تُرى محمد فطومي تثير ألف سؤال ...؟
دعك من الأسئلة . هنا لا أحد يسأل لماذا حدث أي شيء
.أنت غريب و أنا أعرف الغرباء من عيونهم الضائعة.إنّها مهمّتي.
حيدر حيدر
ترى محمد فطومي تستثير ألف سؤال ليست أسئلة عادية بل هي أسئلة مركبة
السؤال هو الطريق إلى المعرفة ولعلنا ومنذ نعومة أظافرنا ولعنا بالأسئلة بعضها قد يكون ساذجا والبعض الأخر يحتاج إلى عقل راجح ومتميز للإجابة عليه
وحين نقرأ نصا كنص أ. محمد نعتقد
إننا أمام طفل بريء يحاول أن يستجلي الأمور بقناعة ساذجة يصدق كل شيء يقال له بحدود معرفية بسيطة ولكنها اللبنة الأولى للبناء المعرفي الإنساني ، الكاتب هنا جمع بذكاء بين الفلسفة المبنية على أسس مادية فالبطل الصغير يحاول أن يجد حلا لأبيه يقلل من جهده ووقته هي قراءة بسيطة
للنظرية الاقتصادية الرأسمالية والتي ترى أن الجهد المبذول يجب أن يكون أكبر من المنفعة التي يجنيها الفرد من نتاج عمله
واقع معاش ،هذه النظرية التي جعلت القوى المنتجة أكثر ركودا واضمحلالا بعد أن تغلبت المنافع الشخصية على المنفعة العامة ،
البطل الصغير عاش بآماله الصغيرة العفوية والتي تتفق ومداركه الحسية منطلقة من مبدأ صوفي تأملي حيث يعتقد بتماثل النظرية والممارسة ، أماني الفقراء الذين يتمنون أن يكون الجهد المبذول أقل من الفائدة أو مساو لها على أقل تقدير
النص هو سؤال يخترق حدود اللا معقول في وقت لا مكان للسؤال إلا في عقل طموح متأمل ، يريد أن يتساوى مع بقية خلق الله ، سؤال أراد أن يلغي مشروعيته الكاتب مذ البداية حيث أستهل قصته بقول للكاتب السوري حيدر حيدر *1
، وربما ترك هذا الاقتباس ثغرة في النص وهو عدم تعريفه بالكاتب الذي أخذ منه مقدمته أو مستهله ولا أسم للمصدر المقتبس منه و رغم ذا فقد جاءت هذه المقدمة منسجمة كل الانسجام مع النص بل كانت مفتاحا له ومدخلا ـ يمكن أن نلج به سوية لنقرأ ما في مكنونات القاص الدفينة
طرح أديبنا شخصية بطله وهي قد تكون شخصية ردائية أي أن القاص قد يكون عاش طفولة كطفولة بطله وربما جميعا مررنا بفترة من مراحل حياتنا نحلم بمثل هذه الأحلام ، فتراءت لنا تلك الرغبات المكبوتة في الأنا اللاواعي ، لتظهر بين آونة وأخرى على شكل أحلام أو آمان رغم قناعتنا باستحالة تحقيقها حتى ما بعد فترة الطفولة ونضوج الوعي ـ فهذه الأحلام هي انعكاس للواقع الذي يرفضه الفرد ، ويشكل كم الرفض لديه حالة من الاستبدال الوظيفي وبشكل لاواعي لتظهر بشكل تصورات ذهنية وهي يقينا غير قابلة للتحقيق ، ومن هنا عكس الكاتب رفضه لواقعه المرير والذي ربما عانى منه في طفولته ، أو أنه شعر بهذا الواقع حيث يمرر مسباره إلى العمق فرسمها بريشة فنان بارع دون مبالغة ،هي أتت هكذا بتلقائية مميزة ، قريبة إلى النفس لم يحملها الكاتب أكثر من براءتها ولم يعطها السمات السوبرمانية إلا من خلال أحلام البطل الساذجة الذي تمنى أن يجمع علب الحليب الفارغة ليستبدلها بسيارة إلى أبيه الذي يعمل ليل نهار ويأتي بالقفة فارغة ، وليبرهن لأبيه أن الحياة لا تحتاج منه إلى هذا المجهود الذي يبذله ويأخذه من عائلته كل هذا الوقت
لأبرهن له أنّ الحياة سهلة،و أن لا قيمة للأشياء. و أن لا معنى لغيابه طوال النّهار من أجل قفّة هزيلة
بهذه القفلة أنهى مرحلة من مراحل حياته مرحلة الطفولة وبراءتها الحياة لم تعطه شيئا لأنها مجرد أمان بل جعلته يتقبل هذا الواقع مرغما ،
في المرحلة الأخرى من مراحل حياته تبقى ذات الفطرة مسيطرة على تفكيره ، هي ذات أحلام الطفولة ، لم تتعدى حدود بيئته ، هو يحاول أن يكون خارقا لا حدود لقدراته يغير الكثير من المفاهيم يلغي الفقر من القاموس بأحلام ساذجة ، فبعد أن استمرت الحياة بدورتها الطبيعة وبقوانينها العامة لا مكان للأماني فيها ولا الرغبات ولن يحدث أي تغير بدون عمل
وما نيل المطالب بالتمني إنما تؤخذ الدنيا غلابا *2
وهو ما أراد أن يؤكده الكاتب في لازمة تكررت أكثر من مرة
مع ذلك خذلتني الدّنيا و جعلتني أذعن لضرورة العسر
هذه المرة لم تكن حاجته للمادة هو انتشال نفسه من عالم الفقر بل جاءت ليحظى بقبول حبيبته بعد أن كان هذا الفقر عائقا
لكسب ودها الغنى هنا سيكون سببا لجمعه مع حبيبته غفران
والفقر الخصم العنيد الذي يبعده عنها… لأنه من المستحيل أن يحقق لها ما تصبو إليه من زينة أساور أو عقد أو أقراط من ذهب أو لؤلؤ حتى وإن كان مزيفا صعبا عليه لأنه يمر بفقر مدقع ، هذا الفقر جعله يعرف قيمة نفسه ورغم أحلامه لكنه لا يتجاوز على حدود الواقع والمنطق وإلا أعتبر مجنونا ، يحتفظ بأحلامه لنفسه حتى أنه لا يستطيع البوح بها لأقرب الناس إليه ، تبقى رغباته رهن تجارب تبقى دفينة في نفسه فإن تحققت فهو بذلك قد يصبح من الخوارق سيصبح ك روبن هود (هكذا حدثته أحلام يقظته ) البطل الذي يأخذ من الغني ويعطي للفقير ولما هو غير كفؤ لهذه المواجهة ولا يمتلك إلا سلاح عجزه أمانيه وأحلام يقظته لذا تراه يسلم نفسه بقناعة تامة إلى أنه
و من جديد وجدتني أذعن لقانون العسر.
قانون العسر هذا قانون خاضع للتغير بقوى مؤثرة تتغير وفق طبيعة النظم الحاكمة ، وهو ربما يؤكد حقيقة إلى أننا بحاجة إلى نظم تستطيع أن تحقق رغبات الإنسان وطموحه بالعيش الطبيعي الرغيد محققا أمانيه دون الحاجة إلى تعقيد ، أو جعل الإنسان يميل إلى الاستعاضة عن النقص بتصورات أشبه بالهلوسة والتي يمر بها بطلنا ، وهي حالة غير مرضية فكل شخص وحتى الشخصية السوية يمر بهذا التشتت الذهني الذي يسيطر على تفكير ه ويسلمه إلى حالة من الشرود تبعده عن محيطه لحظات أو ساعات تبعا لشدة تأثيرها عليه ، هذه الأحلام والتي تسمى ب(أحلام اليقظة) تسيطر عل الفرد وفي مرحلة المراهقة مثل هذه التأملات ، نحن بحاجة إلى نظم تحد من الأزمات الاقتصادية وسيرها التراكمي وانعكاسها على الفقير فهذه النظم التي تحكمنا تجعل الفقير أكثر فقرا ،
إنها لم تكن أمان مجردة محصورة بذات البطل بل هي مطالب شمولية لقطاعات كبيرة من الشعب يشكل الفقر قاسمهم المشترك ، فقانون العسر هو الذي جعل من زواجه بحبيبته شيئا خارجا عن المألوف فهي جميلة وجميلة إلى درجة أن الغنى هو من أتى إليها ، وكأن الفقر بتناقض مع كل ما هو جميل ، و الغنى هو ما يشبع رغبات فتاة في مقتبل العمر حتى وإن كان العريس لا يفهم إن هذا الجمال بحاجة لمن يعطيه ديمومته وسر نضارته ، وهو على يقين إن اختيارها لم يكن موفقا بل هذا هو القانون الغير عادل فمقابل الشباب والصبا وشخص يحبها ويمتلك خزين من الأحلام والآمال وقلبا مرهفا ومشاعر فياضة ، تبيع نفسها لرجل لا يقدر إلا الجمال الظاهري هو اشتراها لوحة جميلة وحذف منها الفكرة و المضمون ، اشتراها لتكون جزء من أثاث البيت وديكوره ، الكاتب قال كل هذا في ومضات وجعلنا نعيش هذه التداعيات بتكثيف واختزال يحتاج إلى معاول للبحث عن كوامن النفيس فيها لغة ومضمونا مثلما قال الأستاذ عبد الرحيم محمود
(للغتك الرائعة وقع الأزميل على صخر يعشق الخلود
نحت قطعة خالدة في عمق الأدب الجميل ))
إنه تقبل هزيمته ولكن هذه الهزيمة لم تكن بين قوى متكافئة ، فالفقر هو من جعل من الفتاة تستسلم لهذه المشاعر الجامدة لرجل لم يخبر الفقر ولم يعش عذاباته ـ بل عاش في برج عاجي بعيدا عن هذه الطبقات المسحوقة ويقول لنا الكاتب أن هذا الزوج المفترض ، لو كان يمتلك مشاعر إنسانية لظل شهرا بكامله محتضنا فتاته التي تروي له عن حالة البؤس والشقاء ، بل خاطب الجميع بلغة المخاطبة وكأنه يقول قرائي كلهم مثل بطله فقراء ، وحالمين
(( فإن الذي قبلت به غفران لا يفهم أنّ عليك احتضان فتاتك شهرا كلّما روت لك حادثة شقاء في طفولتها ))
إنها رواية في بضع كلمات لوحة كاملة لأسطورة أزلية تحكي لنا تلك الفوارق الطبقية التي لن تضمحل مادام الغني لا يشعر بالفقير ولا يحس بعذاباته ولم يأت بعد ذلك النظام الذي يذوب تلك الفوارق ، صورة في غاية الجمالية أكدت عمق المشاعر الإنسانية التي سيطرت على قلم الكاتب
.((و لا يدرك أنّ للفتيات الجميلات مثلها ألغازا دقيقة ،هنّ على يقين ، بأنّ الرّجال جواميس لا يقدّرونها.((
جمع كما كبيرا من التساؤلات ـ أربعة أعوام قضاها في المدرسة (ترى جعلت منه شخصا آخر فبين الدراسة والبيت هناك أسئلة تدور
" ترى هل سيفرجون عن أخيك بينهم؟
في البيت"أمه تبادره بهذا السؤال ، هي قصة أخرى في داخل ذلك النص ، أين هو أخوه ومن يفرج عنه يتركنا في حيرة ترى
يسألوه من في الباب ، وواضح أنه كان مطيعا إلى درجة أنه كان يعمل كبواب كلما طرق الباب يسمع هذه الكلمة فتثير في داخله مشاعر من عدم الرضا لأنها كثيرا ماكانت تطرق سمعه
" من بالباب يا تُرى؟ "ومن غيره لهذا الباب
وترى تتحول إلى سؤال اختباري لمعرفة ذكاء الطالب وفطنته
" تُرى متى ينطلق قطار العاشرة ؟
مرور أنبوب الماء يشكل هاجسا كبيرا لأهالي المنطقة ـ التي تعاني من شحه أكيدة في الماء
" هل سيمرّ أنبوب الماء بالقرب من بيتنا يا تُرى ؟
وترى استفهامية فلسفية ربما تكون بمعنى أين نحن من هذا العالم "
" تُرى أين نحن ؟ "
وبعد ذلك ينتقل إلى المدرسة ودرسا في الرياضيات
" ترى كم عدد كجّات سلمى ؟ "
ترى هذه شكلت هاجسا له جعلته يدور في دوامتها
كنت أجمع الأسئلة،و بي حيرة :
من ترى هذه التي تملك إجابة عن كلّ الأسئلة ؟
يؤنسن هذه الترى يعطيها بعدا إنسانيا بعدما عجز عن الإجابة فلم يمنحه العلم والدراسة ما كان يدور بخلده تلك السنوات الأربعة ، في السنة الرابعة يكتشف هذه الترى ويعرف سبب كم التساؤلات التي راحت تلح عليه ، أنه اكتشف حقيقة ترى ، هذه الحقيقة لولم يكتشفها لبات سعيدا جدا (ما لذة العيش إلا للمجانين ) سعادة يرفل بها ، قد تكون تلك السعادة
أكبر من معاناته التي راح يعاني منها إنها حالة من التناقض التي سيطرت على تفكيره فأما أن يستسلم لتلك الحماقات ويعيش سعيدا أو يفهم السر المختفي تحت كنف هذه الترى
لذا عليه أن يستقبلها استقبال المحب لحبيبته يقدم لها الشيكولاته ويقدم لها أنواع النبيذ ، ليعرف منها إجابات لتساؤلاته اكتشفها قبل أن يتم السنة الرابعة ،
والمتتبع لسير النص فالبطل تكبر أفكاره ومراحل نموه ، في المرحلة الأولى كانت أمانيه تلقائية وعند المرحلة الثانية صارت بدوافع ذاتية لوجود المؤثر وفي الثالثة تخلص من تبعية تلك الكلمة ليلقاها وجها لوجه ، ولعل الكاتب يقترب كثيرا من أفكار الشاعر والفيلسوف الهندي طاغور حين قال انه سيستقبل ملك الموت بأبهى صورة سيوقد له الشموع ويشعل له البخور ويأسف لأنه لا يملك إلا روحه ليقدمها له هدية
الموت وترى شبيهان فكلاهما يحدد الفكرة التي أرادت أن تفك طلاسم هذا القادم إليهما ويشكل هاجسا للخليقة منذ النشوء
أن تعطيه بعدا أخر فالموت على الكره الذي يخفيه الإنسان له إذا ما حل لكننا نراه هنا محط ترحيب وحفاوة من قبل الشاعر ،وكذلك هاجس ترى فقد أرق البطل سنوات لكن ما الضير أن يستقبله بحفاوة بالغة وبتكريم يسعد به
أنه يطرح سؤلا أخرا لترى يسألها بفلسفة عمر الخيام في رباعياته
وثمار الكرم الندية روح
في كؤوس تكفي الندامى اعتلالا*3
ترى..أجيبي ..كم مرّة على الكرمة أن تموت كي يصدّق السُّكارى على الأقلّ أنّها مريضة؟
وذات التساؤلات يسأل الكاتب
ترى..أجيبي..أهناك من يشطب ما نكتب،أم ترانا دون أن ندري نكتب فوق الشّطب
والإجابة هنا عند الخيام
كل شيء مسطر ومكتوب
وهو لوح عن الورى محجوب
فيه هذي المنى وهذي الخطوب
فا لأواتي مقرات تصير
والمواضي والحادثات سطور
ضقت ذرعا يا مرؤ بالأمور لاحو
ل ولا طول لا دها لا احتيالا
وأخيرا ثمة سؤال يدور في خلده بقايا من كم الأسئلة ، هو هل غفران بخير
هو لم يسألها سؤالا مجردا عن صحتها بل هو سؤال مبطن راح يخفي الكثير هو هل إن غفران سعيدة باختيارها ، هل إن المال حقق لغفران طموحاتها وأمانيها
كنت أيضا سأسألها و أمهلها دقائق للتّفكير:
ترى...هل غفران بخير؟
ورغم ذا يموت الناقد وفي قلبه حسرة ترى
تقديري لهذا الإبداع
1
• حيدر حيدر كاتب وأديب سوري ولد سنة 1936 في قرية حصين البحر بمحافظة طرطوس
• أحد مؤسسي اتّحاد الكتّاب العرب في دمشق في العام 1968، وكان عضوا في مكتبه التنفيذي،
• له حكايا النورس المهاجر أخرجت كفيلم عام 1972 ونال عدّة جوائز منها جائزة مهرجان لوكارنو، مهرجان كارلو فيفاري، مهرجان دمشق للسينما الجديدة. وله العديد من الروايات والقصص المنشورة
2أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة سلو قلبي
3 رباعيات الخيام تعريبها نظما وديع البستاني
دعك من الأسئلة . هنا لا أحد يسأل لماذا حدث أي شيء
.أنت غريب و أنا أعرف الغرباء من عيونهم الضائعة.إنّها مهمّتي.
حيدر حيدر
ترى محمد فطومي تستثير ألف سؤال ليست أسئلة عادية بل هي أسئلة مركبة
السؤال هو الطريق إلى المعرفة ولعلنا ومنذ نعومة أظافرنا ولعنا بالأسئلة بعضها قد يكون ساذجا والبعض الأخر يحتاج إلى عقل راجح ومتميز للإجابة عليه
وحين نقرأ نصا كنص أ. محمد نعتقد
إننا أمام طفل بريء يحاول أن يستجلي الأمور بقناعة ساذجة يصدق كل شيء يقال له بحدود معرفية بسيطة ولكنها اللبنة الأولى للبناء المعرفي الإنساني ، الكاتب هنا جمع بذكاء بين الفلسفة المبنية على أسس مادية فالبطل الصغير يحاول أن يجد حلا لأبيه يقلل من جهده ووقته هي قراءة بسيطة
للنظرية الاقتصادية الرأسمالية والتي ترى أن الجهد المبذول يجب أن يكون أكبر من المنفعة التي يجنيها الفرد من نتاج عمله
واقع معاش ،هذه النظرية التي جعلت القوى المنتجة أكثر ركودا واضمحلالا بعد أن تغلبت المنافع الشخصية على المنفعة العامة ،
البطل الصغير عاش بآماله الصغيرة العفوية والتي تتفق ومداركه الحسية منطلقة من مبدأ صوفي تأملي حيث يعتقد بتماثل النظرية والممارسة ، أماني الفقراء الذين يتمنون أن يكون الجهد المبذول أقل من الفائدة أو مساو لها على أقل تقدير
النص هو سؤال يخترق حدود اللا معقول في وقت لا مكان للسؤال إلا في عقل طموح متأمل ، يريد أن يتساوى مع بقية خلق الله ، سؤال أراد أن يلغي مشروعيته الكاتب مذ البداية حيث أستهل قصته بقول للكاتب السوري حيدر حيدر *1
، وربما ترك هذا الاقتباس ثغرة في النص وهو عدم تعريفه بالكاتب الذي أخذ منه مقدمته أو مستهله ولا أسم للمصدر المقتبس منه و رغم ذا فقد جاءت هذه المقدمة منسجمة كل الانسجام مع النص بل كانت مفتاحا له ومدخلا ـ يمكن أن نلج به سوية لنقرأ ما في مكنونات القاص الدفينة
طرح أديبنا شخصية بطله وهي قد تكون شخصية ردائية أي أن القاص قد يكون عاش طفولة كطفولة بطله وربما جميعا مررنا بفترة من مراحل حياتنا نحلم بمثل هذه الأحلام ، فتراءت لنا تلك الرغبات المكبوتة في الأنا اللاواعي ، لتظهر بين آونة وأخرى على شكل أحلام أو آمان رغم قناعتنا باستحالة تحقيقها حتى ما بعد فترة الطفولة ونضوج الوعي ـ فهذه الأحلام هي انعكاس للواقع الذي يرفضه الفرد ، ويشكل كم الرفض لديه حالة من الاستبدال الوظيفي وبشكل لاواعي لتظهر بشكل تصورات ذهنية وهي يقينا غير قابلة للتحقيق ، ومن هنا عكس الكاتب رفضه لواقعه المرير والذي ربما عانى منه في طفولته ، أو أنه شعر بهذا الواقع حيث يمرر مسباره إلى العمق فرسمها بريشة فنان بارع دون مبالغة ،هي أتت هكذا بتلقائية مميزة ، قريبة إلى النفس لم يحملها الكاتب أكثر من براءتها ولم يعطها السمات السوبرمانية إلا من خلال أحلام البطل الساذجة الذي تمنى أن يجمع علب الحليب الفارغة ليستبدلها بسيارة إلى أبيه الذي يعمل ليل نهار ويأتي بالقفة فارغة ، وليبرهن لأبيه أن الحياة لا تحتاج منه إلى هذا المجهود الذي يبذله ويأخذه من عائلته كل هذا الوقت
لأبرهن له أنّ الحياة سهلة،و أن لا قيمة للأشياء. و أن لا معنى لغيابه طوال النّهار من أجل قفّة هزيلة
بهذه القفلة أنهى مرحلة من مراحل حياته مرحلة الطفولة وبراءتها الحياة لم تعطه شيئا لأنها مجرد أمان بل جعلته يتقبل هذا الواقع مرغما ،
في المرحلة الأخرى من مراحل حياته تبقى ذات الفطرة مسيطرة على تفكيره ، هي ذات أحلام الطفولة ، لم تتعدى حدود بيئته ، هو يحاول أن يكون خارقا لا حدود لقدراته يغير الكثير من المفاهيم يلغي الفقر من القاموس بأحلام ساذجة ، فبعد أن استمرت الحياة بدورتها الطبيعة وبقوانينها العامة لا مكان للأماني فيها ولا الرغبات ولن يحدث أي تغير بدون عمل
وما نيل المطالب بالتمني إنما تؤخذ الدنيا غلابا *2
وهو ما أراد أن يؤكده الكاتب في لازمة تكررت أكثر من مرة
مع ذلك خذلتني الدّنيا و جعلتني أذعن لضرورة العسر
هذه المرة لم تكن حاجته للمادة هو انتشال نفسه من عالم الفقر بل جاءت ليحظى بقبول حبيبته بعد أن كان هذا الفقر عائقا
لكسب ودها الغنى هنا سيكون سببا لجمعه مع حبيبته غفران
والفقر الخصم العنيد الذي يبعده عنها… لأنه من المستحيل أن يحقق لها ما تصبو إليه من زينة أساور أو عقد أو أقراط من ذهب أو لؤلؤ حتى وإن كان مزيفا صعبا عليه لأنه يمر بفقر مدقع ، هذا الفقر جعله يعرف قيمة نفسه ورغم أحلامه لكنه لا يتجاوز على حدود الواقع والمنطق وإلا أعتبر مجنونا ، يحتفظ بأحلامه لنفسه حتى أنه لا يستطيع البوح بها لأقرب الناس إليه ، تبقى رغباته رهن تجارب تبقى دفينة في نفسه فإن تحققت فهو بذلك قد يصبح من الخوارق سيصبح ك روبن هود (هكذا حدثته أحلام يقظته ) البطل الذي يأخذ من الغني ويعطي للفقير ولما هو غير كفؤ لهذه المواجهة ولا يمتلك إلا سلاح عجزه أمانيه وأحلام يقظته لذا تراه يسلم نفسه بقناعة تامة إلى أنه
و من جديد وجدتني أذعن لقانون العسر.
قانون العسر هذا قانون خاضع للتغير بقوى مؤثرة تتغير وفق طبيعة النظم الحاكمة ، وهو ربما يؤكد حقيقة إلى أننا بحاجة إلى نظم تستطيع أن تحقق رغبات الإنسان وطموحه بالعيش الطبيعي الرغيد محققا أمانيه دون الحاجة إلى تعقيد ، أو جعل الإنسان يميل إلى الاستعاضة عن النقص بتصورات أشبه بالهلوسة والتي يمر بها بطلنا ، وهي حالة غير مرضية فكل شخص وحتى الشخصية السوية يمر بهذا التشتت الذهني الذي يسيطر على تفكير ه ويسلمه إلى حالة من الشرود تبعده عن محيطه لحظات أو ساعات تبعا لشدة تأثيرها عليه ، هذه الأحلام والتي تسمى ب(أحلام اليقظة) تسيطر عل الفرد وفي مرحلة المراهقة مثل هذه التأملات ، نحن بحاجة إلى نظم تحد من الأزمات الاقتصادية وسيرها التراكمي وانعكاسها على الفقير فهذه النظم التي تحكمنا تجعل الفقير أكثر فقرا ،
إنها لم تكن أمان مجردة محصورة بذات البطل بل هي مطالب شمولية لقطاعات كبيرة من الشعب يشكل الفقر قاسمهم المشترك ، فقانون العسر هو الذي جعل من زواجه بحبيبته شيئا خارجا عن المألوف فهي جميلة وجميلة إلى درجة أن الغنى هو من أتى إليها ، وكأن الفقر بتناقض مع كل ما هو جميل ، و الغنى هو ما يشبع رغبات فتاة في مقتبل العمر حتى وإن كان العريس لا يفهم إن هذا الجمال بحاجة لمن يعطيه ديمومته وسر نضارته ، وهو على يقين إن اختيارها لم يكن موفقا بل هذا هو القانون الغير عادل فمقابل الشباب والصبا وشخص يحبها ويمتلك خزين من الأحلام والآمال وقلبا مرهفا ومشاعر فياضة ، تبيع نفسها لرجل لا يقدر إلا الجمال الظاهري هو اشتراها لوحة جميلة وحذف منها الفكرة و المضمون ، اشتراها لتكون جزء من أثاث البيت وديكوره ، الكاتب قال كل هذا في ومضات وجعلنا نعيش هذه التداعيات بتكثيف واختزال يحتاج إلى معاول للبحث عن كوامن النفيس فيها لغة ومضمونا مثلما قال الأستاذ عبد الرحيم محمود
(للغتك الرائعة وقع الأزميل على صخر يعشق الخلود
نحت قطعة خالدة في عمق الأدب الجميل ))
إنه تقبل هزيمته ولكن هذه الهزيمة لم تكن بين قوى متكافئة ، فالفقر هو من جعل من الفتاة تستسلم لهذه المشاعر الجامدة لرجل لم يخبر الفقر ولم يعش عذاباته ـ بل عاش في برج عاجي بعيدا عن هذه الطبقات المسحوقة ويقول لنا الكاتب أن هذا الزوج المفترض ، لو كان يمتلك مشاعر إنسانية لظل شهرا بكامله محتضنا فتاته التي تروي له عن حالة البؤس والشقاء ، بل خاطب الجميع بلغة المخاطبة وكأنه يقول قرائي كلهم مثل بطله فقراء ، وحالمين
(( فإن الذي قبلت به غفران لا يفهم أنّ عليك احتضان فتاتك شهرا كلّما روت لك حادثة شقاء في طفولتها ))
إنها رواية في بضع كلمات لوحة كاملة لأسطورة أزلية تحكي لنا تلك الفوارق الطبقية التي لن تضمحل مادام الغني لا يشعر بالفقير ولا يحس بعذاباته ولم يأت بعد ذلك النظام الذي يذوب تلك الفوارق ، صورة في غاية الجمالية أكدت عمق المشاعر الإنسانية التي سيطرت على قلم الكاتب
.((و لا يدرك أنّ للفتيات الجميلات مثلها ألغازا دقيقة ،هنّ على يقين ، بأنّ الرّجال جواميس لا يقدّرونها.((
جمع كما كبيرا من التساؤلات ـ أربعة أعوام قضاها في المدرسة (ترى جعلت منه شخصا آخر فبين الدراسة والبيت هناك أسئلة تدور
" ترى هل سيفرجون عن أخيك بينهم؟
في البيت"أمه تبادره بهذا السؤال ، هي قصة أخرى في داخل ذلك النص ، أين هو أخوه ومن يفرج عنه يتركنا في حيرة ترى
يسألوه من في الباب ، وواضح أنه كان مطيعا إلى درجة أنه كان يعمل كبواب كلما طرق الباب يسمع هذه الكلمة فتثير في داخله مشاعر من عدم الرضا لأنها كثيرا ماكانت تطرق سمعه
" من بالباب يا تُرى؟ "ومن غيره لهذا الباب
وترى تتحول إلى سؤال اختباري لمعرفة ذكاء الطالب وفطنته
" تُرى متى ينطلق قطار العاشرة ؟
مرور أنبوب الماء يشكل هاجسا كبيرا لأهالي المنطقة ـ التي تعاني من شحه أكيدة في الماء
" هل سيمرّ أنبوب الماء بالقرب من بيتنا يا تُرى ؟
وترى استفهامية فلسفية ربما تكون بمعنى أين نحن من هذا العالم "
" تُرى أين نحن ؟ "
وبعد ذلك ينتقل إلى المدرسة ودرسا في الرياضيات
" ترى كم عدد كجّات سلمى ؟ "
ترى هذه شكلت هاجسا له جعلته يدور في دوامتها
كنت أجمع الأسئلة،و بي حيرة :
من ترى هذه التي تملك إجابة عن كلّ الأسئلة ؟
يؤنسن هذه الترى يعطيها بعدا إنسانيا بعدما عجز عن الإجابة فلم يمنحه العلم والدراسة ما كان يدور بخلده تلك السنوات الأربعة ، في السنة الرابعة يكتشف هذه الترى ويعرف سبب كم التساؤلات التي راحت تلح عليه ، أنه اكتشف حقيقة ترى ، هذه الحقيقة لولم يكتشفها لبات سعيدا جدا (ما لذة العيش إلا للمجانين ) سعادة يرفل بها ، قد تكون تلك السعادة
أكبر من معاناته التي راح يعاني منها إنها حالة من التناقض التي سيطرت على تفكيره فأما أن يستسلم لتلك الحماقات ويعيش سعيدا أو يفهم السر المختفي تحت كنف هذه الترى
لذا عليه أن يستقبلها استقبال المحب لحبيبته يقدم لها الشيكولاته ويقدم لها أنواع النبيذ ، ليعرف منها إجابات لتساؤلاته اكتشفها قبل أن يتم السنة الرابعة ،
والمتتبع لسير النص فالبطل تكبر أفكاره ومراحل نموه ، في المرحلة الأولى كانت أمانيه تلقائية وعند المرحلة الثانية صارت بدوافع ذاتية لوجود المؤثر وفي الثالثة تخلص من تبعية تلك الكلمة ليلقاها وجها لوجه ، ولعل الكاتب يقترب كثيرا من أفكار الشاعر والفيلسوف الهندي طاغور حين قال انه سيستقبل ملك الموت بأبهى صورة سيوقد له الشموع ويشعل له البخور ويأسف لأنه لا يملك إلا روحه ليقدمها له هدية
الموت وترى شبيهان فكلاهما يحدد الفكرة التي أرادت أن تفك طلاسم هذا القادم إليهما ويشكل هاجسا للخليقة منذ النشوء
أن تعطيه بعدا أخر فالموت على الكره الذي يخفيه الإنسان له إذا ما حل لكننا نراه هنا محط ترحيب وحفاوة من قبل الشاعر ،وكذلك هاجس ترى فقد أرق البطل سنوات لكن ما الضير أن يستقبله بحفاوة بالغة وبتكريم يسعد به
أنه يطرح سؤلا أخرا لترى يسألها بفلسفة عمر الخيام في رباعياته
وثمار الكرم الندية روح
في كؤوس تكفي الندامى اعتلالا*3
ترى..أجيبي ..كم مرّة على الكرمة أن تموت كي يصدّق السُّكارى على الأقلّ أنّها مريضة؟
وذات التساؤلات يسأل الكاتب
ترى..أجيبي..أهناك من يشطب ما نكتب،أم ترانا دون أن ندري نكتب فوق الشّطب
والإجابة هنا عند الخيام
كل شيء مسطر ومكتوب
وهو لوح عن الورى محجوب
فيه هذي المنى وهذي الخطوب
فا لأواتي مقرات تصير
والمواضي والحادثات سطور
ضقت ذرعا يا مرؤ بالأمور لاحو
ل ولا طول لا دها لا احتيالا
وأخيرا ثمة سؤال يدور في خلده بقايا من كم الأسئلة ، هو هل غفران بخير
هو لم يسألها سؤالا مجردا عن صحتها بل هو سؤال مبطن راح يخفي الكثير هو هل إن غفران سعيدة باختيارها ، هل إن المال حقق لغفران طموحاتها وأمانيها
كنت أيضا سأسألها و أمهلها دقائق للتّفكير:
ترى...هل غفران بخير؟
ورغم ذا يموت الناقد وفي قلبه حسرة ترى
تقديري لهذا الإبداع
1
• حيدر حيدر كاتب وأديب سوري ولد سنة 1936 في قرية حصين البحر بمحافظة طرطوس
• أحد مؤسسي اتّحاد الكتّاب العرب في دمشق في العام 1968، وكان عضوا في مكتبه التنفيذي،
• له حكايا النورس المهاجر أخرجت كفيلم عام 1972 ونال عدّة جوائز منها جائزة مهرجان لوكارنو، مهرجان كارلو فيفاري، مهرجان دمشق للسينما الجديدة. وله العديد من الروايات والقصص المنشورة
2أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة سلو قلبي
3 رباعيات الخيام تعريبها نظما وديع البستاني
تعليق