاتها ’ فإذا كان الكلام العادي ينشأ عن مجموعة انعكاسات مكتسبة بالمران والملكة ’ فإن الخطاب الشعري صوغ للغة عن وعي وإدراك ’ إذ ليست اللغة فيه مجرد قناة عبور الدلالات ’ بل هي غاية تستوقف لذاتها (47) ما يعني أن لغة الخطاب الأدبي ’ الشعري ’ تسعى إلى خلق لغة خاصة داخل اللغة ’ من خلال انزياحاتها عن معيارية اللغة ’ وتغليب القطب الصوتي على القطب الدلالي’ بحيث تصبح الكلمة إشارة حرة تسبح في خيال المتلقي دون قيود دلالية مسبقة , لأن هدفها إثارة انفعال لا تقرير وقائع ’ فهي لغة إستشرافية بطبيعتها ’ لأنها لا تعرف اختزال المعنى’ بل هي توسيع وتضييق بين الرمز والفكرة ’ بين العلامة المكتوبة والمعنى المحدد’ وإذا كانت قصيدة النثر تشترك مع الأنواع الشعرية الأخرى في هذه الخصيصات العامة ’ إلا أنها اعتمدت آليات فنية معينة تميزها نوعاً ما من سواها. من هذه الآليات :
كسر أفق التوقع: ويعني خلخلة توقعات المتلقي ومفاجأته لإحداث الفجوة / مسافة التوتر كما عبر عنها د/ أبو ديب ’ يقول امبسون : ( إن المسألة الرئيسة في القصيدة هي المفارقة للتوفيق بين الحالات الواعية واللاواعية) (48)
وعلى هذا الأساس أصبحت قصيدة النثر في كثير من الحالات تكتب ’ من أجل إقامة هذه المفارقة من خلال كسر أفق التوقع ’ الأمر الذي جعلها تقع أسيرة التشابه الشكلي في بنائيتها ’ نتيجة اعتمادها شبه الكامل وتكلفها أحياناً في الإعداد لجملة المفارقة أو ( كسر أفق التوقع ) سعياً لإحداث الهزة أو مسافة التوتر, حيث تكتب القصيدة بتقريرية مقصودة لتقديم أفكار شبه مباشرة في الطرح , تمهيداً لإحداث هذه الهزة وصولاً إلى أقصى درجات المفارقة ’ وبهذا تكون طبيعة التلقي على امتداد النص مباشرة وبسيطة ’ لتفاجأ بهذا الكسر غير المتوقع , وأعتقد أن انصراف الشاعر الكلي إلى صناعة جملة ( كسر أفق التوقع ) أوقع كثيراً من نماذجها في شرك التقريرية المخلة , كما نلاحظ في هذا النص :
إنني وقعت في الحب يوم الاثنين.. وتعذبت طوال يوم الثلاثاء
وقدمت السؤال يوم الأربعاء .. وانتظرت طوال يوم الخميس..
وجاءت إجابتها يوم الجمعة ..
وقررت بكل عزم وقوة أن أنهي حياتي يوم السبت
ولكني غيرت رأيي يوم الأحد .(49)
فتقريرية النص ومباشرته واضحة ’ ولا شك أن الشاعر وقع في ذلك نتيجة انصرافه كليا ً للإعداد للجملة الأخيرة ) : ولكني غيرت رأيي في يوم الأحد )
لا شك أن هذه الجملة يمكن أن تحقق نوعاً من المفارقة’ أو كسر أفق التوقع لدى المتلقي ’ لأن المتلقي بعد سماعهِ لقرار الشاعر بإنهاء حياته ’ من الطبيعي أن ينتظر ما بعد هذا القرار’ ولكنه يفاجأ برجوع الشاعر عن قراره ’ وهذا ما لم يتوقعه ’ و إذا كان الشاعر قد نجح في إحداث المفارقة , و في أبسط مستوياتها إلا أنه وقع في التقريرية المباشرة ’ بيد أن هناك من الشعراء من استطاع التعامل مع هذه الآلية بأسلوب فني بعيداً عن هذه التقريرية :
أحبابي صمتاً ..
هذا سرٌ لا تفشوه لأحد
في ليلة صيف ’ غادرت ثلاث سمكات البحر’ إلى النخلة
الأولى قالت للقمر : انزل قليلاً ’ لأرى وجهي بمرآتك
الثانية قالت للنخلة : زيّنيني ببلحك ’ عطريني بتربك ’ غداً عرسي
الثالثة التقطت قطرة من دم الشهيد ’ لتنير بها ظلام البحر الطويل (50)
فالشاعر هنا استطاع تحقيق الهزة و الوصول إلى جملة كسر أفق التوقع ’في السطر الأخير : ( الثالثة التقطت قطرة من دم الشهيد لتنير بها ظلام البحر الطويل ) , من دون خلل في منظومة اللغة الشعرية ’ فالمتلقي الطبيعي’ يفترض أن يتوقع من السمكة الثالثة طلب شيء ما قريب من طلبات الأولى والثانية ’ ولكنه يفاجأ بهذا الانحراف السياقي والسلوكي مندهشا ًبهذه المفارقة .
توظيف السرد : تفيد قصيدة النثر من تقنيات السرد ’ لدرجة الاقتراب من السرد الروائي والقصصي أحياناً , بيد أن المقطع السردي في قصيدة النثر, غالباً ما لا يوحي بتصاعد درامي ’ ولا يمتلك منهجاً حكائياً خاصاً , إذ تبقى القصيدة بحدثها الذي لا يكاد ينمو’ فلا نجد لها تحولاً ولا صيرورة ولا تأزم ’ بل إن طبيعة السرد تكاد تحافظ على نمطية واحدة:
الزين.. ذو الشعر الأشقر كحقل الحنطة
زاوله الهم - فغفا على ذروة الجبل العالي
زوَّادته في جانب - زمزميته في الآخر
زنبقة نشرت ظلها على عينيه
زحفت نحو أرنبة أنفه
لكنه ما أفاق
تستحي الشمس من طلعته
فتغشته غيمة هاربة
كان مثل ولد عاد للتو من المدرسة
فأغفا هنيهة بانتظار أمه أن تعد له الغداء
هدهدته - مسحت وجهه بماء الورد لكنه ما أفاق (51)
فالمشهد في هذا المقطع السردي ’ يبدو غير متصاعد إيقاعياً على مستوى الحدث ’ وقد يكون لشاعر قصيدة النثر عذره ’ إذ أنه لا يتصدى للسرد القصصي ’ بل إن اللا نمو في الشعر عموماً لا يشكل جانباً سلبياً , بل على العكس من ذلك’إذ أن السرد في قصيدة النثر يتحقق على مستويات عدة ’ منها اعتماد فعل الحكي ( الماضي ) ’ وتعدد الأصوات , والتسلسل الحكائي ’ للوصول إلى ما يشبه العقدة أو ذروة الحدث أحياناً ’ بيد أنه من المهم أن نفهم أن قصيدة النثر غير مطالبة ’ وإن استخدمت تقنيات السرد ’أن تقدم لنا قصه أو تحكي لنا حكاية , فالحوار غالباً ما يأتي متناوب الأصوات ’ والزمن في درجة الصفر أو ملغي ’ على أن هذا لا يعفي قصيدة النثر من تقريرية التسلسل الحكائي الذي طالما قدمته ’ والذي يأتي مفرغاً من أي عنصر إثارة أو ملمح مثير كما هو واقع هذا النص :
دخل الرجل الأول وجلس فوق الكرسي الأول
دخل الرجل الثاني وجلس فوق الكرسي الثاني
دخل الرجل الثالث وجلس فوق الكرسي الثالث
دخل الرجل الرابع وجلس فوق الكرسي الرابع
دخل الرجل الخامس وجلس فوق الكرسي الخامس
دخل الرجل السادس وقال : قيام .. فوقف الرجال الخمسة
دخل الرجل السابع وقال : جلوس
فجلسوا (52)
فهذه التقريرية الحكائية , أفرغت المقطع من أي عنصر إثارة واكتفت بالتصوير الخارجي الذي لم يستطع أن يصور اللغة , مما يجعلنا نطمئن إلى اعتباطية الرؤية وانعدام الإحالة الخارجية , بيد أن التقريرية ’ ليست سمة سائدة في قصيدة النثر ’ بل أنها سمة ذاتية ’ تتعلق بالشاعر و قدرته الفنية ’ فكثير من النصوص ’ استطاعت أن تتجاوزها ’ و تقدم بنية سردية شعرية ملائمة :
إمرأة لا تظهر إلا عند صياح الديك ’ تعود من الحجر الغامض نحو البيت ’
مجللة ً بالموسيقى السوداء’ على ركبتها اليسرى نجم ٌ
و على شفتيها صمتُ الجمعة
لا تأبه للعمال و هم يمشون ’ و في أيديهم عافية الفجر ’ و أكياسٌ تتقافز
فوق الأدوات المسنونة
فالمرأة تعبر مثل السهو
و في زيق الثوب ’ يشعشع مفتاحُ الوحشة
إذ يتأرجح ما بين الماضي و جهنم
تكشط هذي المرأة كلَ كلام الحي المسكون بأسلاف
الجن ’ و تدخل ...
المرأة صاحتْ من غير كلام : يا للذكرى
ثم مشت مثل المجنونة نحو خزانتها الخشبية
و استلت رائحة الغائب (53)
انقطاع الرسالة : تعتمد هذه الآلية على فكرة الانزياح أو العدول التي فرضت سلطتها السببية على الشعرية المعاصرة , التي جعلت من مصطلحات ( الكسر – التحطيم – الهدم – القطع ) للبنية النحوية أو السياقية / المرجعية ’ أو الفكرية ’ مصطلحات لها دورها في العمل الشعري ’ بوصفها الطريقة المثلى للوصول إلى الانزياح’ ومن ثم الشعرية بمفهومها المعاصر ’ الأمر الذي أفادت منه قصيدة النثر وحاولت جادة تحقيق هذه الآلية , ما جعل الإرباك أو التشويش سمةً أساسية ’ بل لازمة لقصيدة النثر :
الجوع امرأة ٌ تتعرى
في سوق الحطَّابات
مَن قدَّ قميصك يا بن العلوية ؟ مَن ... ؟ مَن....؟ مَن ؟
ثانية في البدءِ
خلع الربُ قميصَ الأحزان ,
هل خلع الرب قميص النوم ؟
و أشار إلى حشد بقايا دلمونَ ’ وأرورو ... ,
لا غالب إلاه لا عاصم من هذا الزمن ِ
إلا ( الجلطةُ ) أو سوط الشرطي
أو كأس عصير .... آح.... ضر ... (54)
هذا مقطع من قصيدة طويلة ’ تعتمد آلية انقطاع الرسالة من خلال تقنيات الفراغ والنقط وقطع الدلالة على طول سياقها التركيبي والنحوي ’ كما هو واضح في النص , بهدف تحقيق المقصدية الفنية والزج بالمتلقي إلى جو النص للمشاركة في تأسيس بنية الخطاب الدلالية ’ على وفق نقد استجابة القارئ ’ من خلال محاولته إكمال الدلالات المقطوعة وسد الفراغات المتروكة. فالقصيدة تبدو غير قادرة على إيصال رسالتها بوضوح ’ نتيجة البتر في تراكيبها اللغوية ’ و توظيف بنية التجاور و الانقطاع , إذ يبدو السطر الثالث : (من قــَّد قميصكَ يا بن العلوية ؟ من ...؟ من ...؟) , منقطعا ً عما قبله , مما يستفز ذهنية القارئ , و يخلخل توقعه , فضلا ً عما يتخلل النص من ألاعيب تجريبية اعتباطية ’ متمثلة في مساحات البياض واستعمال الحروف والنقط وغيرها ’التي تأتي بمثابة دوال(55), لأن قصيدة النثر قائمة على التحليل في أن الذهنية جزء أساسي منها .
سأظل مع القضايا الخاسرة حتى الموت
سأظل مع الأغصان الجرداء حتى تزهر
مع دمشق القديمة كملامحي
مع العتبات الرطبة
والسعال المصطنع قبل دخول الأبواب (56)
نستطيع أن تتحسس الحذف , من خلال إقصاء جملة (سأظل) من الثلاثة الأسطر المتبقية , ثم استدرج الشاعر حذف ما يمكن حذفه ’ حيث حذف (مع) من السطر الأخير’ رغبة منه في جعل قصيدته أكثر إيجازاً ’ بعد أن هيأ المتلقي لتقبل الاختصار, وبذلك يكون قد وفر زمناً إضافياً للقصيدة ’ وابتعد عن الاستطراد .
الوحدة العضوية : تعني الوحدة العضوية الاقتصاد على موضوع واحد’ إلى جانب تكاتف أجزائها , لدرجة أن العلاقة بين الجزء والكل في القصيدة تكون من التقارب والعضوية ’ بحيث تؤدي إلى انسجام عام في التعبير(57)’ ولعل من سمات قصيدة النثر الأساسية أنها ذات وحده عضوية ’من أجل ذلك أشترط فيها الإيجاز والكثافة بوصفهما أسس التوحد . بيد أن مصطلح الوحدة العضوية هنا يشير إلى معنيين : الأول عام والآخر خاص , فالمعنى العام ’ يعني الكل المتآزر في توحيد أجزاء القصيدة ’ غير أن الاستقراء الفاحص لقصيدة النثر’ لا يقود إلى القول بالوحدة العضوية لها ’ على أساس الشكل التكاملي ’ أي الشكل الذي يهتم بوجود نوع من المنطق النسبي الترابطي في العلاقات بين مختلف عناصر العمل الفني ’ لاعتمادها عنصر المفاجأة , و المفارقة و الانقطاع , لنحقيق شعرية النص , إذ أن الوحدة العضوية في قصيدة النثر ’ هي وحدة الهم الشعري ’ وحدة الإيحاء المشترك التي تحملها كلمات وجمل القصيدة ’ فهي وحدة دلالية لا وحدة شكل , وحدة إيحاء لا وحدة معنى .
أما المعنى الخاص ’ فيعني انغلاق القصيدة على نفسها ’ واستقلالها الذاتي عن غيرها من القصائد .
ظلالُك ناعمةً صغيرة
تكفي لنملةٍ وتكفي لنحلةٍ ويراعة
وتكفي لقلبي
هل ألقى جائحٌ يأكل على عجل
نواةً هنا ؟
لتطلع على هذه الأرض الحجرية
القريبة من البحر
فسيلة طفلةٍ تريد أن تكون .. (58)
تتجسد وحدة القصيدة العضوية , من خلال الارتباط الوجداني العميق بين الذات والموضوع , ودوران القصيدة حول مفردات ( الإنبات والنمو والكينونة ) ’ فلغة القصيدة لغة نسيجية ’ وحدت بين أجزاء القصيدة ’ وحدة إيحاء ودلالة ’ لا وحدة شكل ومعنى ’ وهذا ما جعل القصيدة تبدو وحدة مغلقة على ذاتها.
آه يا طفلة النخلة الحلوة
أيتها العراقية النابتة قرب البحر
لقد تأخرت عنك اليوم
مررتُ بك في الفجر
كنتِ غافية ً
حييتك ’ ثم انحنيتُ عليك
أردت أيتها الحلوة أن أرفع جدائلك الخضر
وأقـبِّـلك
ثم ترددت
خشيت أن يهرب الحلم
فتستيقظين غاضبة وتتركيني راكضةً وراءه (59)
النص في مجمله ’ صورة مشهدية ’ تتمحور حول فكرة موضوعية واحدة ’ مؤطرة بلحظة زمنية معينة ’ تعالج واحدة من أهم مشكلات الإنسان العراقي المعاصر ’ حيث أمست لحظة الحلم الصافية ’ لحظة نادرة و غالية ’ من الصعب أن تتكرر ’ في ظل ما يعانيه من أحداث مأساوية ’ ففكرة النص تنسج خيوطها دلاليا ً ’ و موضوعيا ً في اتجاه واحد ’ فإذا كانت تبدو في إطارها النصي ’ مرتبطة بموقف وجداني معين ’ إلا أن فضاءها الدلالي يتجاوز حدود النص’ ليشير ’ في جملة ما يشير إليه ’ إلى ما يعانيه الإنسان العراقي ’ و بحثه الدؤوب عن أحلامه ’ حتى خارج حدود جغرافية الوطن .
المجانية : تعني اللا زمنية ’ أو رفض الانتماء لزمن معين ’ في الحد الذي لا تتطور فيه القصيدة نحو هدف ’ ولا تعرض سلسلة أفكار وأفعال ’ بل تظهر للقارئ حاجةً وكتلةً لا زمنية (60)’ بمعنى أنسنة النص ’ و عولمته ’ وجعله غير مرتبط بحدود جغرافية ’ و زمنية معينة ’ و أعتقد أن هذا ما كان ينقص القصيدة العربية ’ و ما كان يتطلع إليه الشاعر العربي :
المغائر تخرقه من جميع الجهات
الصخور تمارس نزوتها في الفرار إلى الأودية
حين مرت به الريح
شقَّ قلبي الضلوع وطار وراءه
ولكنه ’ عاد منكسراً ثم قال :
جبل
من
زبد (61)
فمجانية النص ’ تأتي من عدم انتمائه لأرض معينة أو لشعب معين ’ ولا تعالج قضية محصورة بمكان ما ’ وإلغاء المكان هو طريقة أخرى لإلغاء الزمن ’ لأن الزمن يمكن إدراكه على أنه مكان فكري(62). فالنص يعالج ظاهرة إنسانية عامة’ يمكن أ ن نتلمسها في أي مجتمع من المجتمعات ’ فهي مرتبطة بالإنسان ’ من دون ارتباطات جغرافية ’ أو زمنية .
أقولُ : أجنحة تحملكَ
صوبَ الله .. و أقصدُ قلبي ..
و أقولُ : أجنحة تحملكَ .. صوبَ الشيطان
و أقصدُ قلبي ..
و أقول : أنتَ .. و أقصدُ ... (63)
من الملاحظ أن جمل مقول القول تتعدد في النص ’ الأمر الذي يجعل زمن النص لا يتطور ’ و لا يعكس نموا ً لحدثها ’ و الاقتراب نحو هدف ما ’ إذ أن زمن النص يقع في درجة الصفر . و لكن ’ ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد ’ هو أننا حين نتحدث عن خصائص قصيدة النثر الفنية ’ لا يعني أن هذه الخصائص ’ التي تحدثنا عنها آنفاً ’ حكرٌ عليها ’ و تتفرد بها دون غيرها من أشكال التعبير الشعري الأخرى ’ بل بوصفها خصائص مميزة لها ’ و مظهر مهم من مظاهر الشعرية فيها ’ و بدونها تفقد كثيرا ً من قيمها الفنية و الشعرية .
الخــلاصــــة :
• قصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر’ هي أحدى نتائج حركة الحداثة ’ التي ظلت تبحث عن المدهش والغرائبي ’ في سعيها الدؤوب للخروج من دائرة التواتر المألوف’ و صولا ً إلى النص الخالد.
• لم يكن ميلاد قصيدة النثر في الأدب العربي ميلاداً مفاجئاً ’ بل إن رياح التغيير التي تعرضت لها القصيدة العربية ’ منذ زمن مبكر على مستوى الشكل واللغة والتقنية ’ منذ أبي تمام وأبي نواس ’ مروراً بحركة الشعر الحر عند نازك والسياب وباكثير ’ وصولاً إلى ما أطلق عليه النثر الشعري أو الشعر المنثور عند جبران وجماعته ’ فضلاً عن أزمة المبدع العربي وتحولات العالم من حوله , كل ذلك كان بمثابة الإرهاصات المبكرة التي تشي بتحولات جذرية.
• تأثر قصيدة النثر العربية بنظيرتها الغربية أمر واقع لا يمكن إنكاره’ بيد أنه ليس بذلك الحجم الذي يتصوره الكثير’ بل أنه يأتي ضمن التأثيرات التي تشكل ملمحا ً من ملامح الاحتكاك الثقافي’ الذي ينضح به أدبنا العربي ’ دون أن ينال من الهوية والخصوصية .
• قصيدة النثر ’ طموح الشاعر العربي للوثوب إلى ما وراء الحدود ’و تملك مسوغات ميلادها عربيا ً.
• شكلت مجلة شعر اللبنانية ’ النواة الأولى لتبلور قصيدة النثر في الأدب العربي ’ وكان العراق الفضاء الأكثر خصوبة واتساعاً لاحتضانها .
• إذا كانت قصيدة النثر قد خرجت على النظام الموسيقي المألوف للشعر العربي ’ فإنها استطاعت أن تخلق لنفسها أطراً موسيقية خاصة ’ من خلال استثمار طاقات اللغة الإيقاعية ’ على وفق سياقات خاصة ’ و توظيفها في تشكيل بنيتها الموسيقية .
• موسيقى قصيدة النثر نوعان ’ مباشر ’ و غير مباشر ’ و كل نوع له آلياته و سياقاته’ فالمباشر ظاهر ملموس ’ له وقعه الهادئ و الخاص على أذن المتلقي ’ بوصفه حركة لفظية ’ من خلال إيقاعات آليتي التوازي و التكرار’ أما غير المباشر ’ فهو إيقاع خفي ’ حركة ذهنية ناتجة عن حركة القصيدة ’ بوصفها حركة نفسية’ ويتجلى في النص من خلال ’ الإيقاع البصري ’ و العناصر التشكيلية البصرية ’ الناتجة عن المنظور الخطي و الطباعي ’ و الأنظمة النبرية ’ و الوقف و التنغيم و التلوين الصوتي .
• لقصيدة النثر خصائص فنية ’ لا تتفرد بها و ليست حكرا ً عليها ’ ولكنها من أهم أسس الشعرية فيها .
• أفادت قصيدة النثر من تقنية السرد ’ بيد أن بنية قصيدة النثر السردية ’ لا تشي بتطور درامي للحدث ’ بل يقف عند حدود معينة ’ إلا أن إصرار بعض الشعراء على تمثل هذه الخاصية ’ دون قدرة فنية كافية ’ أوقعهم في شَرك التقريرية الحكائية ’ على حساب شعرية النص .
• المجانية واحدة من خصائص قصيدة النثر الفنية ’ و تعني اللا زمنية ’ و رفض الانتماء لزمن معين ’ وجغرافيا محدودة ’ و قد يكون هذا هو ما يطمح إليه الشاعر العربي ’ و ما كان ينقص القصيدة العربية .
• الدراسات المتعلقة بقصيدة النثر ’ شحيحة للغاية ’ و لاسيما في الجانب التطبيقي ’ الذي يكاد يكون شبه مغيب ’ الأمر الذي يجعل من قصيدة النثر ’ فضاءً خصبا ً للدراسة و التحليل
-----------------------------------------------------------------
الهــــوامــــش :
1- ينظر: قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا : سوزان بيرينار : ت/ زهير مجيد – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1993- ص27
2- ينظر : نفسه ص28
3- نفسه ص 37
4- نفسه ص71
5- نفسه ص 89
6- نفسه ص 89
7- نفسه ص73
8- نفسه ص 83
9- ينظر : اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي : د/ محمد رضا مبارك : دار الشؤون الثقافية – بغداد 1993- ص 261
10- نفسه ص 260
11- نفسه ص 261
12- ينظر : الثابت و المتحول – صدمة الحداثة : أدونيس : دار العودة – بيروت - ص 209
13- ينظر : اللغة الشعرية : ص 260 مرجع سابق
14- نفسه ص 261
15- ينظر : في قصيدة النثر : سركان بولص : اطروحة دكتوراه – جامعة بغداد – كلية الآداب -1996 – ص 18
16- نفسه ص 18
17- ينظر : قصيدة النثر : ص 22’ 23 مرجع سابق
18- ينظر : في قصيدة النثر : ص 21 مرجع سابق
19- ينظر : اللغة الشعرية : ص 262 مرجع سابق
20- ينظر : من يفرك الصدأ : د/ علي جواد الطاهر : دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1988- ص231
21- ينظر : النص الأدبي من أين إلى أين : د/ عبد الملك مرتاض : ( د0ت) ص26
22- ينظر : اللغة الشعرية : ص 26, 27
23- نفسه ص 23
24- نفسه ص 263
25- ينظر : الصوت الآخر : فاضل ثامر : دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1993- ص 277
26- ينظر : قضايا الشعر المعاصر : نازك الملائكة : بغداد – 1965 – ص 53
27- ينظر : دير املاك : محسن أطيمش : دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1982 – ص 121
28- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثالث عشر : ج/2 - بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة – 1997 – ص 95
29- نفسه : ص 130
30- : ينظر : وقائع مهرجان المربد الخامس عشر : ج/1 : ص 146 – مرجع سابق
31- ينظر : نفسه : ج/2 – ص 193
32- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثالث عشر : ج/1 –ص 123 مرجع سابق
33- ينظر : وقائع مهرجان المربد الرابع عشر : ج/1- ص 115 مرجع سابق
34- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثالث عشر : ج/1 – ص157
35- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثاني عشر : ج/2 – ص50
36- نفسه : ج/1 ص 49
37- نفسه : ص 50
38- ينظر : وقائع مهرجان المربد الرابع عشر : ج/2 ص 40 – مرجع سابق
39- ينظر : وقائع المربد الخامس عشر : ج/2 – ص 95 مرجع سابق
40- ينظر : وقائع المربد الرابع عشر : ج/2 – ص120- مرجع سابق
41- ينظر : النقد و البلاغة : مهدي علام : القاهرة – 1975 – ص16
42- ينظر : الصوت الآخر : ص 297 – مرجع سابق
43- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 – ص189 – مرجع سابق
44- ينظر : المربد الخامس عشر : ج/3 – ص 126- مرجع سابق
45- نفسه: ص 203
46- ينظر : الخطيئة و التكفير : من البنيوية إلى التشريحية : د/ عبد الله الغذامي : النادي الأدبي – جدة – 1985- ص 7,8
47- ينظر : الأسلوب و الأسلوبية : د/ عبد السلام المسدي : الدار العربية للكتاب – تونس – ص 115
48- ينظر : قضايا الشعرية : جاكبسون : ت/ محمد الولي مبارك : دار توبفال – المغرب – 1988- ص 39
49- ينظر : الأزهار تورق داخل العاصفة : حسين مردان : بغداد- 1972- ص 12
50- ينظر : المربد الخامس عشر ج/1 ص105 – مرجع سابق
51- ينظر : المربد الثالث عشر ج/2 ص224- مرجع سابق
52- ينظر : مجلة الكلمة : ع/5 : بغداد - 1973- ص 32
53- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 : ص 387, 388 – مرجع سابق
54- نفسه : ج/2 ص 187
55- ينظر : أسئلة الشعر : منير العكش : المؤسسة العربية : بيروت – 1979 – ص134
56- ينظر : الفرح ليس مهنتي : محمد الماغوط : دمشق – 1970- ص44
57- ينظر : مناهج النقد الأدبي : ت/ محمد يوسف نجم : دار صادر – بيروت – 1967- ص163
58- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 ص 42 مرجع سابق
59- نفسه : ص 44
60- ينظر : قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا : ص 27 مرجع سابق
61- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 ص 216
62- ينظر : قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا : ص 47 مرجع سابق
63- ينظر : مزامير الغاب : دنيا متي ميخائيل : بغداد – 1993- ص 17
الخصوصيــة والانفتاح
الدكتــور:
أحمد عـــــــــــــــزي صغير
أستاذ الأدب و النقد المشارك
جامعة الحديدة - اليمن
__________________________________
مدخل :
منذ طالعتنا قصيدة النثر في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي من خلال مجلة شعر اللبنانية ’ والموقف النقدي العربي إزاء هذا النوع الأدبي الجديد منقسم على نفسه بين الرفض والتأييد’ بيد أن كلا الفريقين الرافض والمؤيد’ لم يقدم أسباباً منطقية واضحة و مقنعة ’ فالفريق الرافض لم يطرح سوى مسألتين أساسيتين : الأولى : ابتعاد قصيدة النثر عن الانتظام الوزني ’ الذي يعده شرطاً أساسياً لتحقق الشعر والأخرى : أن قصيدة النثر نوع أدبي تم استيراده من الغرب ’ في جملة ما استورده الأدب العربي ’ خلال موجات الاحتكاك الثقافي
أما الفريق المؤيد فهو على شحة ما قدمه من معالجة تنظيرية ’ لم يتطرق إلى سبر أغوار قصيدة النثر’ وفتح مغالقها واكتشاف فضاءاتها وعوالمها ’إذ توقف فجأة مكتفياً بمشواره الذي قطعه , بل إن بعضهم يرى أن الخوض في هذا الصدد مغامرة لا فائدة منها وربما كنتُ واحداً من أولئك الذين يشكلون فريقاً ثالثاً ’ يقف موقف المراقب الحذر ’ في انتظار ما يؤول إليه الجدل النقدي بين الفريقين السابقين ’ وما يمكن أن تحققه قصيدة النثر من نتائج ملموسة على الساحة الإبداعية ’ وظل الأمر كذلك حتى ( آذنتنا بوصلها بغداد) ’ حيث هيأت لي ظروف الدراسة في بغداد أن أكون أحد الشعراء المشاركين في مهرجان المربد الشعري للأعوام (99-2000-2001) ’ ولعل أكثر ما لفت انتباهي وانتباه كثير من النقاد آنذاك ’ هو حضور قصيدة النثر المتميز واللافت للنظر’ ومنذ تلك اللحظة أخذ موضوع قصيدة النثر يراودني بين الفينة والأخرى ’ حتى تمت الاستجابة ’ فحاولت أن أدلو بدلوي للمرة الأولى في مغامرة أرجو أن تضيف شيئاً إلى الجهد النقدي العربي المنجز بهذا الصدد ’ وقد اخترت نصوص قصائد النثر من خلال دواوين المربد التسعينية حتى تكون أكثر تنوعاً وشمولية’ بالإضافة إلى اختيار بعض القصائد النثرية التي تلبي أهداف الدراسة ’ مدركا ً مغامرة الخوض في موضوع كهذا ’ نظرا ً لشحة الدراسات المتعلقة به ’ و لاسيما التطبيقية منها على وجه الخصوص, ولكن شعوراً بحاجة دارسي الأدب لما يعينهم على التعامل مع قصيدة النثر- بالشكل الذي يجعلهم يملكون رؤية واضحة عنها معمدة بالدرس و التحليل- جاءت هذه الدراسة .
• المشروع الغربي / الإرهاصات المبكرة :
لا شك أن النثر الشعري وقصيدة النثر ميدانان متميزان متشابهان على سطح الساحة الأدبية الفرنسية ’ فكل منهما يتسم برغبة عارمة في الإنعتاق من التقاليد الموروثة واللجوء إلى قوى جديدة للغة (1)’ ولكن السؤال الذي تنكشف معه رحلة ميلاد هذا النوع الشعري الجديد’ هو: كيف تم الانتقال بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر من النثر الشعري الذي كان ما يزال غير عضوي إلى قصيدة النثر التي عدت نوعاً أدبياً حقيقياً ؟
من دون شك أن تفتح بذرة قصيدة النثر في حقل الآداب الفرنسية لم يحدث فجأةً ’ بل كان يحتاج إلى أرض مهيأة خصبة ’ وأذهانٍ مشرئبة تؤرقها ’ شعورياً أو لاشعورياً ’ الرغبة في إيجاد شكل جديد للشعر’ كما كان يحتاج أيضاً إلى الفكرة الأكثر خصوبة المشحونة بالإيمان أن النثر قابل لأن يكون شعراً . فقصيدة النثر ولدت من رغبة في التحرر و الانعتاق ’ ومن تمرد على التقاليد المسماة شعرية وعروضية ’ وعلى تقاليد وقد كان الطريق مهيَّـئاً بعد أن فرض النثر الشعري آنذاك طابع التمرد على القوانين القائمة والطغيان الشكلي ’ فكان القرن الثامن عشر إطاراً زمنياً تبلورت خلاله وعبر محاولات عديدة المبادئ الأساسية لقصيدة النثر( الحصر– الإيجاز– شدة التأثير– الوحدة العضوية )(2). بيد أن هناك من يرجع الإرهاصات الأولى لقصيدة النثر في فرنسا إلى عصر لويس الرابع عشر ’ والحقيقة أن القوى المحافظة وحب النظام والبنية التناسقية الجميلة كانت ما تزال قوية ومهيمنة في عصر لويس الرابع عشر وكانت بحاجة إلى قوة فاعلة تعمل على تصدع البيت الإسكندري’ ولم يطل الانتظار حتى كانت رياح المد الرومانتيكي تعلن عن ميلاد فجر جديد رافعاً لواء القضاء على البيت الكلاسيكي(3) . وعلى الرغم من ردود فعل الكلاسيكيين ’ إلا أن شيئاً لم يحدث ’ إذ أعلن الكتَّاب بحماس شديد أنهم قد تحرروا من عبودية أبيات الشعر متأثرين ومتبنين طروحات جماعات المترجمين الذين كانوا يتحدثون عن ضعف الشعر المنظوم في القرن الثامن عشر’ وينادون بتحرر اللغة ’مما هيأ الطريق أمام الكتَّاب وقادهم إلى البحث في النثر عن صيغ شعرية خارج سلطة الوزن والقافية ’ الأمر الذي جعل الباب مفتوحاً لمجيء هذا النوع الأدبي الأكثر حرية ومرونة وحداثة فكانت قصيدة النثر, فقصيدة النثر كما قدمتها سوزان بيرنار هي : ( القصيدة التي أنكرت على نحو تام قوانين علم العروض ’ و رفضت بإصرار أن تنقاد للتقنين ’ فهي قصيدة ولدت من تمرد على الاستعبادات الشكلية التي تحول دون أن يخلق الشاعر لنفسه لغة فردية ’ و التي تضطره إلى أن يصب مادة جمله اللدنة في قوالب جاهزة0) (4), لكن هذا النوع الأدبي الجديد ’ لم يتشكل جمالياً في الأدب الفرنسي ’ إلا على يد ( بودلير ) الذي وضع أسس الغنائية الحديثة حين قدم الفن في صيغة مغايرة ترى أنه : سحر إيحائي يحتوي على الموضوع والفاعل , العالم الخارجي بالنسبة إلى الفنان والفنان نفسه في آن واحد(5). - ومما لا شك فيه أن ( بودلير ) استطاع أن يقنع القارئ أن قصيدة النثر تأتي عادة من بناء يفتقر إلى الصرامة ويخضع لصدق الحدث بدلاً من تنظيم المادة بحسب قوانين فنية جامدة , من بناء يجعل نقاء الزخرفة الشعرية ينحرف باستطرادات أكثر شعرية , مؤكداً أن تجاوزات التطورات وانقطاعات النبرات العادية أو الابتذال في الشكل كل ذلك يقود إلى قصيدة النثر ويحد من قوة الشد العضوي الذي كان يصون جميع العناصر في النمط التقليدي(6). ومن فرنسا انطلقت قصيدة النثر إلى مختلف العواصم الأوروبية والعالم . فقد تبناها في ألمانيا ( كيستر ) وفي بريطانيا ( ستيفان جورج ) وفي أمريكا ( نوفاليس ) .
* قصيدة النثر في الأدب العربي ( المنجز الحداثي ) :
إذا كان المنجز النقدي الغربي لم يقدم تعريفاً وافياً وشاملاً لقصيدة النثر, بل ترك الباب مفتوحاً لاجتهادات فردية بحته , مكتفياً برأي ( موريس شابلان ) الذي يرى أنها : ) نوع لم يتجرأ منظِّر بعد أن يصوغ قوانينه )(7) ’ وعندما لا تقدمها دائرة معارف الشعر بجامعة برنستون الأمريكية بأكثر من أنها : ) إنشاء قادر على احتواء كل خصائص القصيدة الغنائية ) (8) ’ فإنه لا يمكن تقديم قصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر بأكثر من أنها ثمرة من ثمار حركة الحداثة الشعرية التي ظلت تبحث عن المدهش والغرائبي ’ في صراع دائم مع الأشكال الشعرية السابقة ’ في محاولة هدفها نفي السائد والانقطاع عنه(9)’من خلال نزوع دائم للخروج من دائرة التواتر المألوف وسلطة النظام . بيد أن ميلاد هذا النوع الشعري الجديد في الأدب العربي لم يكن هو الآخر وليد الصدفة أو حدثاً مفاجئاً ’ بل إنه امتداد لمحاولات تمرد سابقة ورغبة عارمة في التجديد كشفت عنها بدايات القرن العشرين من خلال النمط الشعري الذي تبناه آنذاك جبران خليل جبران وأمين الريحاني وآخرون ’ وأطلق عليه اسم (الشعر المنثور) أو (النثر الشعري)(10)’ هذا النمط الذي يقترب , من حيث المنطلق , كثيراً من قصيدة النثر ’ مع فارق جوهري تفرضه المرحلة وتطور اللغة وطبيعة التأثر بالغرب(11) وقد أدرك أدونيس بوصفه أحد أبرز النقاد العرب الذين نظَّــروا لقصيدة النثر ووضعوا أساسها النظري – أدرك طبيعة هذا التقارب ’ وحاول أن يجعل لقصيدة النثر تميزاً وافتراقاً عن الأنواع السابقة حين قال :( إن النثر الشعري إطنابي يسهب بينما قصيدة النثر مركزة ومختصرة ’ وليس هناك ما يقيد مسبقاً النثر الشعري ’ أما في قصيدة النثر فهناك شكل من الإيقاع ونوع من تكرار بعض الصفات الشكلية ’ ثم إن النثر الشعري سردي وصفي شرحي ’ بينما قصيدة النثر إيحائية ) (12) وعلى الرغم من أن أدونيس قد أسقط خصائص النثر العامة على محاولات جبران وأصحابه ( النثر الشعري ) , وعلى الرغم من أن كثيراً من قصائد النثر المنجزة تقدم خاصية السرد واحدةً من أبرز خصائصها – إلا أننا نجد أدونيس في تحديده لقصيدة النثر قد ركز على اللغة من خلال : الأطناب والسرد والوصف والشرح والاختصار’ مما يكشف عن الأهمية والأفضلية التي أعطاها للغة في تقديمه لقصيدة النثر(13)’ فإذا كان الأمر كما أشار أدونيس ’ يتعلق باللغة فهذا يعني أن العوامل التي تبلورت قصيدة النثر على أساسها ’ لم تكن بمعزل عن العوامل التي رافقت حركة التحديث الشعري في الوطن العربي منذ بدايات القرن الماضي المتمثلة في الدعوة إلى لغة الحديث اليومي والاقتراب من لغة الناس البسيطة في مقابل اللغة الجزلة الفخمة التي ظلت مستخدمة في الشعر’ فالمنطلق في كليهما واحد ’ وما دام الوزن عائقاً ’ كما يتصور’ فإن تحرير اللغة لا بد أن ينهض على أنقاض موسيقي الشعر(14)
على وفق هذا التأسيس يفترض ألاَّ نعطي الأثر الغربي المتعلق بميلاد قصيدة النثر في الوطن العربي تلك الأهمية المبالغ فيها كثيراً ’ والتي همشت قدرة الفكر العربي وتطلعه إلى استشراف فضاءات إبداعية أكثر انفتاحاً وإشراقاً. فإصرار المبدع العربي ورغبته المستمرة في البحث عن أشكال تعبيرية تلبي طموحاته العصرية ونزوعه إلى الخروج والتطلع وقهر الأسوار هو بدون شك العامل الأقوى والأكثر إشعاعاً في رحلة البحث عن الشكل التي انتهت إلى قصيدة النثر ’ وهذا ليس بجديد على طبيعة المبدع العربي الرافض دائماً سلطة النظام الجامد والهيكلية الصارمة ’ المتطلع بطبعهِ إلى كسر القيود المفروضة التي تعيق حريته الإبداعية. فما تعرض له الشعر العربي عموماً والقصيدة العربية خصوصاً من تغيير شمل جميع مستوياتها شكلاً ومضموناً منذ عمر بن أبي ربيعة وما أحدثه الشعراء المحدثون في العصر العباسي إلى يومنا هذا ’ يكشف عن شعور ذاتي عارم للتجديد يختلج في نفس المبدع ويعبر عن رغبته كلما رأى الساحة مهيأة لذلك .
فقد شهدت القصيدة العربية مجموعة من التحولات المهمة يمكن وصفها في بعض مستوياتها بالانقلاب الجذري ’ الأمر الذي يجعل الوصول إلى قصيدة النثر أمراً غير مفاجئ وشبه متوقع ’ بل يمكن اعتباره امتداداً طبيعياً لمحاولات التمرد المتعاقبة ’ فأول خطوة للتمرد على نمطية القصيدة العربية كانت من خلال بشار بن برد وأبي نواس ومجموعة الشعراء المحدثين ’ الذين لم يكتفوا بتجاوز المقدمة الطللية ووصف الرحلة التي ظلت حتى عهدهم مكوناً أساسياً في بنية القصيدة – بل تعدوا ذلك إلى اللغة والموضوع , ولم تكد القصيدة العربية تستوعب هذا التمرد حتى واجهتها موجة تمرد أخرى أكثر عنفاً تمثلت في أشكال جديدة من التعبير الشعري تمثلت في شعر: ( الرباعيات ) وشعر ( البند ) الذي خرج على العروض الخليلية المعروفة ’ ثم الموشحات التي كان لها هيكليتها الخاصة. وإذا ما انتقلنا إلى العصر الحديث وجدنا رياح التمرد أكثر عنفاً في ملامستها لجسد القصيدة شكلاً ومضموناً ’ ولعل أهم وأبرز ما حققته نازك والسياب وباكثير والبياتي وفدوى طوقان ’ من تأثير في القصيدة العربية على مستوى الشكل هو الانتقال من البيت الشعري إلى الجملة الشعرية والسطر الشعري ’ فضلاً عن تهشيم جدار اللغة ’ ولا شك أن كل ذلك كان استجابة لمتطلبات العصر, و رغبة الشاعر العربي في تجاوز حالات العقم و الوثوب إلى ما وراء الأسوار , هكذا ينبغي النظر إلى التحولات التي تعرضت لها القصيدة العربية وصولا ً إلى قصيدة النثر.
* الانطلاقة الأولى : ظلت قصيدة النثر قرابة نصف قرن محصورة على الغرب حتى كانون الثاني من العام 1957 ’ حين ظهر تجمع شعري في لبنان وأصدر ( مجلة شعر ) التي أعلنت عن ميلاد هذا النوع الأدبي الجديد ’ ونادت بالدفاع عنه ’ فمن خلال هذه المجلة التي كان يرأس تحريرها آنذاك يوسف الخال , مع أولئك الذين شكلوا النواة الأولى لتجمع شعر : أدونيس وخليل حاوي ونذير عظمة’ والذين انظم إليهم فيما بعد عدد من النقاد الشباب أمثال أسعد رزق وأنسي الحاج وخالدة سعيد وغيرهم ’ كان ظهور قصيدة النثر في الأدب العربي ’ بوصفها الشكل الشعري الذي من حقه أن يبقى ويسود . ولكن ما تجدر الإشارة إليه أن قصيدة النثر لم تتبلور نوعاً أدبياً في الأدب العربي إلا بعد ظهور كتاب ( قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ) لسوزان برينار عام ’1959 الذي ترجمه أدونيس ترجمة أولية ’ وتبنت الحركة مبادئه(15) وأهم هذه المبادئ :(16)
1- الوحدة العضوية : التي تعني هيمنة إرادة الوعي الذي يراقب التجربة ويوجهها , منطلقاً من وحدة الجملة ’ بوصفها خلية في منظومة خلايا تشكل جزءاً من كل عام واسع ذي بناء مماثل.
2- البنية الإيقاعية : المنبعثة من حالات التوازي والتكرار والنبر والتنغيم وتزاوج الأصوات الزمانية والمكانية - الهامسة والصائتة – الرخوة والشديدة –المستعلية والمنخفضة ’ فضلاً عن المقومات العامة التي استخلصها أدونيس وهي ( الكثافة – الإشراق- اللازمنية )
فالكثافة : تعني تلافي الاستطراد في الوعظ ’والابتعاد عن التفصيلات التفسيرية التي تؤول بها إلى عناصر النثر الأخرى . أما الإشراق فيعني التركيب المضيء بقيمه الجمالية ذي التناسق الجمالي المتميز الذي يمنحه صفة قصيدة
وأما المجانية أو اللازمنية : فتعني الحد الذي لا تتطور فيه القصيدة نحو هدف ’ بحيث لا تعرض سلسلة من الأفعال أو الأفكار ’ وإنما تظهر للمتلقي حاجة وكتلة لا زمنية(17) ’ وهذا ما عبر عنه بودلير بالإيحائية التي جعلها من أهم الخصائص المميزة لقصيدة النثر ’ إلا أن مجلة شعر اللبنانية التي ولدت قصيدة النثر بين يديها توقفت عن الصدور عام 1964 ’ على الرغم من كل الجهود التي بذلها أعضاء تجمع شعر ’ وبهذا بقيت قصيدة النثر داخل أسوار لبنان ولم تغادرها حتى عام 1968 ’ حيث تطالعنا من جديد من خلال مجلة ( الكلمة ) العراقية ’التي كان يرأس تحريرها حميد المطبعي ’إذ تبنت هذه المجلة قصيدة النثر , ونادت بالمبادئ التي نادت بها مجلة شعر اللبنانية ذاتها , و كان من أبرز شعراء قصيدة النثر العراقيين الذين قدمتهم مجلة الكلمة آنذاك : سركان بولص , وصلاح فائق , وفاضل العزاوي , ثم التحق بهم عبد الرحمن مجيد , ومؤيد الراوي , وموسى كريدي ونزار عباس وغيرهم(18), ومن العراق انطلقت قصيدة النثر لتنتشر في مساحات واسعة من البلدان العربية في مستويات فنية متفاوتة ’ عبر مسارها إلى يومنا.
و الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها ’ أن النص الذي قدمته قصيدة النثر ’ من وجهة نظر عدد من كتابها أو شعرائها ’ و حتى أولئك النقاد الذين ينظرون إلى الشعرية نظرة أكثر عمقا ً و شمولية ’ يبدو نصا ً ممتلئا ً بالشعرية ’ و أن تاريخ الأدب يحتفظ بما يحقق مشروعية ولادته عربيا ً’ و أعتقد أن الموقف النقدي الرافض لقصيدة النثر نتج عن سببين : الأول : يكمن في طبيعة تقديمها , فقد قام أصحابها بتقديمها على أنها الشكل الشعري الوحيد الذي من حقه أن يسود يبقى , من دون مراعاة للذائقة العربية التي أصبح الشعر بمعاييره المألوفة جزءً من تكوينها الفكري و الثقافي العام , و من دون تهيأة الظروف الملائمة لتقديم هذا المولود الجديد . السبب الآخر : يكمن قي أن تبنيه و تبلوره جاء في ظروف ربما تكون مقاربة للظروف التي كانت وراء إنتاجه في الغرب , ففي الفترة التي ظهرت فيها الدعوة إلى قصيدة النثر ’ كان الشاعر العربي مصابا ً بالقلق و الرفض و العبثية التي عاشها الشاعر الغربي قبل أن يصل إلى ابتكار قصيدة النثر’ فضلا ً عن أن المناخ الثقافي العالمي كان موحيا ً بذلك و مبشراً به’ بعد أن شهد تحولا ً في أسس الإبداع الأدبي ’ رافقه نقض لكثير من المسلمات السابقة ’ بحيث أصـُيب الشعراء بهوس التجديد و البحث الدؤوب عما لم يكتشف سابقا ً ’ وصولا ً إلى النص الخالد ’ حتى تداخلت الأنواع الأدبية و اختلط بعضها ببعض ’ بحيث أصبح من المتعذر الفصل بينها و وضع حدود صارمة لكل نوع ’ لاسيما ’ بعد النجاح الذي حققته الرواية في الإفادة من الشعر ( 19) بيد أن كل ذلك ’ لا ينفي أثر الثقافة الغربية و دورها في تبلور مشروع قصيدة النثر العربية ’ فالمثاقفة و تأثيرات الاحتكاك الفكري و الثقافي أمر وارد لا يمكن إنكاره ’ فهو ظاهرة يمكن تلمس آثارها في الأدب و الفكر الإنساني بصفة عامة ’ لا في الأدب العربي فحسب ’ بل أن أثر الاحتكاك بالثقافة الغربية ملموس في الأدب العربي ’ حتى قبل ميلاد قصيدة النثر ’ لكن هذا لا ينفي و لا ينبغي أن ينفي إمكانية المبدع العربي ’ و قدرته و دوره في ابتكار أشكال تعبيرية جديدة تلبي طموحاته و همومه و حساسيته الجمالية المعاصرة , فالواقع العربي إذن ’ كان يبشر بإمكانية ولادة مثل هذه القصيدة ’ و كان لابد لهذا الواقع أن يؤثر في نمط التفكير الشعري ’ و أن يعمل على زحزحة بعض المفاهيم الإبداعية السابقة ’ و تغيير الحساسية الشعرية تغييرا ً يلائم الظروف المستجدة ’ ففي ظل هذه الظروف و المستجدات ’ صار هاجس التغيير يلح و بقوة في طلب تجاوز المنجز الريادي ’ حتى أننا نستطيع العثور على نماذج من هذا النوع ’ أكثر شعرية من سواها قبل صدور مجلة شعر ’ فنصوص الشاعر العراقي حسين مردان ’ كانت تبدو مفعمة بالشعرية ’ إلا أنه كان يرفض أن يسمي هذه النصوص شعرا ً ’ ربما رغبة منه في الابتعاد عن تقليد المصطلحات الشائعة ’ في حين أن د/ علي جواد الطاهر ’ يرى أن النصوص النثرية أو النثر المركز الذي كان يكتبه حسين مردان ’ شعر ٌ آخر في روحه ’ إذا ما آمنا أن الشعر روح أولا ً ’ جـَّود فيه ’ و عبـَّر و صور’ و سيجده من يتأمله جديرا ً بالدرس 0 ( 20) فحسين مردان ’ قصد أو لم يقصد كان يؤسس لقصيدة نثر عربية ’ و إن لم تتطابق شروطها مع تلك الشروط التي قدمتها سوزان بيرينار و تبنتها بعد ذلك مجلة شعر , فالشعرية تتحقق في الوزن و القافية و بدونهما ’ ذلك أن الموسيقى تكمن في الكلمة ذاتها لأن الكلمة ارتباط نغمين أو أكثر ’ فالكلمة أصوات و الصوت و حركته ’ وحدة نغمية صغرى ’ لها أهمية كبرى في الشعر و لاسيما الشعر الحديث ’ بوصفها توقيعات تراكمية تتشكل من خلالها البنية الإيقاعية للنص 0 في ضوء ذلك ’ ينبغي أن نبحث عن شعرية قصيدة النثر ’ بعيدا ً عن الوزن و القافية ’ في الخصائص اللغوية ’ الأساس الذي تنطلق منه قصيدة النثر شعريا ً ’ إذ أن بمقدور اللغة أن تستقطب عناصر الشعرية بعيدا ً عن نظام العروض و القافية التقليدي ’ و بذلك يمكن تطويع لغة النثر لتصبح لغة شعر ’ عن طريق إعادة اكتشاف طاقة النثر الشعرية التي ظلت بعيدة عن الاستعمال الشعري ’ فضلا ً عن استغلال طاقة الانزياح في اللغة إلى أقصى حدودها أو استغلال الفجوة / مسافة التوتر ’ التي يراها أبو ديب مولدا ً شعريا ً أو الانحراف ’ بحسب تعبير ياكبسون و تودوروف ’ وقبلهما القرطاجني ’ وهذا يعني استثمار كل ما يمكن أن توفره اللغة من مولدات و عناصر شعرية قادرة على تحقيق شعرية النص .
* الموسيقى وعناصر الإيقاع :- الإيقاع الخارجي .. ( المباشر )
مما لا شك فيه أن المرحلة التي انبثقت فيها الدعوة إلى قصيدة النثر كانت مرحلةً محتدمة بالقلق والرفض والعبثية , موحية بانقلاب في كثير من المفاهيم و المسلمات السابقة ’ فبقدر ما كانت الهوة سحيقة بين الشعر والنثر الفني من الناحية النظرية في الموروث النقدي ’ أصحبت ضيقة جداً في العهود المتأخرة ’ حتى أن النظريات النقدية الحديثة تحاول في بعض مفاهيمها الجديدة إزالة الحواجز بين الصنّاعتين ’ فإذا الشعر نثر إذا كان نظماً وإذا النثر شعر إذا كان مشبعاً بالصور مثقلاً بالرؤى الشفافة محملاً على أجنحة الألفاظ ذات الخصوصيات الشعرية(21), و يبدو أن هذا الوعي النقدي ’ مدخل مناسب للحديث عن الموسيقى وعناصر الإيقاع في قصيدة النثر’ فهو بالإضافة إلى أنه لم يجعل الشعرية تتحقق بتحقق الوزن ولا غيابه متعلقاً بغيابها – نقرأ فيه تلخيصاً موجزاً لرؤية النظرية النقدية العربية للشعر وامتداداً لآراء الجاحظ والجرجاني وابن طباطبا ’ الذين لم يجعلوا الوزن والقافية شرطاً أساسياً من شروط الشعر ’ بل إنهم فضلوا عناصر أخرى غير الوزن والقافية – قادرة على ضمان تحقيق شعرية النص(22)
إذن .. هناك اتفاق نقدي قديم حديث على أن الشعر يمكن أن يوجد خارج الأوزان والقوافي ’ لأن الشعرية تتحقق وتتكامل في اللغة وليس في أي عنصر خارجي ’ ولعل هذا الوعي النقدي المبكر هو الذي دفع الجاحظ للحكم على صاحب هذين البيتين أنه لم يقل شعراً قط :
لا تحسبنَّ الموت موت البلى
كلاهما موت ولكنَّ ذا
فإنما الموت سؤال الرجال
أفظعُ من ذاك لذل السؤال
الأبيات ’ كما تبدو ’ حسنة الألفاظ شريفة المعنى مستقيمة الوزن ’ وعلى الرغم من ذلك فالجاحظ ’يخرج هذين البيتين من دائرة الشعر ’ فإذا كان الوزن والقافية هما الشرط الأساسي لتحقق الشعرية ’ ما كان الجاحظ يقف هذا الموقف ’مما يعني أن معايير الشعرية عند الجاحظ وغيره من النقاد الذين وضعوا أسس النظرية النقدية العربية عبارة عن منظومة متكاملة ’ لا يشكل الوزن فيها إلا جزءاً ضمن مجموعة أجزاء لها أهمية بالغة في تحقيق الشعرية , على هذا النحو تراجع الوزن باعتباره القضية العتيدة والعائق الهلامي الذي لازم الشعر قروناً طويلة ’ وبناءً على هذا الإحساس أصبح الوزن هو المستهدف في كل عملية تجديد أو كل حداثة , تراجع في ظل التأكيد على اللغة الشعرية – الخيال , الصورة – التكثيف – الرمز ’ وما آلت إليه آليات الشعرية المعاصرة (24) ’ وتلمساً لطريق الخلاص وتطلعاً للأنموذج المتوسم ورغبة في الوثوب إلى ما وراء الأسوار تلقف الشعراء الشباب في العراق ولبنان قصيدة النثر وراحوا يكتبون على طريقتها ويدافعون عنها, بيد أن فريقاً من النقاد العرب وقف موقفاً إما رافضاً انتماء هذا النوع إلى الشعر أو حذراً متردداُ ’ بل إن بعضهم وصل حد الاعتقاد بأن لا جدوى من أي جهد في هذا المجال(25), فنازك الملائكة ’ ترفض أن تسمي قصيدة النثر شعراً ’فهي لا تتصور خلو الشعر من الوزن ’ ذلك أنها تنطلق من مسلمات نظرية وعلمية تقيس على أساسها الشعر(26), فنازك الملائكة تجعل من الوزن محوراً أساسياً للشعر متجاوزة بقصد أو بدون قصد شعرية العناصر الأخرى ’ فإذا كان الأمر على ما تطرحه متعلقاً بالوزن ’ فاعتقد أن موضوع الوزن أمر قد انتهى النقد العربي قديماً وحديثاً من معالجته ’ بقي أن نناقش مسألة أن قصيدة النثر نوع تم استيراده من الغرب وأن قبولها والتعاطي معها مسخ لهوية وخصوصية الشعر العربي فما صحة هذا الزعم ؟ من البداهة أن نقرر’ كما سبقت الإشارة ’ أن مسألة المثاقفة والتأثير والتأثر من خلال موجات الاحتكاك الثقافي , واقع لا يمكن إنكاره ’ ليس فيما يتعلق بقصيدة النثر حسب ’ بل منذ زمن بعيد , قد يعود إلى بداية انفتاح الحضارة العربية على حضارات الشعوب الأخرى وخصوصاً الفرس والروم ’ وربما كان شعر الرباعيات و البند وشعر الموشحات أبرز شواهد هذا الاحتكاك والتأثر’ و في المقابل ’ نجد الأدب الغربي لا يخفي تأثره بالأدب و الثقافة العربية ’ و لعل الكوميديا الإلهية لـ ( دانتي ) تشي بتأثرها الواضح بحادثة الإسراء و بـ ( الفتوحات المكية ) لابن عربي و( رسالة الغفران ) لأبي العلاء المعري ’ هذا فيما يتعلق بالبعد التاريخي للمثاقفة بين الأدب العربي وآداب الشعوب الأخرى .أما في العصر الحديث فأشكال تأثر الأدب العربي بالأدب الغربي كثيرة ومتنوعة’ فهي إذا لم تكن على مستوى الشكل فهي على مستوى التقنية واللغة , فتقنية ( القناع والرمز والأسطورة ) في الشعر العربي المعاصر آليات دخلت على الشعر العربي نتيجة التأثر بالشعر الغربي وهي حاضرة في الشعر العربي , ومع ذلك لم يعترض أو يرفض أحد من النقاد قصيدة القناع – أو القصيدة التي تتكئ على الرموز الأسطورية ’ بحجة أن هذه التقنيات قادمة من الغرب ’ بل إن النقد العربي اعتبرها من فونيمات القصيدة المعاصرة التي من شأنها أن تحقق للقصيدة قدراً أكبر من الشعرية ’ فالبياتي يرى أن القصيدة العربية بدون هذه التقنيات تجوع وتعرى وتتحول إلى جثة هامدة (27) ’ فضلاً عن أن الشعر العربي الحديث تمثل كل مذاهب الأدب الغربي ’ كلاسيكية – ورومانسية – وواقعية – وسرياليه – ورمزية – و دادائية ’ وكل هذه المذاهب جاءت من الغرب محملة بفلسفة الغرب وثقافته ’ ومع ذلك لم نجد أحداً رفض أو اعترض , فكيف عندما تعلق الأمر بقصيدة النثر حدث هذا الرفض والانتصار للقصيدة العربية وخصوصيتها ؟ ثم هل الوزن والانتظام العروضي الصارم في القصيدة العربية هو عنوان هويتنا وخصوصيتنا ؟
أعتقد أن الشاعر العربي قادر على تأكيد هويته وخصوصيته من خلال الموقف والرؤيا والمعالجة ’ أكثر من أي وسيلة أخرى جامدة ’ هذا بالإضافة إلى أنه يجب علينا أن نقرر أن الشاعر كائن يطمح أن لا يقف أمام إبداعه سور أو حاجز وأن النص الإبداعي شعراً كان أم نثراً يفترض أن يكون إنسانيَ الهوية ’ ينفتح على كل هذا العالم’ ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية إلا بالتحرر من بعض القيود ’ ولا شك أن الانتظام الوزني كان أكثر القيود إعاقة لعولمة الشعر العربي’ هذا ما أكده كثير من المترجمين الذين تصدوا لنقل بعض نصوص الشعر العربي إلى بعض لغات العالم الأخرى’ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ’ إذا كانت قصيدة النثر قد تجاوزت مسألة الوزن إلا أنها ضمنت لنفسها بنية إيقاعية تحقق لها قدراً من الموسيقى ذات صلة بجوهر القصيدة ’ هذه الموسيقى المنبعثة من خصوصية اللغة ذاتها ’ وهذا يعني أن قصيدة النثر توافرت على قدر من الموسيقى من خلال تنوع بؤر الإيقاع والنبر والتنغيم خارج إطار الوزن العروضي ’ فالإيقاع هو عبارة عن ترديد وتناوب متناسق للمقاطع الصوتية يحسه الشاعر بفطرته إحساساً غريزياً ويتجلى في قصيدة النثر بأشكال عدة :
• ثنائية التوازي والتكرار : تعمل هذه الثنائية بشكل متناغم ومتناسق محدثة نبرات إيقاعية تتماهى مع عناصر الإيقاع الأخرى في منظومة نغمية لتشكل موسيقى قصيدة النثر 0
أ- التوازي: مقوم من مقومات الإيقاع في قصيدة النثر يسير جنباً إلى جنب مع التكرار لتحقيق قدر من الإيقاع المتنوع وهو على أشكال :
- توازي اللفظ .
- توازي الجملة .
- توازي النحو .
1- التوازي اللفظي : يعد التوازي اللفظي ذا قيمة إيقاعية أخَّاذة ’ تضفي على القصيدة إشعاعات نغمية هادئة ’ ونظرا ً لما تتسم به قصيدة النثر من السردية في أغلب نصوصها ’ فإننا لن نستطيع إيراد النصوص كاملة ’ و سنكتفي بأخذ مقاطع استشهادية لكل ظاهرة نتعرض لمعالجتها :
.. هائماً كروح قديس ’ كمجنون
وتسخر مني السماء المرتفعة , الشاسعة , القاصية
فما دمون غير حلم ٍ
وما عنيزة غير طيف(28)
في هذا المقطع يبدو جلياً الأثر الإيقاعي الذي أحدثته آلية التوازي منفردة حيناً ومشتركة مع آلية التكرار حيناً آخر’ ففي السطر الأول : ينبعث إيقاع التوازي من خلال لفظتي : ( قديس ) و ( مجنون ) ’ وهو توازٍ غير تام حيث تغاير مورفيم الياء ومورفيم الميم . ثم يأتي التوازي اللفظي في السطر الثاني من خلال لفظتي (الشاسعة) و ( القاصية ) ’ ومع أنه توازٍ غير تام أيضاً ’ إلا أن إيقاعه يختلف عن إيقاع التوازي الأول لانسيابية الإيقاع المهموس المنبعث من الألف المفتوح ما قبلها ( شا ) و ( قا ) بوصفها صوتاً زمنياً يمكن التحكم في مده ’ ومن ثمَّ يأتي الإيقاع في السطر الثالث والرابع .. الناتج عن اشتراك آليتي ( التوازي والتكرار ) في قوله : فمادمون غير حلم
وما عنيزة غير طيف
ليضيف دفقة إيقاعية شكلت بتكررها نوعاً من الإيقاع المنتظم ’ فإيقاع التوازي الناقص بين لفظتي ( حلم / طيف ) تماهى مع إيقاع التكرار الأسلوبي : ( فما دمون غير حلم / و ما عنيزة غير طيف ) ’ لتكوين موسيقى النص الخاصة0
وفي قصيدة أخرى ’ نحس بوقع التوازي اللفظي واضحاً وممتزجاً بالتكرار’ موزعاً توزيعاً لحنياً يضفي على المقطع الشعري مسحة موسيقية منتظمة:
وفي قصيدة أخرى : يتجلى إيقاع التوازي اللفظي بشكل أكثر فاعلية:
أحلم بدبابتي الأليفة
المدافع , الراجمات , الهاونات(29)
تأمل الإيقاع الناجم عن توازي لفظتي ( الراجمات ) و ( الهاونات ) كيف أعطى السطر دفقاً إيقاعياً هامساً يشعر المتلقي إزاءه كأنه قادم من وراء الأفق ’ دلالة على البعد ’ على عكس إيحاء السطر الأول ( أحلم بدباتي الأليفة ) الذي يشي بالقرب والحميمية والألفة . كما نقرأ أيضا ً :
في الطريق إلى بغداد ..
يولد الشعر و الشعراء
تورقُ الآن كلُ الشوارعِ
كلُ البيوتِ
المحطات
و الأغنيات
البنايات
و الأمنيات
المطارات
و اللافتات المضيئة (30)
لا شك أن آلية التوازي اللفظي هنا تمنح النص موسيقى هادئة تنبعث من خلال انسياب إيقاع صوت الألف المفتوح ما قبلها ’ التي تتراسل على طول الستة الأسطر ’ لتستقر على تاء مكسورة ’ تتلاحق تلاحق القافية التقليدية
2- توازي الجملة : لا شك أن إيقاع توازي الجملة أكبر مساحة من إيقاع توازي اللفظ , فالوحدات النغمية في الجملة أكثر منها في اللفظة ’ حيث أن الكلمات المتوازية داخل الأسطر قد تكون كثيرة وموزعة على وفق تشكيلها الزماني والمكاني : يجففون العناكب على حواسي
ويلطخون المنزل
بأعشاش ثرثرة حبلى بالصدأ (31)
تتجلى هنا آلية التوازي من خلال جملتي ( يجففون ) و ( يلطخون ) فالشاعرة تمكنت من صنع الإيقاع من خلال التوازي ’ ثم من خلال ضمير الفاعل ( الواو ) الذي أعطى للجملتين المتوازيتين إيقاعاً إضافياً داخل التوازي نفسه 0
.. ولنقرأ هذا النص :
ليس من أبناء إيثاكا كلُ من لم يهطل عليه المطر
أو يبلله المطر
من لم ينازل البحر بالحبال
أو يقارع الملمات بالعصا
إنهم يصنعون الخرائط
يعالجون الشراع
إنهم يباركون العاصفة و الخطر
لأنهم لا يأبهون بما يتوعدهم من خطر (32)
فالإيقاع الناجم عن توازي الجملة في هذا النص ’ يتشكل داخل الأسطر محدثا ً نغما ً موسيقيا ً ’ يطول مرة و يقصر أخرى ’ على وفق امتداد الوحدات النغمية في الجملة ذاتها ’ فالإيقاع المنبعث من توازي الجملتين : ( يهطل عليه المطر) س/1 و ( يبلله المطر) س/2 ’ متناغم مع إيقاع الـتوازي في الجملتين: ( ينازل البحر بالحبال) س/3 و ( يقارع الملمات بالعصا) س/4 , ثم يتسع إيقاع التوازي أفقيا ً في الأسطر الأخرى ’ من خلال : ( يصنعون الخرائط / يعالجون الشراع / يباركون العاصفة ) في تواصل حميم مع إيقاع التوازي في الأسطر الأولى ’ ثم ينكسر هذا الإيقاع ’ فجأة ’ في السطر الأخير محدثا ً كسر أفق توقع القارئ ’ من خلال الفجوة الإيقاعية ’ التي من شأنها توسيع مسافة التوتر لدى القارئ 0 و في نص آخر نقرأ :
ما كانت الدنيا لتلعن 00 فلماذا نلعنها ؟
ما كانت الدنيا لتضرب 00 فلمَ نهيلُ عليها بالطرق ؟
ما كانت الدنيا لتؤكل 00 فلمَ نحاولُ التهامها ؟ (33)
ينبعث الإيقاع هنا من تآزر آليتي التوازي و التكرار ’ إذ يأتي التوازي في ثلاث جمل :( لتلعن / لتضرب / لتؤكل ) متماشجا ً مع آلية التكرار في الثلاثة الأسطر’ مما أعطى النص لمسة موسيقية خاصة
3- التوازي النحوي : هو نوع من التوازي لا يعتمد الإيقاع بقدر ما يعتمد التركيب النحوي الذي بدوره يترك صداه الإيقاعي الخاص ’ فالجمل المتوازية نحوياً ’ تلتزم نسقاً نحوياً واحداً من خلال تسلسل العوامل النحوية : حين تكون ثمة وردة .. ثمة سنبلة .. ثمة إقحوانة ساحرة
ثمة بلبل صادح في هذا العالم
أو تكفي لإثارة ضحكة في أعماقي ؟
ثمة جحيم ينتظر الإنسان(34)
نلاحظ أن الإيقاع المنبعث من توازي الجملة الخبرية ’ وصفة الخبر في السطر الثالث : ( ثمة اقحوانة ساحرة ) توازن إيقاعياً مع الجملة الخبرية وصفة الخبر في السطر الرابع : ( ثمة بلبل صادح ) ’ مما خلق إيقاعاً منتظماً للسطرين وشكل امتداداً انسيابياً لإيقاع التوازي في السطرين الأول والثاني :( ثمة وردة ) و ( ثمة سنبلة ) ’ ثم ينكسر هذا الإيقاع الانسيابي فجأةً ’ من خلال الجملة الاستفهامية في السطرين الخامس والسادس : أو يكفي لإثارة ضحكةٍ في أعماقي محدثاً فجوةً إيقاعية من شأنها أن توسع مسافة التوتر بين النص والمتلقي وتحقق قدراً من الشعرية بحسب دكتور / كمال أبو ديب ’ ثم يعود النص لإيقاعه السابق من خلال إيقاع التوازي النحوي في السطر السابع :
( ثمة جحيم ينتظر الإنسان ) , فمغادرة الإيقاع و العودة إليه ’ يمنح النص تنوعا ً نغميا ً يحسب لموسيقاه .
ومن التوازي النحوي أيضاً :
- جنادبٌ على العشب , أصابع على البيانو
- أصابعٌ على البيانو – جنادبٌ على العشب(35)
التوازي النحوي هنا جاء تاماً من خلال أسلوب قلب المعاني ’ الذي جعل إيقاع التوازي يتماهى مع إيقاع التكرار في السطرين ’ مما خلق إيقاعاً أكثر قوة 0
هكذا يتجلى إيقاع آلية التوازي في قصيدة النثر’ بيد أننا نستطيع أن نلاحظ مما سبق أن إيقاع التوازي بأنواعه الثلاثة : ( اللفظي – الجملي – النحوي ) يتنوع طولاً وقصراً ’ وقوة وضعفاً ’بحسب نوعية التوازي و امتداد الوحدات النغمية في كل نوع ’ فإيقاع التوازي اللفظي أقل طولاً من توازي الجملة ’ بينما يكون التوازي النحوي أطول من توازي الجملة ’ فضلاً عن إيقاعات الأصوات المهموسة والمجهورة والأصوات الزمانية التي تقع داخل بنية التوازي نفسه ’ مما يجعل الإيقاع أكثر تنوعا ً و حيوية.
ب- التــكرار: قد عرفنا ما للتكرار من قيمة إيقاعية ومعنوية في القصيدة التقليدية بنظامها العروضي الصارم ’ بيد أننا هنا سنتحسس التكرار وتجلياته في قصيدة النثر وما يؤديه من إيقاع يعطي النص لمسةً موسيقيةً منتظمة تعوضه عن فقدان الوزن , فالتكرار في قصيدة النثر نوعان:
1- تكرار اللفظ : ويعني أن لفظاً ما يتضمن وحدات نغمية معينة ’ يعمد الشاعر إلى تكراره بهدف تحقيق نوع من الإيقاع الموحد للنص :
الرجل .. ذو الأنياب الخشبية
ذو الساق المفلوجة
ذو الأنف المعقوف
ذو الكف اليابس
ذو الوجه الأمرد .. ذو الرأس الجوزة (36)
فالشاعر هنا كرر لفظ ( ذو ) سبع مرات ’ مما جعل الأسطر السبعة تبتدئ بإيقاع منتظم موحد ’ لكن ما جعل إيقاع التكرار أكثر فاعلية ’ اشتراكه مع إيقاع التوازي في بعض الأسطر ’ فالإيقاع المنبعث من تكرار اللفظ ’ بوحدته النغمية الثابتة ’ تآلف مع الإيقاع المنبعث من توازي الجملة في الأربعة الأسطر الأولى ’ بوحداتها النغمية المتنوعة ’ لتشكيل بنية النص الموسيقية .
لديه ينسج البنفسج أغطيةً للأطفال
لديه عناقيد المشاوير اللاهثة
لديه أمومة كالبستان وشعب من إنسان
لديه ينطق الحرير انتفاضة المواقيد
لديه لؤلؤةً وعصا ومسائل لتسوية الضحى (37)
فهذا الإيقاع الهامس المتوالي المنبعث من تكرار لفظ ( لديه ) قادر على تحقيق انتظام إيقاعي يعمل على ضمان استمرارية التواصل بين النص والمتلقي ’ من خلال خيط نغمي هادئ يؤطر النص دلاليا ً و موسيقيا ً ’ فموسيقى النص تتمحور حول بؤرة نغمية واحدة و منتظمة تشترك فيها ’ و تنطلق منها جميع أسطر النص الشعرية ’ متمثلة في إيقاع الوحدات النغمية للفظ ( لديه) ’ العامل المشترك بين كل الأسطر , ثم تأمل كيف يستثمر الشاعر القيمة الدلالية والإيقاعية لتقنية التكرار في هذا النص:
قبل أن تخمد جذوة إيماني
قبل أن يُسفح دمُ فجري
قبل أن يمس الفن نقاء صباي
قبل أن يتحرك غضب الغيرة فيَّ
قبل أن تتخثر دماء العشق في شراييني
قبل أن يطوق الاختناق عنقُ معرفتي
قبل أن تقطع سكينة النسيان حبل وجودي
قبل أن يتهرأ سِفرُ أمنياتي
كنتُ نبعَ الأبدية وملاذَ المعرفة (38)
للتكرار في هذا المقطع وظيفتان ’ إحداهما دلالية تؤكد من خلال تكرار لفظتي ( قبل أن ) عدداً من الدلالات التي أراد الشاعر تجذيرها في نفس المتلقي ’ على وفق أثرها النفسي لدى الشاعر ذاته ’ ليشتركا معاً في تصور موضوعي واحد ’ والأخرى إيقاعية تضفي على النص شكلاً إيقاعياً خاصاً ’ من خلال الوحدات النغمية المنتظمة الموحدة في بداية كل سطر ’ فما حققه تكرار لفظ ( لديه ) على مستوى الإيقاع في النص السابق ’ يحققه تكرار ( قبل أن ) في هذا النص ’ إلا أن مساحة الوحدات النغمية في ( قبل أن ) أكبر منها في ( لديه ) ’ فضلا ً عن تقارب إيقاع الأفعال الواقعة بعد ( أن ) ’ مما يجعل موسيقى النص أكثر تناغما ً.
2- تكرار الجملة: كما أن لتكرار اللفظ قيمة معنوية وإيقاعية ’ فإن لتكرار الجملة معانيَ وإيقاعات يحاول الشاعر من خلالها أن يؤكد على دلالات ما و تثبيتها في ذهن المتلقي ’ على وفق أهميتها وأثرها في نفس الشاعر :
أخذت عن النهر غيابهُ , قلت :
إذا اعترتني خضرةٌ سأدوِّن مائي وأقيس جلال العشب وسيادة النور’
لكنني لم أجد سحباً على الورق
أخذت عن النهر غربته , قلت : إذا أصابني الحب سأحرر أغنيتي
أرى النساء يدخرن أنوثةً للصباح وللظهيرة الكلمات وللمساء تروض الفحول
لكنني لم أجد عاشقاً في الطريق
أخذت عن النهر غبطتهُ , قلت : إذا صعقتني نشوة سأطير بعيداً ,
لم يقف النهر, لكنني .. شطبت الغروب عن الشجر(39)
فالإيقاع الناجم عن تكرار جملة : ( أخذت عن النهر ) ثلاث مرات , له قيمته في التشكيل الإيقاعي للنص ’ إذ يتداخل مع بقية عناصر البنية الإيقاعية الأخرى’ ما يخلق تنوعاً نغمياً ملائماً لحركة القصيدة ’ و يخلق قدراً من الموسيقى الملائمة لها. و في الاتجاه نفسه نقرأ :
الذي يسأل عن قهوتي .. هو الذي سرق فنجاني
الذي يسأل عن لحيتي...
الذي يسأل .... استعار أدوات حلاقتي
والذي يسأل عن .... ويسأل عن .....
هم وراء ما... وما .... (40)
لا شك أن أبرز ما يثير المتلقي ويلفت انتباهه ’ هو أن هذا المقطع ينتهي دلالياً وإيقاعياً بمثل ما ابتدأ به ’ فعلى المستوى الدلالي يأتي السطر الأول كامل الدلالة في حين جاء السطر الأخير مفتوح الدلالة ’ من خلال تقنية الفراغ ( النقط ) إحدى تقنيات القصيدة المعاصرة ’ بهدف ترك مساحة لاشتراك المتلقي في عملية البث والتأويل ’ أما على المستوى الإيقاعي ’ فإن الإيقاع الذي تحمله فونيمات جملة ( الذي يسأل عن ) في السطر الأول ’ يتكرر مرة أخرى في السطر الأخير من خلال تكرار الجملة نفسها ’ وبهذا يكون المقطع واقعاً بين صدىً إيقاعي واحد ’ وبدرجة واحدة ’ من حيث الطول والقوة ’ ثم يتخلل هذا الصدى الإيقاعي أصداء أخرى أقل طولاً وقوةً من الإيقاع الأول ’ وذلك من خلال إيقاعات التوازي والتكرار في الأسطر: الثاني والثالث والرابع ’ مما خلق تنوعاً في الإيقاع يمكن أن يكون بديلاً حداثياً عن إيقاع الوزن 0
* الإيقاع الداخلي (غير المباشر): إذا كنا ’ في المحور السابق ’ قد وقفنا على عناصر الإيقاع المباشر وتجلياته ’ فإن عناصر الإيقاع غير المباشر وتجلياته في قصيدة النثر’ لا تكشف عن نفسها بطريقة اعتباطية مباشرة ’ بل إن الوقوف عليها واكتناه أسرارها وقيمها يحتاج إلى دراية ودربة نقدية كافية ’ و إن كنت لا أدعي ذلك ’ لأن حركة الإيقاع الداخلي في قصيدة النثر’ ليست حركة لفظية كما رأيناها في الإيقاع المباشر’ وإنما هي حركة ذهنية تشبه الموسيقى الشعرية ’ بوصفها حركة نفسية أو ترجمة صوتية عن تجربة الكاتب ’ هدفها إعانة اللغة على أداء المضمون الروحي للكاتب(41). لكن ما ينبغي الإشارة إليه ’ وهو من الأهمية بمكان ’ هو أن طبيعة الإيقاع بشكليه المباشر وغير المباشر ذو طبيعةُ متداخلة تداخلاً عضوياً ’لا يعمل أحدهما بمعزل عن الآخر ’ و هناك محاولة نقدية جادة ’ لتحديد مرتكزات الإيقاع الداخلي أو غير المباشر في قصيدة النثر’ منطلقة من خصوصية اللغة وفضائها الموسيقي ’ راصدة سبع ممكنات(42)’ ترى أنها بالإمكان أن تحقق قدراً من الإيقاع الداخلي لقصيدة النثر’ يمكن مناقشتها في ضوء واقع النصوص المختارة :
1- استثمار إمكانات الإيقاع البصري الناشئ عن الشكل الخطي والطباعي الشبيه بقصيدة الشعر الحر أو القصيدة المدورة أو بالأشكال الهندسية والإفادة من العناصر التشكيلية البصرية لخلق إيقاع بصري على المستوى السيكلولوجي وإن لم يتجاوزه صوتياً0
ولا شك أن قصيدة النثر أدركت أهمية المنظور الخطي واستفادت من هذه الإمكانية ’ لأنها أكثر التصاقاً بطبيعتها ’ بوصفها قصيدة مكتوبة من ناحية ’ وإيحائية من ناحية أخرى ’ فطبيعة رسم مفرداتها على الورق ’ جزءٌ لا يتجزأ من بنيتها الموسيقية ’ فإذا كان البيت الشعري ’ بمساحته العروضية المحددة ’ مظهرا ً من المظاهر الأساسية لموسيقى القصيدة العمودية ’ وإذا كانت مساحة الأسطر الشعرية على الورق ’ و تنوعها طولا و قصرا ً’ مظهرا ً أساسيا ً من مظاهر التشكيل الموسيقي في شعر التفعيلة’ فإن الإيقاع النفسي للفكرة ’ المتدفق من لا وعي الشاعر ’ له أثره في طبيعة رسم و تشكيل قصيدة النثر على الورق ’ بوصفه أحد مظاهر البنية الموسيقية’ فشكل قصيدة النثر على الورق ’ صورة لإيقاع أثر الفكرة في نفس الشاعر: تعبَ الشارعُ من وقع ِ الخطى..
من نقطةٍ في جمار اللظى
فانتعشَ النبض ُ ..
و ثمة ضلع ٌ
يتجسدُ .. في فوهةِ الموالِ
تعبَ الراكضُ في ...
و علي ٌ .. يختبئ الآن ببئر الدمع ِ
و عليٌ سرُ الفصل ’ و سرُ اللهبِ الموغل ِ في الصحراء
و عليٌ بلسمُ هذا الدمع المورق في ليل الشهداء (43) .
2- دراسة إمكانات الأنظمة النبرية والمقطعية للغة العربية والخطاب الشعري.
ولا شك أن قصيدة النثر حاولت استثمار هذه الإمكانية وإنما بحذر شديد نظراً لقلة الدراسات الصوتية التي تعنى بهذا الجانب , و التي من شأنها أن تعين الشاعر في الاستفادة منها و توظيفها توظيفا ملائماً .
3- العناية بخلق أنساق التوازي والتكرار والتشاكل والتمفصل.
ولهذه النقطة بالذات تجليات واسعة في النصوص المختارة كما لاحظنا آنفاً ولعلها أبرز مظاهر التداخل العضوي بين الإيقاعين .
4- توظيف خاصية التنغيم والوقف والتلوين الصوتي .
غير أني أرى أنه على الرغم من القيمة الإيقاعية لخاصية التنغيم والوقف والتلوين الصوتي ’ إلا أنها لا تتلاءم وطبيعة قصيدة النثر’ بوصفها قصيدة مكتوبة بينما تبرز قيمتها وفاعليتها في الأشكال الشعرية الأخرى0
5- استثمار الإمكانات البلاغية المختلفة كالجناسات والتقفية الداخلية والتمفصلات النحوية والتركيبة .
وفيما مضى من النصوص وقفنا على استثمار الشعراء لهذه الإمكانية ’ ولكن بالشكل الذي لا يوقع القصيدة في شرك الصناعة البديعية ونظامها الإيقاعي الصارم’ من مثل قول الشاعر :
تعالي .. نسأل موجة َ ذاك الخليج
تموز ’ ينهضُ الآنَ
و يأتي مؤتلقا ً في احتفال ٍ بهيج
عشتار ’ تبيحُ أنوثتها بين أحضان تموز..
إنه العرسُ المقدس ..
حتى ’ إذا ما الليل عسعس
تمطتْ عروق النخل في عمق التراب (44).
فالشاعر هنا استطاع أن يستثمر آلية الجناس و التقفية الداخلية , بالشكل الذي يمنح نصه إيقاعا ً ملائما ً ’ من دون الوقوع في شرك الصناعة البديعية المقصودة لذاتها.
6- البحث عن نويَّات إيقاعية صغرى ’ قد تتمثل في الأسباب والأوتاد والفواصل ’ أو في زحافات التفاعيل الاعتيادية ’ وخلق سياق نغمي جديد منها .
إذا ما اعتقدنا أن في قصيدة النثر نوعاً من التفاعيل قصد إليه الشاعر قصداً ’ فهذا يعني الجزم بوجود نمط إيقاعي منتظم تبعثه هذه التفاعيل ’ وهذا أمر لا يقرره واقع قصيدة النثر التي تعتمد عناصر إيقاعية أخرى بعيدة عن نظام التفاعيل ’ بيد أنه يمكن الحديث عن مقاطع صوتية وتشكيلاتها الزمانية والمكانية التي يمكن استثمارها في خلق سياق نغمي ملائم ’ كما مر بنا آنفا ً من خلال آليتي التوازي و التكرار.
7- الاهتمام بخلق رؤية شعرية متكاملة على مستوى القصيدة أو ما يسمى بإيقاع الفكرة.
وأعتقد أن القليل جداً من شعراء قصيدة النثر استطاع تمثل هذه الإمكانية بوعي تام ’ من خلال نسيج ذهني يؤطر القصيدة لغرض استمرارية التواصل بين النص والمتلقي لتحقيق المقصدية الفنية والموضوعية ’ من مثل قول الشاعر: الذي ألقى بي دفعة واحدة
في سعير اللذة شدَّ وثاقي
بمعدن اللهبْ
ولما أندلعت بالجهات عدوى الحريق
أردت الصراخ فأغلق فمي (45)
فحركة القصيدة هنا حركة ( ثيمية) لولبية في نسيج ذهني منشأة بؤرة واحدة (مناط الفكرة )
الخصائص الفنية :
لا تختلف قصيدة النثر’ من الناحية الفنية كثيراً ’ عن سواها من الأنواع الأدبية الأخرى ذات الخصوصية الشعرية ’ ذلك أن الشعر بوصفه خطاباً لا تتحقق شعريته ’ إلا بتوافره على مجموعة الخصائص الشعرية ’ وقد حدد الدرس اللساني الحديث ست وظائف للخطاب من خلال مرسومة جاكبسون(46) الشهيرة التي تحدد طبيعة الخطاب وخصوصية الخطاب الأدبي :
ويرى جاكبسون ’ أن تحديد ماهية الخطاب واتجاهه ’ إنما يتحدد بتركيز المرسل على أحدى هذه الوظائف دون غيرها ’ فالوظيفة الانفعالية تأتي للتعبير عن المرسل وطبيعته وانطباعاته الذاتية ’ أما الوظيفة الإبلاغية ( الإيهامية ) ’ فتتعلق بالمرسل إليه وأحواله’ أما الوظيفة الإنشائية ( الشعرية) ’ فهي جوهر الرسالة التي يحملها الخطاب الأدبي ’ وهي الوظيفة التي تجعل الرسالة هدفاً في ذاتها وتمنحها الشكل الذي يجعل منها نصاً أدبياً ’ أما الوظيفة المعجمية فتعني وجود شفره مفهومة بين طرفي الخطاب( المرسل – المرسل إليه ) أما ضمان صيرورة التواصل بينهما ’ فهذا ما تحققه الوظيفة الانتباهية وهذا يعني أن للخطاب الشعري خصيصات نوعية ’ هي وحدها التي تميزه من سواه من خطابات الحياة اليومية ’ ولعل أهم هذه الخصيصات ’ اللغة واستعمالاتها الخاصة التي تتجاوز الوظيفة الإبلاغية ’ وهذا ما عبر عنه جاكبسون في مرسومته بالوظيفة الإنشائية ( الشعرية ) التي تجعل من الرسالة’ بوصفها كياناً لغوياً هدفاً في ذاتها ’ فإذا كان الكلام العادي ينشأ عن مجموعة انعكاسات مكتسبة بالمران والملكة ’ فإن الخطاب الشعري صوغ للغة عن وعي وإدراك ’ إذ ليست اللغة فيه مجرد قناة عبور الدلالات ’ بل هي غاية تستوقف لذاتها (47) ما يعني أن لغة الخطاب الأدبي ’ الشعري ’ تسعى إلى خلق لغة خاصة داخل اللغة ’ من خلال انزياحاتها عن معيارية اللغة ’ وتغليب القطب الصوتي على القطب الدلالي’ بحيث تصبح الكلمة إشارة حرة تسبح في خيال المتلقي دون قيود دلالية مسبقة , لأن هدفها إثارة انفعال لا تقرير وقائع ’ فهي لغة إستشرافية بطبيعتها ’ لأنها لا تعرف اختزال المعنى’ بل هي توسيع وتضييق بين الرمز والفكرة ’ بين العلامة المكتوبة والمعنى المحدد’ وإذا كانت قصيدة النثر تشترك مع الأنواع الشعرية الأخرى في هذه الخصيصات العامة ’ إلا أنها اعتمدت آليات فنية معينة تميزها نوعاً ما من سواها. من هذه الآليات :
كسر أفق التوقع: ويعني خلخلة توقعات المتلقي ومفاجأته لإحداث الفجوة / مسافة التوتر كما عبر عنها د/ أبو ديب ’ يقول امبسون : ( إن المسألة الرئيسة في القصيدة هي المفارقة للتوفيق بين الحالات الواعية واللاواعية) (48)
وعلى هذا الأساس أصبحت قصيدة النثر في كثير من الحالات تكتب ’ من أجل إقامة هذه المفارقة من خلال كسر أفق التوقع ’ الأمر الذي جعلها تقع أسيرة التشابه الشكلي في بنائيتها ’ نتيجة اعتمادها شبه الكامل وتكلفها أحياناً في الإعداد لجملة المفارقة أو ( كسر أفق التوقع ) سعياً لإحداث الهزة أو مسافة التوتر, حيث تكتب القصيدة بتقريرية مقصودة لتقديم أفكار شبه مباشرة في الطرح , تمهيداً لإحداث هذه الهزة وصولاً إلى أقصى درجات المفارقة ’ وبهذا تكون طبيعة التلقي على امتداد النص مباشرة وبسيطة ’ لتفاجأ بهذا الكسر غير المتوقع , وأعتقد أن انصراف الشاعر الكلي إلى صناعة جملة ( كسر أفق التوقع ) أوقع كثيراً من نماذجها في شرك التقريرية المخلة , كما نلاحظ في هذا النص :
إنني وقعت في الحب يوم الاثنين.. وتعذبت طوال يوم الثلاثاء
وقدمت السؤال يوم الأربعاء .. وانتظرت طوال يوم الخميس..
وجاءت إجابتها يوم الجمعة ..
وقررت بكل عزم وقوة أن أنهي حياتي يوم السبت
ولكني غيرت رأيي يوم الأحد .(49)
فتقريرية النص ومباشرته واضحة ’ ولا شك أن الشاعر وقع في ذلك نتيجة انصرافه كليا ً للإعداد للجملة الأخيرة ) : ولكني غيرت رأيي في يوم الأحد )
لا شك أن هذه الجملة يمكن أن تحقق نوعاً من المفارقة’ أو كسر أفق التوقع لدى المتلقي ’ لأن المتلقي بعد سماعهِ لقرار الشاعر بإنهاء حياته ’ من الطبيعي أن ينتظر ما بعد هذا القرار’ ولكنه يفاجأ برجوع الشاعر عن قراره ’ وهذا ما لم يتوقعه ’ و إذا كان الشاعر قد نجح في إحداث المفارقة , و في أبسط مستوياتها إلا أنه وقع في التقريرية المباشرة ’ بيد أن هناك من الشعراء من استطاع التعامل مع هذه الآلية بأسلوب فني بعيداً عن هذه التقريرية :
أحبابي صمتاً ..
هذا سرٌ لا تفشوه لأحد
في ليلة صيف ’ غادرت ثلاث سمكات البحر’ إلى النخلة
الأولى قالت للقمر : انزل قليلاً ’ لأرى وجهي بمرآتك
الثانية قالت للنخلة : زيّنيني ببلحك ’ عطريني بتربك ’ غداً عرسي
الثالثة التقطت قطرة من دم الشهيد ’ لتنير بها ظلام البحر الطويل (50)
فالشاعر هنا استطاع تحقيق الهزة و الوصول إلى جملة كسر أفق التوقع ’في السطر الأخير : ( الثالثة التقطت قطرة من دم الشهيد لتنير بها ظلام البحر الطويل ) , من دون خلل في منظومة اللغة الشعرية ’ فالمتلقي الطبيعي’ يفترض أن يتوقع من السمكة الثالثة طلب شيء ما قريب من طلبات الأولى والثانية ’ ولكنه يفاجأ بهذا الانحراف السياقي والسلوكي مندهشا ًبهذه المفارقة .
توظيف السرد : تفيد قصيدة النثر من تقنيات السرد ’ لدرجة الاقتراب من السرد الروائي والقصصي أحياناً , بيد أن المقطع السردي في قصيدة النثر, غالباً ما لا يوحي بتصاعد درامي ’ ولا يمتلك منهجاً حكائياً خاصاً , إذ تبقى القصيدة بحدثها الذي لا يكاد ينمو’ فلا نجد لها تحولاً ولا صيرورة ولا تأزم ’ بل إن طبيعة السرد تكاد تحافظ على نمطية واحدة:
الزين.. ذو الشعر الأشقر كحقل الحنطة
زاوله الهم - فغفا على ذروة الجبل العالي
زوَّادته في جانب - زمزميته في الآخر
زنبقة نشرت ظلها على عينيه
زحفت نحو أرنبة أنفه
لكنه ما أفاق
تستحي الشمس من طلعته
فتغشته غيمة هاربة
كان مثل ولد عاد للتو من المدرسة
فأغفا هنيهة بانتظار أمه أن تعد له الغداء
هدهدته - مسحت وجهه بماء الورد لكنه ما أفاق (51)
فالمشهد في هذا المقطع السردي ’ يبدو غير متصاعد إيقاعياً على مستوى الحدث ’ وقد يكون لشاعر قصيدة النثر عذره ’ إذ أنه لا يتصدى للسرد القصصي ’ بل إن اللا نمو في الشعر عموماً لا يشكل جانباً سلبياً , بل على العكس من ذلك’إذ أن السرد في قصيدة النثر يتحقق على مستويات عدة ’ منها اعتماد فعل الحكي ( الماضي ) ’ وتعدد الأصوات , والتسلسل الحكائي ’ للوصول إلى ما يشبه العقدة أو ذروة الحدث أحياناً ’ بيد أنه من المهم أن نفهم أن قصيدة النثر غير مطالبة ’ وإن استخدمت تقنيات السرد ’أن تقدم لنا قصه أو تحكي لنا حكاية , فالحوار غالباً ما يأتي متناوب الأصوات ’ والزمن في درجة الصفر أو ملغي ’ على أن هذا لا يعفي قصيدة النثر من تقريرية التسلسل الحكائي الذي طالما قدمته ’ والذي يأتي مفرغاً من أي عنصر إثارة أو ملمح مثير كما هو واقع هذا النص :
دخل الرجل الأول وجلس فوق الكرسي الأول
دخل الرجل الثاني وجلس فوق الكرسي الثاني
دخل الرجل الثالث وجلس فوق الكرسي الثالث
دخل الرجل الرابع وجلس فوق الكرسي الرابع
دخل الرجل الخامس وجلس فوق الكرسي الخامس
دخل الرجل السادس وقال : قيام .. فوقف الرجال الخمسة
دخل الرجل السابع وقال : جلوس
فجلسوا (52)
فهذه التقريرية الحكائية , أفرغت المقطع من أي عنصر إثارة واكتفت بالتصوير الخارجي الذي لم يستطع أن يصور اللغة , مما يجعلنا نطمئن إلى اعتباطية الرؤية وانعدام الإحالة الخارجية , بيد أن التقريرية ’ ليست سمة سائدة في قصيدة النثر ’ بل أنها سمة ذاتية ’ تتعلق بالشاعر و قدرته الفنية ’ فكثير من النصوص ’ استطاعت أن تتجاوزها ’ و تقدم بنية سردية شعرية ملائمة :
إمرأة لا تظهر إلا عند صياح الديك ’ تعود من الحجر الغامض نحو البيت ’
مجللة ً بالموسيقى السوداء’ على ركبتها اليسرى نجم ٌ
و على شفتيها صمتُ الجمعة
لا تأبه للعمال و هم يمشون ’ و في أيديهم عافية الفجر ’ و أكياسٌ تتقافز
فوق الأدوات المسنونة
فالمرأة تعبر مثل السهو
و في زيق الثوب ’ يشعشع مفتاحُ الوحشة
إذ يتأرجح ما بين الماضي و جهنم
تكشط هذي المرأة كلَ كلام الحي المسكون بأسلاف
الجن ’ و تدخل ...
المرأة صاحتْ من غير كلام : يا للذكرى
ثم مشت مثل المجنونة نحو خزانتها الخشبية
و استلت رائحة الغائب (53)
انقطاع الرسالة : تعتمد هذه الآلية على فكرة الانزياح أو العدول التي فرضت سلطتها السببية على الشعرية المعاصرة , التي جعلت من مصطلحات ( الكسر – التحطيم – الهدم – القطع ) للبنية النحوية أو السياقية / المرجعية ’ أو الفكرية ’ مصطلحات لها دورها في العمل الشعري ’ بوصفها الطريقة المثلى للوصول إلى الانزياح’ ومن ثم الشعرية بمفهومها المعاصر ’ الأمر الذي أفادت منه قصيدة النثر وحاولت جادة تحقيق هذه الآلية , ما جعل الإرباك أو التشويش سمةً أساسية ’ بل لازمة لقصيدة النثر :
الجوع امرأة ٌ تتعرى
في سوق الحطَّابات
مَن قدَّ قميصك يا بن العلوية ؟ مَن ... ؟ مَن....؟ مَن ؟
ثانية في البدءِ
خلع الربُ قميصَ الأحزان ,
هل خلع الرب قميص النوم ؟
و أشار إلى حشد بقايا دلمونَ ’ وأرورو ... ,
لا غالب إلاه لا عاصم من هذا الزمن ِ
إلا ( الجلطةُ ) أو سوط الشرطي
أو كأس عصير .... آح.... ضر ... (54)
هذا مقطع من قصيدة طويلة ’ تعتمد آلية انقطاع الرسالة من خلال تقنيات الفراغ والنقط وقطع الدلالة على طول سياقها التركيبي والنحوي ’ كما هو واضح في النص , بهدف تحقيق المقصدية الفنية والزج بالمتلقي إلى جو النص للمشاركة في تأسيس بنية الخطاب الدلالية ’ على وفق نقد استجابة القارئ ’ من خلال محاولته إكمال الدلالات المقطوعة وسد الفراغات المتروكة. فالقصيدة تبدو غير قادرة على إيصال رسالتها بوضوح ’ نتيجة البتر في تراكيبها اللغوية ’ و توظيف بنية التجاور و الانقطاع , إذ يبدو السطر الثالث : (من قــَّد قميصكَ يا بن العلوية ؟ من ...؟ من ...؟) , منقطعا ً عما قبله , مما يستفز ذهنية القارئ , و يخلخل توقعه , فضلا ً عما يتخلل النص من ألاعيب تجريبية اعتباطية ’ متمثلة في مساحات البياض واستعمال الحروف والنقط وغيرها ’التي تأتي بمثابة دوال(55), لأن قصيدة النثر قائمة على التحليل في أن الذهنية جزء أساسي منها .
سأظل مع القضايا الخاسرة حتى الموت
سأظل مع الأغصان الجرداء حتى تزهر
مع دمشق القديمة كملامحي
مع العتبات الرطبة
والسعال المصطنع قبل دخول الأبواب (56)
نستطيع أن تتحسس الحذف , من خلال إقصاء جملة (سأظل) من الثلاثة الأسطر المتبقية , ثم استدرج الشاعر حذف ما يمكن حذفه ’ حيث حذف (مع) من السطر الأخير’ رغبة منه في جعل قصيدته أكثر إيجازاً ’ بعد أن هيأ المتلقي لتقبل الاختصار, وبذلك يكون قد وفر زمناً إضافياً للقصيدة ’ وابتعد عن الاستطراد .
الوحدة العضوية : تعني الوحدة العضوية الاقتصاد على موضوع واحد’ إلى جانب تكاتف أجزائها , لدرجة أن العلاقة بين الجزء والكل في القصيدة تكون من التقارب والعضوية ’ بحيث تؤدي إلى انسجام عام في التعبير(57)’ ولعل من سمات قصيدة النثر الأساسية أنها ذات وحده عضوية ’من أجل ذلك أشترط فيها الإيجاز والكثافة بوصفهما أسس التوحد . بيد أن مصطلح الوحدة العضوية هنا يشير إلى معنيين : الأول عام والآخر خاص , فالمعنى العام ’ يعني الكل المتآزر في توحيد أجزاء القصيدة ’ غير أن الاستقراء الفاحص لقصيدة النثر’ لا يقود إلى القول بالوحدة العضوية لها ’ على أساس الشكل التكاملي ’ أي الشكل الذي يهتم بوجود نوع من المنطق النسبي الترابطي في العلاقات بين مختلف عناصر العمل الفني ’ لاعتمادها عنصر المفاجأة , و المفارقة و الانقطاع , لنحقيق شعرية النص , إذ أن الوحدة العضوية في قصيدة النثر ’ هي وحدة الهم الشعري ’ وحدة الإيحاء المشترك التي تحملها كلمات وجمل القصيدة ’ فهي وحدة دلالية لا وحدة شكل , وحدة إيحاء لا وحدة معنى .
أما المعنى الخاص ’ فيعني انغلاق القصيدة على نفسها ’ واستقلالها الذاتي عن غيرها من القصائد .
ظلالُك ناعمةً صغيرة
تكفي لنملةٍ وتكفي لنحلةٍ ويراعة
وتكفي لقلبي
هل ألقى جائحٌ يأكل على عجل
نواةً هنا ؟
لتطلع على هذه الأرض الحجرية
القريبة من البحر
فسيلة طفلةٍ تريد أن تكون .. (58)
تتجسد وحدة القصيدة العضوية , من خلال الارتباط الوجداني العميق بين الذات والموضوع , ودوران القصيدة حول مفردات ( الإنبات والنمو والكينونة ) ’ فلغة القصيدة لغة نسيجية ’ وحدت بين أجزاء القصيدة ’ وحدة إيحاء ودلالة ’ لا وحدة شكل ومعنى ’ وهذا ما جعل القصيدة تبدو وحدة مغلقة على ذاتها.
آه يا طفلة النخلة الحلوة
أيتها العراقية النابتة قرب البحر
لقد تأخرت عنك اليوم
مررتُ بك في الفجر
كنتِ غافية ً
حييتك ’ ثم انحنيتُ عليك
أردت أيتها الحلوة أن أرفع جدائلك الخضر
وأقـبِّـلك
ثم ترددت
خشيت أن يهرب الحلم
فتستيقظين غاضبة وتتركيني راكضةً وراءه (59)
النص في مجمله ’ صورة مشهدية ’ تتمحور حول فكرة موضوعية واحدة ’ مؤطرة بلحظة زمنية معينة ’ تعالج واحدة من أهم مشكلات الإنسان العراقي المعاصر ’ حيث أمست لحظة الحلم الصافية ’ لحظة نادرة و غالية ’ من الصعب أن تتكرر ’ في ظل ما يعانيه من أحداث مأساوية ’ ففكرة النص تنسج خيوطها دلاليا ً ’ و موضوعيا ً في اتجاه واحد ’ فإذا كانت تبدو في إطارها النصي ’ مرتبطة بموقف وجداني معين ’ إلا أن فضاءها الدلالي يتجاوز حدود النص’ ليشير ’ في جملة ما يشير إليه ’ إلى ما يعانيه الإنسان العراقي ’ و بحثه الدؤوب عن أحلامه ’ حتى خارج حدود جغرافية الوطن .
المجانية : تعني اللا زمنية ’ أو رفض الانتماء لزمن معين ’ في الحد الذي لا تتطور فيه القصيدة نحو هدف ’ ولا تعرض سلسلة أفكار وأفعال ’ بل تظهر للقارئ حاجةً وكتلةً لا زمنية (60)’ بمعنى أنسنة النص ’ و عولمته ’ وجعله غير مرتبط بحدود جغرافية ’ و زمنية معينة ’ و أعتقد أن هذا ما كان ينقص القصيدة العربية ’ و ما كان يتطلع إليه الشاعر العربي :
المغائر تخرقه من جميع الجهات
الصخور تمارس نزوتها في الفرار إلى الأودية
حين مرت به الريح
شقَّ قلبي الضلوع وطار وراءه
ولكنه ’ عاد منكسراً ثم قال :
جبل
من
زبد (61)
فمجانية النص ’ تأتي من عدم انتمائه لأرض معينة أو لشعب معين ’ ولا تعالج قضية محصورة بمكان ما ’ وإلغاء المكان هو طريقة أخرى لإلغاء الزمن ’ لأن الزمن يمكن إدراكه على أنه مكان فكري(62). فالنص يعالج ظاهرة إنسانية عامة’ يمكن أ ن نتلمسها في أي مجتمع من المجتمعات ’ فهي مرتبطة بالإنسان ’ من دون ارتباطات جغرافية ’ أو زمنية .
أقولُ : أجنحة تحملكَ
صوبَ الله .. و أقصدُ قلبي ..
و أقولُ : أجنحة تحملكَ .. صوبَ الشيطان
و أقصدُ قلبي ..
و أقول : أنتَ .. و أقصدُ ... (63)
من الملاحظ أن جمل مقول القول تتعدد في النص ’ الأمر الذي يجعل زمن النص لا يتطور ’ و لا يعكس نموا ً لحدثها ’ و الاقتراب نحو هدف ما ’ إذ أن زمن النص يقع في درجة الصفر . و لكن ’ ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الصدد ’ هو أننا حين نتحدث عن خصائص قصيدة النثر الفنية ’ لا يعني أن هذه الخصائص ’ التي تحدثنا عنها آنفاً ’ حكرٌ عليها ’ و تتفرد بها دون غيرها من أشكال التعبير الشعري الأخرى ’ بل بوصفها خصائص مميزة لها ’ و مظهر مهم من مظاهر الشعرية فيها ’ و بدونها تفقد كثيرا ً من قيمها الفنية و الشعرية .
الخــلاصــــة :
• قصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر’ هي أحدى نتائج حركة الحداثة ’ التي ظلت تبحث عن المدهش والغرائبي ’ في سعيها الدؤوب للخروج من دائرة التواتر المألوف’ و صولا ً إلى النص الخالد.
• لم يكن ميلاد قصيدة النثر في الأدب العربي ميلاداً مفاجئاً ’ بل إن رياح التغيير التي تعرضت لها القصيدة العربية ’ منذ زمن مبكر على مستوى الشكل واللغة والتقنية ’ منذ أبي تمام وأبي نواس ’ مروراً بحركة الشعر الحر عند نازك والسياب وباكثير ’ وصولاً إلى ما أطلق عليه النثر الشعري أو الشعر المنثور عند جبران وجماعته ’ فضلاً عن أزمة المبدع العربي وتحولات العالم من حوله , كل ذلك كان بمثابة الإرهاصات المبكرة التي تشي بتحولات جذرية.
• تأثر قصيدة النثر العربية بنظيرتها الغربية أمر واقع لا يمكن إنكاره’ بيد أنه ليس بذلك الحجم الذي يتصوره الكثير’ بل أنه يأتي ضمن التأثيرات التي تشكل ملمحا ً من ملامح الاحتكاك الثقافي’ الذي ينضح به أدبنا العربي ’ دون أن ينال من الهوية والخصوصية .
• قصيدة النثر ’ طموح الشاعر العربي للوثوب إلى ما وراء الحدود ’و تملك مسوغات ميلادها عربيا ً.
• شكلت مجلة شعر اللبنانية ’ النواة الأولى لتبلور قصيدة النثر في الأدب العربي ’ وكان العراق الفضاء الأكثر خصوبة واتساعاً لاحتضانها .
• إذا كانت قصيدة النثر قد خرجت على النظام الموسيقي المألوف للشعر العربي ’ فإنها استطاعت أن تخلق لنفسها أطراً موسيقية خاصة ’ من خلال استثمار طاقات اللغة الإيقاعية ’ على وفق سياقات خاصة ’ و توظيفها في تشكيل بنيتها الموسيقية .
• موسيقى قصيدة النثر نوعان ’ مباشر ’ و غير مباشر ’ و كل نوع له آلياته و سياقاته’ فالمباشر ظاهر ملموس ’ له وقعه الهادئ و الخاص على أذن المتلقي ’ بوصفه حركة لفظية ’ من خلال إيقاعات آليتي التوازي و التكرار’ أما غير المباشر ’ فهو إيقاع خفي ’ حركة ذهنية ناتجة عن حركة القصيدة ’ بوصفها حركة نفسية’ ويتجلى في النص من خلال ’ الإيقاع البصري ’ و العناصر التشكيلية البصرية ’ الناتجة عن المنظور الخطي و الطباعي ’ و الأنظمة النبرية ’ و الوقف و التنغيم و التلوين الصوتي .
• لقصيدة النثر خصائص فنية ’ لا تتفرد بها و ليست حكرا ً عليها ’ ولكنها من أهم أسس الشعرية فيها .
• أفادت قصيدة النثر من تقنية السرد ’ بيد أن بنية قصيدة النثر السردية ’ لا تشي بتطور درامي للحدث ’ بل يقف عند حدود معينة ’ إلا أن إصرار بعض الشعراء على تمثل هذه الخاصية ’ دون قدرة فنية كافية ’ أوقعهم في شَرك التقريرية الحكائية ’ على حساب شعرية النص .
• المجانية واحدة من خصائص قصيدة النثر الفنية ’ و تعني اللا زمنية ’ و رفض الانتماء لزمن معين ’ وجغرافيا محدودة ’ و قد يكون هذا هو ما يطمح إليه الشاعر العربي ’ و ما كان ينقص القصيدة العربية .
• الدراسات المتعلقة بقصيدة النثر ’ شحيحة للغاية ’ و لاسيما في الجانب التطبيقي ’ الذي يكاد يكون شبه مغيب ’ الأمر الذي يجعل من قصيدة النثر ’ فضاءً خصبا ً للدراسة و التحليل
-----------------------------------------------------------------
الهــــوامــــش :
1- ينظر: قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا : سوزان بيرينار : ت/ زهير مجيد – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 1993- ص27
2- ينظر : نفسه ص28
3- نفسه ص 37
4- نفسه ص71
5- نفسه ص 89
6- نفسه ص 89
7- نفسه ص73
8- نفسه ص 83
9- ينظر : اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي : د/ محمد رضا مبارك : دار الشؤون الثقافية – بغداد 1993- ص 261
10- نفسه ص 260
11- نفسه ص 261
12- ينظر : الثابت و المتحول – صدمة الحداثة : أدونيس : دار العودة – بيروت - ص 209
13- ينظر : اللغة الشعرية : ص 260 مرجع سابق
14- نفسه ص 261
15- ينظر : في قصيدة النثر : سركان بولص : اطروحة دكتوراه – جامعة بغداد – كلية الآداب -1996 – ص 18
16- نفسه ص 18
17- ينظر : قصيدة النثر : ص 22’ 23 مرجع سابق
18- ينظر : في قصيدة النثر : ص 21 مرجع سابق
19- ينظر : اللغة الشعرية : ص 262 مرجع سابق
20- ينظر : من يفرك الصدأ : د/ علي جواد الطاهر : دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1988- ص231
21- ينظر : النص الأدبي من أين إلى أين : د/ عبد الملك مرتاض : ( د0ت) ص26
22- ينظر : اللغة الشعرية : ص 26, 27
23- نفسه ص 23
24- نفسه ص 263
25- ينظر : الصوت الآخر : فاضل ثامر : دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1993- ص 277
26- ينظر : قضايا الشعر المعاصر : نازك الملائكة : بغداد – 1965 – ص 53
27- ينظر : دير املاك : محسن أطيمش : دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1982 – ص 121
28- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثالث عشر : ج/2 - بغداد – دار الشؤون الثقافية العامة – 1997 – ص 95
29- نفسه : ص 130
30- : ينظر : وقائع مهرجان المربد الخامس عشر : ج/1 : ص 146 – مرجع سابق
31- ينظر : نفسه : ج/2 – ص 193
32- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثالث عشر : ج/1 –ص 123 مرجع سابق
33- ينظر : وقائع مهرجان المربد الرابع عشر : ج/1- ص 115 مرجع سابق
34- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثالث عشر : ج/1 – ص157
35- ينظر : وقائع مهرجان المربد الثاني عشر : ج/2 – ص50
36- نفسه : ج/1 ص 49
37- نفسه : ص 50
38- ينظر : وقائع مهرجان المربد الرابع عشر : ج/2 ص 40 – مرجع سابق
39- ينظر : وقائع المربد الخامس عشر : ج/2 – ص 95 مرجع سابق
40- ينظر : وقائع المربد الرابع عشر : ج/2 – ص120- مرجع سابق
41- ينظر : النقد و البلاغة : مهدي علام : القاهرة – 1975 – ص16
42- ينظر : الصوت الآخر : ص 297 – مرجع سابق
43- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 – ص189 – مرجع سابق
44- ينظر : المربد الخامس عشر : ج/3 – ص 126- مرجع سابق
45- نفسه: ص 203
46- ينظر : الخطيئة و التكفير : من البنيوية إلى التشريحية : د/ عبد الله الغذامي : النادي الأدبي – جدة – 1985- ص 7,8
47- ينظر : الأسلوب و الأسلوبية : د/ عبد السلام المسدي : الدار العربية للكتاب – تونس – ص 115
48- ينظر : قضايا الشعرية : جاكبسون : ت/ محمد الولي مبارك : دار توبفال – المغرب – 1988- ص 39
49- ينظر : الأزهار تورق داخل العاصفة : حسين مردان : بغداد- 1972- ص 12
50- ينظر : المربد الخامس عشر ج/1 ص105 – مرجع سابق
51- ينظر : المربد الثالث عشر ج/2 ص224- مرجع سابق
52- ينظر : مجلة الكلمة : ع/5 : بغداد - 1973- ص 32
53- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 : ص 387, 388 – مرجع سابق
54- نفسه : ج/2 ص 187
55- ينظر : أسئلة الشعر : منير العكش : المؤسسة العربية : بيروت – 1979 – ص134
56- ينظر : الفرح ليس مهنتي : محمد الماغوط : دمشق – 1970- ص44
57- ينظر : مناهج النقد الأدبي : ت/ محمد يوسف نجم : دار صادر – بيروت – 1967- ص163
58- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 ص 42 مرجع سابق
59- نفسه : ص 44
60- ينظر : قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا : ص 27 مرجع سابق
61- ينظر : المربد الثالث عشر : ج/1 ص 216
62- ينظر : قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا : ص 47 مرجع سابق
63- ينظر : مزامير الغاب : دنيا متي ميخائيل : بغداد – 1993- ص 17
تعليق