استيقظت كعادتها على صوت أذان الفجر ، ويبدو أنها كانت تحلم حلماً مزعجاً .. لأنها هبت من نومها فزعة مع أول قول " الله أكبر " غارقة في عَرق الكوابيس البارد وهى تردد " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " .. لكن ندى الآذان رطب روحها الخائفة .. أزاحت الأغطية وحملت منشفتها ، بعد أن ارتدت "الشبشب" متوجهة إلى الحمام .. وعادت بعد دقائق تجفف وجهها ويديها من ماء الوضوء .. ثم فردت أكمامها ، بعد أن تحاشت إلقاء نظرة على المرآة ، ووقفت جهة القبلة وأدت الصلاة في خشوع ..
دق الباب بإلحاح فعرفت أنه بائع اللبن ، وبعد أن أخذت منه الحليب رَجَتْهُ أن يحضر لها العيش والجريدة فبواب العمارة اللئيم لا يحب أن يكلف نفسه عناء الصعود إلى الدور الخامس !
بعد أن أفطرت..جلست تتصفح الجريدة وكانت العناوين مبهجة :
"" كوريا لا تتراجع .. وأمريكا تهدد بالحرب !""
""انهيار أسواق المال !""
""قرارات مؤتمر القمة العربية .. حبر على ورق!""
""زوج يذبح أم أطفاله بعد اكتشافه خيانتها !""
""وفاة "فلان" .. وذكرى الأربعين ل"فلان".. وسنوية "علان" !""
ألقت الجريدة من يدها : "يا ساتر يا رب .. الدنيا خربت !"
عادت إلى غرفتها وأخذت تفكر .. ماذا تفعل اليوم؟!
ليتها كانت ما تزال تعمل .. سامحهم الله ! لقد أخرجوها على المعاش في أكثر وقت هي بحاجة فيه لعملها.. الذي كان يقتطع نصف يومها البارد الصامت ! هل تذهب لزيارة واحدة من قريباتها ؟! "بدرية" تقيم في الإسكندرية..و "منيرة" في شبرا الخيمة آخر الدنيا.. إضافة إلى أن زوجها لا يحب أن يزورهم أحد !
.. إذن فلتذهب إلى إحدى صديقاتها !
ولكن بعد المعاش لم تعد هناك صديقات.. نصفهن قد التحقن بالرفيق الأعلى .. والباقيات دخلن دور المسنين ..بأمر أولادهن !
لو كان الله قد أنعم عليها ولو بابن أو ابنة واحدة .. لو كان زوجها لم يمت قبلها .. استغفر الله العظيم !
جلست هكذا تفكر وتخاطب نفسها في حتى مضي الشطر الأكبر من الصباح دون أن تشعر !
وأخيراً استقر رأيها على أن تذهب لأختها "مفيدة" .. صحيح أن العلاقة بينهما ليست عاطفية جدا ..ولكنها أفضل من لا شيء !
وكعادتها في السنوات الأخيرة ، ارتدت ملابسها معطيه ظهرها للمرآة ، حتى لا ترى الشيب الذي طغى على شعر رأسها.. ولا جلد وجهها ورقبتها المترهل !
***********
من الواضح أنها ذهبت في وقت غير مناسب !
فبيت أختها كان رأساً على عقب ..وجلست بمفردها في الصالون وأمامها كوب الليمون .. بينما شقيقتها تروح وتجيء مراراً وهى تثرثر حول تنظيف الموسم .. وفرح "فهمي" الذي اقترب موعده ، وخطوبة "نجلاء" في نفس اليوم وتعتذر لأختها عن تركها بمفردها .. ولكنها طبعاً تقدر الظروف !
وتقديراً منها للظروف استأذنت وأسرعت بالذهاب دون أن تحاول أختها استبقائها بكلمة واحدة !
ونزلت إلى الشارع لا تدرى إلى أين تذهب ، ثم خطر لها أن تذهب إلى المصلحة التي كانت تعمل فيها.. ربما وجدت هناك من تحادثه.. ويحادثها !!معظم زملائها في العمل قد لحقوا بركب المعاش .. ولم يتبقى منهم سوى الأستاذ "فتحي" الذي يستعد لترك العمل بعد شهور قليلة ، جلست إليه وتحدثت معه فشعرت بمسيس الراحة يرفرف على قلبها المعذب :
" يا أستاذ " فتحي " المدير عاوزك ! "
ويذهب الأستاذ " فتحي " ويعود معتذرا لاعنا أبو المدير .. تكرر هذا الموقف ثلاث مرات .. عندها شعرت بأنها تثقل على الرجل وتعطله عن عمله .. ففعلت ما يفعله من هو في مثل حساسيتها ، وانصرفت قافلة إلى بيتها .
***********
أغلقت الباب ورائها وفتحت التليفزيون ، وجلست تشاهد البرامج المملة التي تمتلئ بأحداث أنواع الرغي.. والمسلسلات المعادة المكررة ..ألا يمل هؤلاء الناس من الرغي ، وعرض المسلسل عشر مرات في السنة ؟!
تذكرت أنها لم تتغدى حتى الآن ، فذهبت للمطبخ .. كان لديها نصف فرخه مطهية من الأمس .. وبعد أن أعدت المائدة ، جلست تتناول الغذاء والعشاء في وقت واحد ، لكنها لم تستطع ابتلاع اللقمة الأولى وسرعان ما تركت الطعام موضوع حيث هو.. وهرعت لتتوضأ !
وقفت بين يدي الله تناجيه وتتوسل إليه بإلحاح أن يرحمها وينزل عليها صبراً من عنده ..وترجوه ألا يمد في عمرها أكثر من ذلك !
الصلاة هدأتها ونقت قلبها من شوائب الغيرة والتمني والتطلع إلى ما لم يرده الخالق لها .. ثم قرأت "سورة الرحمن" صحيح أن القرآن كله كلام الله الذي لا يعلوه شيء .. ولكنها كانت تحب هذه السورة جداً ..وتقرأها كثيراً ! .
بعد أن فوضت أمرها لله واستغفرته عما غمز به الشيطان لها من قلة رضا بقدره وقسمته.. شعرت برغبة في النوم فدخلت إلى فراشها وتدثرت بالغطاء الثقيل ولسانها يردد في خشوع : "أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله ".. وقبل أن تنم تذكرت نكتة سمعتها من زوجها منذ ثلاثين عاماً ... فابتسمت !
دق الباب بإلحاح فعرفت أنه بائع اللبن ، وبعد أن أخذت منه الحليب رَجَتْهُ أن يحضر لها العيش والجريدة فبواب العمارة اللئيم لا يحب أن يكلف نفسه عناء الصعود إلى الدور الخامس !
بعد أن أفطرت..جلست تتصفح الجريدة وكانت العناوين مبهجة :
"" كوريا لا تتراجع .. وأمريكا تهدد بالحرب !""
""انهيار أسواق المال !""
""قرارات مؤتمر القمة العربية .. حبر على ورق!""
""زوج يذبح أم أطفاله بعد اكتشافه خيانتها !""
""وفاة "فلان" .. وذكرى الأربعين ل"فلان".. وسنوية "علان" !""
ألقت الجريدة من يدها : "يا ساتر يا رب .. الدنيا خربت !"
عادت إلى غرفتها وأخذت تفكر .. ماذا تفعل اليوم؟!
ليتها كانت ما تزال تعمل .. سامحهم الله ! لقد أخرجوها على المعاش في أكثر وقت هي بحاجة فيه لعملها.. الذي كان يقتطع نصف يومها البارد الصامت ! هل تذهب لزيارة واحدة من قريباتها ؟! "بدرية" تقيم في الإسكندرية..و "منيرة" في شبرا الخيمة آخر الدنيا.. إضافة إلى أن زوجها لا يحب أن يزورهم أحد !
.. إذن فلتذهب إلى إحدى صديقاتها !
ولكن بعد المعاش لم تعد هناك صديقات.. نصفهن قد التحقن بالرفيق الأعلى .. والباقيات دخلن دور المسنين ..بأمر أولادهن !
لو كان الله قد أنعم عليها ولو بابن أو ابنة واحدة .. لو كان زوجها لم يمت قبلها .. استغفر الله العظيم !
جلست هكذا تفكر وتخاطب نفسها في حتى مضي الشطر الأكبر من الصباح دون أن تشعر !
وأخيراً استقر رأيها على أن تذهب لأختها "مفيدة" .. صحيح أن العلاقة بينهما ليست عاطفية جدا ..ولكنها أفضل من لا شيء !
وكعادتها في السنوات الأخيرة ، ارتدت ملابسها معطيه ظهرها للمرآة ، حتى لا ترى الشيب الذي طغى على شعر رأسها.. ولا جلد وجهها ورقبتها المترهل !
***********
من الواضح أنها ذهبت في وقت غير مناسب !
فبيت أختها كان رأساً على عقب ..وجلست بمفردها في الصالون وأمامها كوب الليمون .. بينما شقيقتها تروح وتجيء مراراً وهى تثرثر حول تنظيف الموسم .. وفرح "فهمي" الذي اقترب موعده ، وخطوبة "نجلاء" في نفس اليوم وتعتذر لأختها عن تركها بمفردها .. ولكنها طبعاً تقدر الظروف !
وتقديراً منها للظروف استأذنت وأسرعت بالذهاب دون أن تحاول أختها استبقائها بكلمة واحدة !
ونزلت إلى الشارع لا تدرى إلى أين تذهب ، ثم خطر لها أن تذهب إلى المصلحة التي كانت تعمل فيها.. ربما وجدت هناك من تحادثه.. ويحادثها !!معظم زملائها في العمل قد لحقوا بركب المعاش .. ولم يتبقى منهم سوى الأستاذ "فتحي" الذي يستعد لترك العمل بعد شهور قليلة ، جلست إليه وتحدثت معه فشعرت بمسيس الراحة يرفرف على قلبها المعذب :
" يا أستاذ " فتحي " المدير عاوزك ! "
ويذهب الأستاذ " فتحي " ويعود معتذرا لاعنا أبو المدير .. تكرر هذا الموقف ثلاث مرات .. عندها شعرت بأنها تثقل على الرجل وتعطله عن عمله .. ففعلت ما يفعله من هو في مثل حساسيتها ، وانصرفت قافلة إلى بيتها .
***********
أغلقت الباب ورائها وفتحت التليفزيون ، وجلست تشاهد البرامج المملة التي تمتلئ بأحداث أنواع الرغي.. والمسلسلات المعادة المكررة ..ألا يمل هؤلاء الناس من الرغي ، وعرض المسلسل عشر مرات في السنة ؟!
تذكرت أنها لم تتغدى حتى الآن ، فذهبت للمطبخ .. كان لديها نصف فرخه مطهية من الأمس .. وبعد أن أعدت المائدة ، جلست تتناول الغذاء والعشاء في وقت واحد ، لكنها لم تستطع ابتلاع اللقمة الأولى وسرعان ما تركت الطعام موضوع حيث هو.. وهرعت لتتوضأ !
وقفت بين يدي الله تناجيه وتتوسل إليه بإلحاح أن يرحمها وينزل عليها صبراً من عنده ..وترجوه ألا يمد في عمرها أكثر من ذلك !
الصلاة هدأتها ونقت قلبها من شوائب الغيرة والتمني والتطلع إلى ما لم يرده الخالق لها .. ثم قرأت "سورة الرحمن" صحيح أن القرآن كله كلام الله الذي لا يعلوه شيء .. ولكنها كانت تحب هذه السورة جداً ..وتقرأها كثيراً ! .
بعد أن فوضت أمرها لله واستغفرته عما غمز به الشيطان لها من قلة رضا بقدره وقسمته.. شعرت برغبة في النوم فدخلت إلى فراشها وتدثرت بالغطاء الثقيل ولسانها يردد في خشوع : "أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله ".. وقبل أن تنم تذكرت نكتة سمعتها من زوجها منذ ثلاثين عاماً ... فابتسمت !
تعليق