عالم مجنون.. مجنون..!!
المَصِيف..هي كلمة تنسب إلى مكان الإقامة في الصيف..و هي تنطق هكذا.. بفتح الميم و كسر الصاد – ليس كما ينطقها العامة المصْيَّف بتسكين الصاد وفتح الياء..!!
معذرة لعلكم تتساءلون ..هل هذا درس في اللغة العربية..؟! أم حلقة من البرنامج الإذاعي الشهير قل ولا تقل..؟!!
ها ها..لا هذا ولا ذاك..!! لكن ربما حرارة الجو الخانقة هي ما دفعتني لعمل هذه الدراسة.. التي للأسف لا تصلح أن تكون قصة ( أديني بقول أهوه من الأول يا جهابذة القصة)..لكن لما لا..؟! ألا تتوافر فيها عناصر القصة..؟ فالبيئة المكانية ها هي.. كما سبق و نوهت.. واحد من المصايف.. والبيئة الزمانية..أحد أيام شهر أغسطس الحارقة..أما الأبطال فهم كثر..!! و المقدمة لعلي لا أكون قد اطلت عليكم بها.. والنهاية عندما يتوقف القلم عن الكتابة..!! والمغزى يدور حول تحرر البشر من كل الأعباء والأعراف والتقاليد.. لماذا يحتاج الإنسان أن يخلع في ذاك المكان عنه كل ما كان يتمسك به و يحافظ عليه و يختفي خلفه ....؟! مثلما يخلع عنه ثيابه و يلقيها على شاطئ البحر و يرتمي في مياهه الدافئة كما ولدته أمه.. أو ما بعد الولادة بقليل..!!
...هيا بنا ننطلق و دعونا نبحث في الأسباب و نطرق الأبواب و نغوص في أعماق البحار و نسبر الأغوار..!!
أولاً..بالنظر بعين فاحصة ماحصة مدققة – ربما هذا ما أصابها برمد ربيعي من هول ما رأت من السيقان العارية والأجساد الفارعة و القنابل الموقوتة..!!- أحم أحم.. عفواً.. فلنعد إلى لب الموضوع..؟! تجد الخلق فى زحام كيوم الحشر..فى موجات متلاحقة بمختلف الدرجات اللونية والحجمية..بعضهم يتقافز في المياه كالدلافين..والبعض ككلاب البحر..و آخرين كأفراس النهر - إن جاز لها أن تنزل البحر- حتى أنك تجد صعوبة بالغة في رؤية زرقة مياه البحر الصافية – و كأنهم أفرغوه على رمال الشاطئ..!!-و الشاطئ ليس بأحسن حالاً..فهناك تجد الأجساد الشبه عارية مرتمية على الرمال الساخنة كالجمر.. و قد استحالت إلى اللون الاحمرالداكن.. كحساء اللحم المسلوق الذي لم يصل الى درجة النضج بعد..!! أو تجدها وقد تفحمت.. واكتسبت لوناً قاتماً كصدأ الحديد..!! و ربما تجدها و قد تسلخت مثلماً تغير الزواحف جلودها في فترات نموها..!!
..إحترس و أنظر إلى موطئ قدميك.. فقد تجد هناك رأسا بلا جسد ..أو تجد فخاً منصوباً لك تحت الرمال فهنا كل شئ جائز وكل الألعاب مباحة ..!! قد تصيبك أحدى الكرات الطائشة سواء ممن يلعبون كرة القدم أو الركت.. فتفقد إحدى عينيك أو تضيع لا قدر الله هيبتك ..!!
والأطفال تجدهم في مختلف أعمارهم.. يحاولون إفراغ مياه البحر بدليهم.. لكن هيهات..!! و أبداً لا يملون من تكرار المحاولة الفاشلة..!! و آخرين يصنعون حفراً بمعاولهم الصغيرة.. لتمتلئ بالمياه عند انحسار المد.. وغيرهم يصنعون قلاعاً من الرمل.. ليثبتوا به ذواتهم.. و يعلنوا عن وجودهم و يستعيدوا أمجاد أجدادهم العظام..؟!
وإذا أردنا أن نحتمي قليلاً من قيظ الشمس.. فتعالوا بنا نختبئ تحت تلك المظلات الملاصقة بعضها البعض كنبات عش الغراب – هذا إن وجدنا موطئ قدم تحت الظل حيث الحركة متعذرة ..وإذا ما تمطى أحدهم تحت أحدى المظلات لإصطدمت يده برأس آخر يتثاءب في المظلة بعد المجاورة..!!
هناك تتعالى أصوات أجهزة التسجيل بمختلف النغمات.. وإن كانت تتشابه جميعها في النبرات العالية والإيقاعات السريعة والأصوات التي لا تستطيع التمييز فيها ما بين الرجال والنساء..!! أو تجد أحدى تلك الأغاني الغربية ذات الآلات الصاخبة والصرخات الضارية التي قد تحسبها لأنثى تضع مولودها الأول في العراء..!!
الكل ممد على تلك الكراسي القماشية في استرخاء تام.. والأغلبية منهمكة في أحاديث ثانوية تافه و البعض نائمٌ بالفعل.. وآخرين يتصنعون النوم..!! يختبئون خلف نظارتهم الشمسية يراقبون العروض الصيفية للأزياء التي تمر من أمامهم دون عناء..!! و السائرون كذلك يفعلون الشئ ذاته..؟! ينظرون و ينتقون ..فيجيئون ويذهبون في جنون.. فقد يجدون ابتسامة أو نظرة فتصبح بعد ذاك موعداً فلقاء..!!- رحماك رب السماء- أو لا يجدوا ضالتهم فيعيدون الكرّة أكيد في يوم جديد..؟!
..و المصورون الذين يقتحمون عليك عزلتك متوددين إليك بألفاظهم اللزجة التي تلتصق بألسنتهم كرمال البحر بالأجساد المبتلة..و ابتسامتهم السمجة كابتسامة اليهود..!! و نظراتهم المتلصصة..الباحثة عن فريسة سهلة تقع ضحية لعدساتهم الشائهة..!!
أما البائعون فحدث عنهم ولا حرج..!! يفرضون عليك بضائعهم فرضاً و يلتصقون بك التصاقاً أينما ذهبت فلا تجد خلاصاً إلا أن تشتري بضائعهم بأسعار مضاعفة بالطبع ..فنحن هنا في المصيف.. حيث كل شئ مرتفع حتى الحرارة..!!
..يتحول الشاطئ إلى سوق كبير يباع فيه كل أنواع البضائع الغالي منها والرخيص ..و تجد كافة أنواع المأكولات ..بل قد تجد من يطهون طعامهم هناك.. حتى يستحيل الشاطئ في نهاية اليوم إلى منتجع للنفايات..؟!
أرجو ألا تكونوا قد تعبتم من مشاهدة هذا السيرك الآدمي الذي يعرض كل يوم و حتى مغيب الشمس.. حين تسقط تعبة في مياه البحر بعد عناء يوم طويل ..و تحمر خجلاً من هول ما رأت.. فتقرر الإنتحار..!!
..أما في الليل .. فيتغير المشهد من حال إلي حال.. الثياب قد تبدلت ..والوجوه الكالحة تزينت.. والأرجل العارية ارتدت الأحذية و الدراجات..و العربات ..و بدأ عرض الماتينيه في ذاك السيرك الهزلي ..الكل ينظر إلى الكل.. والركب يسير.. ولا تدري ولا هم يدرون إلى أين ..؟! الكل ينتظر شيئاً ما أن يحدث..لكن ماهو..؟ً! لا أحد يدري ..الكل يسير و يدور حتى يصاب بالدوار..!!و كذلك العقول و العيون من كثرة الأضواء و الوجوه و الألوان ..و الزحام في كل مكان.. الكل يتخبطون و يتدافعون نحو هدف غير معلوم..؟! لكن يحكمهم جميعاً قانون موحد..؟! يضحكون من لا شئ.. و يرقصون على لا شئ ..و يغنون لا شئ..ولا يفعلون شيئاً..!! و الصخب في كل مكان و العجب العجاب ممكن أن تراه هناك.. حيث كل شئ مباح و متاح.. فأنت هنا في أرض الأحلام ..حيث ممكن أن يحدث أى شئ ..و كل شئ..!! أنت هنا تتحرر من نفسك من أسمك من حاضرك و ماضيك..فلا أحد يعرف من أنت..؟! ولا من أين أتيت..؟! فلتكن على سجيتك ولا تتقيد بفكر ولا تعمل عقل.. أنت هنا في إجازة..إجازة من كل شئ ..لتخرج كل رغباتك المكبوتة من معقلها.. و ليكن ما يكون و لتكن من تكون..!! ألستم معي أنه عالم مجنون.. مجنون..؟!
تعليق