من أصداء القبور
بدت نظراتها ثاقبة محدّدة . وخطواتها واثقة توحي بأنّها تقصد مكانا بعينه . رمت بعينيها في المنحدر كمن يريد أن يقيس ما بقي يفصله عن مكان ضربه لموعد أكيد . حثّت الخطى فتسارع وقع أقدامها وتجانس مع صوت اصطدام زخّات المطر على إسفلت الطّريق تجعّدت خصلات شعرها ، وانسابت على وجهها تقطر ماء ، فما اكترثت لها ولا لقطرات المطر تدمي وجنتيها وجبينها ...
كان الطّريق خال إلاّ منها . لم يهزّها لمعان البرق ولا صوت الرّعد يرتدّ بين جدران المدينة العتيقة . ولم تطأطئ رأسها أو تغيّر من وجهة نظرها إلاّ لتنظر في ساعة يدها . أمعنت النّظر فيها ، إلاّ أنّها امتعضت لمّا اكتشفت أنّ عقاربها توقّفت عن الدّوران منذ وقت متقدّم من هذا النّهار .
أجالت النّظر من حولها مستطلعة ، ثمّ ... دون أن تهدّئ من خطاها ، رفعت بصرها إلى السّماء علّها تجد ما يؤشّر للوقت غير أنّ الغيوم حالت دون معرفة الأصيل من الغروب . ازدادت سرعة تواتر وقع أقدامها كأنّها تسابق الزّمن وتخشى أن يسبقها ...
لمّا تجاوزت حدود المدينة ، سلكت طريقا فرعيّة . وإذا وقع أقدامها يتشابك مع وقع أقدام أخرى ... أكثر هدوء ... أكثر بطء ... لم يشدّها هذا الإيقاع الجديد الذي طرأ ، لم يربكها ، لم يخفّف من عزمها ، ولا من جدّيّة سعيها كأنّما لم تسمعه .
إنّه رجل كهل شدّه منظرها وهي تقطر ماء :
ـ هل باغتك المطر ؟ ... باغتها .
لم تعره سؤاله أيّ اهتمام ، ولم يرتسم على ملامحها ما يمكن أن يشير إلى أنّه قد سرّها اهتمامه أو أغضبها تطفّله .
شجّع صمتها وقع أقدامه فسايرت وقع أقدامها وظلّ الصّوت يتابعها متحدّيا صوت الرّعد :
ـ تعالي ... أحميك تحت مطريتي ؟
تسارع وقع أقدامه يهرول خلفها . سبقها ليواجهها بنظراته ، يستطلع أثر كلماته في عينيها . وإذا ملامح وجهها متحجّرة ونظراتها جافة زائغة وكأنّها لا تراه .اقتربت منه حتّى كادت تصدمه لولا تنحّيه عن طريقها . تابعها بنظرة لاهثة يائسة . وظلّ مسمّرا يتابع طيفها الجافّ يبتعد ، وقد ازداد تهاطل المطر فابتلعه . استدار بعدها وانصرف وقد تاه ايقاع أقدامها في صوت الرّعد ...
إنّها تدخل المقبرة العتيقة ...
شقّت طريقها في غير تعثّر ، إنّها تخطو خطو المختبر للمكان ، رغم أنّ عينيها مسمّرتان في اتّجاه بعينه لا تهتمّان لغيره ولا حتّى إلى موضع قدميها اللتين تقاومان الوحل . مشت في غير اكتراث لما حولها إلى أن وصلت إلى قبرين بارزين ، وحيدين ، فوق ربوة صغيرة تتوسّط المقبرة . رمت بحذائها ذي الكعب العالي المشبع وحلا ...
توسّطت القبرين جاثية على ركبتيها . ثمّ فتحت على مهل حقيبة صغيرة كانت تحملها . إنّها تخرج منها رخامتين ، كأنّهما شاهدا قبر . وضعت في عناء إحداهما على القبر الأيسر وقرأت :
" هذا قبر امرأة ماتت قبل أن تولد "
وأخرجت الثانية لاهثة ، ووضعتها على القبر الأيمن وقرأت :
" هذا قبر رجل عاش مرّتين "
ثمّ عدّلت من جلستها . وضع ت يديها على صدرها . ونظرت إلى السّماء وبكت طويلا حتّى سالت دموعها على وجنتيها واختلطت بقطرات المطر .إنّها تضرب بيديها على صدرها وهي تنتحب . ظلّت كذلك حينا ، ثمّ استوت واقفة وتوجّهت إلى الشّرق الملبّد بالغيوم ، فأخذت بعض التّراب المشبع بالماء ورسمت به قلبا ورأسا على كلي القبرين . ثمّ طفقت تقبّل الرّأس والقلب من كلّ قبر ، بعد أن تجرّدت من كلّ ملابسها ...
طافت بالقبرين كما تطوف النّحلة ترشد الخليّة إلى موقع الرّحيق . ثمّ توقّفت وأطالت النّظر إلى السّماء وهي عارية ، يلمع جسدها للمعان البرق ، ويهتزّ لصوت الرّعد . ظلّت كذلك حينا ، ثمّ ابتسمت وهي تسوّي مكانا بين القبرين . توسّطتهما وتمدّدت بينهما . وضعت يمناها على موضع قلبها ، ويسراها على رأسها . فدوت كما الصّاعقة ...
مكانها أصبح قبرا وإذا القبران استويا رجلا وامرأة شابّين ، عاريين جلسا متقابلين على حافّتي القبر . مدّ كلّ منهما يمناه إلى يسرى الثّاني . ابتسما دون أن ينبسا بكلمة . واستويا بعد ذلك واقفين وبحركة واحدة حمل كلّ منهما الشّاهد الذي كان على قبره ووضعه على القبر الجديد فقصف رعد ارتدّ صداه بين القبور ، ولمع برق امتدّ ضياؤه بين القبر والسّماء . وإذا الرّخامتان تحوّلتا إلى قبر واحد قرآ عليه معا :
" هذا قبر رجل وامرأة عاشا معا وماتا معا "
تعليق