أدب الطيب صالح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم خالد احمد شوك
    أديب وكاتب
    • 09-01-2012
    • 534

    أدب الطيب صالح

    التعددية الاثنية والثقافية في أدب الطيب صالح ... بقلم : عبد المنعم عجب الفيا





    " إلى الذين يرون بعين واحدة ويتكلمون بلسان واحد ، ويرون الاشياء اما بيضاء واما سوداء "


    مصطفى سعيد





    في دراسته الرصينة المعنونة " متاهة قوم سود في ثقافة بيضاء" والتي اثارت كثير من الجدل اورد اخي الدكتور الباقر العفيف اسم الطيب صالح كاحد المثقفين الذين يودون لو يهربون من جلدهم السوداني كراهية في السواد. والشاهد الذي يصطحبه العفيف في ذلك هو رأي للطيب صالح حول اسم السودان كعلم على البلد المعروف حيث يقول :" تمنيت لو أن قادتنا سموا هذه البلاد سنار. فالاستعماريون أطلقوا هذا الاسم علي المنطقة التي تمتد من أثيوبيا في الشرق وحتى السنغال في الغرب. الأمم الأخرى أطلقت علي أوطانها أسماء تعنى شيئا بالنسبة لها."



    تمنى الطيب صالح لو ان السودان سمى سنار لم يكن بدافع الهرب من السواد كما ظن دكتور العفيف ، و انما حجته في ذلك اننا لسنا السود الوحيدين في العالم وبالتالي فان اسم السودان لا يمثلنا وحدنا. بمعنى انه ليس له دلالة محددة على مجموعة سكانية وبقعة جغرافية ذات خصائص معينة كون امم كثيرة تشترك معنا في هذا السواد، فكلهم سودان ، على وزن بيضان.



    لقد كان اختيار اسم للسودان مطروحا بالحاح عشية الاستقلال. وكان اسم سنار من بين اهم الاسماء المرشحة. وقيل ان صاحب هذا الاقتراح هو استاذ الجيل ، جمال محمد أحمد ، ذو الاصل النوبي. وهذا الاقتراح تزكيه عوامل تاريخية. فقد عرف شمال السودان في العالم الخارجي قبل الغزو التركي بسنار والتي امتد ملكها حتى غطى تقريبا كل السودان الشمالي المعروف الان.وتبعا لذلك كان جناح السودانيين بالازهر – آنئذ- يسمى رواق السناريين.



    ومعي انني لست من أنصار تغيير اسم السودان الان ، الا ان من كانوا وراء اقتراح سنار لم يستبعدوا اسم السودان كراهية في السواد ، فسنار ايضا ترمز للسواد. فهي مملكة الفونج وهي المملكة الزرقاء، اي السوداء، فالازرق عند السودانيين مرادف للسواد. واذا كان العفيف يخلص في ورقته الى ان حال السودانيين الشماليين لن ينصلح الا اذا اعترفوا بالام الافريقية السوداء، ففي اسم سنار اعترافا بهذه الام السوداء. فقد تاسست سنار بتحالف من القبائل العربية والقبائل الافريقية ممثلة في الفونج والاثنيات الاخرى.


    ولهذا السبب نفسه وقع اختيار "الغابة والصحراء" على سنار كرمز على التعددية الاثنية لسكان السودان. واذا كان العفيف قد خلص في دراسته إلى ان الخروج من المتاهة حسب وصفه يكمن في اقرار أهل شمال السودان بالعنصر الافريقي الذي فيهم فانه بذلك يكون قد انتهى الى نفس الرؤية التي دشنتها "الغابة والصحراء" .



    ويلمح العفيف ايضا الى مؤاخذة الطيب صالح ضمنا حينما يورد في بحثه : " ويعتبر تماهي الشماليين، مع المتنبي، في هجائه لكافور، النوبي، مثالا آخر علي تكوين نفسي منحرف." ربما لم يقصد العفيف بذلك الطيب صالح تحديدا الا ان الاشارة الى المتنبي هنا تستحضر قسرا محبة الطيب صالح للمتنبي. فالمعروف ان الطيب صالح فتن افتتانا عظيما بالمتنبي الا ان هذا الافتتان لم يقترن بكراهية كافور او يتماهي مع هجاء المتنبي ، كافورا.


    بل ان الطيب صالح قد تصدي للمنافحة عن كافور في وجه من زعموا ان المتنبي لم يمدحه قط وان مدحه له ذم بما يشبه المدح. فقد ساء بعض العروبيين ان يمدح شاعر العربية الاول عبدا اسود. ومن هؤلاء محمود محمد شاكر الذي زعم أن المتنبي لم يمدح كافوراً الإخشيدي وإنما أضمر له الهجاء والسخرية فيما يظن أنه مدح. وضرب مثلا على ذلك تشبيه المتنبي لكافور مادحا بالشمس "المنيرة السوداء" اذ يرى محمود شاكر أن ليس في هذا مدحاً لكافور وإنما تهكم وسخرية فمن الاستحالة ان تكون هنالك شمس سوداء منيرة.



    وكان الدكتور طه حسين قد تصدي بالرد على مثل هذي الدعاوي واثبت ان المتنبي مدح كافور وان مدحه له لم يكن هجاء. اما الطيب صالح فيرد على محمود شاكر في كتابه (في صحبة المتنبي) بقوله: " كون المتنبي مدح كافورا الاخشيدي ، أمر لا مراء فيه."


    ثم يدلل كيف للشمس ان تكون سوداء منيرة :" وعلي أيّة حال فنحن اليوم بعد كل ما أفدناه من علوم الفيزياء وخصائص اللون، وما فعله الرسامون التعبيريون، أقدر علي تخيل الشمس كيف تكون منيرة سوداء. وقد وضع أهل دولة غانا نجمة سوداء علي علمهم الوطني، لانهم رأوها أكثر ضواء من نجمة بيضاء. ومن أراد أن يعرف أكثر كيف يكون السواد مضيئا، فليقراء شعر سيدار سنقور وايمي سيزير".



    الشاهد ان ادب الطيب، على خلاف ما يتصور دكتور العفيف وآخرون ، يقدم نموذجا ممتازا على الصورة التي يطمح اليها العفيف نفسه في دراسته القيمة. فادب الطيب لا يسعي الى الاعتراف بالام الافريقية الذي يتمناه العفيف على السودانيين الشماليين وحسب وانما يذهب ابعد من ذلك ويعترف بافريقية الاب نفسه.



    فالمعروف ان الطيب صالح يتخذ من قرية سودانية متخيلة تسمى (ود حامد) مسرحا لاحداث قصصه ورواياته وتمثل هذه القرية صورة مصغرة اثنيا وثقافيا السودان الكبير. فمن هو ود حامد الذي سميت عليه هذه البلدة؟


    في قصة "دومة ودحامد" قال الشيخ العجوز لمحدثه الذي جاءهم زائرا من البندر:"..هل أقص عليك يا بني قصة ود حامد ؟


    "حدثني ابي عن جدي : كان ود حامد في الزمان السالف مملوكا لرجل فاسق وكان من اولياء الله الصالحين يتكتم ايمانه ولا يجرؤ على الصلاة جهارا حتى لا يفتك به سيده الفاسق . ولما ضاق ذرعا بحياته مع ذلك الكافر دعا الله ان ينقذه منه. فهتف به هاتف ان افرش مصلاتك على الماء ، فاذا وقفت بك على الشاطيء فانزل . وقفت به المصلاة عند موضع الدومة الان ، وكان مكانا خرابا."


    اذن ان الجد الذي أسس قرية (ود حامد) مسرح ادب الطيب صالح، افريقي اسود. والكاتب يصور ود حامد وكانها تمثل بداية اولى او اصل اول. كانها انشقت عنها الارض فلا احد يذكر أصل نشاتها. وفي ذلك تماس مع احدث النظريات التي تذهب الى ان افريقيا الموطن الاول للجنس البشري. وكون ان ود حامد افريقي اسود وولي صالح استدعاء لذلك الاصل الاول ممثلا في آدم الذي اشتق اسمه من الادمة وهي السمرة و السواد ومنها الاديم وجه الارض اي التراب.


    وهنا لا بد من الاشارة اقتضابا ،ان السواد هو أصل العرب او قل الخضرة والسمرة هي اصلهم. فقد جاء في الحديث الشريف :" بعثت الى الاسود والاحمر " وفهم الصحابة ان الاسود يقصد به العرب ومن شاكلهم والاحمر الامم البيضاء من فرس وروم. وتلك قضية اخرى بنى عليها العفيف أس مقاله ، لا نريد التوسع فيها الان.



    الشاهد أن الام الافريقية التي يطمح دكتور العفيف الى ضرورة الاقرار بانحدارنا منها، نجدها ممثلة في أشهر شخصية روائية في الادب العربي الحديث، وهي شخصية مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال. فقد " كان ابوه من العبابدة ، القبيلة التي تعيش بين مصر والسودان . ويقال ان امه رقيق من الجنوب. من قبائل الزاندي أو الباريا."


    وحين سألت ايزابيلا سيمور، مصطفى سعيد : "ما جنسك ؟ هل أنت أفريقي ام اسيوى؟ اجابها : " أنا مثل عطيل . عربي أفريقي " .


    وعطيل الذي يشبه به مصطفى سعيد نفسه،هو بطل مسرحية (عطيل ) الشهيرة لوليم شكسبير وهي ماخوذة من قصة " القائد المغربي " المنحدر من اصل افريقي والذي نشأ في ايطاليا في القرون الوسطى ، وتبوأ أرفع المناصب العسكرية وتزوج من اجمل بناتها ومن انبل الاسر. ووجه الشبه بين الاثنيين ان كلاهما أسود من افريقيا وكلاهما جاء الى اوربا وحظي بقبول من المجتمع الاوربي. !!


    وقد كان الطيب صالح على ادراك كاف بضرورة الوعي بهذ التعددية الاثنية والثقافية وهو يكتب رواية موسم الهجرة الى الشمال اذ انه يقول في سياق حديث عن فانون : " وبهذه المناسبة أنا قرأت فرانز فانون بعد موسم الهجرة ، فوجدت انني متفق معه تمام الاتفاق. " والمعروف ان فانون هو صاحب كتاب " وجوه سود، أقنعة بيضاء" الذي ربما استوحى منه الدكتور الباقر عفيف عنوان بحثه الرصين.



    وتتجسد التعددية الاثنية في أبهي صورها في شخصية الطاهر ود الرواس وهو من احب الشخصيات الى قلب الراوي ( يمكنك ان تقرأ الكاتب ) واحد شلة محجوب اهل الحل والعقد في ود حامد قبل ان ينفرط عقد المجتمع التقليدي اثر ظهور الاجيال الجديدة بفضل انتشار التعليم الحديث. فقد كان والد ود الرواس عبدا رقيقا يدعى بلال وامه حواء بيت العريبي من ديار الكبابيش بكردفان. وقد تزوج الطاهر ود الرواس بفاطمة بت جبر الدار شقيقة محجوب.


    يخصص الطيب صالح فصلا كاملا من فصول رواية "مريود" الاربعة للطاهر ود الرواس حيث يبدا بمونولوج يتحول الى ديالوج حميم بين الراوي محيميد والطاهر يعبر عن علاقة خاصة ربطت بين الاثنين. يقول الطاهر في ذلك الديالوج: " الانسان يا محيميد .. الحياة يا محميد ما فيها غير حاجتين اثنين .. الصداقة والمحبة . ما تقول لي لا حسب ولا نسب ، لا جاه ولا مال .. ابن آدم اذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة انسان واحد ، يكون كسبان. وانا المولى عز وجل اكرمني بلحيل . انعم علي بدل النعمة نعمتين .. اداني صداقة محجوب وحب فاطمة بت جبر الدار . "


    هنا يحس محيميد بحزن لكونه كان يظن صداقته للطاهر لا تدانيها صداقة " فقد كنت طول حياتي ، اعتبر صداقته شرفا لي . لذلك قلت له برفق : وعبد الحفيظ ..وسعيد ..و.. " قال : " عبد الحفيظ اخوي وسعيد اخوي .. لكين الانسان .. الاخ .. الصديق .. الراجل اليوزن الف راجل .. الكلام على القلوب ، جوه ، جوه ، الحكاية مو الطاهر ود الرواسي .. الحكاية الجد حكاية الطاهر ود بلال .. ولد حواء .. العبد . " ثم قال : " كذابه المره ال تقول ولدت مثل محجوب ود جبر الدار "



    نشأ بلال كما يورى ابنه الطاهر ، عبدا هملا بلا سيد كل الرقيق لهم اسياد الا بلال . ويقال انه ربما كان من ذرية رقيق كان لملك حكم ذلك الاقليم في الزمن القديم يدعى بندر شاه . ولكن ابراهيم ود طه يؤكد ان بلالا هو الابن الثاني عشر لعيسى ود ضو البيت من جارية له سوداء جميلة ذكية كان يحبها ويؤثرها . ولكنه لم يلحقه بنسبه ولما مات خجل اخوته ان يسترقوه.لذلك نشا بلال لا هو حر يقال له ابن فلان ولا هو عبد يقال له عبد فلان. وكان هو في خاصة نفسه انسانا عجيبا ، جميل الهيئة ، جميل الطباع ، متعففا ورعا ، اخلاقه اخلاق سادة أماجد. ومن عجب انه شب كانه نزل فجاة من السماء ، او انشقت عنه الارض، او انه طلع ن النيل ، شخصا كامل الهيئة والتكوين. فلا انسان من اهل البلد يذكره طفلا ، ولا احد يعلم من رباه ولا احد يقول لك رايت بلالا ، او سمعت بلالا ، الى ان ظهر فجأة وهو فتى يافع ، يلازم الشيخ نصر الله ود حبيب ويقوم على خدمته.


    انتبه اهل البلد فجأة الى هذا الانسان البديع الذي يخلب جماله القلب ويفتت صوته الصخر ويلين الحديد. كان حين ينادي بصوته الاعجم : " أشهد الا اله الا اله اشهد ان مهمدا رسول الله الاه " تحس كأن ود حامد كلها بانسها وحيوانها وشجرها وحجارها ، ورملها وطينها ، من اسفلها الى اعلاها ، من برها الى بحرها ، قد اهتزت وارتجت واصابتها قشعريرة. لم يكن دعاؤه دعاء الى الصلاة ، وانما كان دعاء الحياة منذ عهد آدم، ودعاء الموت منذ كان جبريل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل."


    وود الرواس لقب ورثه الطاهر عن ابيه. كان الكاشف ود رحمة الله يقول ان بلال رواس ويسالونه رواس ماذا ، فيجيب " رواس مراكب القدرة " ويقسم انه رآه عدة مرات بين العشاء والفجر وهو قائم وحده في مركب ينقل قوما غريبي الهيئة الى الشاطيء الاخر.


    اما والدة الطاهر ود الرواسي فهي حواء بت العريبي. فقد كانت امراة صاعقة الحسن. هبطت من ديار الكبابيش مع ابويها في سنوات قحط وجدب. فماتا عنها ، وبقيت وحدها تمشط وتغزل وتعمل في دور الميسورين في البلد. وصفوا ان وجهها كان كفلق الصباح وشعرها اسود كالليل مسدل فوق ظهرها الى عجيزتها ، وانها كانت فرعاء لفاء طويلة رموش العينيين اسيلة الخدين كأن في فمها مشتار عسل ، وانها كانت مع ذلك شديدة الذكاء، قوية العين ، مهذارا ، حلوة الحديث. فارادها الكثيرون فتمنعت واعتصمت ولم تقبل منهم طالب حلال او حرام. ولكن ولم يعلق قلب حواء هذه دون الناس جميعا الا بلال. فكانت تعرض له وهو في صلاته وعبادته فلا يرد عليها ولا يجاوبها . ولما اعيتها الحيلة ذهبت الى الشيخ نصر الله ود حبيب وشكت له وتذللت وتفرعت فاشار على بلال ان يتزوجها.


    فصدع لامر شيخه وتزوج حواء ولكن لم يجتمع بها الا ليلة واحدة بعدها استاذن شيخه ان يسمح له بان يبريء ذمته منها فاذن له وكانت ان حبلت منه بابنه الذي يسمي الطاهر ود الرواس وبعد ان سرحها بلال ابت ان تدخل على رجل آخر وانصرفت لتربية ابنها فكان شانها في ذلك شان المتصوفة العاكفين " .



    وتظهر عبقرية الطيب صالح في نسج قماشة التعدية الثفافية والاثنية لاهل السودان في معرض تقصيه لاصل "بندر شاه" الذي يقال انه كان سيدا لبلال وذلك في رواية (مريود) . يزعم بعض رواة الاخبار في ود حامد ان بندرشاه كان ملكا نصرانيا من ملوك النوبة بسط سلطانه قبلي الى غاية ديار المناصير وبحرى الى حدود الريف وكانت عاصمة ملكه حيث تقوم ود حامد اليوم.


    وفي رواية ان ذلك الملك لم يكن نصرانيا ولكنه كان ملكا وثنيا غزا ذلك الاقليم بجيش عظيم من الجنود السود من أعالي النيل ، وانهم أقاموا في نواحي ود حامد وما جاورها مملكة سوداء قوية لم تزل تامر وتنهي حتى حطمها عبد الله جماع ابان صعود نجم ملكة سنار. وقالوا ان اسمه لم يكن بندرشاه بل بانقي او جانقي.


    ويرجح بعض المؤرخين ان بندرشاه امير حبشي يدعى مندرس هرب بسبب صراعات على الملك ايام الملك راس تغري الاكبر ، ومعه نساؤه وعياله وعدد من جنده وعبيده. وانهم عبروا النيل الى المتمة ثم قطعوا صحراء بيوضة الى ان وصلوا منعطف النهر حيث تقوم ود حامد الان. فاقاموا هنالك وبنوا بلدا اسموها دابوراس اي الربوة بلغتهم.


    وفي رواية ان بندرشاه لم يكن هذا ولا ذاك بل كان رجلا ابيض اللون وفد على ود حامد حيث لا يعلم احد أيام الغارات والهيجات واواخر ملوك سنار فاقام في ود حامد واخذ يعمل في تجارة الرقيق .


    اما ابراهيم ود طه وهو راوية ثقة في تاريخ ود حامد فيؤكد ان بندرشاه هو عيسى ود ضو البيت. وكان ضو البيت رجلا من الاشراف وفد على ود حامد من الحجاز وتوطن فيها وتزوج فاطمة بت جبر الدار الاولى من قبيلة الحوامدة اصحاب الاصل والفصل. وان بندرشاه كان لقبه عرف به في صباه."


    هكذا باسلوب الروايات التاريخية عن اصل الاجناس ودون تغليب لرواية على اخرى يعرض الطيب صالح لاصل بندرشاه وكانه يريد ان يقول ان اصول السودانيين تعدد بتعدد هذه الروايات.



    ومن عجب ان هذه الرؤية التعددية الثقافية والاثنية المتسامحة والمنفتحة على كل تنويعات الواقع المتشابكة والتي جاءت في صيغ رمزية ايحائية بليغة بعيدا عن الشوفينية والهتافية والشعارات التقريرية ، تعرضت وتتعرض لكثير من سوء الفهم وسوء التخريج من اصحاب النظرة الاحادية الشوفينية. " الذين يرون الاشياء اما سوداء واما بيضاء " . فانصار التوجه العروبي الصرف راوا فيها انتقاصا من عروبتهم بينما راي فيها اصحاب التوجه الافريقاني الاحادي تكريسا لثقافة المركز العربية الاسلامية.


    فاذا كان دكتور الباقر عفيف يرى ان حال السودانيين الشماليين لا ينصلح مع ذواتهم وبني جلدتهم من الاقوام الاخرى الا اذا اقروا بالافريقي في داخلهم ، فان دكتور ايلياء حريق، القومي العروبي فتخيل اليه عقيدته العروبية ، ان الاعتراف بالام الافريقية في السوداني الشمالي ، هو أس البلاء !! فلا يتورع من الادعاء ان انحدار مصطفى سعيد من ام جنوبية هو الذي قاده الى الماساة والهلاك لذلك فهو يحذر السوادنيين الشماليين من خطورة الاقرار بالعنصر الافريقي في ذاتهم ، والا كانت نهايتهم مثل نهاية بطل موسم الهجرة الى الشمال!!!


    يقول دكتور حريق في مقدمة كتاب (الثقافة والديمقراطية) لمؤلفه الدكتور عبد الله علي ابراهيم : " أن مصطفى سعيد يمثل السودان تمثيلا كليا ، فهو سوداني من أب شمالي وأم جنوبية" وهو " في المظهر الأول يتمتع بعقل بالغ الحدة والذكاء ويبرز في الجامعات البريطانية ومحافلها الفكرية ، وفي المظهر الثاني هو طفل شهواني غر يلاحق اللذة والمتعة حيث يمكنه أن يقتنصها حلالا كانت أو حراما " .


    ولما كانت ازدواجية الانتماء هي سبب فشل مصطفى سعيد وتدميره بل أن انتمائه إلى الجانب الأفريقي هو سبب مأساته على رأي الكاتب فأنه يحذرنا من المزاوجة بين الانتماء العربي والأفريقي اذ يرى فيه فصلا بين العقـل والأخلاق.



    طبعا الذي قاد مصطفى سعيد الى الماساة والهلاك لا علاقة له بعرقه العربي او الافريقي. لقد اراد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال ان ينتقم لكرامته من المستعمر الانجليزي من خلال ذهنيته الفحولية التي اوحت إاليه ان التفوق العقلي ليس كافيا لرد الاعتبار لذاته، فينغمس في حياة بوهيمية مع الفتيات الانجليزات ظنا منه ان الثار للكرامة لا يكون الا بهتك عرض الأوربيين. كان يقول : " لهم جئتكم غازيا .." وكان يقول : " ساحرر افريقيا بــ... " اي بفحولتي . حتى قاده ذلك الطريق الى التسبب في انتحار ثلاثة فتيات منهن وقتل من يتزوجها . فينتهي الى السجن ليقضي فيه سبع سنوات. بعد خروجه من السجن يتشرد في أصقاع الارض ثم يعود الى السودان ويختار قرية في الشمال على النيل ليستقر فيها ويتزوج وينجب ويساهم في تطوير القرية وينال تقدير الناس ولكنه يموت غرقا ،أو إنتحارا ، في أحد الفيضانات.


    ما غاب على ايلياء حريق ادراكه أن فشل مصطفى سعيد في الانتقام والثار لكرامته بذلك الاسلوب الملتو ، يمثل درسا من الطيب صالح على ضرورة تجاوز مرارات التجربة الاستعمارية والانهماك في معركة التعمير والرقي من خلال العلم والعقل والتعايش السلمي والاحترام الثقافي المتبادل.



    أما الفريق الاخر الافريقاني، فتصور له نظرته الاحادية، ان قصص الطيب صالح تروج لثقافة المركز الاسلاموعربية.يقول الدكتور محمد جلال هاشم في ورقته الرصينة السودانوعروبية:"إن عالم الطيب صالح القصصي هو نفس عالم ثقافة المركز القائمة على الأسلمة والاستعراب".


    ان الاديب القاص يشتغل على واقع خام معطي سلفا ، لا يد له في خلقه. فاذا كان هذا الواقع ذو ثقافة اسلامية عربية كبيئة شمال السودان التي يمتح منها الطيب صالح في تصوير عالمه القصصي فان فنه القصصي لا بد بالضرورة ان يعبر عن هذا الواقع بكل ابعاده الثقافية الاثنية واللغوية، دون التماهي بالطبع مع النزعات العنصرية ، وهذا مع فعله الطيب صالح بتبنيه للرؤية التعددية المتصالحة ، التي تسع الجميع على النحو الذي استعرضناه اعلاه.


    فالقرية في ادب الطيب صالح " هي السودان بقبائله المتنافرة ، الراحلة ، والمقيمة ، بحلبه وزنجه ، وعربه المختلفين.. بطبقاته المصطرعة المتقاتلة ، بثقافاته الوافدة والموروثة ، صوفية كانت او علمانية ، بمدنه وفجورها و .. و .. ولا يلزم الكاتب ان يمثل لكل المؤسسات والطبقات والفئات ولكن يكفيه ان يشير ويوميء ويترك للقاريء أن يفهم." أو كما قال عثمان حسن احمد في مقالته السديدة المنشورة بكتاب " عبقري الرواية العربية ".


    أم المطلوب من الطيب صالح ان يكتب لنا قصصه بلغة وثقافة الدينكا او الهدندوة او الفور او النوبة حتى نرضى عن انتمائه كسوداني افريقي ؟


    ان القبول بالاخر لا يلزم التنازل عن الخصوصية الثقافية والاثنية لارضاء ذلك الاخر. فالعربي او الافروعربي المسلم ، غير مطالب ان يتخلي عن لسانه العربي وعن ثقافته الاسلامية لكي يعيش مع الافريقي في دولة واحدة .كذلك الافريقي غير مطالب ان يتنازل عن لغته الافريقية وديانته اذا كان يدين بغير الاسلام حتى يقبل به العربي المسلم في وطن واحد. والمظلة التي تاوي الجميع دون تمييز هي دولة المواطنة والقانون والمؤسسات الدستورية المفترضة.



    -------------






    التعديل الأخير تم بواسطة ابراهيم خالد احمد شوك; الساعة 10-05-2012, 16:36.
  • ابراهيم خالد احمد شوك
    أديب وكاتب
    • 09-01-2012
    • 534

    #2
    وداعا الطيب صالح ... بقلم: أمير حمد_المانيا _برلين

    الزمان والمكان، في روايتي موسم الهجرة إلى الشمال، والبحث عن الزمن المفقودDie Suche nach der verlorenen Zeit ل(بروست)


    بمناسبة ترجمة رواية موسم الهجرة الي الشمال الي اللغة الالمانية اخيرا و حصول الروائي الطيب صالح على جائزة ندوة القاهرة الثالث للإبداع الروائي لعام 2005، نقدم هذه الدراسة، التي تمثل جزءاً من دراسة مستفيضة حول أعمال الكاتب. جدير بالذكر أن دراساتنا هذه تلامس جوانب عده من أعمال الكاتب، إلا أنها مرتكزة على التداخل والمقارنة النصية، لتيمة الزمان والمكان بين رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، ودراسة لأندريه موروا حول رواية "البحث عن الزمن المفقود" لأميل بروست.
    يقول الناقد الالماني اندرياس انسشمت عن رواية موسم الهجرة الي الشمال عندما قدمها الي الجمهور الالماني بمناسبة صدورها باللغة الالمانية مترجمة بقلم رجينا القرشلي زوجة الشاعر السوري عادل القرشلي( هذه رواية منظومة بلغة كرستالية وساحرة تعرض الغرب والشرق في صراعيهما المستديم )ويقول الناقد الالماني المعروف هارمت فندريش( رواية لم تزل بعد معاصرة وقد انصرم نصف قرن علي صدورها. .رؤاية تسحر القارئ بطبقيتها وتنوع اساليب الخطاب الروائ وموضوعاتها المتعددة المهمة والمعاصرة .رواية متشابكة الاحداث ومتماسكة حول عقدة وبيئة روائية , رسمتا بفنية بالغه) . لقد اكدت هذه الرواية استمراريتها واسترعت انتباه القارئ الالماني لتطرقها الي موضوعات عصرية ,كعكسها لصراع الفرد مع ذاته المتصدعة والهوة السحسقة بين الشرق والغرب و وماتتج عن ذالك من ردود فعل فردية كعقدة_نظرية التامر او اخري جماعية كالارهاب بسبب استعمار واستغلال الغرب المتواضل للشرق .
    مقدمة:
    "عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنت خلالها أتعلم في أوربا … عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل … ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في داخلي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس، ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زمانا في بلاد تموت من البرد حيتانها … واستيقظت في ثاني يوم وصولي في فراشي الذي أعرفه … وأرخيت أذني للريح، ذاك لعمري صوت أعرفه … ونظرت من خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت أن الحياة لا تزال بخير … أحس أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكنني مثل تلك النخلة مخلوق له أصل، له جذور، له هدف …".
    بهذا المقطع السحري … بالنوستالجيا، وبمقارنة ببيئتين / حضارتين، وبعلاقة الإنسان بالمكان، والزمان بلحظاته الخالدة، افتتح الطيب صالح روايته موسم الهجرة إلى الشمال، وهو مفتتح له مدلولاته الحسية والمعنوية عبر رحلة البحث عن الذات والزمن المفقود، وصراع الحضارات، وتيمات عدة لا تقل أهمية عن سابقاتها في متون هذه الرواية الخالدة.
    قد يتساءل القارئ عن جدوى البحث من جديد في هذه الرواية التي انصرم على إصدارها أكثر من ربع قرن، وكتب عنها من البحوث والدراسات المطولة، والمقالات، بل والأطروحات الجامعية، ما لم تحظ به رواية عربية أخرى.
    إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في تميز هذه الرواية بخاصية المرونة والقابلية لعكس الأزمات الحضارية المعاصرة، من خلال بنيتها الطبقية ذات التيمات المتعددة والمترابطة حول محك واحد. حين صدرت موسم الهجرة إلى الشمال بالألمانية، كانت ألمانيا / أوربا – ولم تزل – تعيد وتكتشف من جديد طبيعة العلاقة بين الحضارة الغربية والشرق فيما يخص (التحدي، والمجابهة، ومفاهيم طارئة كالإرهاب والانسجام والتذويب، )هذا إلى جانب هجرة الأجانب التي تصدرها غلاف الرواية كعنوان Zeit der Nordwanderung.
    "موسم الهجرة إلى الشمال": في قرية نائية على ذراع النيل تدور أحداث هذه الرواية. قرية تمتد كمسرح وقائع عدة عبر روايات وقصص الكاتب، اسمها قرية "ود حامد" تيمناً باسم أحد الأولياء. عاد الراوي من دراسته الجامعية بأوربا / إنجلترا، بعد أن قضى سبعة أعوام كمغترب، ينازعه الحنين إلى قريته الصغيرة، وأناسها الطيبين وإلى بيئتها الحالمة بأشجار النخيل، والنيل الممتد بينها كثعبان، وقبة السماء الخالصة الزرقة.
    حين عودته تيسرت له فرصة التعرف على مصطفى سعيد "بطل الرواية" وهو رجل "غريب" في قرية ود حامد، تزوج بفتاة منها وحظي بطفلين.
    في جلسة "شرب" أخذ مصطفى سعيد يتلو – وهو مخمورا – شعراً بالإنجليزية، فانتبه الراوي إليه، وأيقن بأنه يضمر سرا ما، وأنه غير الرجل الذي وصفه أهل القرية. اثر أن شك الراوي في البطل، واجهه بأن يميط اللثام عن وجهه، فاضطر أن يفض إليه سره، كي لا ينسج أهل القرية حوله أوهاماً ما، لا سيما وأنه يحبهم، ونشط بينهم كعضو فعال.
    قص بطل الرواية "مصطفى سعيد" قصة حياته للراوي، منذ أن كان طفلا يتيما، فقد والده فربته أمه. كان مصطفى سعيد بارد الإحساس وغير مكترث، لا يحس بمسؤولية تجاه أي شخص، ولا تطوقه رقابة ما…، بسرعة تخطى فصول الدراسة الأولية بالسودان، في فترة الاستعمار الإنجليزي، وبعث لحدة ذكائه، إلى القاهرة، ومن ثم إلى لندن لإكمال دراسته. في القاهرة تعرف على مسز روبنسون وزوجها، وبلندن كان زير نساء، محاطا بالفتيات. رغم تمتعه بمكانة مرموقة في وسط المثقفين وإنهائه للدراسة بسرعة بالغة، وحصوله على درجة الدكتوراه، وتعيينه في الجامعة كأستاذ للاقتصاد "المبني على الحب والإنسانية" إلا أنه كان يعيش حياة سرية مكتنفة بالجنس والمغامرات والعبث. كانت استراتيجيته في إغراء النساء، متحوصلة حول خياله الفياض بالقصص الكاذبة، التي تبدو كالأساطير، وخلق جو سحري في شقته: البخور والصندل والأجواء الاستوائية والشرقية المنسجمتان في تناغم غريب، إلا أن نهاية هذه المغامرات "الجنسية" كانت تسفر دوما عن تراجيديا الأحداث وانتحار الفتيات اللائي سقطن في فخه "لاكتشافهن أكذوبة الحياة".
    وفي الختام يقتل مصطفى سعيد جين مورس – زوجته لخيانتها له ولرغبتها في الموت "ما الذي يمنعك من قتلي – هيا! أنا مستعدة"، فيحاكم بالسجن. بعد إطلاق سراحه ظل يهوم في أصقاع العالم إلى أن حل بقرية ود حامد وتزوج منها. في إحد فيضانات النيل اختفى البطل / مصطفى سعيد، بعد أن قص سيرة حياته للراوي وأوصاه بزوجته وطفليه. في ختام الرواية تقتل أرملة البطل "ود الريس" العجوز الذي أراد التزوج بها رغم رفضها، ومن ثم تنتحر.


    إنظلاقاً من أن كل عمل أدبي، مؤثر، ومتأثر، بعمل أدبي آخر، أو متناص معه، عبر توالد الخواطر، أو التكريس لتيمة واحده، ستُجري المداخلة التاليه بين الروايتين المعنيتين أعلاه.
    1- يكتب أندريه موروا معلقاً على رواية البحث عن الزمن المفقود بأن بروست " كان معنياً بدراسة ميكروسكوبيه للعواطف الدقيقه الخالده ".
    إلا أن تيمة العواطف لم تكرس في هذه الرواية لوصف وشائج إجتماعية معينه، بقدر ما انصبت على تيمة الماضي والإنفتاح، عبر النوستالجيا، والتذكر على علاقة الإنسان بالمكان، والزمان المؤثر فيه بثبوت الإنفعالات، واللحظات الخالده.

    بتتبع مسيرة الراوي في موسم الهجرة إلى الشمال، وعلاقته الروحية المتشبثة ببيئة قريته، وطعنه في تذكرها في غربته، وحين تواجده بها، على النقيض من البطل مصطفى سعيد، تتكشف لنا دقائق، وبانوراما الزمان الخالد بخلود الإنفعالات، والعاطفة المكونه تجاهه في لحظة ما، والمكان الذي يطل كمنتصر أبداً، في رحلة إكتشاف الإنسان لذاته، وللحياة، بحثاً عن الخلود.

    - يصف الطيب الصالح، في تصريحاته الصحفية بأن دور الكاتب شبيه بدور المؤرخ، هذا إلى جانب استشهاده دائماً بأقوال المتصوفه في فلسفة "المعرفه". كالإنسان يحمل في داخله معلميه.
    لا يختلف هذا المنظور عن تصريح "بروست" في إحدى رسائله بأن دوره شبيه بفضائل العالم –
    دقة الملاحظه، والأمانة في تناول الحقائق، والإصرار على إكتشاف بعض القوانين العامه، وبأنه كان وصفياً، برغم كل صوفيته.......
    2- لقد سعا كل من الكاتبين لتحقيق ذاته في أعماله الأدبيه، فعكس حياة وزمناً مفقوداً أمكن صياغته، كرديف للواقع، فتحقق به الكشف عن الذات وتم تحقيقها، عبر المتخيل الروائي، كامتداداً للواقع المعاش.
    يرى بروست بأنه من بين الأشخاص الذين ساهموا في تكوين ذاته الفرديه، الشخص الذي تمسك أكثر بالحياة، فيلسوف لا يستشعر السعادة قط إلا إذا إكتشف الصفات المشتركه التي تضم عملين معاً، وإحساسين معاً، ومخلوقين معاً.

    3- هنا يلتقي الكاتبان، من جديد، في العمل الروائي.... فالطيب صالح جعل من الراوي نقيضاً لمصطفي سعيد..، رجلاً متمسكاً بالحياة، عنيداً لا يساوم بها، وإن لاحق طيف مصطفى سعيد إلى قرابة الغرق. هذا كما أن الرواية تقوم أصلاً على مخلوقيت ( الراوي ) ومصطفي سعيد، متباينين تماماً لإظهار الإحساس والبرود، والنهج المغاير لكل منهما للتعرف على الحياة...

    بهذا الإختلاف النوعي، أمكننا إدراك الإيحاء إلى صفات مشتركه يمكن توفرها في النفس الإنسانية المتنازعه، لتحقق سعادتها والتعرف على منظومة الحياة : بهذا المفهوم ... بتوفر شخصيتين رئيسيين، بمنظورين متفاوتين للحياة، استطاعت موسم الهجرة إلى الشمال، أن تضم عملين معاً لإكتشاف بعد ثالث، غير متطرف كمصطفى سعيد، أو مثقف مهادن يحاول رغم لا إقتناعه من صميم دواخله التوفيق بين واقع مجتمعه، وبينه كمثقف ناقد ومتشكك عاد من أوروبا.

    تقوم فكرة/ فلسفة بروست، في رواية " البحث عن الزمن المفقود " على التغلب على مسيرة الزمان قدماً، وذلك بإيقاف عجلته بالتذكر، فكانت " كعكة المادلين " التي أهدتها له عمته، بؤرة الرحلة إلى الماضي، فكلما تمثلت في مخيلته سوى أن تذكرها، أو داهمته في اللاوعي، إنتشى وإتلق حاضره. في هذه اللحظة تنتصر الذاكره/ الماضي على مسيرة الزمن الهدام، ويتحقق مفهوم الخلود، كوقوف ضد تيار الزمن، نحو الأمام. أما الراوي في " موسم الهجرة إلى الشمال " فلم تكن تعاوده لحظات الماضي/ النوستالجيا كثيراً، لأنه إستطاع أن يطور علاقته بالماضي كإمتداد للحاضر، أي أنه لم يفتقد الماضي فتنقطع صلته به، ولم يجعل حضوره كزمن آخر، وإنما كرديف للحاضر، فلم يتألم لفقدانه لكونه إمتداداً لحاضره فحقق عبر الإتزان سعادته في قريته ( ودحامد ).

    حينما أظهرالكاتب بطل الروايه مصطفي سعيد، على مسرح الأحداث كانت تطل من ورائه كنقيض للراوي فلسفة/فكرة الروايه، في تيمة الزمان، والمكان، مثلاً، فالبطل نشأ في بيئة بلقع ولم ينشأ علاقة مع فرد، ومجتمع ما، ولم يشده حنين إلى مكان معين أو يستحضره زمن مفقود يتشبث بأناساه، وبأواصرهم.... لا شيئ لاشيئ البته سوى مواصلة الرحله قدماً فربما زمن/ مجتمع أو مكان/ وطن، يطرأ في حياته فتستقر دواخله الشاغره، ويتبين له هدفاً في الحياة. إن الروايتين مسكونتان بهاجس الزمن، وسيكولوجيته، والتغيرات التي يحدثها.... فحياتنا معركة مع الزمن في هذه المعادلة الصعبه، بين التشبث بالحياة، التي أسس لها " الزمن المفقود " جمالاً وطمعاً في الخلود وبين النسيان، أو لغز الموت يطلب كل من كاتبي الروايتين - عبر تحقيقهما لذاتيهما في الكتابة الإبداعيه- الخلاص في الحب، والصداقه كما صرح بذلك بروست في روايته هذه، والطيب صالح في " بندر شاه ":- " الإنسان يامحيمد، الحياة يامحميد، ما فيها غير حاجتين " الصداقة والمحبه ".

    4- بالتدقيق في تحقيق الكاتب لذاته، نجد أن الطيب صالح عالج بالرمز، والإيحاء في شتى أعماله الأدبيه، علاقة الإنسان بالمكان والزمان، لأنه كما صرح في لقاءاته الصحفيه، وفي ما تعكسه أعماله، ظل مشدوداً إلى موطنه.... ففي إغترابه وحركت النوستالجيا كل طاقاته الإبداعيه، يقول الطيب صالح ربما لو لم أغترب، لما كتبت.

    5- وفي حديث آخر يقول " العنصر الطاغي على كتاباتي هو الحنين إلى عالم أحس بأنه ينقرض، رغم أنني أسعى إلى الإنجراف مع هذا التيار، حتى لا يتحول ماأكتب إلى وقوف على الأطلال ".

    6- يكتب موروا عن بروست قائلاً " بأنه كوّن وطناً بفعل العواطف، وإستشهد على ذلك بالتاريخ الفرنسي السياسي وثوراته، حيث يظل بفعل الإنفعالات، والعواطف، كقيم ثابته".

    7- على صعيد آخر حينما أُدينَ مصطفى سعيد، في محكمة جنائيه بلندن، تحركت في داخله الذاكرة الجماعية، فأحس بأنه يُدان كمستعمر من قبل مستعمرين، وليس كجاني في قضية فرديه. إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجه وقرقعت سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس.

    8- إن هذه النقطه لها أبعادها النفسية العميقه، حيث ينبسط المكان ليشمل الوطن وينقلب الزمن ليرتد إلى الماضي كتراكم لصفات الفرد. أي بأننا لا يمكن أن نضع حداً لتداخل الماضي مع الحاضر، ولا يمكن أن نبُتّ في مصير الفرد، دونما الإلمام بدوافعه الخفيه، التي تقبع تماماً، خلف ما يتبدى لنا.... هنا تتذكر صورة الأسود في ذهنية الرجل الأبيض كعلاقة لا تقوم على العقلانيه، والإنطلاق من معضلة معينه، لأن عقدة الإحساس بالتفوق، وشعور الآخر بالتحدي، تطوقان العلاقة بطقس مضبب". في علاقة الإنسان بالمكان، والزمان، ندرك في كل من الروايتين أن المكان ظل ثابتاً على نحو ما في وجه تقلبات العواطف التي كُونت تجاهه في لحظة محدده... أي أن المكان ثابت ومنتصر أبداً، على ذواتنا المتغيرة. سدى، إذاً، البحث عن مكان معين نحن إليه، في تلاقيف الماضي، وذلك ليس لإختفائه كموقع محسوس، وإنما للتغير الذي إعترى عواطفنا/ اللحظات الخالدة تجاهه.

    فالتغير الزمني الذي طرأ على " ودحامد " لا سيما في " بندرشاه " ومريود هو عكس لقضايا معاصره كالسلطه، والمدينه، على أرض القرية التي تحاول الثبات في وجه التغيرات. أما التغير الزمني في موسم الهجره إلى الشمال، فهو تغير دلف من الخارج في طيف مصطفى سعيد، وهو تغير تراجيدي، أسفر كذلك عن واد الأعراف العقيمه ونهضة المرأة، وأزمة المثقف، العائد من أوروبا ونهج تعامله مع بيئته، كرافض لها أو منطلقاً من الواقع كما في شخص الراوي " وختام رواية قنديل أم هاشم " ليحيى حقي.

    يكتب موروا في تحليله لعلاقة الإنسان بالزمن، " بأن الذوات الإنسانية لا تعدو عن كونها منسلخة، وثابته.

    9- فالأولى تدرك بأن الفرد متجدد في علاقته مع الزمن، لا شيئ يشي بالثبوت، على النقيض من الذات الإنسانية الثابته، التي تؤمن بلا تجدد شخصية الإنسان وثبوتها في وجه التغيرات التي يحدثها الزمن. رغم تشبث بروست " بالذات الثابته " وإيهامه لنفسه بها، كي يحافظ على علاقته محاولة بالزمن المفقود إلا أنه كان يدرك تماماً بأنه ما من شيئ " ثابت " أو خالد.... إن تردده في هذه العلاقة المزدوجه كان قابعاً في تثبيت تيار الزمن بإستعادة الزمن المفقود/ الماضي، في الذاكرة، أي أنه ثمة ذات ثابته، وليست منسلخة تماماً، وإلا لما تواصل الماضي مع الحاضر، " من هنا نشأت الفكرة المركزية في الكشف عن الزمن، في دواخلنا، وليس في الأماكن التي كنا نرتادها..." لأن المحك هو الإنفعالات والشعور الذي ننعتمرها في دواخلنا تجاهها.

    10- إن رحلة البحث عن الذات، تتمثل لنا في موسم الهجرة إلى الشمال في شخص مصطفي سعيد، الذي لم يكن يملك أي شيئ من مقومات الحياة الإجتماعيه أو المقدرات المحسوسه سوى ذكائه.

    11- لقد كانت رحلته أشبه بأسطورة إغريقية، أو صورة " لفلسفة الجنس " للورنس، كثورة على المجتمع الحديث/ الحضاره من أجل الإنتصار للبدائيه بتحرير الجسد من الكبت وبلوغ مرحلة الأتراكسيا / "التوازن" بالإعتراف بمتطلباته وتحقيقها.

    أما الراوي، رحلته فهادئة في البحث عن الذات، إلا أن أدرك في نهاية المطاف بأن المنتصر الأوحد هو المكان " وأنه ليس هناك فشل أو نجاح نهائي ، وأن الحياة كالنهر حقيقتها الوحيدة في عدم إنقطاعها عن الإستمراريه ".

    12- إن السفر في هذه الرواية ليس صوراً حسيه للعالم، وإنما مفتاح للكشف عن الذات الإنسانية من خلال نوستالجيا الراوي لقريته، وتساوي الأمكنة والأزمنة قاطبه في منظور البطل، أما السفر عند الكاتب / الطيب صالح، فقد حرر طاقاته الإبداعية فأنشأ زمناً، وبيئة/ مكاناً مرادفاً، كإمتداد متخيلِ لبيئته الأثيرة التي خاف أن تتلاشى على مرأى من بصره فخلدها في أعماله.... بهذا المفهوم إنتصر الكاتب على الزمن الهدام، وحقق خلوداً بالفن.

    13- إن موتيف التذكر، والعلاقة بين " الزمن الهدام والذاكرة الحافظه "، يتمركز رواية البحث عن الزمن المفقود، و موسم الهجرة إلى الشمال بإستعادة البطل لذكرياته بالقرية و بمصطفي سعيد، الذي أصبح إمتداداً له وقدراً ملازماً لا سيما وأنه قد جعله وصياً على زوجته وأطفاله. يؤكد الكاتب لنا أهمية علاقة الإنسان بالمكان والزمان في أقصى معانيها عبر التذكر حينما شارف الراوي الغرق وهو يتابع طيف البطل... في تلك اللحظة تذكر، نعم تذكر وأعاد علاقته بالشخوص الذين أحبهم وبالمكان، فإمتدت إليه تلك الصور كيد للنجاة من الغرق " كنت أحس بقوى النهر الهدامة تشدني إلى أسفل.... كان ذهني قد صفا حينئذ، وتحددت علاقتي بالنهر. إنني طاف فوق الماء ولست جزءاً منه.... إنني أقرر الآن أن أختار الحياة.... لأن ثمة إناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت.... صرخت .... " النجده ".

    14- لقد أظهر الكاتب البطل على مسرح الأحداث بشكل عابر، وطوره في الزمن المستعاد على مدى متون الروايه، كما في رواية البحث عن الزمن المفقود. فمصطفى سعيد يظهر كغريب بين المحيين من أهل القريه، ويتعملق في حياة الراوي بما رواه له عن حياته، وبما أحدثته زوجته من تغير بالقريه. إن إستعادة طيف البطل، من قبل الراوي، لم تكن توضح دائماً ماضي البطل، وإنما كانت كأداة للكشف عن مجتمع قرية ودحامد وللمكان من منظور الراوي كنقيض للبطل، فتجلت لنا معالم الحياة، وكيفية التعامل معها من منظورين متباينين تماماً.

    في المقابل نقرأ موروا معلقاً على روايته الزمن المفقود: " إن الشخصية التي تظهر على المسرح بشكل مؤقت.... تغدو فيما بعد أحد أبطال العمل، شأنها في ذلك تيمة موسيقيه.... تتطور بعد ذلك تدريجياً حتى تصير مركز السيمفونيه ".

    15- إن البنية الفنية لموسم الهجرة إلى الشمال، إعتمدت على إنسيابية الأسلوب، والتسلسل الموضوعي، حتى أنه يمكن للقارئ المتمعن أن يضع للرواية عناويناَ جانبيه وينطلق ذلك أيضاً على البحث عن الزمن المفقود. وذلك لأنهما تجاوزتا المفهوم التقليدي، للزمان، والمكان في فن الروايه، فقد تجاوزتهما الروايتان بالإنتقال إلى عالم الذاكره، والسحر" الأسطوره "، والروح، هذا كما أن الطيب صالح أظهر بوضوح تداخل الأزمنةبالقطع، والتغير الفجائي، وبالأصوات القادمة من بعيد وباللوامع في أعماله اللآحقه" بندرشاه ومريود ".

    لايكتفي الكاتب بأن تتمحور تيمة المكان، والزمان الأحداث بالروياه، بل يجعلها موضوعةً ملموسة، لها صراعها وتدخلها الملحوظ في أقدار الفرد كتعلق الراوي بالحياة، لتعلقه ببيئة" ود حامد ". يرتد بنا الكاتب إلى ظاهرة التناسخ، وتقمص المكان للذوات الإنسانيه، فينادي المكان بصوت مسموع، أو يشير سراً بأن يتوقف عنده، كما في بندرشاه إذ تلوح الرؤى والكشوف الخارجة عن الزمان فيراها كل من محميد، وسعيد، والطريفي ودبكري وتقودهم إليها هواتف ونداءات غيبيه خارقه.
    إستجاب محميد لهاتف يقول له" محميد تعال " ليتبع الصوت في جوف الظلام إلى أن يصل قلعة ذات قباب عالية يتوهج الضوء من نوافذها كجزيرة سابحه في لجة.

    16- حول هذا المضمون كتب بروست.... أعتقد أن هناك الكثير مما يقال بشأن الإعتقاد السلبي بأن أرواح أولئك الذين فقدناهم، يتم سجنها في أي كائن أو في حيوان،... تظل هذه الأرواح مفقودة بالنسبة لنا، حتى يأتي اليوم ( الذي لا يأتي مطلقاً بالنسبة للكثيرين )، الذي يتفق أن نمر فيه بالشجره، أو نستحوذ فيه على الشيئ الذي يسجنها. حينئذ، تظهر، وتهتز وتدعونا بأسماءنا، وما أن نتعرف على صوتها، حتى يبطل عمل السحر. لقد حررناها. لقد قهرت الموت، وعادت تشاركنا الحياة.

    17- إفتتح الطيب صالح روايته بمقارنة الراوي العائد من أوروبا للبيئة الأوروبية، وبيئة ودحامد، وهي مقارنة تتمحور في الاللاوعي، والذاكرة، فبدت ملامح الطبيعة، والشخوص محاطة بهالة " سحرية "، لأن الراوي كان يراها عبر دثار النوستالجيا، ولحظات ذكرى خالده، مازالت أحاسيسه متقدة تجاهها أنها مقارنة أقرب إلى دمج تيمتي النوم واليقظه.

    18- يكتب موروا عن رواية البحث عن الزمن المفقود قائلاً " إن الكتاب يبدأ بإفتتاحية تدور حول موضوعي النوم واليقظه، وهي اللحظات التي يمكن أن نرى فيها بوضوح تام انقلاب الزمن وتفكك الذات ودوامها السري. إن الأشياء، ومشاهد الريف، والسنوات العابرة تداعب الراوي.... إننا نتهيأ الآن للتجول بين ذكرياته ".

    وهو عينه مانقرؤه في موسم الهجرة إلى الشمال ، إثر لقاء الراوي بأهله، هيأنا الراوي للتجول بين ذكرياته على ساعد النيل، ومع جده...
    يمثل إفتتاح كل من الروايتين بالزمن، والمكان في اليقظة أو الصحو، جلاء الذاكرة اللاإرادية، وإستعادة الزمن في أطيب أوقاته، في النقاط التاليه من رواية البحث عن الزمن المفقود نلتمس التقارب أكثر برواية موسم الهجرة إلى الشمال، لاسيما وأن علاقة الزمن بالمكان، كفكرة أساسية فيهما، استقطبت سلسلة الأحداث في عقدة مركزية واحدة:-

    19- بالرواية أرواح حيه وقويه تقوم بحراسة الراوي معنوياً. في المقابل نجد الجد مثلاً، مثلها بموسم الهجرة إلى الشمال.

    20- يبدو أن كل شيئ منتمي إلى هذا العالم في حالة من السحر الجميل: الشجر، التجوال، كل الأشياء تشاركه هذا السحر الغارق. وهو ما نلمسه كذلك ببيئة الراوي بـ " ودحامد " وإحساسه بالسعادة في تجواله بين طرقاتها وأشجار النخل.

    21- الأسرار التي تحيط بالراوي تشبه الأساطير، كسرّ مصطفي سعيد، الكامن في غرفةِ مبهمةٍ " إفتح يا سمسم....".


    22- ذكر عائلة جرمانت الأرستقراطيه التي لم تكن تتزوج من الطبقة الوسطى أو الدنيا. في المقابل نجد رفض العائلة الإنجليزية لصداقة مصطفى سعيد بإبنتهم، ورفض أهل ودحامد لتزويجه منهم لكونه "غريب" فارتبط بحسته، لكون أهلها غير مكترثين، كما يرى ذلك أهل ودحامد.
    23- قدر لحياة الراوي أن تظل مطاردة طويلة لكل ما يختفي خلف إسم جرمانت، كما هو الحال عند الراوي، إذ أصبح يتعقب أثر البطل إلى أن شارف الغرق.
    24- " موضوعوعة " إضافية بالرواية، تعد في حد ذاتها قصة قصيره. وهو الحال في موسم الهجره باعتبارها رواية قصصية من قصتين أساسيتين وأحداث وشخصيات مسانده.
    25- كل أنواع التجارب العاطفيه التي خاضها الراوي في " البحث عن الزمن المفقود " كانت علاقات مشوهه تقود من الفتنه إلى المعاناة، ومن ثم إلى النسيان.... كما كانت تجارب مصطفي سعيد العاطفيه مع الفتيات الإنجليزيات.


    26- في الحب إكتشف الراوي الأنانيه وتفاهة العالم وفشله... وإن قيمة العالم تكمن في الرغبة والذكرى. إتصف مصطفى سعيد كذلك بهذه الصفات من خلال إقامته لعلاقات مختله مع النساء الإنجليزيات، وكان دافعه الأقوى هو الرغبه في الحصول على النساء ونسيهن، من ثم ما أن وقعن في شركه، أما ذكرى جين مورس" التي إغتالها فظلت تتابعه وتتجسد هلوسة في منامه، إلى أن قرر الإستجابة لها فانتحر.

    27- إن سوان، وجانت جرمان يتوحدان في شخص الآنسه سانت لو... وأخيراً يدرك الراوي رسالته الأبديه التي حملتها له الأشجار... أما في موسم الهجره، فقد توحد شخص الراوي بمصطفى سعيد، إلى أن أدرك رسالته في الحياة في نهاية المطاف، وهو يشارف الغرق، فكانت منقذ له، وفارق نوعي بينه، وبين البطل.

    28- ينتهي العمل في اللحظة التي يقرر الراوي فيها البدء في الكتابه، وهكذا يلوب الثعبان على نفسه، بعد وصف لدائرته الضخمه. أما بموسم الهجرة إلى الشمال ينتهي العمل من حيث بدء الراوي بتعلقه بأهل قريته والمكان اللذين أحبهما أيما حب." سأحيا لأن ثمة إناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت...".

    29- لقد قرر بروست منذ أن شرع في كتابة الصفحة الأولى. أن تنتهي الفقره الأخيره من الرواية بكلمة الزمن، الذي يلمس في وقت واحد السنوات ا لمتباعدة والفترات القصيره التي تتدرج بينهما أيام لا تحصى.... وحينما نسمع كلمة الزمن في ختام الروايه يذكرنا بتهوفن وهو يكرر النغمة النهائيه كلون من التوكيد والإنعتاق.

    30- بموسم الهجرة إلى الشمال إفتتح الكاتب روايته بالزمن كذلك " عدت ياساداتي بعد غيبة طويله، سبعة أعوام على وجه التحديد...

    31- وفي ختامها يغدو الزمن/ الحياة كأسمى ما يسعى إليه الفرد، وقد شارف الغرق ما من شيئ سوى الإنعتاق من ربقة الموج وصرخة مؤكدة كما فعل الراوي، النجده، النجده.

    32- في تحقيق الكاتب الطيب صالح لذاته عبرالكتابه تمركزت قريته في اللاوعي، فكان عكسه للعالم المتخيل تراكماً لصور الماضي، الذي بدوره تجلى كإمتداد بديهي للحاضر... فالعالم الذي صاغه ليس مجرداً، فهو مأخوذ به، مشدود إليه.

    33- أما نحن قرّاءه فيبدو لنا واقع حياتنا المرير كحيز مرنٍ يمكن صياغته على نحو أفضل وذلك لأن مقدرة الكاتب تجاوزت بنا لذة القراءة إلى تحرير طاقتنا، والقدرة المباغتة على التحول فيبدي الكاتب من وراء عمله كمهندس معماري، يصوغ لنا من نفس الحجر، والأرض التي إختراناها وطناً آخر، ظللنا ننشده، هنا تتأكد رسالة الفن في ذروته حينما يصبح الواقع قابلاً لصياغة أخرى، وفقاً للتيمة الفنية والأدبية التي نختارها، من بين متون ما تقرء أو نشاهد أو نستمع.

    34- هذا الإتجاه جمع بينه وبين حسن فتحي المعماري المصري الذي بنى قرية مصرية عام 1945 ، والتي يقول عنها- الطيب صالح – قرية تنبض جدارنها بالألفة والجوار. لم أجد يستعين بمثل هذه الفكره. نحن نبني بيوتاً من الأسمنت والطوب ، ولكن حسن فتحي أراد أن يجر الناس إلى أنفسهم من باب المعمار، والمعمار جزء مكمل للأدب والفن....

    بناءاً على أندريه موروا، إعتمد بروست في رواية البحث عن الزمن المفقود على تيميتين منفصلتين، وربط بينهما بعلاقة الإستعارة أو السببية، هنا نلتقي من جديد بنقاط التماس بين الروايتين، فموسم الهجرة إلى الشمال تقوم أصلاً في بنيتها الفنيه، على تيمتي الراوي، والبطل/ مصطفى سعيد. بالرغم من تصنيف موسم الهجرة إلى الشمال ضمت روايات الشخوص والقصص، إلا أنها متداخلة مع روايات الأفكار، لأن البطل كان يمثل أفكار فلسفيه كالوجوديه بحريته المفرطه/ اللاكتراث، وتحمل مسئوليته تجاه الوهم، الذي صاغ به حياته، فقرر الإنتحار أو الإختفاء من مسرح القريه. أما الراوي فتيمته تتمثل في بحثه الخفي عن علاقة الإنسان بالمكان والزمن... أما علاقة السببية بينهما فتكمن في البحث عن الدوافع وماهيتها لخلق، وتطور هذين الشخصين كنموذج لمجتمعين آمن، ومتصدع.

    لا يختلف الكاتب كذلك، في أسلوبه، وماهية الكشف عن كنة الأشياء، والذات الإنسانية، عن بروست فجعل القارئ يتهيأ أسراراً ما تكمن وراء الشخوص والطبيعة، لا نستطيع الكشف عنها إلا بشحذ خيالنا، وحواسنا، فودحامد تبدو كأي قرية صغيرة بشمال السودان إلا أن منظور الراوي لها كعالم مثالي، وأسطوري تارة أخرى كما في عرس الزين، جعلنا نلاحق عالماً آخر يقبع خلف هذه البيئة المحسوسه، التي قد تتفق كل الأعين في وصفها، وتختلف لا محال الذوات الإنسانية في إنطباعاتها نحوها، هنا يكمن الإبداع أو الإستحالة بإضفاء الأسطورية على مكان، وبيئة نعهدها، فنواجه أنفسنا بالسؤال:

    كيف إستطاع الكاتب أن يكشف لنا عن أسرار، وجمال هذه القرية مثلاً، ونحن مثله أبناءها، تأبى علينا هذا السر؟ هنا نبدء في رحلة الكشف عن الذات، لأن تقييمنا للعالم الخارجي نابع من ذواتنا، فالمكان الذي يتراءي لنا، أو نعيش فيه لا يمنح كل منا إحساساً متشابهاً تجاهه!. عمد الطيب صالح كذلك كبروست إلى الإحتياط من المواضيع المبتذلة، فتناول في مجتمع القرية علاقة الإنسان بالمكان، والزمان وأثرهما في نهج حياته، وخارج حدود الوطن كما في شخص البطل بإقحامه في قضايا معاصره كصراع الحضارات وغيرها.

    بتمعن رواية موسم الهجرة إلى الشمال، نلاحظ طبقيتها في تناول مواضيع عده حتى أن البيئة/ الطبيعة، تبدو ككون مركب بهيج. يرى بروست في الإنطباعية وسيلة أخرى لفنية الروايه، إذ تظهر المشاهد منمقة بسحر الفن، وعصى فهمها سهل الإحساس بها... أي أن العمل الأدبي يقدم في لحظته الأولى، فيخلق نوعاً من الغموض، نتمتع بملاحقة كنهه قبل أن تفككه مدركاتنا الحسية.

    35- تمتد علاقة الراوي بالمكان، كإمتداد طبيعي لذاته، فتجدنا لا نفاجئ بوصفه للأشياء والشخوص بعناصر البيئة نفسها، فشبه الراوي جده، مثلاً بشجرة السيال، ينشأ علاقته مع الحياه، تماماً كتجاوب أشجارالسيال معها فهي تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة..
    36- أو حينما إغتالت أرملة البطل ود الريس وانتحرت من ثم لإغصابها على تزوجه، بدت الطبيعة بودحامد حزينة، كأنها تشارك أهل القرية ألمهم " الحقول نيران ودخان... ذكريات الموسم الذي إنتهى... الأرض سوداء تستعد للحدث القادم... ولكن الدنيا قد تغيرت...

    37- يلتفت الراوي إلى كثير من الأمكنة، إذ تثير في دخيلته لغز تعاملها مع الحياة، فينتبه إلى ذاته ويرجع بمقارنته، وملاحظته إلى الطبيعة الأم، فثمة سر هناك لا يدركه إلا الكائن الشفاف، الذي لا يفتأ يأصل جذوره بالأرض، كما تنهض الأشجار من ا لقاع، هذه الدار الكبيرة ليست من الحجر ولا الطوب الأحمر، ولكنها من الطين نفسه الذي يزرع منه القمح، قائمة على أطراف الحقل تكون إمتداداً له....

    في إنشاء الكاتب لمثل هذه العلاقات المحسوسه بين الإنسان والمكان، يشير إليها كعلاقة أزليه غامضه، تؤطر حياتنا قاطبة، إلا أننا لا نلتفت إليها إلا حينما تتجسد أمامنا. فالراوي كما يبدو، شخصاً ذي نظر ثاقب، وإحساساً مرهف، لا يبصر الأشياء/ الطبيعة ، ككون مجرد منفصل، لا يُلج إليه إلا حينما تدعو الضروره، وإنما ككائن مشارك لنا في الحياة، يتبلور دوره ليكون مرشداً لنا في مأزق صراع الإنسان مع الزمن/ الحياة.

    38- الغموض الذي أحسه الراوي تجاه الطبيعة في حياته، فكان يحسها تنطق وتتحرك، ويبصر طيها نهر جوفي.... وأن وظيفة الإستعاره هي منح القوة للروح، وتجديد إتصالها بأمها الأرض... هذا هو بروست في محك علاقته مع الطبيعة/ المكان فالفرد في منظوره يمثل دراما كائن مرهف يبحث منذ الطفولة عن المطلق، ويحاول الحصول على السعاده في شتى صورها... والصوفيه والفن هما وحدهما الوسيله التي ينقل بها للوعي الإنساني الحقائق التي لا يتوصل إليها الذكاء.

    39- أما الراوي بموسم الهجرة إلى الشمال فكان يبحث كذلك عن المطلق، في خضم تجربته الروحيه مع الزمن، والمكان( بودحامد ).

    40- سأحيا لأن ثمة إناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن... سأحيا بالقوة والمكر....

    لا يخفى على قارئ الطيب صالح الأثر الصوفي المتجسد في أعماله: الحنين بعرس الزين، وقباب ودحامد، والجد بموسم الهجرة إلى الشمال، واللوامع، واللازمان، بمعناه الصوفي في بندر شاه ومريود وغير ذلك من قيم الصوفيه.

    هذا كما أن الكاتب نشأ في بيئة صوفيه، فنبعت أعماله من تجربة روحية إستطاع عبر فنية الرواية ( الإيحاء والأسطوره ) أن يرتقي بها من الواقعية التسجيلية إلى رويات الأفكار والنقد الإجتماعي، والأسطوره. لم تزل رواية موسم الهجرة إلى الشمال، رواية معاصرة، بتيماتها المتعددة:
    صراع الإنسان مع الزمن، وعلاقته بالمكان، والبحث الدائم في الذات الإنسانية، لا سيما حينما يهزها صراع من الخارج/ صراع الحضارات، كما حدث للبطل مصطفي سعيد.... إننا لم نزل نقرء هذه الرواية من وجهات نظر عده، لأن الكاتب ترك لنا خيارات متعدده، لتناول تيماتها هي معادلة الذاكرة والمكان والزمن في أدب الطيب صالح، محور خفي تتمركز عنده الإحداث، وتتصارع فيه الشخوص على مدى تجدد الزمن وثبات المكان " قرية ودحامد "، حتى يتبدد الزمن الواقعي مفسحاً المجال لصتوه الأسطوري. إن الطيب صالح جزءاً من شريحة واسعه من أبناء شمال السودان رسخت بمخيلتها ملامح البيئة تلك:
    أهرامات النوبه، النخيل، النيل، والسماء الخالصة الزرقه، والقرى المتناثرة حوله كشقوق بكف خشن. شريحة لم تزل تنتصر للذاكره، وتبحث في دوار الزمن عن لحظة ثابتة من نثار الماضي والحاضر، لتؤكد بها تواصلها كزمن أبدي يؤالف بين الماضي والحاضر. إن أعمال الكاتب تخلص في كثير من الأحيان إلى فلسفة ( الموت )، كنتيجة طبيعية لصراع الإنسان مع الزمن، وكشفه لذاته... فالموت في منظور الكاتب/ الراوي إمتداد طبيعي للحياة، فما من ثمة ألم لفراق، أو لبتر وشائج الحياه " وذهب من حيث أتى من الماء إلى الماء "، ودفناها عند المغيب كأننا نغرس نخله، وفي ليلة كهذه، يبدو الموت وجهاً للحياة....

    41- لم يمت الزمن كلية لدى الراوي/ الكاتب كما يبدو وإنما توقف، ليعاد، وينشأ خلوده في الفن/ الروايه.

    42- على النقيض من بروست الذي كان يحن إلى زمن كفردوس مفقود، نجد أن الطيب صالح قد أنشأ في كتاباته العالم الذي ينشده، وتم تثبيته، فكلما أردنا إستحضاره، تصفحنا متون الكتاب، يقول الطيب صالح " أعتقد أن الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في إعماقه والإبداع نفسه ربما فيه البحث عن هذه الطفوله الضائعة ". كما تولد لدي إحساس بمسألة أخرى، فقد ظل يراودني شعور بأنني تنكرت لعالم أحبه كثيراُ، خاصةً أنني كنت ملتحماً بالبيئة إلتحاماً تاماً. وأعتقد أن المحرك الأساسي لما أكتب هو خروجي من السودان وبالتالي من منطقتي وصورتها التي تركتها عليها في الخمسينات. الصورة التي وصفتها في عرس الزين، وما زلت أحلم بها... ويؤرقني بإستمرار أنني لست موجوداً هناك....

    تبدو الشخوص في أعمال الكاتب، في تناغم تام مع بيئة ودحامد، التي طرأ عليها التغير فيما بعد " بندرشاه ومريود "، أما مصطفى سعيد، فرغم أناطة الكاتب له بدور نقيض للراوي المتعلق بالحياة وبصلته بالمكان/ المجتمع، والزمان إلا أنه كان يصبو إلى تكوين وطن لخواء روحه، وبيئته البلقع.

    43- ... تلك الفرقة التي اسسها مصطفى سعيد في لندن ( عمق الغرب ) وحشد فيها كل مرموزيات الشرق الساحر.... بإعتبارها سكيناً أسطورياً تسكن قلب الغرب العقلاني الديكارتي وقتها وبالمقابل ... بني غرفة محدودية السطح " كظهر الثور " مثل بيوت الريف الإنجليزي. بني هذه الغرفة في قرية شرقية بسيطه تقع عند منحنى النيل... وحشد فيها الكتب والصور وكل مرموزيات الغرب العقلاني... إنها غرفة كقلب الإنسان... ففي قلب الغرب يوجد شرق... وفي قلب الشرق يوجد غرب...

    إن البيئة في أعمال الطيب صالح، لا تمثل كياناً جامداً، غير متفاعل مع الأحداث أو " مشهد طبيعي " نلج إليه عبر الوصف، فبيئة ودحامد الطبيعية بدأت بالنيل كرمز لإمتداد الحياة ( وبالدومة ) التي تجلى فيها مفهوم المكان الحسي والصراع حوله " الأرض تتسع للجميع والزمن الأسطورة في " عرس الزينة "....، أما روايتي " بندرشاه ومريود " فأظهر الكاتب التغير الزمني يزحف المفاهيم الجديدة كالسلطه والمدينه في قرية ودحامد.

    بالعودة إلى موسم الهجرة إلى الشمال ومقارنة التغيرات التي حدثت في بيئتها، ببيئة زقاق المدق لنجيب محفوظ، نجد أن التغير الذي أحدثه مصطفى سعيد كدخيل على القريه، انتحاره، وقتل أرملته" لودالريس " وانتحارها من ثم، شبيه بمقتل عباس الحلو، والتغيرات التي حدثت فيما بعد في بندر شاه كتأثر ودحامد بالمدينة.... أي يمكننا أن نقابل الإستعمار الإنجليزي في زقاق المدق بأثر المدينة على القرية في بندر شاه وبشخصية مصطفى سعيد التراجيدية وإنسحاب أثره على أرملته التي مثلت جريمتها في قرية ودحامد، شرارة للتغير التدريجي، كمقتل عباس الحلو في زقاق المدق.

    أما ( عرس الزين )، فهي الزمن/ الأسطوره، حيث يبدو كل شيئ مثالي: الشخوص، تتعارك وتصطلح من جديد، كأطياف بالمنام، أو كحكماء أدركوا قصر الحياة، فما من ثمة برهة واحدة جديرة ببذلها في تعكير صفاء الوشائج الإنسانيه.

    44- إنتهج مصطفى سعيد ( الجنس ) نمطاً لحياته، ليس من منطلق ( بهيمي ) صرف، وإنما بإعتبارها الخلاص الوحيد من التراكمات الحضاريه والكشف عن الحياة ولإيمانه بأن الغزو الحضاري بملاحقته لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، هو الذي وصفها بالبهيميه رغم ذكاءه الحاد، إلا أنه قد فشل في التعامل مع الحياة في أبسط صورها فأبحر في رحلة تراجيدية كوسيلة للتواصل مع الحياة وككشف عنها متطرف لها.
    . إن إختيار الكائن له كشخصية فاشلة في علاقاتها مع الأوروبيات، هو عكس لفشل تلاقح البيئات المتباينة فالتصدع لا يكمن فقط في شخصه، أو فيهن وإنما في إختلاف البيئتين، وتأثيرهما عليهم. هذا هو الدافع، الذي جعل شكسبير يختار ( عطيل ) المغربي وليس الرجل الأوروبي لعكس العلاقات الإجتماعية لأفراد من بيئات مختلفة لإظهار فشلها.

    45- إن مصطفى سعيد بين النقاط المذكورة أعلاه، كان يبحث عن المرأة كبديل لعلاقته المبتورة بالمكان والزمان اللذين تجسدا له، في البدائية/ أو الحضارة البكر، وفي علاقته مع المرأة. لقد ظل أثر الإفراج عنه من السجن، يتنقل في أصقاع القارات، وذلك لخوفه من الإستقرار، الذي لا يعني سوى الجمود أو الموت. فقد فَقَد وطنه البديل/ المرأة لأنه لم يستطع أن يقيم معها علاقة متزنة، فتجلى لنا في هذه العلاقة الجشع، وحب الإمتلاك، والخيانه.... كرموز إلى علاقة المستعمر بالمستعمر.

    46- إن منظوره للإنسان المنتصر هو ذاك الفرد المتخلص من الغزو الحضاري بتحرره من سلطة الجسد. لقد تمكن الكاتب أن يعكس لنا علاقة الإنسان بالبيئة وأثرها الإيجابي والتراجيدي بدسّها بين الأحداث كمحرك خفي، وصفات مكتسبه، تتدخل في مصير الفرد كقدر محتوم. على صعيد آخر، نجد أن نوستالجيا الراوي إلى بيئة وشخوص ودحامد، لم تشكل خوفا من المستقبل، وإنكفاءاً على الماضي، وإنما حالة إتزان تفصح عن فهم الفرد لتجدد وإنقضاء الزمن/ الحياة.

    يبدو أن الطيب صالح قد كتب كل أعماله كأطروحات... ولم يخضع لها كموضوعة تقريريه أو عمل أدبي يعاند كثيراً لإظهار الفكرة على حساب فنية الرواية والشخوص كما في رواية الحي اللاتيني.

    إن هجرة الكاتب إلى أوروبا أتاحت له أن ينظر إلى وطنه والحضارة الشرقية من منظور مقارن/ صراع الحضارات، وجعلها كشف عن الذات الإنسانية في صراعها مع المكان، والزمن بلحظاته الخالده، والموت كما في قصة موعد في الصحراء، وغيرها. إن خلق الطيب صالح، لعالم له طقوسه ونمطه الخاص، جعل إستكناه الأفكار، والأحاسيس الغامضه التي تعترينا ممكناً. لا غرابة في ذلك فالكاتب كما ذكر لا يؤمن بالمسلّمات، والثوابت، مما جعله ينتهج ( العمل الأدبي النقدي )، كأداة للكشف الجرئ عن الذات الإنسانية والمجتمع. رغم خوض الكاتب في موضوعات شتى تقتضي التجربة الذهنيه، والتقريرية إلا أنه كان يكتب بتجربة روحيه، وصدق فني، أقرب مايكون إلى السهل الممتنع.

    47- وبالرغم من إغترابه، وأسفاره العديدة، وإقامته المديدة بلندن، إلا أنه ظل يؤمن بأن العربي يجب ألا يعيش إلا في وطن عربي، والمسلم إلا في وطن مسلم، بهذا عني الكاتب التمزق الروحي للمغترب، والطمأنينة التي لا يمكن تحقيقها إلا داخل الموطن، بعيداً عن الغربة الروحيه، والمتناقضات، التي كثيراً ما تعصف بالمغترب في مهب الأزمات، لذا تجده دائماً يردد حكمة صديقه الأبنودي:-

    في الفجر قال الآذان زي في كل يوم بيقول
    بلاد الكافرين ما بتسع غير كافرين
    مهما الزمن يقصر ومهما يطول

    48- إن الرد الكتابي الذي قدمه الطيب صالح قبل أكثر من ربع قرن على كونوراد بدفاعه عن الوطن/ المكان المستلب، والزمن البهيج الذي بزمن المصلحة والعنف إستبدله الإستعمار هو رد رائد يمثل مواجهة فكر المستعمر لحيلة المستعمر وصراع المصالح وتعرية القيم المصطنعه.

    أضفت سنوات الإغتراب الطوال الموشاة بتقلد العديد من المناصب الثقافية على شخص الطيب صالح الوفي لموطنه والمعتز بتراثه، ثقافةً واسعةً ولغةً محدثةً أهلته لريادة الرواية العربية المعاصره، بالرغم من شح إنتاجه الأدبي المتمثل في رواية موسم الهجرة إلى الشمال إحدى أهم روايات مجابهة الثقافات وعرس الزين وبندرشاه ومريود وقصصه ( دومة ودحامد ) التي من خلالها إكتشف شخوصه وبيئة أعماله القادمه.

    لقد تمكن الطيب صالح من خلال تكثيف رؤيته وتعددها في آن واحد من إستقطاب " الحقيقه " والواقع والمخيال الشعبي قبل كل شيئ، ولكأنه بذلك قد أشبع رغبته في الكتابة فشغل فكرة التريث في معاودتها من جديد خوق ألا تحيط الكلمة بالحادثه والفنية بالروايه مثلما مهر أعماله السابقه. إن الطيب صالح لا تملي عليه التجربة الذهنية أن يكتب بل أن المعايشة الروحية هي ركيزة أعماله مقترنة بفنية الرواية والخيال مما مهد لتجسيد شمولية تيماته الأساسيه، التي خاطبته كروائي، وأثارت كوامنه كفرد معايش لها أو كمشاهد عن كثب.

    49-ان تذكرنا لمصطفى سعيد اللامنتمي، الخارج على القانون بجريمته وعلى القيم بعلاقاته المتطرفه بالنساء والحياة وبتصدع ذاته يعود بنا ليربطه بلا منتمي هيرمان هسه في رواية ذئب البوادي:
    " ... ولكي يوضح هالر شقاءه، قسم نفسه إلى شخصين، إلى إنسان متحضر وإلى ذئب. فأما الإنسان المتحضر فإنه يحب كل ما يمت بصلة إلى عالم أميل شكلير الأول كالنظام والنظافة والشعر... ولا يسكت إلا في البيوت التي تحتوي على مدافئ أنيقة وأرضيات لماعة نظيفه. أما نصفه الثاني فهو المتوحش الذي يحب العالم الثاني: عالم الظلام. إنه يفضل الإنطلاق والخروج على القانون، فإذا أحب إمرأة فإنه ليشعر بأن الطريقة الوحيدة للحصول عليها هي في قتلها وإغتصابها، وهو يعتبر الحضارة البورجوازية وكل خطئها نكته كبيره.

    اما مصطفى سعيد فقد استقر في قرية ودحامد البسيطه وما فتأ يتصارع مع أنصافه المتضاده في غرفته تلك ذات المدفئة التي أسسها على نمط أوروبي وسط بيوت القريه الطينيه.

    إن مصطفي سعيد اللامنتمي، كان يجد في معالجته لفن الرسم، وقرض الشعر، كما تبين للراوي حينما ولج عرفته بعد إنتحاره – إرضاءاً لحاجته في التخلص من واقعه المرير، ونصفه الشرس بإعتباره ذئب وإنسان متحضر معاً.

    50- قبل أن يقتل مصطفى سعيد جين مورس، صرحت له بأنها تحبه، وأجابها بأنه يحبها كذلك.... هنا تتجلى لنا دراما هذه العلاقه، التي لا يسفر الحب عنها إلا في لحظة الموت " وغرست الخنجر في صدرها... وقالت لي أحبك، وقلت لها أحبك وكنت صادقاً ".

    51- يصف مصطفى سعيد يصنف نقسه بأكذوبة " هذا المصطفى سعيد لا وجود له ولا حقيقه يعتبر الحياة نفسها أكذوبة كبرى... أكذوبة كبرى. وأطلق العنان لوهمه، كطريقة وحيدة، للتعامل مع الحياه...

    52- ورغم إدراكي أنني أكذب فقد كنت أحس أنني بطريقة ما أعني ما أقول وأنها هي أيضاً رغم كذبها فإن ما قالته هو الحقيقه ...

    53- نعلم الناس... ونطلق طاقاتهم المحبوسه ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجه/ الحريه.

    54- إن الكاتب كما صرح في لقاءاته الصحفيه، وكما يتبين لنا في هذه الرواية، معجب بأشعار أبي نواس، والمتنبي والمعرّي. فنجد أثر المتنبي قد إنسل إلى هذه الروايه، بقوة الصورة والإنفعال، والإلتفات البلاغي كجزء من أسلوبه بإنتقاله من المخاطبه إلى السرد العام بضمير الغائب وبالموسيقى الداخلية في النص. هذا كما أن الكاتب أورد إلتقاء البطل بمستر روبسون بالقاهره المعجب بشعر أبي العلاء، والذي لا يراه الكاتب زاهداً أو نقيضاً لأبي الطيب المتنبي، وأبي نواس، يقول الطيب صالح.... أما ترى حنين المعري إلى عالم اللذه والحس، حينما قال :-

    أين إمرؤ القيس والعذارى إذا مال من تحته الغبيط
    له كمتيان ذات كأس تريد والسائح الربيط

    55- فالمعري في نظره، لم يكن زاهداً دفن نفسه في أرض النسيان... لقد مكث يغالب الدنيا وتغالبه... أما المتنبي في منظور الكاتب، لم يكن يمدح كافور حقيقه وإنما كان يسخر منه.... وكان مشغولاً بنفسه.

    إن رحلة المتنبي في بحثه عن المجد، واستغلاله لكل ما يتاح له لبلوغ مأربه، هي علاقة شبيه بنرجسية بطل موسم الهجرة إلى الشمال. بالرغم من أنه لم يكن يطلب المجد، كما قال إلا أنه تحوصل، حول ذاته لإشباع رغباته، في عالمه الوهم وإن أدى ذلك إلى حتف الآخرين كما حدث.

    أظهر الكاتب الإمكانيات الإبداعيه غير المصقوله لمصطفى سعيد، بقرضه الشعر كما في قصيدته " عربدت في الصدر آهات الحزين.... "، وجعله يختار أبي نواس من ضمن الشعراء كما كان يستشهد به البطل في الخمر والجنس، أمام الملأ العام بـ ( هايدبارك ).


    المراجع :-
    - البحث عن الزمن المفقود، لأندريه موروا ( 1-2-3-5-6-9-10-13-15-17-18 -19-20-21-22-23-24-25-26-27-28-30-38-39 )
    - الطيب صالح الرجل وفكره ( 5-6-42-46-50 )
    - دوريات عده
    - كتابات سودانيه
    - صور المثقف لإدوارد سعيد (47 )
    - مجلة الخرطوم العدد 19 ( 43 )
    - موسم الهجرة إلى الشمال ( 8-14-29-31-32-35-36-37-52-53-54-55 )
    - المتنبي، لأحمد الطبال ( 49 )
    - اللامنتمي، لكولن ولست ( 12-48-51 )
    - بندر شاه ( 4-16-41 )
    - تفاحة آدم، دراسة لـ د. هـ . لورانس ( 44 )

    تحية للكاتب المبدع الطيب صالح، بمناسبة حوزه على جائزة ملتقى القاهرة الثالث للإبداع الروائي العربي وبمناسبة ترجمة روايته موسم الهجرة الي الشمال الي اللغة الالمانية مؤخرا اثر ان ترجمت الي اهم اللغات العالمية .

    قدم جزءا من هذه الدراسة فئ المنتدي السودان ببرلين بحضور الطيب صالح .

    مهداة هذه الدراسة الي روح الراحل المفيم د.امين حمد


    المصدر:
    http://sudanile.com/2008-05-19-17-39...-21-26-19.html

    تعليق

    • ابراهيم خالد احمد شوك
      أديب وكاتب
      • 09-01-2012
      • 534

      #3


      قراءة في "دومة ود حامد" للطيب صالح: لا بد من الحوار ولو طال الصراع

      د. عبدالرحيم مؤدن
      عن جريدة القدس العربي
      2011-01-13



      أكاد أزعم أن عالم ‘ الطيب صالح’، إبداعيا، ظل محافظا على ‘ رؤية’ ثابتة، في الرواية والقصة القصيرة، مستقصيا أبعادها وتحولاتها في الماضي والحاضر، عبر سياحة عميقة في الذاكرة الفردية، والجماعية بما فيها ذاكرة المحتل، خاصة مرحلة ‘ اللورد كتشر’، وسقوط عشرين ألف شهيد ايام ثورة المهدي في القرن 19.
      إنها ‘ ذاكرة موشومة’ ـ على حد تعبير عبد الكبير الخطيبي ـ دون أن يرادف هذا الوشم حقدا أو ‘ عنصرية مضادة’ أو رغبة في الانتقام الذي اكتشف ‘ مصطفى سعيد’ ـ الوجه الثاني للراوي الراغب في الحوار قبل الانتقام ـ عبثيته وهو يطلب (النجدة) بعد أن شارف على الغرق في النيل كناية عن الغرق الأكبر الذي عانى منه في (لندن)، مدينة وجرائم وسجنا الى أن عاد الى السودان.
      في قصصه الأخيرة ـ دومة ود حامد خاصة ـ لا يمل ‘ الطيب صالح ‘ من رسم هذه العلاقة مع الذات من جهة، ومع الآخر من جهة ثانية.
      وسأقتصر على النصوص التالية (2):
      1. سوزان وعلي
      2. خطوة للأمام
      3. الاختبار
      4. لك حتى الممات
      أما بالنسبة للقصة التي عنونت بها المجموعة ‘ قصة دومة ود حامد’ فإنني أعتبرها صفحات منفلتة من ‘ موسم الهجرة الى الشمال’، بل إنها لحظات متقطعة من عودة الراوي الى قريته، في مواسم مختلفة لتركيب عناصر الصورة سواء عن طريق الكشف والاكتشاف للقرية، ومكوناتها، بحكم طبيعة المسافة بين الراوي وقريته، أو من جهة ثانية، عن طريق المحكي الذي يمارسه الجد مرمما أجزاء الصورة، بظلالها الظاهرة والخفية.
      تقوم هذه القصص على مكون مركزي تحكم في النص منذ البداية الى النهاية، لنطلق عليه، مؤقتا، مكون الطباق الذي ‘ لا يدير ظهره’ للحقل البلاغي، ولكنه يسمح بالانتقال من التعارض أو ‘ الثنائية الضدية’ الى التماثل حينا، والتطابق حينا آخر، المشاكلة حينا، والتقابل حينا آخر.
      مظاهر هذا الطباق المطابق، إذا صح التعبير، تتجلى في الآتي:
      1. في اسم العلم (سوزان # علي في قصة سوزان وعلي).
      2. في اللون: (كان اسمر داكنا، أسود إذا شئت، لم تكن سمرتها داكنة، بيضاء إذا شئت). قصته (خطوة للأمام).
      3. في المظاهر الجسدية الأخرى، من أنف وشعر وعيون، فضلا عن الملامح الأخرى. (خطوة للأمام).
      4. في المرجعية الثقافية والمهنة، والاهتمامات الفكرية والفنية: ‘ كانت تعمل كاتبة اختزال في شركة التلفزيون، وكان يعد رسالة الدكتوراه في التاريخ’ (قصة ‘ لك حتى الممات’). ‘درست الفن في معهد سليد، درس العلوم السياسية في معهد الاقتصاد بجامعة لندن’ (قصة سوزان وعلي). ‘ هو محام من دربان، وهي ممرضة من نطنغهام’ (قصة الاختبار). ‘ كانت ممرضة وكان معلما’ (خطوة للأمام).
      5. في المكونات النفسية والتربوية وانعكاس ذلك على السلوك الاجتماعي والتفاعل الحضاري مع البيئة الاجتماعية. ‘ كان رقصه فظيعا، لكن معرفته باللغة الانكليزية كانت جيدة.’ (لك حتى الممات). ‘…ولم يكن يبدو أنها متعلقة بأهلها كثيرا …ومن ثم عاد الى بلده’ (’ لك حتى الممات’ / ‘ سوزان وعلي’).
      المظاهر الطباقية السابقة، مقدمات لتعميق مظاهر الاختلاف بين الكائنين، العالمين، الهويتين، والكاتب ـ وهو سارد أيضا ـ يقدم هذه المقدمات بهدف إبراز المعطى الموضوعي الذي لا جدال فيه، وهو معطى الاختلاف. ومن ثم، فالاختلاف وارد، بالقوة والفعل، في واقع البيئتين المتعارضتين:
      الخرطوم# لندن، السودان # بريطانيا، أوروبا # افريقيا. العالم المتقدم # العالم المتخلف.
      ومن الضروري أن ينتج هذا التعارض التوجس، أحيانا، بسبب الضغط الاجتماعي ‘ في مكتب التسجيل في فولام رود، حيث أخذها وحيث تركته يأخذها، كانت تصرفات المسجل لا غبار عليها، لكن خيل لبعض الحاضرين أنه كان محرجا بعض الشيء’ (خطوة للأمام).
      وقد ينتج هذا التعارض سوء الفهم والشك والقطيعة في نهاية الأمر. ‘ مات بالالتهاب السحائي في صيف 1951. ولم يخبرها أحد (…).. لماذا لا تجيب؟ أم أنك لم تعد تحبني؟’ (لك حتى الممات).
      كما أن هذا التعارض، قد ينتج أحيانا، المغامرة والتمرد وتجاوز المحظورات. ‘ بعد ثمانية أشهر حصلت المعجزة، ومع هذا قالت: لست أدري.
      قال: أنا أيضا لست أدري.’ (لك حتى الممات).
      قالت: تزوجني..
      قال: لا، صعب.
      قالت: لكني أحبك.
      قال: وأنا أيضا أحبك، لكن..’ (سوزان وعلي).
      هذه المستويات من التوتر المادي والنفسي بين الطرفين، تعكس رواسب عديدة من طبيعة العلاقة بين العالمين منذ عهود سحيقة الى اليوم، وبحكم طبيعة هذه العلاقة المبنية على التضاد، وفي جوهرها الأساسي كان من الضروري أن يقع الشد والجذب، عبر مراحل تاريخية مختلفة، ممهورا بالدم (الحروب الصليبية / العراق / فلسطين) حينا، وبتبادل الأوهام، على حد تعبير سيزا قاسم، حينا آخر (مفهوم صراع الحضارات / تصدير الديمقراطية / التمييز العرقي / العقل الأوروبي التنويري والظلامية الشرقية…) عدالة التاريخ أو ظلمه، وعدالة الجغرافيا أو ظلمها وما نتج عن ذلك في النصوص القصصية السابقة، نلمس القليل أو الكثير من ذلك، بعد أن تم تقديمها وهذا ما سنعود إليه لاحقا، سرديا بصيغ مختلفة.
      في قصته ‘ خطوة للأمام’ نجد التركيز على الاختلافات ‘ الأنتروبولوجية’ بتجلياتها الظاهرة جسدا ولونا ومقاييس جمالية، علما بأن ‘ الأنتروبولوجيا’ و’ الإثنوغرافيا’ من علوم الاستعمار التي صاحبت حركته التوسعية قبل أن تتحول، في وقت لاحق، الى أدوات علمية تستخدم في الخير والشر.
      ‘ كان أسمر داكنا، أسود إذا شئت. لم تكن سمرتها داكنة، بيضاء إذا شئت.
      كان أنفه أفطس، لكنه لم يكن قبيحا، وكان أنفها إغريقيا جذابا بأي مقياس قسته’.
      أما بالنسبة لقطبي التاريخ والجغرافيا، ظلما وعدلا، فإن الرسائل المتبادلة بين الطرفين تقدم لنا بعض جوانب هذين القطبين ‘ كتبت تقول: الراتب جيد، وكندا ممتعة، لكن لماذا علينا أن نكون بعيدين هذا البعد واحدنا عن الآخر؟’
      أجاب: ‘ لأنه من جهة، ليس من العدل أن أجرجرك الى هذا المكان، البالغ الحرارة والكثيف الغبار، ولأني فقير لا أستطيع أن أثقل ضميري بك’.
      أما بالنسبة للدم، فالإشارة المركزة الى علامات تاريخية محددة، تعكس التوتر الدائم ‘ كانا يقيمان حفلة عشية كل سبت يدعوان إليها أناسا من كل نوع لـ…(تلامذة مصريين حتى إبان معركة السويس..’ (من قصة ‘ الاختبار’).
      سبقت الإشارة الى الطباق في النصوص القصصية السابقة الذي يتجه الى أن يصبح مطابقة تقابلا، تماثلا، تشاكلا.
      ومن ثم، فالصراع بين العالمين اقتضته ضرورة الاختلاف بين العالمين في مستويات عديدة دون أن يمنع ذلك من محاولة تقريب الهوة بين العالمين. وبهذا يصبح الاختلاف عنصرا من عناصر إثراء العلاقة بين العالمين، الى الحد الذي تصبح فيه العلاقة صيغة جديدة أنتجت منتوجا لا هو بالشرقي ولا هو بالغربي، بل إنه تحمل القليل أو الكثير من هذا أو ذاك. فارتباط الشرقي بالمرأة الغربية بالرغم من خضوعهما لعناصر الاختلاف الى حد التعارض، لا يمنع من إمكانية الارتباط بينهما، من جهة، ومن الاستناد، من جهة ثانية، الى قاسم مشترك يجمع بينهما. وهذا القاسم المشترك قد يكون:
      ـ الحب المتبادل بين الشخصيتين لعوامل عديدة، مثلا، التفوق العلمي، وهو قاسم مشترك بين معظم قصصه، بل الراوية أيضا (موسم الهجرة الى الشمال)، والقاسم المشترك بين الشخصين، وارد عند كل منهما عبر هذه العلاقة.
      ـ أو قد يكون الدافع هو الرغبة في خلق هذا القاسم المشترك، تمهيدا لتطبيع العلاقة بين الشخصيتين شريطة أن يحمل هذا القاسم المشترك ملامح مشتركة أيضا، تعكس هذا التواصل الجديد في قصته ‘ خطوة للأمام’ يجسد الطفل هذه الصيغة التواصلية فهو يجمع بين بياض الأم الانكليزية، وسواد الأب القادم من السودان، وملامحه الجسدية الأخرى من شعر وأنف وعيون، تأخذ القليل أو الكثير منهما الى غير ذلك من القواسم المشتركة (انظر قصته ‘ خطوة للأمام’).
      ـ أو قد يكون القاسم المشترك نابعا من المغامرة ضدا على التقاليد الأسرية والاجتماعية والجغرافية في المجتمعين (’ سوزان وعلي’ / ‘ الاختبار’). والمغامرة، بطبيعتها قد تنجح أو قد تفشل، كما أنها، من ناحية أخرى، قد تبدأ بالنجاح وتنتهي بالفشل (’ سوزان وعلي’ / ‘ لك حتى الممات’) أو قد تبدأ بالانسجام، وتنتهي بالفشل الجزئي، من أحد الطرفين، وصولا الى الفشل النهائي.
      إن المظاهر السابقة حلقة من حلقات الصراع بين العالمين، من خلال مستويات العلاقات العاطفية بين الرجل العربي ـ الافريقي، والمرأة الغربية. ومن ثم، فالرصد المتأني لهذه العلاقة تجاوز ما كان يعرف عليه ‘ مصطفى سعيد’ في رواية ‘ موسم الهجرة الى الشمال’ بواسطة لغة الدم التي مارسها الأجنبي ‘ منذ ألف عام’ قبله أن يمارسها ‘مصطفى سعيد’، انتقاما لكل الضحايا، أقول، إن هذه الأوضاع (البورتريهات) في هذه القصص تسمح بإعادة النظر، في هذه العلاقة، بوسائل جديدة تقوم على ‘ التواصل الإنساني’ بين المرأة والرجل، بين الشرق والغرب. وهذا ما يؤكد على إمكانية النجاح في لحظات محددة (قصة ‘ خطوة للأمام’) وفي الوقت ذاته، لا يمنع ذلك من الفشل كما عكسته زيجات بين الرجل العربي ـ الافريقي، والمرأة الغربية، في قصص مختلفة (’ لك حتى الممات’ / ‘ سوزان وعلي’).
      والكاتب، في هذا السياق، يتبنى قصصه القصيرة من خلال بنية ثلاثية على الشكل التالي:
      ـ (أ) هدوء ـ توتر ـ هدوء (’ خطوة للأمام’)
      ـ {ب} توتر ـ هدوء ـ توتر (’ سوزان وعلي’ / ‘لك حتى الممات’)
      ـ وفي الحالة الأولى (أ) تكون هذه العلاقة الثلاثية على الشكل التالي:
      ـ رجل ـ امرأة ـ حلم متحقق (’ خطوة للأمام’)
      ـ وفي الحالة الثانية (ب) تصبح العلاقة على الشكل التالي:
      ـ رجل ـ امرأة ـ قدر (’ سوزان وعلي’)
      ـ رجل ـ امرأة ـ سوء فهم أو تفاهم (’ لك حتى الممات’)
      ـ رجل ـ امرأة ـ عجز عن تجاوز رواسب محددة (’ سوزان وعلي’)
      بين القدر وسوء الفهم أو التفاهم، وبين القدر والعجز عن تجاوز رواسب التاريخ والجغرافية التي امتدت كما جاء على لسان مصطفى سعيد بطل ‘ موسم الهجرة الى الشمال’، الى ألف عام.. من الصراع بين الغرب والشرق، بين هذا وذاك، حاولت شخصيات هذه القصص تجاوز كل ذلك فنجحت مرة، وفشلت مرات، ومنها عاودت المحاولة من جديد. وهذا هو قدر الغرب والشرق، لا بد من المحاولة، محاولة الجوار ومحاولة اللقاء، وفي الأرض متسع للجميع.

      هوامش:
      (1). الطيب صالح: ‘ دومة ود حامد’ (قصص) ـ ‘ دار العودة’ ـ بيروت 1984.
      (2). وهي من نصوص المجموعة أعلاه.

      تعليق

      • ابراهيم خالد احمد شوك
        أديب وكاتب
        • 09-01-2012
        • 534

        #4
        رجل في حياتي ... الطيب صالح
        بقلم : رابح الفيلالي

        الأربعاء, 25 فبراير 2009 12:06

        أعرف السودان أكثر مما أعرف وطني الام الجزائر ولذلك قصة غريبة التفاصيل واحدة من أسبابها أنني كنت دائم الصلة بالسودان والشأن السياسي السوداني بصورة أحيانا كانت تدفع الكثر من أصدقائي السوداننين العديدين الى تقديم اقتراح الحصول على الجنسية السودانية وتتويج قصة هذا الحب الكبير التي تجمعني بهذا البلد الكبير الذي قدرت له أحكاام الجغرافيا أن يتوسط عوالم ثلاث مختلفة الخط الحضاري السياسي والاجتماعي .
        في السودان وحده تجمعك الجغرافيا بنقطة التقاطع النادرة بين افريقيا من جانب والعالم العربي من جانب اخر وفي السودان وحده أيضا تكشف لك الجغرافيا عن خيط الصلة العميق بين العالم الاسلامي وبقية القارة السمراء وفي السودان وحدة أيضا تتشكل خريطة من الاعراق الانسانية والاجتماعية تشكل خليطا حضاريا يدفع في الكثير من حالاته الى التامل طويلا في تركيبة هذا البد الاسثتنائية بكافة المقاييس .
        لقد شرفني الاصدقاء السودانيين بالمحبة الواسعة في قلوبهم خلال زياراتي المتعددة الى السودان من دارفور في الغرب الى جوبا في الجنوب مرورا عبر نيروبي مرورا دائما وليس عابرا بالعاصمة الخرطوم وكان من أوجه المحبة عند الاصدقاء السودانيين أن أكون دائم الاطلاع على تفاصيل المشهد السياسي في السودان الى حد الذي جعل أحد المدراء السابقين الذين تشرفت بالعمل معهم في قناة الحرة أن يسالني مع مطلع كل صباح جديد وأنا أدخل الى غرفة الاخبار ما هو جديد الخرطوم؟
        هذه التوطئة أجدها اكثر من مناسبة وأنا أريد أن أسجل بعض مواجعي العميقة في فقدان الكاتب العربي الراحل الطيب صالح .
        الطيب اسم لجأت اليه والدته الكريمة بعد أن فقدت ا ثنين من أبنائها على التتابع وعلى طيبة أهل السودان تعتقد الامهات منهن أن تسمية الطفل اللاحق بالطيب سوف يعطيه فرصة الحياة وهي نفس القصة حدثت معي شخصيا عندما أنقطعت الخلفة عن أمي بعد خمسةعشر سنة من الزواج فكان نذرها على الله أن تسمي مولودها البكر برابح وتلك واحدة من عادات نساء شرق الجزائر وهي الجهة التي تتحدر منها عائلة أمي .
        الطيب اختارت له أمه الطيب اسما وكان الرجل في حجم الاختيار بعد أن من الله عليه وعلى أمه بطول العمر والنجاح الذي تجاوز جغرافية السودان البلد الاكبر جغرافية في القارة الاكبر جغرافية في العالم .
        عاش الطيب القروي الهادئ المسالم في جلبابه الاصل ولم يحاول أن يخلعه يوما غزا كل المدن الباردة والدافئة من عمق لندن وضبابها المزمن الى فضاء الدوحة المتسع حرا الى سماء أبوظبي المزدحم رطوبة الى فضاء باريس المتراكم بعناوين الجن والملائكة .
        في كافة هذه المحطات كان الطيب واحدا لايختلف ولايتغير كثير الاستماع الى من هم حوله كثير العطاء الى كل قادم الى مجلسه ويتساوى في الامر القادمون الى مجلسه للمرة الاولى أو العابرون الى هذا المجلس للمرة الالف والعادة عند الاصدقاء في السودان وان اختلفت بهم عواصم الدنيا هي فيض هائل من الحميمية في التواصل وكاني بالزول السوداني لايجد داته الا هو محاط بالسوداني وتلك ميزة تحسب في رصيد أخلاق وسير أبناء النيلين .
        في الطيب تجد المستمع الجيد كما تجد أيضا الانسان المتسع متسع في مساحة الحضور اليك كانسان يشاركك البوح والمكاشفة للوجع ان كان في القلب جرج يستدعي أن يستمع اليه وما أكثر الجراحات التي تسكن القادمين من مختلف عناوين الجغرافيا العربية .
        عندما التقيت الرجل وهو شرف اعتززت به دائما ا قتربت لحظة من معلم رسمت له ملامح من نور في مخيلتي الشخصية وأنا يافع في مرحلتي الثانوية أقرأ رواية موسم الهجرة الى الشمال للمرة الثالثة على التوالي ومن غير انقطاع وأحاول أن أمررها على الزملاء في الاقسام الادبية قدر ما اتسعت طاقتي لذلك كنت أقول بوعيي المحدود في الرؤية والزمن حينذاك أن من لم يقرأ هذه الرواية أضاع نصف العمر أما النصف الاخر فسيظل معلقا ولن يعود الى صاحبه الى حين قراءتها .
        أستحسن مني الرجل التفاصيل التي كنت أعيد صياغتها بمفرداتي عن موسم الهجرة وهو يسمعها مني باسلوبي في الرواية وعاد ليقول في أدب أهل السودان وكرم أخلاقهم يا رجل هذا لطف منك.
        كنت أقول للرجل أن الشمال كان في نظري حينذاك مسألة تثير في كل المخاوف والقلق على أساس أن الميراث الثوري لعائلتي الشهيدة والمجاهدة في مكافحة الاحتلال الفرنسي للجزائر جعلني أرى من خلال قصص أمي وأبي عن فترة الاعتقال في السجون الفرنسبة والاصابات الجسدية خلال حرب التحرير جعلني أعتقد دائما أن علاقة طبيعية بين الشمال والجنوب ستكون مستعصية على عملية الترميم أو البناء.
        كان الطيب صالح في روايته يأخدني الى حيث اسئلتي القلقه والتي يعجز أفراد عائلتي عن الاجابة عليها حول ماهية العلاقة المستقبلية بين ضفتي البحر الابيض المتوسط شماله وجنوبه .
        بالنسبة لعائلتي ان الجرح أكبر بكثير من الانتصار على ألامه أما بالنسبة لي ولغيري من أبناء جيلي فان العلاقة الشمالية بالجنوب تحتاج الى اعادة صياغة انطلاقا من متغيرات أوجدتها متغيرات الانسان تحولات الزمان والمكان .
        وحده الطيب صالح على بعد المسافة بين ثالوث المكان من أم درمان ا الى لندن الى جبال شرق الجزائر حيث قضيت جزءا من حياتي مع و الدي كان يجيبني عن أسئلة هذاا القلق .
        الطيب صالح وحده علمني المفهوم الاخر للعلاقة مع المحتل السابق علاقة تقوم على الافادة من أدواته اولها اللغة وحده صاحب موسم الهجرة الى الشمال بلغته الانجليزية الثانية أعاد ترتيب كينونتي الداخلية عندما علمني أن الاعجاب بلغة العدو التاريخي السابق مسألة تخلو من صفة الخيانة .
        أحب الطيب صالح الانجليزية كحالة عشق عميقة جدا و وأجاد بناء علاقة من عشق متصل مع لغة المستعمر السابق لبلاده وذلك قاسم اخر أسترك فيه مع صاحب موسم الهجرة .

        كانت هذه هي ملامح العلاقة الوجدانية التي جمعتني بالطيب صالح وأنا أقطع طريقي باتجاه العشرينات من عمري وأبدأ محاولات الاجابة عن أسئلة القلق في الهوية والكيان الحضاري.
        في موسم الهجرة قال لي الطيب صالح حينداك تحدث الى الاخر على ضخامة الموروث الذي يجمعك به وتجاوز أناك بصدقية انسانك حينها فقط يمكن لك أن تتجاوز عقدة الماضي الحزين وتستطيع أن تقترب من لحظة انسانيية تتصف بالايجابية في التعامل مع الموروث المؤلم في علاقات الضفتين الشمالية والجنوبية من البحر المتوسط .
        بهذه الروح قابلت الراحل وبهذه الخلفية استمع الي صابرا وأنا أحاول أن أعطي الابعاد المتعددة للرواية الخالدة كما قرأها أبناء جيلي في الجزء الشمالي من القارة السمراء والذي لابيعد سوى مسافة قطع البحر عن الجزء الجنوبي من الجنوب الاوروبي .
        وجدت في الرجل اضافة الى خصلة الاستماع العميق خصلة التواضع وتلك مسالة يعيدها هو شخصيا الى ارتباطه العميق ببيئة ريفية قال عنها دوما أنه لجأ الى الكتابة تعويضا عن بيئة امن يقينا أنه لن يقدر على العودة اليها يوما.
        ما أجمل ان تكون ملكا متوجا على رؤية انسانية تملا العالم ضجيجا من حولك وفي اللحظة أياها أنت تملك المفاتيح الهادئة لداتك بصورة تجعلك دائم التصالح مع انسانك ومع كافة من هم حولك.
        تلك هي المشاعر التي ملات قلبي وأنا أستمع الى الطيب صالح حقيقة انسانية حية بعد تجاوز الحالة الوجدانية التي عاشت معي طيلة فترة تشكيل كياني الابداعي وحتى الانساني .
        لم يكن الطيب يريد يوما أن يتجاوز انسانه بأية صفة من الصفات فعلى كثرة أزمات السودان على الاقل منذ فترة ارتباطي الشخصي بهذا الجزء من القارة السمراء كمراسل صحفي اختلف الكثير من الاشقاء في السودان بكل أشكال الاختلاف من السياسي الى العسكري الى الانساني الى القانوني لكن وحده الطيب ظل ابن السودان الذي لايريد أن يضيف الى النار أي قطرة من زيت .
        ظل الرجل عند مسافة الوسط من كل الخلافات ظل السودان قضيته وحتى عندما قررت السلطات السودانية منع أشهر كتبه عن طلبة جامعات السودان رفض الرجل أن يخوض في التفاصيل وعندما عاد رجال الخرطوم عن قرارهم كان الرجل طيبا حتى في كلماته التي استعملها في التعامل مع قرار المنع أولا ومع قرار التراجع عن المنع لاحقا .
        يحيلك الطيب صالح الى حالة التساؤل الى أي مدي تستطيع المحبة أن تتجاوز الوجع الشخصي عندما يتعلق الامر بالاوطان ولذلك ليس غريبا مثلا أن يكون الطيب صالح وهو الرجل الذي كان يقول لي الكثير من أصدقائي من مثقفي السودان بالكثير من الاعتزاز انهم من بلد الطيب صالح .
        تحول الرجل الى وطن لابناء وطنه وتحول اسمه الى انتماء بديل عن الوطن الام الى هذه المرتبة ينظر الكثير من أصدقائي في السودان الى الرجل الراحل .
        قلت ليس غريبا مثلا أن يكون الطيب هو أقل الاسيماء السودانية وغير السودانية حديثا في الشأن السوداني على الفضائيات وذلك خيار سلوكي يستحق التفكير ويستدعي الاحترام .
        وحده البطيب صالح صنع خياري الاخر بالتنوع في الامكنة كنت دائم الحلم أن يتسع العمر بوالدي حتى أنعم بالحياة قربهما عل مشارف الشمال القسنطيني في الجزائر لكن موسم الهجرة وحده قاد خيالي في تلك المرحلة من العمرالى قناعة تقول ان الوطن يتجاوز مفهوم المكان وأن البديل الممكن قد يكون في شمال فرجينيا كما يحدث معي الان .
        عندما تكون علاقتك الشخصية بكاتب ما الى هذا الحد من الوجدانية والعمق والتوغل في الحضور وتكرمك الحياة بفرصة لقاء الرجل لاكثر من مرة واحدة وتلتقي مع أغلب الامكنة التي ساهمت في صناعة رؤيته للعالم والانسان على ضفتي النيلين الازرق والابيض وعندمكا تلتقي بالعشرات من أصدقاء الرجل في الخرطوم وخارج الخرطوم تؤمن يقينا لحظتها أن الحياة أحيانا كريمة عليك بصورة تتجاوز توقعاتك .
        عمي الطيب وحدك علمتني باكرا ألا أخاف ان كان اطار حلمي في المدن الواسعة رغم خوفي من ركوب الطائرة والابتعاد عن مكان لاترى فيه الشمس وجه أمي كنت أقول هذا الرجل أتى من خلف قرية يرعي أهلها الاغنام مثل أهلي ويفلحون الارض مثل أمي وأبي استطاع أن يمد كافة الجسور مع الشمال وهو الجنوبي المتخم بقيم الطفولة والقرية والفضاء الواسع والحقول الخضراء .
        علمني الطيب أن أحمل أحلامي على أكتافي ألا أخاف غير المعقول منها قبل أن أؤمن بالطبيعي منها وأن أحاول أن اسمع صوتي عاليا حديثا خطابا كتابة حبا أو عشقا لان في كل الحلات كان يتوجب على أن أوصل الرسالة الى الجهة الاخرى .
        في رحيل الطيب صالح حلم لم يتحقق كنت أتمنى أن يتحدث الي الرجل عن رؤيته لازمة دارفور وهي أزمة ارتبط بها اسمي صحفيا حيث كنت أول صحفي غير سوداني يدخل الاقليم المضطرب في بداية الازمة صيف العام الفين وثلاثة مانع الرجل وطلب التاجيل في أكثر من مناسبة الى ان كان للموت سلطة وكالعادة أكبر من سلطة كريم أخلاق الطيب صالح وقدرتي الشخصية على انتظار كرم اضافي من الراحل بالحديث عن أزمة لاأزال أؤمن يقينا أنها تحتاج الى جهد انساني جماعي حتى يستطيع السودان تجاوز مضاعفاتها على مستقبله و على كيانه السياسي المتحد .
        الان تحديدا أخاف أن أتحدث عن الطيب صالح كحالة راحلة لان الرجل الذي فضله أبناء وطنه عنوانا وانتماء أكبر من الموت و كلمات الوداع ولكن بحسابات الغياب والحضور سيكون الطيب صالح بعد الان انسانا جميلا شرف عالمنا اليومي بالعبور عليه اسمعنا روؤاه تتابعا علمنا الكثير من عوالمه أحالنا في الكثير من محطاته الى الحقائق الانسانية الثلاث التي تعلمتها بصورة مختلفة من الرجل وهي المحبة التواضع والتسامح .
        في كل مرة أنزل فيها الخرطوم كنت دائم السؤال لنفسي في صمتي هذه المدينة وحدها تعرف الطيب صالح أكثر من كافة مدن الدنيا وهذه الخرطوم وحدها حجزت لنفسها مكانا أبديا في قلب الطيب صالح حتى وان عاش الرجل في صورة المواطن العالمي أكثرمنه مواطنا سودانيا ولكن هذه المدينة وحدها ستقول لي في كافة أسفاري القادمة الى الخرطوم هذه المدينة وحدها هي التي تشرفت بالنومة الابدية لانسان كان أبدا جميلا متسامحا مبدعا شفافا كان بيننا هنا وأختار أن يرحل كائن اختارت له أمه الطيب اسما فكان طيبا وبامتياز من المهد الى اللحد تلك حكايتي أنا مع الطيب صالح مبدعا وانسانا


        رابح فيلالي
        كاتب واعلامي جزائري مقيم بواشنطن

        المصدر:

        http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=359&msg=1239991162&rn=1

        تعليق

        • ابراهيم خالد احمد شوك
          أديب وكاتب
          • 09-01-2012
          • 534

          #5
          الطّيّب صالح هجيرُ صرخة في موسمِ الهجرة

          قراءة في (موسم الهجرة إلى الشّمال) لـ الطيّب صالح

          بقلم: آمال عوّاد رضوان

          قراءةٌ شاركتُ بها في ندوةٍ أدبيّة خاصّةٍ أقامَها الصّالونُ الثقافيُّ العربيّ في النّاصرةِ، عن الرّوائيِّ الرّاحلِ الطّيب صالح، وذلك يوم الاثنين الموافق 23-3-2009 ، حولَ سيرته الذاتية ومسيرتِهِ الأدبيّةِ وإنجازاتِهِ الإبداعيّةِ والرّوائيّةِ!

          نبذة قصيرة عن سيرة الطيب صالح: (1929- 2009)

          من مواليد السودان، مارس التدريس في السودان ثم هاجر عام 1952 إلى لندن، فعمل في الإذاعة البريطانيّة، وعمل خبيرًا بالإذاعة السودانيّة 1967، ونالَ شهادةً في الشّؤونِ الدّوليّةِ في إنجلترا، وتولّى منصبَ مستشارٍ في مقرِّ اليونسكو في باريس، وشغلَ منصبَ ممثّلِ اليونسكو في دول الخليج ومقره قطر في الفترة (1984 - 1989).
          مِن روائعِهِ الأدبيّةِ: "موسمُ الهجرةِ إلى الشّمال)، و(ضوّ البيت)، و(عُرسُ الزّين)، و(مريود)، و(دومة ود حامد)، و(بندر شاه).
          استطاعَ أن يُثريَ المكتبةَ العربيّةَ والمؤتمرات الثّقافيّةَ والمحافلَ الفكريّةَ بإبداعاتِهِ الرّوائيّةِ ومقالاتِهِ، وقد دعتْ بعضُ الجمعيّاتِ والمؤسّساتِ الثّقافيّةِ السّودانيّةِ إلى ترشيحِ الطّيّبِ صالح لجائزةِ نوبل للآدابِ، إذ صُنّفتِ الرّوايةُ كواحدةٍ مِن أفضلِ مئةِ روايةٍ في القرنِ العشرين، ونالتِ العديدَ مِنَ الجوائزِ الّتي تناولتْ لقاءَ الثّقافاتِ وتفاعلَها. وقد ساهمَ النّاقدُ الرّاحلُ رجاء النقّاش في تعريفِ القارئِ العربيِّ بها، لتصبحَ فيما بعد إحدى المعالمِ المُهمّةِ للرّوايةِ العربيّةِ المعاصرةِ.
          في التسعينيّات، مَنعتِ السّلطاتُ السّودانيّةُ تداولَ الرّوايةِ "موسم الهجرة إلى الشمال"، بحجّةِ تضمّنِها مَشاهد ذات طابعٍ جنسيّ. وقد صدرَ حولَ الرّوايةِ مؤلَّفٌ عامٌّ بعنوانِ "الطّيّب صالح عبقريّ الرّوايةِ العربيّة"، لمجموعةٍ مِن الباحثينَ في بيروت، تناولَ لغتَهُ وعالمَهُ الرّوائيَّ بأبعادِهِ وإشكالاتِهِ 1976.


          مصطفى سعيد شخصيّةٌ محوريّةٌ في الرّواية كملخّص:

          شخصٌ غريبٌ لا يملكُ القدرةَ على المحبّةِ والتّعاطفِ الإنسانيِّ، علاقتُهُ بأمِّهِ وببلدِهِ كانَ ينقصُها الحبُّ والحنانُ والانتماءُ والعطاءُ ولغةُ التّحاورِ، يقولُ: "مثلَ جبلٍ ضربتُ خيمتي عندَهُ، وفي الصّباحِ قلعتُ الأوتادَ، وأسرجتُ بعيري، وواصلتُ رحلتي". وعندما بلَغَهُ نبأُ وفاتِها وقد كان مخمورًا قالَ: "لم أشعرْ بأيِّ حزنٍ، كأنَّ الأمرَ لا يعنيني في كثيرٍ أو قليلٍ".
          كانَ يُحرّكُهُ قلبُهُ الأجوفُ رغمَ امتلاكِهِ عقليّة فذّة، كانَ جميلُ الطّلعةِ ذكيّا، تَدفعُهُ نزواتُهُ الجنسيّةُ والمادّيّةُ، وقد انسجمَ بشكلٍ فائقٍ ومذهلٍ في الحياةِ الأوروبيّةِ، خاصّةً في ملاحقةِ النّساءِ، جاعلاً مِن شقّتِهِ معبدَ إغراءٍ وإغواءٍ بأعوادِ البخورِ وأكاذيبَ غضّةٍ عن النّيلِ والأساطير.
          تزوّجَ مصطفى سعيد غريبُ الأطوارِ المتطرّفُ مِن جين، الفتاةِ المتحرّرة بتطرّف، وشكّلا ثنائيًّا غريبًا في مواجهةِ الثّقافاتِ بتناقضاتِها، وانتهى بهِ الأمرُ إلى إغمادِ الخنجرِ في صدرِها، بحسبِ رغبتِها.
          وقد أدركَ القاضي أنّ المأساةَ الحقيقيّةَ لمصطفى سعيد تتلخّصُ في قولِهِ: "إنّكَ يا مستر سعيد، رغمَ تفوّقِكَ العلميّ رجلٌ غبيّ. إنّ في تكوينِكَ الرّوحيِّ بقعةً مظلمةً. لذلك فقد بدّدتَ أنبلَ طاقةٍ يمنحُها اللهُ للنّاس. طاقةُ الحبّ".
          وبعدَ سجْنٍ دامَ سبعُ سنواتٍ تركَ لندن، واستقرَّ في بلدٍ ريفيٍّ على ضفّةِ النّيلِ مع غموضِهِ وأسرارِهِ، وتزوّجَ مِن فتاةٍ ريفيّةٍ وأنجبَ طفليْن، وكانَ عنصرًا إيجابيّا فاعلاً رغمَ انطوائيّتِهِ وتكتّمِهِ، إلاّ أنّهُ كانَ محبوبًا، وقد حاولَ الانسجامَ معَ الحياةِ الرّيفيّةِ مِن جديد، مُخادعًا نفسَهُ بمرارةٍ، حيثُ التقى الكاتبَ ليَشيهِ بعضَ خيوطِ أسرارِهِ وهو مخمورًا، فيتكلّمُ الانجليزيّةَ والشِّعرَ بطلاقةٍ، ثم يختفي فجأةً إمّا انتحارًا أو غرقًا، أو ربّما هروبًا وانسحابا، مِن عجْزِهِ على غزوِ أوروبّا، وبسببِ استعمارِهِ فكريًّا واستعمارِ بلادِهِ، فقد آثرَ الهروبَ، وترَكَ أسرارَهُ بجانبِ مدفأةٍ تحملُ ما تحملُ مِن دلالاتٍ، إمّا الدّفءَ أو الاحتراقَ أو.... !


          مميّزاتُ إبداعِ الطّيّب صالح في مواسِمِ الهجرةِ إلى الشّمال:


          *الفكرةُ المركزيّةُ في الرّوايةِ: تحدّثَ عن قضايا إنسان العالم الثّالثِ وهمومِهِ وآلامِهِ، وأفراحِهِ وإحباطاتِهِ، بجوهرِهِ الطّيّبِ وظاهرِهِ الخبيثِ، ببساطتِهِ وتعقيداتِهِ، الّذي حاولَ عقلُهُ استيعابَ حضارةِ الغربِ بقدرتِهِ على الفعلِ والإنجازِ، وكذلكَ تحدّثَ عن أثرِ التّطوّراتِ العالميّةِ حولَ قضيّةِ الهجرةِ والمهاجرينَ، مِن خلالِ السّردِ المُتباينِ بينَ أمكنةٍ وأزمنةٍ أوروبيّةٍ وإفريقيّةٍ، محاوِلاً أن يكونَ وسيطًا بينَ هذهِ الثّقافاتِ، رغمَ العقباتِ المتلاحقةِ وصراعِ الحضاراتِ المشتعلِ.
          *أحدثَ ثورةً على الرّوايةِ العربيّةِ وهيكليّةِ السّردِ الموسومةِ بصراعاتٍ حادّةٍ، وقد وطّدَ بلباقةٍ بينَ المزْجِ التّجريبيِّ التّحديثيِّ، وبينَ التّقليديِّ القديمِ، فلم يجترَّ التّراثَ الرّوائيِّ، بل اهتمَّ بشكلٍ ومضمونٍ مغايِرٍ، فصوّغَها بعنايةٍ شعريّةٍ فائقةٍ، وبإبداعٍ متكاملٍ مشبَعًا بالحياةِ والصّورِ المتحرِّكةِ المفاجئةِ تتنقلُ بينَ الهدوءِ والصّخبِ، والتّشويقِ والتّوثيقِ، وبينَ التّصويرِ والسّردِ.
          *الشّخصيّاتُ الرّوائيّةُ النّابضةُ بالحياةِ اختلقَها بفنّيّةٍ رائعةٍ في نصوصِهِ الرّوائيّةِ، فجعلَها متجدّدةً وفقًا لمقتضياتِ الزّمانِ والمكانِ والأحداثِ، مُصوِّرًا بعينِ شفافيّتِهِ البارعةِ أعماقَ همومِها اليوميّةِ، وتفاصيلَ العلاقاتِ بينَ البشرِ والأشياءِ، مِن أجلِ التّغلّبِ على صراعِها المريرِ، وقد هيّأَ لها الأجواءَ المبتكرةَ وأشكالَ حياةٍ تُناسبُها، مازجًا بينَ ألوانِ الواقعِ مِن جهةٍ، وخيالِهِ ورؤيتِهِ مِن جهةٍ أخرى.
          *أسلوبُهُ يتّسمُ بنضوجٍ فكريٍّ وانفتاحٍ كبيرٍ على الإدراكِ الذّاتيِّ، فجاءَ مُثيرًا متلاحقًا جريئًا ومميّزًا في طرْقِ مواضيعَ مسكوت عنها، وخاصّةً العلاقات بينَ الرّجُلِ والمرأة، وطرْحِ المشاكلِ بطريقةٍ متفرِّدةٍ في التّعبيرِ وبعُمقٍ فكريٍّ وفنّيٍّ راقٍ، وذلكَ لخبرتِهِ العميقةِ في التّنقّلِ المستمرِّ، ومعرفتِهِ بقضايا وطموحاتِ أُمّتِهِ، وقد لمَسَ التّناقضاتِ بينَ البيئاتِ المختلفةِ، فزادتْهُ التصاقًا وتمسُّكًا ببيئتِهِ الحميمةِ.
          *اللّغةُ عذبةٌ مُوحِيةٌ تتوهّجُ بالمشاهدِ المحلّيّةِ البسيطةِ، وخاصّةً بأثَرِ البيئةِ السودانيّةِ الرّيفيّةِ، وبالتّالي بتشكيلِها اللّغويّ ونسيجِها الشّعريِّ الأخّاذِ، ممّا جعلَها تُلامسُ الواقعَ إلى حدٍّ قريبٍ، وقدِ انسابتْ بحرّيّةٍ وبمهارةٍ واستفاضةٍ في أدقِّ التّفاصيلِ المتداخلةِ.


          الرّوايةُ تناولتْ عدّةَ محاور:


          *الرّسالةَ الأساسيّةَ والجوهريّةَ الّتي يُنادي بها هي التّناغمُ بينَ الحياةِ والأحياءِ، مِن خلالِ تأصيلِ المحبّةِ والتّسامحِ في المجتمعاتِ والعائلاتِ، لمواجهةِ صعوباتِ الحياةِ وصراعِ الحضاراتِ.
          *تناولتِ الاستعمارَ والهيمنةَ الغربيّةَ على الدّولِ الأفريقيّةِ، والنّظرةَ المتعاكسةُ لصورةِ العربيِّ القادمِ مِن بلاد السِّحرِ والغموضِ بعيونِ الأوروبيِّ ، والأوروبيُّ المستعمِرُ بعيونِ الشّرقيِّ، وخاصّةً آثارَ الاستعمارِ على المتعلِّمينَ في الغربِ.
          *تناولتِ الصِّدامَ بينَ الحضاراتِ والثّقافاتِ وبينَ ثنائيّاتِ التّقاليدِ الشّرقيّةِ والغربيّةِ، وبينَ الشّخصيّاتِ المُتلبِّسةِ بغموضِها وتناقضاتِها.

          * تناولتِ الوضعَ الاجتماعيَّ للمرأةِ وختانَ المرأةِ وحرّيّةَ تقريرِ المصيرِ، والّذي انتهى بقتلِ عجوزِ الشّهوةِ، ومن ثمّ بالانتحار. يقول:
          "فلاتة والمصريّون وعرب الشام أليسوا مسلمين مثلنا؟ لكنهم ناس يعرفون الأصول يتركون نساءهم كما خلقهن الله،، أما نحن فنجزُّهُنَّ كما تُجزُّ البهيمة".

          *تناولتْ الكثيرَ مِن القضايا السّياسيّةِ والاجتماعيّةِ، ومثّلَها بالرّجلِ والمرأةِ والموتِ والحياةِ، موحِيًا إلى أزمةِ الصّراعِ الكثيفِ بينَ استعمارِ الحضاراتِ، وبينَ ما تُخلِّفُهُ مِن انتكاساتٍ وأزماتٍ حياتيّةٍ.
          *تناولتِ الموتَ كسلطانٍ بأنواعِهِ وطرُقِهِ، مِن وفاةٍ وقتلٍ وانتحارٍ، بمعانيهِ ودوافعِهِ، بدلالاتِهِ بالنّسبةِ للأنثى وللرّجلِ، مِن ذلٍّ وضعفٍ ورفضٍ وخطيئةٍ وإثمٍ وكبرياءَ وعنفٍ وتضحيةٍ وانتقامٍ.


          *تناولتِ الارتباطَ بالوطنِ والرّيفِ:


          فقد اختزنَ عقلُهُ موسوعةً مِن الألفاظِ والأمثالِ الشّعبيّةِ، وحنينًا مفصِّلاً لأبسطِ الأمورِ، كرائحةِ التّربةِ والثّمارِ وأصواتِ النّخلِ والطّيرِ والنّسيمِ، ولم تُفلحِ الغربةُ في محْوِها مِن ذاكرتِهِ، بل تردّدتْ في أقوالِ شخصيّاتِهِ (المونولوج والدّيالوج).
          فيحدّثُنا عن بيتِ جدِّهِ: «خليطٌ مِن روائحَ متناثرةٍ، رائحة البصل والشطة والتمر والقمح والفول واللّوبيا والحلبة والبخور الّذي يعبق دائمًا في مجمر الفخار الكبير.
          وعن أدواتِ التّجميلِ عندَ النّساءِ في القريةِ، وأكثرُها سودانيّة خالصة، الكحل والدّلكة والدّهن والكبرتة والرّيحة والحناء.
          وعن الفركة والقرمصيص والبرش الأحمر المنازل المطليّة بالطّين الأسود
          وعن ملابسِ الرّجالِ: مِن ثيابٍ فضفاضةٍ، وعباءةٍ سوداءَ، وملابسِ العروسِ في ليلةِ زفافِهِ



          المصدر:

          http://www.adabfan.com/criticism/3350.html

          تعليق

          • كمال دولي
            أديب وكاتب
            • 03-12-2009
            • 31

            #6
            كم سعيد انا هنا مع أدب البروفيسور عبد الله الطيب
            لى طلب من اهل الأختصاص والبيان والعلم
            بشرح قصيدة بين الرياء والحياء
            ولكم منى جزيل الشكر والعرفان


            ﻛﻠﻤﺎ ﻻﺡ ﺑﺮﻗﻬﺎ ﺧﻔﻖ ﺍﻟﻘﻠـﺏُ ﻭﺟﺎﺷﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻨﻴﻦ
            ﺍﻟﻌﺮﻭﻕُ
            ﻭﺃُﺭﺍﻫﺎ ﺑﻐﺘﺎ ﻓﻴﻮﺷﻚ ﺃﻥ ﻳُﺴــﻤَﻊَ ﻣﻦ ﻫﺎﺟﺲ ﺍﻟﻀﻠﻮﻉ
            ﺷﻬﻴﻖ
            ﻭﻋﻠﻰ ﺻﺪﺭﻫﺎ ﺛﻨﺎﻳﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﺰِز ﻣُﻠِﺢّ ﻣﻦ ﺗﺤﺘﻬﻦ ﺧُﻔﻮق



            ﻭﺗﺮﺍﺀﺕ ﺑﺠﻴﺪﻫﺎ ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻳﺸﺘﺮﻑ ﺍﻟﻈﺒﻲ ﺃﻭ ﻳَﺸِﺐُّ
            ﺍﻟﺤﺮﻳﻖ
            ﺃﺗﻤﻨﻰ ﺩُﻧُﻮَّﻫﺎ ﺛﻢ ﺃﻧﺄﻯ
            ﻓَﺮَﻕَ ﺍﻟﻨﺎﺱ, ﺇﻧﻨﻲ لفرﻭﻕ
            ﻭﺃﻇﻦ ﺍﻟﺮﻗﻴﺐ ﻳﺮﻣﻘﻨﻲ ﻣﻦ
            ﻛﻞ ﻓﺞ ﻟﻪ ﺳﻬﺎﻡ ﻭﺑﻮﻕ
            ﻭﻫﻲ ﺗﺰﺟﻲ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ من
            ﻓﻤﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﻋِﺲِ, ﻳﺎ ﺣﺒﺬﺍ ﺍﻟﻨﺒﻴﺬ
            ﺍﻟﻌﺘﻴﻖ !!
            ﻭﺃﺷﺎﺭﺕ ﺑﻨﺎﻧﻬﺎ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻌﺴﺠﺪ ﻭَﻗْﻒٌ ﻭﻟﻠﺜﻨﺎﻳﺎ ﺑﺮﻳﻖ
            ﻭﺍﻟﻤﺤﻴّﺎ ﺭﻳّﺎﻥ ﻃﻠﻖ ﻭﻃﻔﻞ
            ﺍﻟـﺤﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﻇﺮ الضحوك
            ﻏﺮﻳﻖ
            ﺗَﺪّﻋﻲ ﻏﻴﺮ ﺣﺒﻬﺎ ﻓﺘﻌﺎﺻﻴـﻪ ﻭﻓﻲ ﺳﺮﻙ ﺍﻟﺤﻔﻲُّ
            ﺍﻟﺮﻓﻴﻖ



            وتخاف ﺍﻟﺼﺪﻭﺩ ﻣﻨﻬﺎ ﺇﺫﺍ ﺻﺪْدﺕْ ﻭﺇﻥ ﺃﻗﺒﻠﺖ ﻓﺄﻧﺖ ﺗﻀﻴﻖ
            ﺫﻕ ﻟَﻤَﺎﻫﺎ ﻭﺿُﻢّ ﻣﻮﺟﺔ ﺛﺪﻳﻴـﻬﺎ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﺤﻴﺎﺀ ﺩِﻳﻦ ﺭﻗﻴﻖ
            ﻣﺸﺮﻕ ﻓﻲ ﺷﺒﺎﺑﻬﺎ ﻋﻨﺐ
            ﺍﻟﻔﺘــﻨﺔِ ﻫَﻼ ﻭﻗﺪ ﺩﻋﺎﻙ ﺗﺬﻭﻕ
            شاقك ﺍﻟﻤﻮﺭﺩ ﺍﻟﺮّﻭﻱّ ﻭﻣﺎ
            ﺣﻈْـﻚ ﺇﻻ ﺍﻟﺘﺼﺮﻳﺪ ﻭﺍﻟﺘﺮﻧﻴﻖ
            ﺃَﻭْﻣﻀﺖ ﻣُﺰْﻧﺔ الجمال
            ﺑﺴﺎﻗﻴــﻬﺎ ﻭﻃﻴﺮ ﺍﻟﺼِّﺒﺎ ﺣﺒﻴﺲ ﻳﺘﻮﻕ
            ﻟﻴﺖ ﺷﻌﺮﻱ ﻋﻦ الرقيب



            ﺃﻳﻐﻔﻮ
            ﻧﺎﻇﺮ ﻣﻨﻪ ﺃﻡ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻃﺮﻳﻖ
            ﺃﻡ ﻳَﺒَﺮّ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﻻﻋﺞ ﺃﺳﻮان



            بوصل ﻓﻘﺪ ﺑﺮﺍﻩ ﺍﻟﻌﻘﻮﻕ
            ﻋَﺪِّ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻘﺪ ﻋﺪﺍﻙ ﺭﻳﺎﺀ ﺍﻟﻨْـﺎﺱ ﻻ ﻳﺴﻠﻚ ﺍﻟﺮﻳﺎﺀ
            ﺍﻟﻤﺸﻮﻕ
            ﻭﺍﺑﻚ ﺃﻳﺎﻣﻚ ﺍﻟﻠﻮﺍﺗﻲ ﺗﻘﻀّﻴـﻦ ﻓﻘﺪ ﺑﺎﻳﻦ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏُ ﺍﻷﻧﻴﻖ
            ما ﺗﻤﻠّﻴﺖ ﻏﻴﺮﺯﻫﺮﺓ ﺁﻣﺎﻝ ﻃﻮﺗﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﻴﺎﻟﻲ ﺧﺮﻳﻖ
            ﻭﻋﺰﺍﺀ ﺍﻟﻔﺆﺍﺩ ﻛﺄﺱ ﻣﻦ
            الشعر ﺩِﻫَﺎﻕ ﺣَﺒﺎﺑُﻬﺎ ﻣﺮﻣﻮﻕ
            ﺃَﻧّﺔُ ﺍﻟﻤﺮﻫﻖ ﺍﻷﺳﻴﺮ ﻭﻓﻲ
            ﺟﻨــﺒﻴﻪ ﻣﻦ ﺛﻮﺭﺓ ﻣَﺮﻳﺪ ﻃﻠﻴﻖ
            ﺃﻱ ﺷﻲﺀ ﻫﺬﻱ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ
            ﺳﻮﻯ ﻗﻴــﺪ ﻳُﻌﻨّﻲ ﺍﻟﺨﻄﺎ ﻭﺫﻋﺮٍ ﻳﺴﻮﻕ
            وعبيد هذا ﺍﻷﻧﺎﻡ ﻭﻋﻴﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻋَﺒْﺮﻯ ﻭﺳﻴﻔُﻪ ﻣﻤﺸﻮﻕ
            ﻭﻧﻈﻦ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﺗﺮﺟﻌﻬﺎ
            ﺍلعقبى ﻭﺿﺎﻋﺖ ﻣﻊ المطال
            ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ
            ﻭﻛﺄﻥ ﺍﻟﺤﻤﺎﻡ ﻏﺎﻳﺔ ﻣﺎ ﻳﻄــﻠﺒﻪ ﺍﻟﻤﺴﺘﻬﺎﻡ ﻭﺍﻟﻤﻌﺸﻮﻕ

            ﻓَﺮُﻭَﻳْﺪ ﺍﻟﻔﺆﺍﺩﻓﻲ ﺳِﻨَﺔِ ﺍﻟﻌﻤــﺮ ﺭﻭﻳﺪﺍ ﻓﻌﻦ ﻗﻠﻴﻞ ﻳُﻔﻴﻖ
            ﺣﻴﻦ ﻻ ﺗﻨﻔﻊ ﺍﻟﻨﺪﺍﻣﺔ ﺇﺫ ﺧﺮْ ﻣﻦ ﺍﻷَﻳْﻦِ ﻋَﺪْﻭُﻙَ ﺍﻟﻤﺴﺒﻮﻕ

            http://www.adab.com/modules.php?name...=65221&r=&rc=0
            التعديل الأخير تم بواسطة كمال دولي; الساعة 28-08-2012, 22:14.

            تعليق

            • محمد فهمي يوسف
              مستشار أدبي
              • 27-08-2008
              • 8100

              #7
              الأخ الأستاذ كمال دولي
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
              هذا رد على رسالتك الخاصة كما طلبت مني
              أرجو أولا أن أعرف صاحب القصيدة ؛ هل هو الطيب صالح ؟
              حتى تطرحها تحت الموضوع الذي أنشأه الأستاذ إبراهيم خالد أحمد شوك؟!
              فردي هنا لايجوز إلا بعد استئذانه أولا إن كانت فعلا للشاعر الراحل الطيب صالح
              ثانيا : ماذا يفيد نقلك للنص من الرابط الذي أشرت إليه في رسالتك دون أي تعليق منك ؛ فهذا له مكان في الديوان ( من الشعر المنقول )
              مثلا ؛ وللديوان رئيس مسئول يمكن أن يجيبك عن طلبك باعتباره شاعر كبير ، وله دراية أكثرمني بمثل هذه القصائد .
              أنتظر رد صاحب الموضوع الأصلي أو توثيق مصدر صاحب النص ( اسمه )
              وأعدك عندما أفرغ من مشاغلي قريبا أن ألخص لك مضمون الغامض عليك في القصيدة الغزلية المطروحة على رسالة خاصة
              ولك تحياتي .

              تعليق

              • كمال دولي
                أديب وكاتب
                • 03-12-2009
                • 31

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد فهمي يوسف مشاهدة المشاركة
                الأخ الأستاذ كمال دولي
                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                هذا رد على رسالتك الخاصة كما طلبت مني
                أرجو أولا أن أعرف صاحب القصيدة ؛ هل هو الطيب صالح ؟
                حتى تطرحها تحت الموضوع الذي أنشأه الأستاذ إبراهيم خالد أحمد شوك؟!
                فردي هنا لايجوز إلا بعد استئذانه أولا إن كانت فعلا للشاعر الراحل الطيب صالح
                ثانيا : ماذا يفيد نقلك للنص من الرابط الذي أشرت إليه في رسالتك دون أي تعليق منك ؛ فهذا له مكان في الديوان ( من الشعر المنقول )
                مثلا ؛ وللديوان رئيس مسئول يمكن أن يجيبك عن طلبك باعتباره شاعر كبير ، وله دراية أكثرمني بمثل هذه القصائد .
                أنتظر رد صاحب الموضوع الأصلي أو توثيق مصدر صاحب النص ( اسمه )
                وأعدك عندما أفرغ من مشاغلي قريبا أن ألخص لك مضمون الغامض عليك في القصيدة الغزلية المطروحة على رسالة خاصة
                ولك تحياتي .
                الوالد والمستشار الادبى محمد فهمى يوسف
                تحية مليئة بالمحبة والأحترام
                صاحب القصيدة هو الاديب السودانى عبدالله الطيب نأسف للخطأ
                علماً بأننى بحثت ووقفت كثيراً في المكان المناسب لطرحها ولم أفلح
                فكان هذا البوست الملائم لنشرها هنا .. وفاتنى أن أستأذن من صاحب
                البوست ابراهيم خالد احمد شوق لنشرها .وعليه أستأذنه
                كما أتقدم بجزيل شكري لك والدي الاديب لتقبلك بتلخيص القصيدة
                وأسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتك ووفقك الله لما تحبه وترضى
                التعديل الأخير تم بواسطة كمال دولي; الساعة 14-09-2012, 08:05.

                تعليق

                يعمل...
                X