من أصداء القبور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حيزي منجية
    أديب وكاتب
    • 23-09-2010
    • 50

    من أصداء القبور

    من أصداء القبور
    بدت نظراتها ثاقبة محدّدة . وخطواتها واثقة توحي بأنّها تقصد مكانا بعينه . رمت بعينيها في المنحدر كمن يريد أن يقيس ما بقي يفصله عن مكان ضربه لموعد أكيد . حثّت الخطى فتسارع وقع أقدامها وتجانس مع صوت اصطدام زخّات المطر على إسفلت الطّريق تجعّدت خصلات شعرها ، وانسابت على وجهها تقطر ماء ، فما اكترثت لها ولا لقطرات المطر تدمي وجنتيها وجبينها ...
    كان الطّريق خال إلاّ منها . لم يهزّها لمعان البرق ولا صوت الرّعد يرتدّ بين جدران المدينة العتيقة . ولم تطأطئ رأسها أو تغيّر من وجهة نظرها إلاّ لتنظر في ساعة يدها . أمعنت النّظر فيها ، إلاّ أنّها امتعضت لمّا اكتشفت أنّ عقاربها توقّفت عن الدّوران منذ وقت متقدّم من هذا النّهار .
    أجالت النّظر من حولها مستطلعة ، ثمّ ... دون أن تهدّئ من خطاها ، رفعت بصرها إلى السّماء علّها تجد ما يؤشّر للوقت غير أنّ الغيوم حالت دون معرفة الأصيل من الغروب . ازدادت سرعة تواتر وقع أقدامها كأنّها تسابق الزّمن وتخشى أن يسبقها ...
    لمّا تجاوزت حدود المدينة ، سلكت طريقا فرعيّة . وإذا وقع أقدامها يتشابك مع وقع أقدام أخرى ... أكثر هدوء ... أكثر بطء ... لم يشدّها هذا الإيقاع الجديد الذي طرأ ، لم يربكها ، لم يخفّف من عزمها ، ولا من جدّيّة سعيها كأنّما لم تسمعه .
    إنّه رجل كهل شدّه منظرها وهي تقطر ماء :
    ـ هل باغتك المطر ؟ ... باغتها .
    لم تعره سؤاله أيّ اهتمام ، ولم يرتسم على ملامحها ما يمكن أن يشير إلى أنّه قد سرّها اهتمامه أو أغضبها تطفّله .
    شجّع صمتها وقع أقدامه فسايرت وقع أقدامها وظلّ الصّوت يتابعها متحدّيا صوت الرّعد :
    ـ تعالي ... أحميك تحت مطريتي ؟
    تسارع وقع أقدامه يهرول خلفها . سبقها ليواجهها بنظراته ، يستطلع أثر كلماته في عينيها . وإذا ملامح وجهها متحجّرة ونظراتها جافة زائغة وكأنّها لا تراه .اقتربت منه حتّى كادت تصدمه لولا تنحّيه عن طريقها . تابعها بنظرة لاهثة يائسة . وظلّ مسمّرا يتابع طيفها الجافّ يبتعد ، وقد ازداد تهاطل المطر فابتلعه . استدار بعدها وانصرف وقد تاه ايقاع أقدامها في صوت الرّعد ...
    إنّها تدخل المقبرة العتيقة ...
    شقّت طريقها في غير تعثّر ، إنّها تخطو خطو المختبر للمكان ، رغم أنّ عينيها مسمّرتان في اتّجاه بعينه لا تهتمّان لغيره ولا حتّى إلى موضع قدميها اللتين تقاومان الوحل . مشت في غير اكتراث لما حولها إلى أن وصلت إلى قبرين بارزين ، وحيدين ، فوق ربوة صغيرة تتوسّط المقبرة . رمت بحذائها ذي الكعب العالي المشبع وحلا ...
    توسّطت القبرين جاثية على ركبتيها . ثمّ فتحت على مهل حقيبة صغيرة كانت تحملها . إنّها تخرج منها رخامتين ، كأنّهما شاهدا قبر . وضعت في عناء إحداهما على القبر الأيسر وقرأت :
    " هذا قبر امرأة ماتت قبل أن تولد "
    وأخرجت الثانية لاهثة ، ووضعتها على القبر الأيمن وقرأت :
    " هذا قبر رجل عاش مرّتين "
    ثمّ عدّلت من جلستها . وضع ت يديها على صدرها . ونظرت إلى السّماء وبكت طويلا حتّى سالت دموعها على وجنتيها واختلطت بقطرات المطر .إنّها تضرب بيديها على صدرها وهي تنتحب . ظلّت كذلك حينا ، ثمّ استوت واقفة وتوجّهت إلى الشّرق الملبّد بالغيوم ، فأخذت بعض التّراب المشبع بالماء ورسمت به قلبا ورأسا على كلي القبرين . ثمّ طفقت تقبّل الرّأس والقلب من كلّ قبر ، بعد أن تجرّدت من كلّ ملابسها ...
    طافت بالقبرين كما تطوف النّحلة ترشد الخليّة إلى موقع الرّحيق . ثمّ توقّفت وأطالت النّظر إلى السّماء وهي عارية ، يلمع جسدها للمعان البرق ، ويهتزّ لصوت الرّعد . ظلّت كذلك حينا ، ثمّ ابتسمت وهي تسوّي مكانا بين القبرين . توسّطتهما وتمدّدت بينهما . وضعت يمناها على موضع قلبها ، ويسراها على رأسها . فدوت كما الصّاعقة ...
    مكانها أصبح قبرا وإذا القبران استويا رجلا وامرأة شابّين ، عاريين جلسا متقابلين على حافّتي القبر . مدّ كلّ منهما يمناه إلى يسرى الثّاني . ابتسما دون أن ينبسا بكلمة . واستويا بعد ذلك واقفين وبحركة واحدة حمل كلّ منهما الشّاهد الذي كان على قبره ووضعه على القبر الجديد فقصف رعد ارتدّ صداه بين القبور ، ولمع برق امتدّ ضياؤه بين القبر والسّماء . وإذا الرّخامتان تحوّلتا إلى قبر واحد قرآ عليه معا :
    " هذا قبر رجل وامرأة عاشا معا وماتا معا "
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    اهلا ومرحبا بك الأستاذة حيزي عندنا من جديد..
    دخلت للترحيب بك الآن لي عودة لقصتك المصاغة بطريقة
    مدهشة، رائعة، وغامضة.. لو فهمتها...؟!

    أسعدتني عودتك، احترامي وتقديري.
    تحياااتي.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • محمد فطومي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 05-06-2010
      • 2433

      #3
      من أصداء القبور،نصّ كبير.
      كنت على يقين منذ البداية أنّ وضوحه سيحيل في النّهاية على غموض جميل.
      سرد قويّ،صارم،يحترم أدب الأدب،تحرسه من فوق و حتّى النّهاية كاتبة تجيد الرّبط و الحبك و التّصوير بالّلغة.
      و لديها القدرة و الأدوات اللاّزمة لتحويل الّلغز إلى حقيقة،ليس بوسعنا سوى تصديقها.
      بارعة كنت أستاذة منجيّة.
      تحيّاتي لك.
      ***
      شقّت طريقها في غير تعثّر ، إنّها تخطو خطو المختبر للمكان

      زمن القصّة هو الزّمن الماضي،و الجملة المقذوفة هنا في الحاضر الآنيّ لم تخدم النصّ في نظري..كنت أحبّذ لو جاءت على هذا النّحو مثلا:
      شقّت طريقها في غير تعثّر ،بخطو المختبر للمكان...

      مثال آخر من النصّ:
      وضعت يديها على صدرها . ونظرت إلى السّماء وبكت طويلا حتّى سالت دموعها على وجنتيها واختلطت بقطرات المطر .إنّها تضرب بيديها على صدرها وهي تنتحب


      ربّما كنت أحبّذ لو جاءت :
      ....ضاربة بيديها على صدرها و هي تنتحب.

      أشكرك منجيّة سلفا لأنّك تحمّلتني.
      مدوّنة

      فلكُ القصّة القصيرة

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        مدّ كلّ منهما يمناه إلى يسرى الثّاني . ابتسما دون أن ينبسا بكلمة . واستويا بعد ذلك واقفين وبحركة واحدة حمل كلّ منهما الشّاهد الذي كان على قبره ووضعه على القبر الجديد فقصف رعد ارتدّ صداه بين القبور ، ولمع برق امتدّ ضياؤه بين القبر والسّماء . وإذا الرّخامتان تحوّلتا إلى قبر واحد قرآ عليه معا :
        " هذا قبر رجل وامرأة عاشا معا وماتا معا "




        الحبّ الحقيقيّ لا يفنى..
        يبقى خالداً حتى بعد الموت
        حين يجتاح السكون الأرواح التي كابدتها في عالم التراب
        مهاجرة إلى فضاء لاتحدّه القوانين الخرقاء للأرض
        نصّ قويّ
        صيغ من أنامل خُلقت، لتكتب بجمالٍ ، وروعة..
        حيّاااااااااااكِ غاليتي.

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • مالكة حبرشيد
          رئيس ملتقى فرعي
          • 28-03-2011
          • 4544

          #5
          نص قوي وعميق
          استمتعت كثرا وانا بين شخوصك
          دمت ودام الابداع عزيزتي حيزي منجية
          مودتي وكل التقدير

          تعليق

          • ريما ريماوي
            عضو الملتقى
            • 07-05-2011
            • 8501

            #6
            هذا النص رائع جدا قرأته عدة مرات،
            وما زالت بعض التعابير فيه غامضة بالنسبة لي...

            - هذا قبر رجل عاش مرتين .... كيف؟
            هل عاش بروحه وروحها معا ؟!
            -هذا قبر امرأة ماتت قبل أن تولد.. كيف ؟!
            هل أفنت نفسها من أجله ولم تهتم بنفسها؟!

            وهما بهذا الفناء والاندماج ببعضهما بعضا عاشا معا وماتا معا؟!

            العري هنا ما هي دلالاته.. هل يدل على الحقيقة العارية مثلا؟!

            نص مدهش عميق بحاجة إلى تحليل وتفكيك وتفنيد ...

            شكرا على إمتاعنا الأستاذة الرائعة حيزي منجية.

            مودتي واحترامي وتقديري.

            تحيتي.


            أنين ناي
            يبث الحنين لأصله
            غصن مورّق صغير.

            تعليق

            • وسام دبليز
              همس الياسمين
              • 03-07-2010
              • 687

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة حيزي منجية مشاهدة المشاركة
              من أصداء القبور
              بدت نظراتها ثاقبة محدّدة . وخطواتها واثقة توحي بأنّها تقصد مكانا بعينه . رمت بعينيها في المنحدر كمن يريد أن يقيس ما بقي يفصله عن مكان ضربه لموعد أكيد . حثّت الخطى فتسارع وقع أقدامها وتجانس مع صوت اصطدام زخّات المطر على إسفلت الطّريق تجعّدت خصلات شعرها ، وانسابت على وجهها تقطر ماء ، فما اكترثت لها ولا لقطرات المطر تدمي وجنتيها وجبينها ...
              كان الطّريق خال إلاّ منها . لم يهزّها لمعان البرق ولا صوت الرّعد يرتدّ بين جدران المدينة العتيقة . ولم تطأطئ رأسها أو تغيّر من وجهة نظرها إلاّ لتنظر في ساعة يدها . أمعنت النّظر فيها ، إلاّ أنّها امتعضت لمّا اكتشفت أنّ عقاربها توقّفت عن الدّوران منذ وقت متقدّم من هذا النّهار .
              أجالت النّظر من حولها مستطلعة ، ثمّ ... دون أن تهدّئ من خطاها ، رفعت بصرها إلى السّماء علّها تجد ما يؤشّر للوقت غير أنّ الغيوم حالت دون معرفة الأصيل من الغروب . ازدادت سرعة تواتر وقع أقدامها كأنّها تسابق الزّمن وتخشى أن يسبقها ...
              لمّا تجاوزت حدود المدينة ، سلكت طريقا فرعيّة . وإذا وقع أقدامها يتشابك مع وقع أقدام أخرى ... أكثر هدوء ... أكثر بطء ... لم يشدّها هذا الإيقاع الجديد الذي طرأ ، لم يربكها ، لم يخفّف من عزمها ، ولا من جدّيّة سعيها كأنّما لم تسمعه .
              إنّه رجل كهل شدّه منظرها وهي تقطر ماء :
              ـ هل باغتك المطر ؟ ... باغتها .
              لم تعره سؤاله أيّ اهتمام ، ولم يرتسم على ملامحها ما يمكن أن يشير إلى أنّه قد سرّها اهتمامه أو أغضبها تطفّله .
              شجّع صمتها وقع أقدامه فسايرت وقع أقدامها وظلّ الصّوت يتابعها متحدّيا صوت الرّعد :
              ـ تعالي ... أحميك تحت مطريتي ؟
              تسارع وقع أقدامه يهرول خلفها . سبقها ليواجهها بنظراته ، يستطلع أثر كلماته في عينيها . وإذا ملامح وجهها متحجّرة ونظراتها جافة زائغة وكأنّها لا تراه .اقتربت منه حتّى كادت تصدمه لولا تنحّيه عن طريقها . تابعها بنظرة لاهثة يائسة . وظلّ مسمّرا يتابع طيفها الجافّ يبتعد ، وقد ازداد تهاطل المطر فابتلعه . استدار بعدها وانصرف وقد تاه ايقاع أقدامها في صوت الرّعد ...
              إنّها تدخل المقبرة العتيقة ...
              شقّت طريقها في غير تعثّر ، إنّها تخطو خطو المختبر للمكان ، رغم أنّ عينيها مسمّرتان في اتّجاه بعينه لا تهتمّان لغيره ولا حتّى إلى موضع قدميها اللتين تقاومان الوحل . مشت في غير اكتراث لما حولها إلى أن وصلت إلى قبرين بارزين ، وحيدين ، فوق ربوة صغيرة تتوسّط المقبرة . رمت بحذائها ذي الكعب العالي المشبع وحلا ...
              توسّطت القبرين جاثية على ركبتيها . ثمّ فتحت على مهل حقيبة صغيرة كانت تحملها . إنّها تخرج منها رخامتين ، كأنّهما شاهدا قبر . وضعت في عناء إحداهما على القبر الأيسر وقرأت :
              " هذا قبر امرأة ماتت قبل أن تولد "
              وأخرجت الثانية لاهثة ، ووضعتها على القبر الأيمن وقرأت :
              " هذا قبر رجل عاش مرّتين "
              ثمّ عدّلت من جلستها . وضع ت يديها على صدرها . ونظرت إلى السّماء وبكت طويلا حتّى سالت دموعها على وجنتيها واختلطت بقطرات المطر .إنّها تضرب بيديها على صدرها وهي تنتحب . ظلّت كذلك حينا ، ثمّ استوت واقفة وتوجّهت إلى الشّرق الملبّد بالغيوم ، فأخذت بعض التّراب المشبع بالماء ورسمت به قلبا ورأسا على كلي القبرين . ثمّ طفقت تقبّل الرّأس والقلب من كلّ قبر ، بعد أن تجرّدت من كلّ ملابسها ...
              طافت بالقبرين كما تطوف النّحلة ترشد الخليّة إلى موقع الرّحيق . ثمّ توقّفت وأطالت النّظر إلى السّماء وهي عارية ، يلمع جسدها للمعان البرق ، ويهتزّ لصوت الرّعد . ظلّت كذلك حينا ، ثمّ ابتسمت وهي تسوّي مكانا بين القبرين . توسّطتهما وتمدّدت بينهما . وضعت يمناها على موضع قلبها ، ويسراها على رأسها . فدوت كما الصّاعقة ...
              مكانها أصبح قبرا وإذا القبران استويا رجلا وامرأة شابّين ، عاريين جلسا متقابلين على حافّتي القبر . مدّ كلّ منهما يمناه إلى يسرى الثّاني . ابتسما دون أن ينبسا بكلمة . واستويا بعد ذلك واقفين وبحركة واحدة حمل كلّ منهما الشّاهد الذي كان على قبره ووضعه على القبر الجديد فقصف رعد ارتدّ صداه بين القبور ، ولمع برق امتدّ ضياؤه بين القبر والسّماء . وإذا الرّخامتان تحوّلتا إلى قبر واحد قرآ عليه معا :
              " هذا قبر رجل وامرأة عاشا معا وماتا معا "
              في لوحة فنية تجلى بها الإبداع والغموض وقت استشف هذا الجمال المنبعث من تلك التفاصيل
              دام هذا الإبداع استاذتي الكريمة

              تعليق

              • هائل الصرمي
                أديب وكاتب
                • 31-05-2011
                • 857

                #8
                رائع روعة السبك التصويري الدقيق نص فيه حركة من ألفه إلى يائه
                الغموض ليس كثيفا لذلك جاء رائعا مقبولا
                ممتعة في الحبك والسرد
                أشكرك على هذا النص الفاره والقصة المتميزة

                تعليق

                يعمل...
                X