المروي له ودوره في التلقي والتأويل
جاء الاهتمام بدراسة المروي لـه Narratee متأخراً مقارنة بغيره من تقنيات السرد الأخرى , ويبدو أن الناقد ( جيرالد برنس) على ما يذهب إليه ( سيمور جاتمن ) هو أول من أثار هذا المصطلح ونظـَّر لـه في عدد من دراساته التي نشرت (1971 - 1973) أبرزها دراسته المرسومة( مقدمة لدراسة المروي لـه
في السرد)(1).
فإذا كان الراوي أو السارد (Narrator) هو قناة الإرسال أو المتبني سرد أحداث العمل السردي فإن المروي لـه هو قناة الاستقبال , وهو الذي يوجه إليه السرد داخل النص القصصي ذاته , ولكن كثيراً ما يحدث اللبس من خلال الخلط بين شخصية المروي لـه من جهة وشخصية القارئ الحقيقي أو القارئ الضمني من جهة أخرى , فمعظم النقـاد المحدثين ومنهم رولان بارت , وتودوروف وغريماس وجيرار جينت , يخلط بين مصطلحي المروي لـه والقارئ بمختلف مستوياته وتصنيفاته أو يدمج بين المصطلحين,فعندما تحدث (رولان بارت) عن آلية التواصل السردي , لم يشر صراحة إلى مفهوم المروي لــه على الرغم من أنه يشخصه إلا أنه يخلط بينه وبين المصطلحات المقاربة , حيث يقول : (إن المحكي بوصفه موضوعاً هو رهان على التواصل , فهناك من يمنح المحكي , وهناك من يتقبله . ونعرف أنه يفترض داخل التواصل اللغوي كلاً من ضمير المتكلم ( أنا ) و ضمير المخاطب ( أنت ) من طرف بعضهما , وبشكل مطلق , ولا يمكن بالطريقة ذاتها أن يوجد محكي دون سارد ودون مخاطب منصت أو مستمع أو قارئ)(2). فهو يفرق بشكل صريح في تصنيفات القارئ ومصطلحاته المقاربة , والشيء نفسه فعله ( تودوروف ) عندما اكتفى بالحديث عن الراوي والقارئ فقط و أهمل موقع المروي له , فهو يقول : ( إن العمل الأدبي هو خطاب في الآن نفسه , إذ يوجد سارد يروي القصة , وهناك في مواجهته قارئ يتقبلها ويهتدي إليها )(3).
في حين تنظر دراسات كثيرة إلى المروي له على أنه عنصر مهم في البنية العضوية للنص السردي , هذه النظرة جعلت المروي له يختلف موضوعيا ً وفنيا ًعن القارئ الحقيقي الذي له وجوده الفعلي في العمل القصصي , كما أنه يختلف أيضا ًعن القارئ الضمني Implied reader الكائن المتخيل الذي يولد لحظة قراءة النص , فالقارئ الضمني على الرغم من أنه يلتقي مع المروي له في وجودهما داخل البنية السردية بوصفهما معطى نصيا ً إلا أنه يتميز عنه بأنه من الممكن أن يتجسد حضوره فعليا ً على مسرح الأحداث من خلال تماهيه في إحدى شخصيات العمل القصصي تماهيا ً يجعل الفصل بينهما أمرا ً صعبا ً(4).
على هذا الأساس قدم ( سيمور جاتمن ) تمييزا ً جادا ً بين مستويات عدة للإرسال على وفق العلاقة التي تربط المرسل بالمتلقي , ويمكن تمثيل هذه المستويات بالشكل الآتي :
النص السردي
المؤلف القارئ(5)
من خلال هذا الشكل نستطيع التعرف بسهول على وضع وموقع كل عنصر من عناصر عملية الإرسال , فالمستطيل الطويل يمثل النص السردي ونلاحظ أن المؤلف الحقيقي والقارئ الحقيقي يقعان خارج بنية النص , بينما يتموضع المؤلف الضمني والراوي والمروي له والقارئ الضمني داخل بنية النص السردي . وكل عنصر من هذه العناصر لا تتحدد أهميته بذاته بل من خلال علاقته مع بقية المكونات , بل أن كل مكون سيفتقر إلى أي دور في البنية السردية إن لم يندرج في علاقة عضوية وحيوية معها , كما أن غياب مكون ما أو ضموره لا يخل بأمر الإرسال والإبلاغ والتلقي حسب , بل يقوض البنية السردية للخطاب (6).
في ضوء هذا التلازم العضوي بين عناصر عملية الإرسال تتحدد العلاقة الفنية بين الراوي والمروي له .
أما عن أشكال المروي له داخل بنية الخطاب السردي فهي(7):
1- المروي له الظاهري ( الممسرح ) : ويتجلى في أحد شخصيات العمل القصصي إذ يتماهى معها تماهيا ً كليا ً ويقف مقابلا ً للراوي يتلقى عنه .
2-المروي له غير الظاهري ( غير الممسرح ) :وهو كائن متخيل ليس له وجود فعلي ولا ملامح محددة . ويضيف باحث آخر شكلا ً ثالثا ً للمروي له يطلق عليه ( المروي له شبه الممسرح ) وهو الذي يتجه إليه الراوي مباشرة ً بالخطاب من خلال أحد الضمائر الدالة عليه(8). وسوف تقتصر دراستنا للمروي لـه في النماذج المختارة من الرواية العربية على هذين النمطين , أما ما أطلق عليه المروي لـه شبه الممسرح والذي لا يمتلك أي ملامح تدل على وجوده داخل الخطاب السرد سوى مخاطبة الراوي لـه بضمير المخاطب الإيهامي أو قوله (يا أصدقائي) (يا سامعين) أو (يا سادتي) فسوف ندرجه ضمن المروي لـه غير الممسرح بوصفه صورة من صوره كما يرتـئي الباحث .
وظائــــف المــــروي لــــه :
لاشك أن هناك ثمة وظائف يضطلع بها المروي له في الخطاب الروائي
من أهمها :
- الإسهام في تأسيس الإطار السردي .
- التوسط بين الراوي والقارئ وتحديد سماته وتأكيد بعض الموضوعات .
الإسهام في تطوير الحبكة , فضلا ً عن انه قد يصبح المروي لـه المتحدث الرسمي باسم القيم الأخلاقية للعمل (9).
وعندما نتفحص النصوص الروائية التي بين أيدينا , نجد أن خطابها السردي قد تعامل مع المروي لـه بأشكاله المختلفة بوصفه جزءً حيويا ً في بنية الرواية .
المروي لـه الممسرح :
يمكن أن نقف على المروي لـه الممسرح من خلال تشكلاته المتعددة في الخطاب السردي , فيمكن أن يتجسد من خلال :
- عملية تبادل المواقع بين الراوي والمروي لـه .
- أو من خلال السرد الموضوعي .
- أو من خلال الرسائل .
أ- تبــــادل المواقـــــع بين الــــراوي والمــــروي لــــه :
إذا كان الراوي في الروايات الحديثة لم تعد لـه تلك الهيمنة المطلقة على زمام السرد , إذ أن سرد الأحداث ينثال من خلال أكثر من راو ٍ فتعدد الرواة يجعل الراوي في موقف سردي ما يمكن أن يتحول إلى مروي لـه ممسرح في موقف سردي آخر عندما يسلم زمام السرد إلى راو ٍ آخر , وهكذا فتبادل المواقع وتعدد الرواة في الخطاب السردي الروائي يخلق مروياً لهم ممسرحين داخل البنية السردية .
ففي ( موسم الهجرة إلى الشمال ) نجد إلى جانب الراوي الأول رواة آخرين , فكلما تسلم زمام السرد راو ٍ تحول الآخرون إلى مروي ٍ لهم , فعندما كان الراوي الأول يحكي عن طبيعة الناس في أوربا كان مصطفى وبنت مجدوب ومحجوب وود الريس وغيرهم مروياً لهم ممسرحين يتلقون ما يسرده عليهم الراوي الأول : ( دهشوا حين قلت لهم إن الأوربيين إذا استثنينا فوارق ضئيلة مثلنا تماماً يتزوجون , ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول , ولهم أخلاق حسنة وهم عموما ً قوم طيبون )(10), ثم يتحول الراوي الأول في موقف سردي آخر إلى مروي لـه ممسرح ويتسلم زمام السرد راو ٍ آخر , فعندما كان والد الراوي الأول يحكي قصة مصطفى ودخوله إلى البلد كان الراوي الأول يقف موقف المروي له : ( .. إن مصطفى ليس من أهل البلد , لكنه غريب , جاء منذ خمسة أعوام , أشترى مزرعة وبنى بيتاً وتزوج بنت محمود)(11). ونجد في رواية ( الرهينة ) أن تبادل المواقع بين الرهينة البطل والدويدار عبادي , أعطى شكلا ً من أشكال المروي لـه الممسرح , ففي الوقت الذي يكون الرهينة البطل يروي , يكون الدويدار مرويا ً لـه , وعندما يتسلم زمام السرد يكون الرهينة البطل مرويا ً لـه : (.. مسكين ابن كامل سائق النائب المقرب .. مات في حادث غامض .. قيل ذلك .. وفي اعتقادي أنه انتحر من أجلها .. هذا اقتناعي .. وهو صحيح رغم معارضة الآخرين )(12)
هنا يقف الدويدار موقف الراوي العليم في حين كان الرهينة في موقف المروي لـه , وفي موقف آخر يحدث العكس حيث يتحول الرهينة إلى راو ٍ ويصبح الدويدار مرويا ً له :(تأملت يدها .. كانت مزينة بأساور من الذهب ومزركشة بالحناء والخضاب الأسود المتعرج على أنامل كالشمع الأحمر الممزوج بلون
اللبن الصافي)(13) .
أما في رواية ( الرجع البعيد ) فإن تعدد الأصوات وتعدد الرواة جعل المروي لـه الممسرح أكثر حضورا ً وأكثر تجليا ً منه في الروايتين السابقتين , فكلما تسلم زمام السرد راو ٍ ظهر في المقابل مروي لـه , فعندما كان عبد الكريم يروي قصة موت صديقه فؤاد كان والد فؤاد يقف موقف المروي له : (.. كنت جالساً على الرصيف المغبر واضعا ً ذلك الرأس العزيز في حضني , ثم أخذوه من بين ذراعي , في منتصف الليل تحت النجوم , وهمد كل شيء من حولي , ولفتني غيمة سوداء وعدت تلك الليلة إلى الدار ولبثت الحياة تسري حتى وأنا أصرخ طوال أيام بعد ذلك , كنت أحيا بعد أن عانقت الموت .. موته , لم يحتضر , لم يتعذب لا يمكن لهذه الأمور أن تلتصق به , لقد مات بين ذراعي ، انطفأ مثلما ينطفئ النهار )(14) أو عندما كانت مديحة تروي لأم مدحت عما تود فعله مع زوجها العائد من الكويت , كانت أم مدحت مرويا له ممسرحا ً :(لا , لا , يوم . آني أريد اشوفه هالنوبه , هو راجع خاطر يشوف البنات , أدري لاكت آني ناوية افضها وياه على وجه . احنا مو بحاجه أله . آني دا اشتغل وعندي راتب وابويه الله يحفظه خيمة عليَّ وعلى بناتي . لاكت هو لازم يعرف آني مو كـَاعدة يدك . زوجة احتياط , شوكت ما يعجبه يرجع عليَّ , راح ذاك الوكت)(15) كذلك عندما كانت عمة مدحت تروي عن بستانهم , كانت مديحة , وجدة مدحت , و منيرة مرويا ً لهم :( بستاننا جانت , هسه وين هاذا اللي يسموه الجندي المدفون , من يم الجندي للشط وتمشين ويه الشط الراك الراك إلى حدود بيت السيد , هي بستان عيني لوزيرة ! الزمان يضيع بيها أربع تيام ) (16).
والملاحظ في موقع المروي لـه الممسرح أنه كان لـه حضور على مسرح الأحـداث فهو مروي لـه مشارك , يتموضع في الشخصيات الروائية , وينتقل من شخصية إلى أخرى على وفق ما يقتضيه الموقف السردي,إذ يكون طرفا العملية السردية الراوي , المروي لـه – حاضرين على مسرح الأحداث .
ب- الســـــرد الموضـــــوعي :
يعد السرد الموضوعي إحدى الوسائل التي يتجلى من خلالها المروي لـه الممسرح , فالراوي عندما يسرد سردا ً موضوعيا ً يكون قد تلقى ذلك من سواه , فالراوي الموضوعي كان في لحظة تلقيه السرد مرويا ً لـه ممسرحا ً, ولكن قد يكون من تلقى عنه راويا ً ممسرحا ً وقد يكون غير ممسرح , ولكن يبقى المروي لـه سواءٌ كان الراوي ممسرحا ً أو غير ممسرح , مرويا ً لـه ممسرحا ً, فعلى سبيل المثال نجد في رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) أن مصطفى ينطلق من خلال وجهة نظر موضوعية , عندما كان يسرد عن نشأته الأولى , ولكن الراوي الذي تلقى عنه مصطفى هذه المعلومات لم يكن راويا ً ممسرحا ً في حين يبقى مصطفى مرويا ً له ممسرحا ً :(.. ولدت في الخرطوم , نشأت يتيماً , فقد مات أبي قبل أن أولد ببضعة أشهر لكنه ترك لنا ما يستر الحال )(17), أو عندما كان الراوي الأول يروي عن قصة فيضان النيل في أحد الأعوام , فالراوي لم يعش أحداث الفيضان , ولكن أباه حكى لـه هذه القصة وكان في تلك الأثناء مرويا ً لـه ممسرحا ً وكذلك الأب الراوي كان راويا ً مسرحا ً أيضا ً :( كانت ليلة قائضة من ليالي شهر يوليو وكان النيل قد فاض ذلك العام أحد فيضاناته تلك التي تحدث مره كل عشرين أو ثلاثين سنة ,وتصبح أساطير يحدث بها الآباء أبناءهم )(18), فالراوي الأول الذي يمسك بزمام السرد من مستهل الرواية , يتنحى عن موقعه ويسلم زمام السرد لأبيه ويقف هو موقف المروي لـه الممسرح , فكل من الراوي والمروي لـه جاء ممسرحا ً .
وفي رواية ( الرهينة ) نجد أن الرهينة الراوي الأول كان ينطلق في بعض المواقف السردية من وجهة نظر موضوعية , حيث كان يسرد أحداثا ً تلقاها من مصادر متعددة , فعندما كان يروي عن حيوانات ولي العهد الكاسرة , كان يروي على وفق ما سمعه من جدته :
( كنت أعرف من خلال ما سمعته بأن ولي العهد يحتفظ بهذه الحيوانات الكاسرة في مطابقها الحديدية المطلة على ساحة القصر , لكي يتسلى بها عندما يلقي في بعض الأوقات ببعض من خصومه إلى أقفاصها , وبأنه كان يتلذذ برؤية ذلك المشهد الذي تقشعر له الأبدان , ويشيب له الولدان .. على حد تعبير جدتي
رحمها الله)(19), فالرهينة الراوي يصرح أن مصدر معلوماته هو جدته , وجدته التي سمع عنها هذه المعلومات راو ٍ غير ممسرح , لكن الرهينة في أثناء تلقيه هذه المعلومات كان مرويا ً لـه ممسرحا ً, وكذلك عندما كان يتحدث عن الطريق المعدة التي مرت فوقها السيارة إلى بيت ولي العهد : ( ومرقت بنا السيارة من الباب الكبير للمدينة , لكي نتسلق بعد ذلك عقبة مرصوفة بالحجارة السوداء , شقت بهذه الطريقة منذ مئات السنين , منذ عهد الملكة أروى والمعدة للقوافل )(20), فالراوي الأساس في السرد الموضوعي الذي أنطلق منه الرهينة لم يكن راويا ً ممسرحا ً أو ظاهريا ً ولكن ( الرهينة ) يبقى مرويا ً له ممسرحا ً .
بينما نجد أن الراوي الأساس في السرد الموضوعي في رواية ( الرجع البعيد ) راو ٍ ممسرح ومشارك , فعندما كان عبد الكريم يروي قصة حب صديقه فؤاد , كان يروي على وفق ما سمعه من صديقه فؤاد نفسه الذي هو أحد الشخصيات الروائية المشاركة في الأحداث , فالراوي إذن , راو ٍ ممسرح والمروي له الذي هو عبد الكريم مروي له ممسرح أيضا ً :
(.. إلا أن قلبه قد خطف منه كما حدثني دون أن يريد أو يعلم , كانت ابنة جيران سكنوا دارا ً متواضعة قرب بيتهم الكبير شهرين أو ثلاثة , ثم مضوا , كانوا من أولئك الناس الذين تلاحقهم طوال الحياة أخطاؤهم , وكانت أمها بغير زوج , قيل عن الأب أنه كان ضابطا ً إنكليزيا ً أحب الأم الأعرابية الجميلة فتزوجها , وأنجبت له , ثم سافر ولم تستلم منه إلا بضع رسائل انقطع بعدها كل شيء . ) (21) وكذلك عندما كان والد مدحت يروي لأم مدحت عن جيرانهم القدامى أولاد سيد خليل منطلقا ً من وجهة نظر موضوعية حيث كان يروي على وفق ما سمعه من ابن عمهم سالم :( جاني سالم ابن عمهم , عنده شغل عندنا بالطابو , يكـَول قاسم تزوج صار لـه جم سنة وطلع كـَعد ابيت بوحده , وأختهم رحمه ماتت ورا زواج أخوهم , هسه هاشم باقي هو ووالدته)(22) , فـ(سالم) الذي تلقى عنه والد مدحت هذه المعلومات شخصية ممسرحة ولذلك فهو راو ٍ ممسرح ووالد مدحت المروي لـه شخصية ممسرحة أيضاً وعلى هذا نجد أن الراوي والمروي لـه في السرد الموضوعي في ( الرجع البعيد ) كل منهما كان ممسرحا ً ومشاركا ً .
أما في ( الرهينة ) فقد كان الراوي غير ممسرح والمروي لـه ممسرحا ً, في حين وجدنا في( موسم الهجرة إلى الشمال ) الراوي الممسرح , والمروي لـه الممسرح , ووجدنا أيضا ً الراوي غير الممسرح والمروي له الممسرح .
ج- الرسائــــــل والوثائـــــــق :
لا شك في أن الرسائل والوثائق هي إحدى الوسائل التي يتجلى فيها المروي لـه الممسرح فهي فضلا ً عن كونها مصدر معلومات تعمل على تعميق الحبكة الدرامية أو انفراجها أو تعليل حدث ما وتفسيره ، ولكن في دراستنا للنماذج الروائية المختارة نجد أن رواية ( الرهينة ) ورواية ( الرجع البعيد ) لم تعتمد هذه الوسيلة في حين اعتمدتها رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال) , فعلى سبيل المثال نجد الرسالة التي تركتها ( ايزابيلاسيمور ) لمصطفى جعلت منه مرويا ً لـه ممسرحا ً فضلاً عن أن (ايزابيلا سيمور) عللت لنفسها من خلال الرسالة , طبيعة العلاقة التي ربطتها بمصطفى : (وبالرغم من كل شيء تركت لـه رسالة تقول فيها : إذا كان في السماء إله, فأنا متأكدة أنه سينظر بعين العطف إلى طيش امرأة مسكينة لم تستطع أن تمنع السعادة من دخول قلبها وإن كان في ذلك اخلال بالعرف وجرح لكبرياء زوج)(23), فعندما كان مصطفى يقرأ هذه الرسالة كان يقف موقف المروي لـه الممسرح , وأيضا ً (إيزابيلا سيمور ) – كاتبة الرسالة – كانت راويا ً ممسرحا ً ومشاركا ً. وكذلك عندما دفع مصطفى بمجموعة من الوثائق والأوراق إلى الراوي الأول : ( .. فدفع مصطفى إليَّ برزمة أوراق , وأومأ لي أن انظر فيها , فتحت ورقة فإذا هي وثيقة ميلاده , مصطفى سعيد من مواليد الخرطوم , 16 أغسطس عام 1898 , الأب متوفى الأم فاطمة عبد الصادق , فتحت بعد ذلك جواز سفره , الاسم , المولد , البلد , كما في شهادة الميلاد , المهنة طالب تاريخ صدور الجواز عام 1916 في القاهرة , وجدد في لندن عام 1926 كان ثمة جواز سفر آخر إنكليزي صدر في لندن عام 1929م , قلبت صفحاته فإذا اختام كثيرة , فرنسية وألمانية,وصينية ودنماركية)(24),
فالراوي الأول , عند قراءته لهذه الأوراق والوثائق , كـان يقف مـوقف المروي لـه الممسرح , وأن هذه الوثائق وما ضمته من معلومات عن مصطفى عملت على تعميق الحبكة الدرامية وجعلت المتلقي يشحذ خياله في تحليل شخصية مصطفى .
المروي لـه غير الممسرح :
للمروي لـه غير الممسرح صور عدة منها :
1) الخطاب بضمير يدل عليه .
2) ظهور صوت المروي له في الخطاب السردي .
3) اللجؤ إلى التفسير والتأويل .
4) والوسائل الإشارية .
- الخطاب بضمير يدل عليه :
يعتمد الخطاب السردي في بعض المواقف السردية على استعمال بعض الضمائر التي تكشف عن خطابها المباشر للمروي له كأنما هو حاضر يتلقى السرد بشكل مباشر , فعلى سبيل المثال نجد أن الخطاب السردي في رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) كان يستحضر المروي لـه غير الممسرح في كثير من المواقف السردية , بل إن الرواية تتجه منذ الاستهلال بخطاب مباشر للمروي له غير الممسرح :( عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبةٍ طويله )(25) فالخطاب هنا موجه إلى المروي لـه الذي هو حاضر في ذهن الروائي ومن ثم الراوي بصورة دائمة . وكذلك نجد الراوي الأول يشرك المروي له غير الممسرح بصورة مباشرة في حواره مع مصطفى : ( فقلت لـه وأنا اتصنع التواضع , إن الأمر لا يعدو أنني قضيت ثلاثة أعوام أنقب في حياة شاعر مغمور من شعراء الإنجليز , واغتظت لا اخفي عليكم أنني اغتظت حين ضحك الرجل ملء وجهه وقال نحن هنا لا حاجة لنا بالشعر , لو أنك درست علم الزراعة أو الطب لكان خيراً , انظر كيف يقول نحن ولا يشملني بها مع العلم بأن البلد بلدي وهو لا أنا الغريب )(26) , فالراوي يتوجه بالخطاب بصورة مباشرة للمروي لـه بقولـه( لا اخفي عليكم ) وقولـه ( أنظر كيف يقول نحن ) , فهذا التوجه بالخطاب إلى مروي ٍ لـه , يعد إحدى الوسائل لتجليات المروي له غير الممسرح في بنية الخطاب السردي .
والخطاب السردي في رواية ( الرجع البعيد ) يستعمل بعض الضمائر التي تشفَُ عن مخاطبة المروي له بصورة مباشرة , فعلى سبيل المثال عندما كان الراوي يعلق على إلحاح جدة مدحت في طلب الطعام , كان يستعمل ضمير المخاطب الذي يتوجه به إلى المروي له غير الممسرح : ( لا مناص من أن تأكل ما يقدم إليك .. هنا وبمجهود بسيط يمكن للإنسان أن يموت جوعاً )(27). فـ(كاف) الخطاب في قوله( ما يقدم إليك) دليل على توجيه الخطاب الى مروي له غير ظاهر , وكذلك عندما كان يعلق على أصحاب المقاهي وسلوكياتهم : ( وضعنا أمامكم أيها السادة الدليل القاطع على عهر المزبورة .... تجلس على المقعد الخشبي , التخت في الحقيقة , لنطلق عليه اسمه الحقيقي لا المستعار , ثم يأتيك يتهادى يتبختر يسير الهيدبى أو الخيزلى حسب الطلب ) (28), فقول الراوي ( أيها السادة ) و ( ثم يأتيك ) تدل على أن الخطاب موجه إلى المروي لـه غير الممسرح .
بيد أن بعض الخطابات السردية الروائية لا تستعمل هذه الوسيلة , فمن النماذج الروائية المختارة وجدنا أن الخطاب السردي لرواية ( الرهينة ) لا يعتمد على هذه الوسيلة في تعامله مع المروي لـه غير الممسرح , بل يعتمد وسائل أخرى سنعرفها في موقعها .
- ظهور صوت المــروي لـه :
سبقت الإشارة إلى أن المروي لـه حاضر باستمرار في ذهن الراوي , تعبيراً عن هذا الحضور يحاول المروي لـه أن يعلن عن نفسه من خلال إظهار صوته الذي يتخلل الخطاب السردي , مستفسراً أو متسائلاً لغرض إيضاح فكرة ما أو تفسيرها , فرواية ( الرجع البعيد ) بوصفها رواية أفكار ورواية متعددة الأصوات , نجدها تتعامل مع هذه الوسيلة بشكل واسع , بل أن الفصل الرابع منها يكاد يشكل حواراً مباشراً مع المروي لـه .. وكأن الراوي يقصد من وراء ذلك التأكيد على وجهة نظره مع وضع الآخر في الصورة .
فعلى سبيل المثال عندما كان الراوي يتحدث عن حسين ويصف شخصيته المضطربة , كنا نسمع صوت المروي له يتخلل العملية السردية في هيئة سؤال مباشر إلى الراوي :
(عاد يكمل سيره , نوبة سيئة حقا ً, وفتح باب الغرفة لم يسمع شيئا ً من الطابق الأسفل . أين ذهب أقرباؤه التعساء .. الحجي وزوجته العجوز ؟ ) (29).
نلاحظ هنا أن سؤال المروي لـه غير الممسرح عن أقرباء حسين , قد تخلل الخطاب السردي وأخذ مكانه في السياق , ليعلن عن حضوره , وسؤال المروي لـه جاء على وفق ما تضمنته البنية السردية للرواية , حيث ذكر الراوي في مكان سابق أن حسين بعد عودته من الكويت سكن في بيت ٍ يسكن في طابقه الأسفل رجل عجوز وزوجته , وكذلك عندما كان الراوي يتحدث عن مشكلة حسين وحقه في رؤية ابنتيه , كان كأنما يحاور طرفا ً آخر لغرض عرض وجهات نظر مختلفة , وكان هذا الطرف الآخر هو صوت المروي له :(.. سيقول لـه بلا مقدمة إنَّه يجب أن يرى ابنتيه . أليس للأب مثل هذا الحق ؟ أي أب على سطح الأرض , حتى في العراق , وكل قوانين الدنيا تؤيد حقه في رؤية ابنتيه , حق الأب في أن يرى أبناءه , والمشكلة أتوجد مشكلة ؟ روح شوفهم شوكت ما تريد , أيطبك مرض منود يركض وراك ؟ فلس باره, لا أخي , لنبحث الموضوع على مستوى آخر ...) (30)
هكذا يتجلى حضور المروي لـه غير الممسرح من خلال صوته المفاجئ الذي يقتحم بنية الخطاب لأغراض فنية , حيث أسهمت العناية بالمروي لـه في تأسيس الإطار السردي للخطاب , وعملت على فاعلية الحبكة القصصية في بنية الرواية , إذ إن علو صوت المروي لــه المتضمن وجهة نظر أخرى تناقض وجهة نظر الراوي أو تحاورها أعطى نوعا ً من الصراع الفكري في الرواية . إلا أن روايتي ( الرهينة ) و(موسم الهجرة إلى الشمال) لم يستعمل خطابهما السردي هذه الوسيلة , فصوت المروي لـه غير الممسرح , لم يظهر ولم يتضمنه الخطاب السردي .
أما التفسير واللجؤ إلى الهوامش بوصفه شكلاً من أشكال الاهتمام بالمروي لـه غير الممسرح والقارئ فلم يعثر عليه في النماذج الروائية المختارة , باستثناء بعض الهوامش النادرة في رواية ( الرهينة ) التي تضمنت تفسير بعض الكلمات ( العامية ) الواردة في بنية الخطاب .
- الوسائـــــل الإشاريـــــــــــــــــة :
هي إحدى الوسائل التي تشي بحضور القارئ الضمني الذي يقع داخل بنية الخطاب السردي , وكنا قد أشرنا سابقا ً أننا سندرج القارئ الضمني ضمن دراستنا للمروي لـه غير الممسرح , والمقصود بالوسائل الإشارية تلك الرموز المرسومة على مساحة الورق التي تشي بوجود حذف ما في بنية الخطاب , لغرض جذب انتباه المروي لـه أو القارئ الضمني ليتسنى لـه متابعة سير الأحداث بشكل منتظم , ولكن هناك بعض النقاد(31) يضع مثل هذه الوسائل ضمن دراسته لتقنية الحذف الزماني , على أساس أنها تجتزئ جزءا ً من زمن الحكاية , لكن الباحث يرى أن هذه الوسائل وضعت دليلاً إشارياً للمتلقي ( المروي لـه والقارئ الضمني ) في المقام الأول وعلى هذا الأساس أدخلت ضمن دراسة المروي له غير الممسرح .
من هذه الوسائل : النجمات الثلاث () التي تظهر بين الحين والآخر بسبب التناوب شبه المستمر بين الارتدادين : الداخلي والخارجي (32) أو بسبب انقطاع حاضر السرد الروائي عن متابعة تسلسل أحداثه , ولكن تقنية النجمات الثلاث لا تستعمل بشكل مطرد في جميع الروايات , بل أن هناك بعض روايات تلجأ إلى استعمال خطوط متقطعة ( ـــ ـــ ـــ ـــ ) وبعضها يفضل أن يترك مساحة من البياض وكلها وسائل تصب اهتمامها بالقارئ الضمني دليلا ً إشاريا ً يهتدي به , وعند دراستنا للنماذج الروائية المختارة وجدنا أنها قد تعاملت مع هذه الوسائل بوصفها تقنية على اختلاف أشكالها , فعلى سبيل المثال نجد أن رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) استعملت تقنية النجمات الثلاث () التي تشي بنقله زمنية ما في سياق السرد. فعندما كان الراوي يتحدث عن زيارة مصطفى لـه في وقت الظهيرة وأنه دعاه للعشاء في بيته بعد يومين , نجد أن السرد ينتقل من لحظة السرد إلى لحظة أخرى : (... دعاني للعشاء في بيته بعد يومين , ولما أوصلته للباب , قال لي وهو يودعني , والطيف الساحر أكثر وضوحاً حول عينيه : جدك يعرف السر ولم يمهلني حتى أسأله أي سر يعرفه جدي ؟ جدي ليست له أسرار ولكنه مضى مبتعدا ً بخطوات نشيطة متحفزة رأسه يميل قليلا ً إلى اليسار
ذهبت للعشاء فوجدت محجوبا ً والعمدة .... )(33) , فالراوي هنا اجتزأ يومين من زمن الحكاية وانتقل إلى لحظة زمنية أخرى بوساطة تقنية النجمات الثلاث التي هي بمثابة الدليل الإشاري على هذه النقلة , ولولا هذه الوسيلة الإشارية الفاصلة بين زمني السرد , لبقي سياق السرد متقطعا ً وغير متتابع , ولأختلط نظام الأحداث على المروي لـه والقارئ الضمني على حد ٍ سواء , وفي مكان آخر كان الراوي يتحدث عن حضوره اجتماع لجنة المشروع الزراعي ثم ينتقل إلى لحظة زمنية لاحقة مستعملاً التقنية نفسها ( النجمات الثلاث ) :( لم يكن ثمة أدنى شك في أن الرجل من عجينة أخرى , وأنه أحقهم برئاسة اللجنة , لكن ربما لأنه ليس من أهل البلد لم ينتخبوه.
بعد هذا بنحو أسبوع حدث شيء أذهلني ... )(34), فهذه النجمات المرسومة , الوسيلة الإشارية الفاصلة بين زمني السرد , أدت وظيفة محورية لدى القارئ الضمني, حيث أرشدته إلى الانتقال إلى موقف سردي آخر , فالاهتمام بالقارئ الضمني يعني الاهتمام بالمروي لـه الذي تعد أهم استعمالاته الإسهام في تأسيس الإطار السردي والتوسط بين الراوي والقارئ وتحديد سماته .
رواية ( الرهينة ) استعلمت أيضاً تقنية النجمات الثلاث وسيلة أشارية ضمن سياقها السردي للإيحاء بانتقال السرد من لحظة زمنية إلى أخرى , وان كانت هذه النقلة لا توحي بانتقال في زمن السرد بقدر ما توحي بانتقال في سياقه بحسب ما يرتئيه الباحث , فعلى سبيل المثال عندما كان ( الرهينة ) يروي عن حلقة الدرس الجماعي الذي كان يتلقاه في القلعة على يد الفقيه ثم ينتقل في سياقه السردي , للحديث عن بعض الرهائن العائدين إلى القلعة , مستعملا ً تقنيات النجمات الثلاث :( .. يقوم غاضبا ً لردّنا الجماعي الذي كان يعتبره وقحاً أو وقاحة ً .. ونصيح بنشيدنا المعتاد : غفر الله لك يا سيدنا .. ولوالديك مع والدينا .. الخ .
كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار .... ) (35), فسياق السرد هنا انتقل من موقف سردي إلى موقف سردي آخر بوساطة تقنية النجمات الثلاث التي وضعت فاصلاً إشارياً بين الموقفين , التي من خلالها يبقى حبل التواصل ممدودا ً ومتتابعا ً بين السرد والقارئ الضمني بشكل طبيعي دون إحساس القارئ بانحلال الاستمرارية السردية . وكذلك عندما كان الرهينة يروي عن مشاهدات الدويدار عبادي في حمام القصر , ثم ينتقل إلى سياق سردي آخر :
( بدأ يشوقني بحكايات لمشاهدات عاشها داخل ذلك الحمام وعن النساء .. الكبيرات والصغيرات والعوانس منهن بالذات .. وكيف يغمرهن الفرح بمقدمه لخدمتهن .
كان استطبل الخيل واسعا ً ...)(36) , فهذه النجمات المرسومة ما بين الموقفين السردين من شأنها أن تنبه القارئ إلى أن هناك تحولا ً في سياق السرد حتى لا يتوهم أن هناك خللا ً واضطرابا ً في نظام الأحداث , ولعل هذه هي أبرز وظائف القارئ الضمني في الخطاب السردي , إذ يعمل على استمرارية السرد وانتظامه .
أما في ( الرجع البعيد ) فقد ظهرت تقنية الخطوط المتقطعة ( ـــ ـــ ـــ ـــ ) , إلى جانب تقنية النجمات الثلاث , لتقوم بالمهمة الفنية نفسها التي تقوم بها تقنية النجمات , فقد استعملت الرواية الخطوط المتقطعة (ـــ ـــ ـــ ـــ ) وسيلةً إشارية يستدل بها القارئ على وجود تحول ما في سياق السرد وزمنه , فعندما كان عبد الكريم يحكي مأساته بفقد صديقه فؤاد , نلاحظ أن السرد توقف عند موقف معين , ثم استئنف في موقف آخر بعد أن وضعت بين الموقفين مجموعة من الخطوط المتقطعة (ـــ ـــ ـــ ـــ ) :
( لم أعلم وأنا جالس على تراب الرصيف فارغ الذراعين , هل بكيت من أجل تلك العينين الذاهبتين إلى الأبد , أم جزعا ً من أيام الشك المريع المقبلة ؟
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
فوجئ حسين برؤيتي جالسا ً في زاوية من الباص .... )(37) , فهذه الخطوط المتقطعة تعني الانتقال من موقف لآخر وهي وسيلة فنية يستدل بها القارئ على هذا الانتقال , كما استعملت الرواية تقنية النجمات أيضاً ، ولكن بصورة أقل من استعمالها للخطوط المتقطعة , من ذلك مثلاً عندما كان عبد الكريم يحكي عن نفسه وكيف أنه لم يستطع النوم في تلك الليلة :( ... أنا وأصوات نفسي المكتومة والصباح الذي لا يشرق .
óóó
أصرت والدتي أن تجلب لي فنجان قهوة إلى الطابق الأعلى ..) (38), لا شك هنا أن رسم النجمات الثلاث وسيلةً إشارية أدت وظيفتها الفنية في لفت انتباه القارئ إلى التحول في مسار السرد والانتقال من لحظة سردية إلى أخرى , فالمروي له والقارئ الضمني المتموضعان داخل البنية السردية , يسهمان بفعالية في تحديد مسار السرد وتحولاته , وما هذه الإشارات المرسومة إلا شكل من أشكال الممارسة الفنية لوظائفهما في الخطاب السردي .
وهناك أيضاً وسيلة إشارية أخرى , وهي تقنية النقاط المتتابعة ( . . . ) التي تجيء للتعبير عن أشياء محذوفة أو مسكوت عنها داخل الأسطر , وفي هذه الحالة تشغل البياض بين الكلمات والجمل نقط متتابعة قد تنحصر في نقطتين وقد تصبح ثلاث نقط أو أكثر , مما يمكن ملاحظته منذ الصفحات الأولى من بنية السرد الروائي وحتى نهايتها (39) , وقد تعامل الخطاب الروائي في النماذج المختارة مع هذه التقنية بشكل واضح لغرض إشراك القارئ والمروي له على حد سواء في تأسيس
الإطار السردي .
ففي ( موسم الهجرة إلى الشمال ) نجد حضور هذه التقنية على امتداد بنية الرواية , نقرأ على سبيل المثال عندما كان البطل يحدث نفسه عن مصطفى في مونولوج مسموع :
( هل أحدث أبي ؟ هل أقول لمحجوب ؟ لعل الرجل قتل أحدا ً في مكان ما أو فرّ من السجن ؟ لعله . . . ولكن أية أسرار في هذا البلد ؟ ) (40), وكذلك عندما كان مصطفى يروى للراوي الأول حكايته : ( إنها قصة طويلة , لكنني لن أقول لك كل شيء , وبعض التفاصيل لن تهمك كثيراً وبعضها . . . . . المهم أنني كما ترى ولدت في الخرطوم ) (41), وأيضاً : عندما كانت بنت مجذوب تحكي للراوي الأول حكاية ود الريس وزوجته :( هذا كلام لن يعجبك , خصوصاً إذا . . . . وأطرقت برهة . . )(42).
فأسلوب قطع الدلالة هنا ووضع النقاط مكان الفراغ , يحدث هزة ً لدى المروي لـه والقارئ , حيث يشعر بتوقف مفاجئ للسرد , ولكن انقطاع الدلالة هنا والتعويض عنه بالنقاط المتتابعة يهدف إلى إشراك المروي له في عملية تأسيس الإطار السردي , وإكمال الدلالة على وفق رؤيته ووجهة نظره .
وهكذا فإن الوسائل الإشارية على اختلاف أشكالها التي تضمنها الخطاب السردي الروائي كانت تصب اهتمامها بالمروي لـه والقارئ للتأكيد على حضورهما ومشاركتهما في تأسيس الإطار السردي والتوسط بين الراوي والقارئ الحقيقي .
لكن .. ما تجدر الإشارة إليه أن استخدام الوسائل الإشارية في النص الأدبي هي أحد إنجازات حركة الحداثة التي أسهمت في تأسيس شعرية القصيدة الجديدة (43) .
هــوامش :
(1) ينظر : الصوت الآخر : الجوهر الحواري للخطاب الأدبي : فاضل ثامر : 129
(2) المصدر نفســه : 130 . وينظر مصدره : الأسلوب السرد ونحو الخطاب المباشر وغير المباشر : آن بانفليد , ت : بشير القمري, مج آفاق عربية , ع8 , 9 , 1988 , 94 . وينظر: السرد في السيرة الذاتية العربية الحديثة: 79 .
(3) المصدر نفســه : 130
(4) ينظر : الصوت الأخر : 130-131
(5) ينظر : نفسه : 133 , ينظر : السردية العربية : 13 . وينظر مصدرهما : عودة الى خطاب الحكاية: 58. وينظر: تحليل الخطاب الروائي في أدب عبد الخالق الركابي : 131 .
(6) ينظر : السردية العربية : 14
(7) ينظر : الصوت الآخر : 138
(8) ينظر المروي له : الشكل – الموقع والوظيفة : ص 43
(9) ينظر : الصوت الآخر : ص 137 , وينظر السردية العربية : ص 14
(10) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 7
(11) نفســـه : ص 6
(12) الرهينة : ص 22
(13) الرهينة : ص 23
(14) الرجع البعيد : ص : 37 - 38
(15) نفسه : ص 13
(16) نفسه : ص 15
(17) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 23
(18) نفســــه : ص 49
(19) الرهينة : ص 82
(20) نفســه : ص 85
(21) الرجع البعيد : ص 29
(22) (1) الرجع البعيد : ص 56
(23) (2) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 141
(24) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 21 – 22
(25) نفسه : ص 5
(26) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 12 – 13
(27) الرجع البعيد : ص 39
(28) نفســه : ص 70
(29) الرجع البعيد : ص 69
(30) نفسه : ص 71
(31) ينظر : تقنيات السرد في النظرية والتطبيق : ص 86
(32) ينظر : بنية النص السردي : د . حميد لحمداني : ص 58 , المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر – بيروت ط2 , 1993
(33) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 15
(34) نفســـه : ص 16
(35) الرهينة : ص 5
(36) الرجع البعيد : ص 33
(37) نفســه : ص 165
(38) ينظر : بنية النص السردي : د. حميد لحمداني : ص 58
(39) نفســـه : ص 9
(40) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 20
(41) نفســـه : ص 23
(42) نفســه : ص 126
(43) ينظر : جدلية الحداثة في شعر عبد الله البردوني – احمد عزي صغير ، رسالة ماجستير – كلية التربية – ابن رشد – جامعة بغداد – 2001 : 186
جاء الاهتمام بدراسة المروي لـه Narratee متأخراً مقارنة بغيره من تقنيات السرد الأخرى , ويبدو أن الناقد ( جيرالد برنس) على ما يذهب إليه ( سيمور جاتمن ) هو أول من أثار هذا المصطلح ونظـَّر لـه في عدد من دراساته التي نشرت (1971 - 1973) أبرزها دراسته المرسومة( مقدمة لدراسة المروي لـه
في السرد)(1).
فإذا كان الراوي أو السارد (Narrator) هو قناة الإرسال أو المتبني سرد أحداث العمل السردي فإن المروي لـه هو قناة الاستقبال , وهو الذي يوجه إليه السرد داخل النص القصصي ذاته , ولكن كثيراً ما يحدث اللبس من خلال الخلط بين شخصية المروي لـه من جهة وشخصية القارئ الحقيقي أو القارئ الضمني من جهة أخرى , فمعظم النقـاد المحدثين ومنهم رولان بارت , وتودوروف وغريماس وجيرار جينت , يخلط بين مصطلحي المروي لـه والقارئ بمختلف مستوياته وتصنيفاته أو يدمج بين المصطلحين,فعندما تحدث (رولان بارت) عن آلية التواصل السردي , لم يشر صراحة إلى مفهوم المروي لــه على الرغم من أنه يشخصه إلا أنه يخلط بينه وبين المصطلحات المقاربة , حيث يقول : (إن المحكي بوصفه موضوعاً هو رهان على التواصل , فهناك من يمنح المحكي , وهناك من يتقبله . ونعرف أنه يفترض داخل التواصل اللغوي كلاً من ضمير المتكلم ( أنا ) و ضمير المخاطب ( أنت ) من طرف بعضهما , وبشكل مطلق , ولا يمكن بالطريقة ذاتها أن يوجد محكي دون سارد ودون مخاطب منصت أو مستمع أو قارئ)(2). فهو يفرق بشكل صريح في تصنيفات القارئ ومصطلحاته المقاربة , والشيء نفسه فعله ( تودوروف ) عندما اكتفى بالحديث عن الراوي والقارئ فقط و أهمل موقع المروي له , فهو يقول : ( إن العمل الأدبي هو خطاب في الآن نفسه , إذ يوجد سارد يروي القصة , وهناك في مواجهته قارئ يتقبلها ويهتدي إليها )(3).
في حين تنظر دراسات كثيرة إلى المروي له على أنه عنصر مهم في البنية العضوية للنص السردي , هذه النظرة جعلت المروي له يختلف موضوعيا ً وفنيا ًعن القارئ الحقيقي الذي له وجوده الفعلي في العمل القصصي , كما أنه يختلف أيضا ًعن القارئ الضمني Implied reader الكائن المتخيل الذي يولد لحظة قراءة النص , فالقارئ الضمني على الرغم من أنه يلتقي مع المروي له في وجودهما داخل البنية السردية بوصفهما معطى نصيا ً إلا أنه يتميز عنه بأنه من الممكن أن يتجسد حضوره فعليا ً على مسرح الأحداث من خلال تماهيه في إحدى شخصيات العمل القصصي تماهيا ً يجعل الفصل بينهما أمرا ً صعبا ً(4).
على هذا الأساس قدم ( سيمور جاتمن ) تمييزا ً جادا ً بين مستويات عدة للإرسال على وفق العلاقة التي تربط المرسل بالمتلقي , ويمكن تمثيل هذه المستويات بالشكل الآتي :
النص السردي
المؤلف القارئ(5)
من خلال هذا الشكل نستطيع التعرف بسهول على وضع وموقع كل عنصر من عناصر عملية الإرسال , فالمستطيل الطويل يمثل النص السردي ونلاحظ أن المؤلف الحقيقي والقارئ الحقيقي يقعان خارج بنية النص , بينما يتموضع المؤلف الضمني والراوي والمروي له والقارئ الضمني داخل بنية النص السردي . وكل عنصر من هذه العناصر لا تتحدد أهميته بذاته بل من خلال علاقته مع بقية المكونات , بل أن كل مكون سيفتقر إلى أي دور في البنية السردية إن لم يندرج في علاقة عضوية وحيوية معها , كما أن غياب مكون ما أو ضموره لا يخل بأمر الإرسال والإبلاغ والتلقي حسب , بل يقوض البنية السردية للخطاب (6).
في ضوء هذا التلازم العضوي بين عناصر عملية الإرسال تتحدد العلاقة الفنية بين الراوي والمروي له .
أما عن أشكال المروي له داخل بنية الخطاب السردي فهي(7):
1- المروي له الظاهري ( الممسرح ) : ويتجلى في أحد شخصيات العمل القصصي إذ يتماهى معها تماهيا ً كليا ً ويقف مقابلا ً للراوي يتلقى عنه .
2-المروي له غير الظاهري ( غير الممسرح ) :وهو كائن متخيل ليس له وجود فعلي ولا ملامح محددة . ويضيف باحث آخر شكلا ً ثالثا ً للمروي له يطلق عليه ( المروي له شبه الممسرح ) وهو الذي يتجه إليه الراوي مباشرة ً بالخطاب من خلال أحد الضمائر الدالة عليه(8). وسوف تقتصر دراستنا للمروي لـه في النماذج المختارة من الرواية العربية على هذين النمطين , أما ما أطلق عليه المروي لـه شبه الممسرح والذي لا يمتلك أي ملامح تدل على وجوده داخل الخطاب السرد سوى مخاطبة الراوي لـه بضمير المخاطب الإيهامي أو قوله (يا أصدقائي) (يا سامعين) أو (يا سادتي) فسوف ندرجه ضمن المروي لـه غير الممسرح بوصفه صورة من صوره كما يرتـئي الباحث .
وظائــــف المــــروي لــــه :
لاشك أن هناك ثمة وظائف يضطلع بها المروي له في الخطاب الروائي
من أهمها :
- الإسهام في تأسيس الإطار السردي .
- التوسط بين الراوي والقارئ وتحديد سماته وتأكيد بعض الموضوعات .
الإسهام في تطوير الحبكة , فضلا ً عن انه قد يصبح المروي لـه المتحدث الرسمي باسم القيم الأخلاقية للعمل (9).
وعندما نتفحص النصوص الروائية التي بين أيدينا , نجد أن خطابها السردي قد تعامل مع المروي لـه بأشكاله المختلفة بوصفه جزءً حيويا ً في بنية الرواية .
المروي لـه الممسرح :
يمكن أن نقف على المروي لـه الممسرح من خلال تشكلاته المتعددة في الخطاب السردي , فيمكن أن يتجسد من خلال :
- عملية تبادل المواقع بين الراوي والمروي لـه .
- أو من خلال السرد الموضوعي .
- أو من خلال الرسائل .
أ- تبــــادل المواقـــــع بين الــــراوي والمــــروي لــــه :
إذا كان الراوي في الروايات الحديثة لم تعد لـه تلك الهيمنة المطلقة على زمام السرد , إذ أن سرد الأحداث ينثال من خلال أكثر من راو ٍ فتعدد الرواة يجعل الراوي في موقف سردي ما يمكن أن يتحول إلى مروي لـه ممسرح في موقف سردي آخر عندما يسلم زمام السرد إلى راو ٍ آخر , وهكذا فتبادل المواقع وتعدد الرواة في الخطاب السردي الروائي يخلق مروياً لهم ممسرحين داخل البنية السردية .
ففي ( موسم الهجرة إلى الشمال ) نجد إلى جانب الراوي الأول رواة آخرين , فكلما تسلم زمام السرد راو ٍ تحول الآخرون إلى مروي ٍ لهم , فعندما كان الراوي الأول يحكي عن طبيعة الناس في أوربا كان مصطفى وبنت مجدوب ومحجوب وود الريس وغيرهم مروياً لهم ممسرحين يتلقون ما يسرده عليهم الراوي الأول : ( دهشوا حين قلت لهم إن الأوربيين إذا استثنينا فوارق ضئيلة مثلنا تماماً يتزوجون , ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول , ولهم أخلاق حسنة وهم عموما ً قوم طيبون )(10), ثم يتحول الراوي الأول في موقف سردي آخر إلى مروي لـه ممسرح ويتسلم زمام السرد راو ٍ آخر , فعندما كان والد الراوي الأول يحكي قصة مصطفى ودخوله إلى البلد كان الراوي الأول يقف موقف المروي له : ( .. إن مصطفى ليس من أهل البلد , لكنه غريب , جاء منذ خمسة أعوام , أشترى مزرعة وبنى بيتاً وتزوج بنت محمود)(11). ونجد في رواية ( الرهينة ) أن تبادل المواقع بين الرهينة البطل والدويدار عبادي , أعطى شكلا ً من أشكال المروي لـه الممسرح , ففي الوقت الذي يكون الرهينة البطل يروي , يكون الدويدار مرويا ً لـه , وعندما يتسلم زمام السرد يكون الرهينة البطل مرويا ً لـه : (.. مسكين ابن كامل سائق النائب المقرب .. مات في حادث غامض .. قيل ذلك .. وفي اعتقادي أنه انتحر من أجلها .. هذا اقتناعي .. وهو صحيح رغم معارضة الآخرين )(12)
هنا يقف الدويدار موقف الراوي العليم في حين كان الرهينة في موقف المروي لـه , وفي موقف آخر يحدث العكس حيث يتحول الرهينة إلى راو ٍ ويصبح الدويدار مرويا ً له :(تأملت يدها .. كانت مزينة بأساور من الذهب ومزركشة بالحناء والخضاب الأسود المتعرج على أنامل كالشمع الأحمر الممزوج بلون
اللبن الصافي)(13) .
أما في رواية ( الرجع البعيد ) فإن تعدد الأصوات وتعدد الرواة جعل المروي لـه الممسرح أكثر حضورا ً وأكثر تجليا ً منه في الروايتين السابقتين , فكلما تسلم زمام السرد راو ٍ ظهر في المقابل مروي لـه , فعندما كان عبد الكريم يروي قصة موت صديقه فؤاد كان والد فؤاد يقف موقف المروي له : (.. كنت جالساً على الرصيف المغبر واضعا ً ذلك الرأس العزيز في حضني , ثم أخذوه من بين ذراعي , في منتصف الليل تحت النجوم , وهمد كل شيء من حولي , ولفتني غيمة سوداء وعدت تلك الليلة إلى الدار ولبثت الحياة تسري حتى وأنا أصرخ طوال أيام بعد ذلك , كنت أحيا بعد أن عانقت الموت .. موته , لم يحتضر , لم يتعذب لا يمكن لهذه الأمور أن تلتصق به , لقد مات بين ذراعي ، انطفأ مثلما ينطفئ النهار )(14) أو عندما كانت مديحة تروي لأم مدحت عما تود فعله مع زوجها العائد من الكويت , كانت أم مدحت مرويا له ممسرحا ً :(لا , لا , يوم . آني أريد اشوفه هالنوبه , هو راجع خاطر يشوف البنات , أدري لاكت آني ناوية افضها وياه على وجه . احنا مو بحاجه أله . آني دا اشتغل وعندي راتب وابويه الله يحفظه خيمة عليَّ وعلى بناتي . لاكت هو لازم يعرف آني مو كـَاعدة يدك . زوجة احتياط , شوكت ما يعجبه يرجع عليَّ , راح ذاك الوكت)(15) كذلك عندما كانت عمة مدحت تروي عن بستانهم , كانت مديحة , وجدة مدحت , و منيرة مرويا ً لهم :( بستاننا جانت , هسه وين هاذا اللي يسموه الجندي المدفون , من يم الجندي للشط وتمشين ويه الشط الراك الراك إلى حدود بيت السيد , هي بستان عيني لوزيرة ! الزمان يضيع بيها أربع تيام ) (16).
والملاحظ في موقع المروي لـه الممسرح أنه كان لـه حضور على مسرح الأحـداث فهو مروي لـه مشارك , يتموضع في الشخصيات الروائية , وينتقل من شخصية إلى أخرى على وفق ما يقتضيه الموقف السردي,إذ يكون طرفا العملية السردية الراوي , المروي لـه – حاضرين على مسرح الأحداث .
ب- الســـــرد الموضـــــوعي :
يعد السرد الموضوعي إحدى الوسائل التي يتجلى من خلالها المروي لـه الممسرح , فالراوي عندما يسرد سردا ً موضوعيا ً يكون قد تلقى ذلك من سواه , فالراوي الموضوعي كان في لحظة تلقيه السرد مرويا ً لـه ممسرحا ً, ولكن قد يكون من تلقى عنه راويا ً ممسرحا ً وقد يكون غير ممسرح , ولكن يبقى المروي لـه سواءٌ كان الراوي ممسرحا ً أو غير ممسرح , مرويا ً لـه ممسرحا ً, فعلى سبيل المثال نجد في رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) أن مصطفى ينطلق من خلال وجهة نظر موضوعية , عندما كان يسرد عن نشأته الأولى , ولكن الراوي الذي تلقى عنه مصطفى هذه المعلومات لم يكن راويا ً ممسرحا ً في حين يبقى مصطفى مرويا ً له ممسرحا ً :(.. ولدت في الخرطوم , نشأت يتيماً , فقد مات أبي قبل أن أولد ببضعة أشهر لكنه ترك لنا ما يستر الحال )(17), أو عندما كان الراوي الأول يروي عن قصة فيضان النيل في أحد الأعوام , فالراوي لم يعش أحداث الفيضان , ولكن أباه حكى لـه هذه القصة وكان في تلك الأثناء مرويا ً لـه ممسرحا ً وكذلك الأب الراوي كان راويا ً مسرحا ً أيضا ً :( كانت ليلة قائضة من ليالي شهر يوليو وكان النيل قد فاض ذلك العام أحد فيضاناته تلك التي تحدث مره كل عشرين أو ثلاثين سنة ,وتصبح أساطير يحدث بها الآباء أبناءهم )(18), فالراوي الأول الذي يمسك بزمام السرد من مستهل الرواية , يتنحى عن موقعه ويسلم زمام السرد لأبيه ويقف هو موقف المروي لـه الممسرح , فكل من الراوي والمروي لـه جاء ممسرحا ً .
وفي رواية ( الرهينة ) نجد أن الرهينة الراوي الأول كان ينطلق في بعض المواقف السردية من وجهة نظر موضوعية , حيث كان يسرد أحداثا ً تلقاها من مصادر متعددة , فعندما كان يروي عن حيوانات ولي العهد الكاسرة , كان يروي على وفق ما سمعه من جدته :
( كنت أعرف من خلال ما سمعته بأن ولي العهد يحتفظ بهذه الحيوانات الكاسرة في مطابقها الحديدية المطلة على ساحة القصر , لكي يتسلى بها عندما يلقي في بعض الأوقات ببعض من خصومه إلى أقفاصها , وبأنه كان يتلذذ برؤية ذلك المشهد الذي تقشعر له الأبدان , ويشيب له الولدان .. على حد تعبير جدتي
رحمها الله)(19), فالرهينة الراوي يصرح أن مصدر معلوماته هو جدته , وجدته التي سمع عنها هذه المعلومات راو ٍ غير ممسرح , لكن الرهينة في أثناء تلقيه هذه المعلومات كان مرويا ً لـه ممسرحا ً, وكذلك عندما كان يتحدث عن الطريق المعدة التي مرت فوقها السيارة إلى بيت ولي العهد : ( ومرقت بنا السيارة من الباب الكبير للمدينة , لكي نتسلق بعد ذلك عقبة مرصوفة بالحجارة السوداء , شقت بهذه الطريقة منذ مئات السنين , منذ عهد الملكة أروى والمعدة للقوافل )(20), فالراوي الأساس في السرد الموضوعي الذي أنطلق منه الرهينة لم يكن راويا ً ممسرحا ً أو ظاهريا ً ولكن ( الرهينة ) يبقى مرويا ً له ممسرحا ً .
بينما نجد أن الراوي الأساس في السرد الموضوعي في رواية ( الرجع البعيد ) راو ٍ ممسرح ومشارك , فعندما كان عبد الكريم يروي قصة حب صديقه فؤاد , كان يروي على وفق ما سمعه من صديقه فؤاد نفسه الذي هو أحد الشخصيات الروائية المشاركة في الأحداث , فالراوي إذن , راو ٍ ممسرح والمروي له الذي هو عبد الكريم مروي له ممسرح أيضا ً :
(.. إلا أن قلبه قد خطف منه كما حدثني دون أن يريد أو يعلم , كانت ابنة جيران سكنوا دارا ً متواضعة قرب بيتهم الكبير شهرين أو ثلاثة , ثم مضوا , كانوا من أولئك الناس الذين تلاحقهم طوال الحياة أخطاؤهم , وكانت أمها بغير زوج , قيل عن الأب أنه كان ضابطا ً إنكليزيا ً أحب الأم الأعرابية الجميلة فتزوجها , وأنجبت له , ثم سافر ولم تستلم منه إلا بضع رسائل انقطع بعدها كل شيء . ) (21) وكذلك عندما كان والد مدحت يروي لأم مدحت عن جيرانهم القدامى أولاد سيد خليل منطلقا ً من وجهة نظر موضوعية حيث كان يروي على وفق ما سمعه من ابن عمهم سالم :( جاني سالم ابن عمهم , عنده شغل عندنا بالطابو , يكـَول قاسم تزوج صار لـه جم سنة وطلع كـَعد ابيت بوحده , وأختهم رحمه ماتت ورا زواج أخوهم , هسه هاشم باقي هو ووالدته)(22) , فـ(سالم) الذي تلقى عنه والد مدحت هذه المعلومات شخصية ممسرحة ولذلك فهو راو ٍ ممسرح ووالد مدحت المروي لـه شخصية ممسرحة أيضاً وعلى هذا نجد أن الراوي والمروي لـه في السرد الموضوعي في ( الرجع البعيد ) كل منهما كان ممسرحا ً ومشاركا ً .
أما في ( الرهينة ) فقد كان الراوي غير ممسرح والمروي لـه ممسرحا ً, في حين وجدنا في( موسم الهجرة إلى الشمال ) الراوي الممسرح , والمروي لـه الممسرح , ووجدنا أيضا ً الراوي غير الممسرح والمروي له الممسرح .
ج- الرسائــــــل والوثائـــــــق :
لا شك في أن الرسائل والوثائق هي إحدى الوسائل التي يتجلى فيها المروي لـه الممسرح فهي فضلا ً عن كونها مصدر معلومات تعمل على تعميق الحبكة الدرامية أو انفراجها أو تعليل حدث ما وتفسيره ، ولكن في دراستنا للنماذج الروائية المختارة نجد أن رواية ( الرهينة ) ورواية ( الرجع البعيد ) لم تعتمد هذه الوسيلة في حين اعتمدتها رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال) , فعلى سبيل المثال نجد الرسالة التي تركتها ( ايزابيلاسيمور ) لمصطفى جعلت منه مرويا ً لـه ممسرحا ً فضلاً عن أن (ايزابيلا سيمور) عللت لنفسها من خلال الرسالة , طبيعة العلاقة التي ربطتها بمصطفى : (وبالرغم من كل شيء تركت لـه رسالة تقول فيها : إذا كان في السماء إله, فأنا متأكدة أنه سينظر بعين العطف إلى طيش امرأة مسكينة لم تستطع أن تمنع السعادة من دخول قلبها وإن كان في ذلك اخلال بالعرف وجرح لكبرياء زوج)(23), فعندما كان مصطفى يقرأ هذه الرسالة كان يقف موقف المروي لـه الممسرح , وأيضا ً (إيزابيلا سيمور ) – كاتبة الرسالة – كانت راويا ً ممسرحا ً ومشاركا ً. وكذلك عندما دفع مصطفى بمجموعة من الوثائق والأوراق إلى الراوي الأول : ( .. فدفع مصطفى إليَّ برزمة أوراق , وأومأ لي أن انظر فيها , فتحت ورقة فإذا هي وثيقة ميلاده , مصطفى سعيد من مواليد الخرطوم , 16 أغسطس عام 1898 , الأب متوفى الأم فاطمة عبد الصادق , فتحت بعد ذلك جواز سفره , الاسم , المولد , البلد , كما في شهادة الميلاد , المهنة طالب تاريخ صدور الجواز عام 1916 في القاهرة , وجدد في لندن عام 1926 كان ثمة جواز سفر آخر إنكليزي صدر في لندن عام 1929م , قلبت صفحاته فإذا اختام كثيرة , فرنسية وألمانية,وصينية ودنماركية)(24),
فالراوي الأول , عند قراءته لهذه الأوراق والوثائق , كـان يقف مـوقف المروي لـه الممسرح , وأن هذه الوثائق وما ضمته من معلومات عن مصطفى عملت على تعميق الحبكة الدرامية وجعلت المتلقي يشحذ خياله في تحليل شخصية مصطفى .
المروي لـه غير الممسرح :
للمروي لـه غير الممسرح صور عدة منها :
1) الخطاب بضمير يدل عليه .
2) ظهور صوت المروي له في الخطاب السردي .
3) اللجؤ إلى التفسير والتأويل .
4) والوسائل الإشارية .
- الخطاب بضمير يدل عليه :
يعتمد الخطاب السردي في بعض المواقف السردية على استعمال بعض الضمائر التي تكشف عن خطابها المباشر للمروي له كأنما هو حاضر يتلقى السرد بشكل مباشر , فعلى سبيل المثال نجد أن الخطاب السردي في رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) كان يستحضر المروي لـه غير الممسرح في كثير من المواقف السردية , بل إن الرواية تتجه منذ الاستهلال بخطاب مباشر للمروي له غير الممسرح :( عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبةٍ طويله )(25) فالخطاب هنا موجه إلى المروي لـه الذي هو حاضر في ذهن الروائي ومن ثم الراوي بصورة دائمة . وكذلك نجد الراوي الأول يشرك المروي له غير الممسرح بصورة مباشرة في حواره مع مصطفى : ( فقلت لـه وأنا اتصنع التواضع , إن الأمر لا يعدو أنني قضيت ثلاثة أعوام أنقب في حياة شاعر مغمور من شعراء الإنجليز , واغتظت لا اخفي عليكم أنني اغتظت حين ضحك الرجل ملء وجهه وقال نحن هنا لا حاجة لنا بالشعر , لو أنك درست علم الزراعة أو الطب لكان خيراً , انظر كيف يقول نحن ولا يشملني بها مع العلم بأن البلد بلدي وهو لا أنا الغريب )(26) , فالراوي يتوجه بالخطاب بصورة مباشرة للمروي لـه بقولـه( لا اخفي عليكم ) وقولـه ( أنظر كيف يقول نحن ) , فهذا التوجه بالخطاب إلى مروي ٍ لـه , يعد إحدى الوسائل لتجليات المروي له غير الممسرح في بنية الخطاب السردي .
والخطاب السردي في رواية ( الرجع البعيد ) يستعمل بعض الضمائر التي تشفَُ عن مخاطبة المروي له بصورة مباشرة , فعلى سبيل المثال عندما كان الراوي يعلق على إلحاح جدة مدحت في طلب الطعام , كان يستعمل ضمير المخاطب الذي يتوجه به إلى المروي له غير الممسرح : ( لا مناص من أن تأكل ما يقدم إليك .. هنا وبمجهود بسيط يمكن للإنسان أن يموت جوعاً )(27). فـ(كاف) الخطاب في قوله( ما يقدم إليك) دليل على توجيه الخطاب الى مروي له غير ظاهر , وكذلك عندما كان يعلق على أصحاب المقاهي وسلوكياتهم : ( وضعنا أمامكم أيها السادة الدليل القاطع على عهر المزبورة .... تجلس على المقعد الخشبي , التخت في الحقيقة , لنطلق عليه اسمه الحقيقي لا المستعار , ثم يأتيك يتهادى يتبختر يسير الهيدبى أو الخيزلى حسب الطلب ) (28), فقول الراوي ( أيها السادة ) و ( ثم يأتيك ) تدل على أن الخطاب موجه إلى المروي لـه غير الممسرح .
بيد أن بعض الخطابات السردية الروائية لا تستعمل هذه الوسيلة , فمن النماذج الروائية المختارة وجدنا أن الخطاب السردي لرواية ( الرهينة ) لا يعتمد على هذه الوسيلة في تعامله مع المروي لـه غير الممسرح , بل يعتمد وسائل أخرى سنعرفها في موقعها .
- ظهور صوت المــروي لـه :
سبقت الإشارة إلى أن المروي لـه حاضر باستمرار في ذهن الراوي , تعبيراً عن هذا الحضور يحاول المروي لـه أن يعلن عن نفسه من خلال إظهار صوته الذي يتخلل الخطاب السردي , مستفسراً أو متسائلاً لغرض إيضاح فكرة ما أو تفسيرها , فرواية ( الرجع البعيد ) بوصفها رواية أفكار ورواية متعددة الأصوات , نجدها تتعامل مع هذه الوسيلة بشكل واسع , بل أن الفصل الرابع منها يكاد يشكل حواراً مباشراً مع المروي لـه .. وكأن الراوي يقصد من وراء ذلك التأكيد على وجهة نظره مع وضع الآخر في الصورة .
فعلى سبيل المثال عندما كان الراوي يتحدث عن حسين ويصف شخصيته المضطربة , كنا نسمع صوت المروي له يتخلل العملية السردية في هيئة سؤال مباشر إلى الراوي :
(عاد يكمل سيره , نوبة سيئة حقا ً, وفتح باب الغرفة لم يسمع شيئا ً من الطابق الأسفل . أين ذهب أقرباؤه التعساء .. الحجي وزوجته العجوز ؟ ) (29).
نلاحظ هنا أن سؤال المروي لـه غير الممسرح عن أقرباء حسين , قد تخلل الخطاب السردي وأخذ مكانه في السياق , ليعلن عن حضوره , وسؤال المروي لـه جاء على وفق ما تضمنته البنية السردية للرواية , حيث ذكر الراوي في مكان سابق أن حسين بعد عودته من الكويت سكن في بيت ٍ يسكن في طابقه الأسفل رجل عجوز وزوجته , وكذلك عندما كان الراوي يتحدث عن مشكلة حسين وحقه في رؤية ابنتيه , كان كأنما يحاور طرفا ً آخر لغرض عرض وجهات نظر مختلفة , وكان هذا الطرف الآخر هو صوت المروي له :(.. سيقول لـه بلا مقدمة إنَّه يجب أن يرى ابنتيه . أليس للأب مثل هذا الحق ؟ أي أب على سطح الأرض , حتى في العراق , وكل قوانين الدنيا تؤيد حقه في رؤية ابنتيه , حق الأب في أن يرى أبناءه , والمشكلة أتوجد مشكلة ؟ روح شوفهم شوكت ما تريد , أيطبك مرض منود يركض وراك ؟ فلس باره, لا أخي , لنبحث الموضوع على مستوى آخر ...) (30)
هكذا يتجلى حضور المروي لـه غير الممسرح من خلال صوته المفاجئ الذي يقتحم بنية الخطاب لأغراض فنية , حيث أسهمت العناية بالمروي لـه في تأسيس الإطار السردي للخطاب , وعملت على فاعلية الحبكة القصصية في بنية الرواية , إذ إن علو صوت المروي لــه المتضمن وجهة نظر أخرى تناقض وجهة نظر الراوي أو تحاورها أعطى نوعا ً من الصراع الفكري في الرواية . إلا أن روايتي ( الرهينة ) و(موسم الهجرة إلى الشمال) لم يستعمل خطابهما السردي هذه الوسيلة , فصوت المروي لـه غير الممسرح , لم يظهر ولم يتضمنه الخطاب السردي .
أما التفسير واللجؤ إلى الهوامش بوصفه شكلاً من أشكال الاهتمام بالمروي لـه غير الممسرح والقارئ فلم يعثر عليه في النماذج الروائية المختارة , باستثناء بعض الهوامش النادرة في رواية ( الرهينة ) التي تضمنت تفسير بعض الكلمات ( العامية ) الواردة في بنية الخطاب .
- الوسائـــــل الإشاريـــــــــــــــــة :
هي إحدى الوسائل التي تشي بحضور القارئ الضمني الذي يقع داخل بنية الخطاب السردي , وكنا قد أشرنا سابقا ً أننا سندرج القارئ الضمني ضمن دراستنا للمروي لـه غير الممسرح , والمقصود بالوسائل الإشارية تلك الرموز المرسومة على مساحة الورق التي تشي بوجود حذف ما في بنية الخطاب , لغرض جذب انتباه المروي لـه أو القارئ الضمني ليتسنى لـه متابعة سير الأحداث بشكل منتظم , ولكن هناك بعض النقاد(31) يضع مثل هذه الوسائل ضمن دراسته لتقنية الحذف الزماني , على أساس أنها تجتزئ جزءا ً من زمن الحكاية , لكن الباحث يرى أن هذه الوسائل وضعت دليلاً إشارياً للمتلقي ( المروي لـه والقارئ الضمني ) في المقام الأول وعلى هذا الأساس أدخلت ضمن دراسة المروي له غير الممسرح .
من هذه الوسائل : النجمات الثلاث () التي تظهر بين الحين والآخر بسبب التناوب شبه المستمر بين الارتدادين : الداخلي والخارجي (32) أو بسبب انقطاع حاضر السرد الروائي عن متابعة تسلسل أحداثه , ولكن تقنية النجمات الثلاث لا تستعمل بشكل مطرد في جميع الروايات , بل أن هناك بعض روايات تلجأ إلى استعمال خطوط متقطعة ( ـــ ـــ ـــ ـــ ) وبعضها يفضل أن يترك مساحة من البياض وكلها وسائل تصب اهتمامها بالقارئ الضمني دليلا ً إشاريا ً يهتدي به , وعند دراستنا للنماذج الروائية المختارة وجدنا أنها قد تعاملت مع هذه الوسائل بوصفها تقنية على اختلاف أشكالها , فعلى سبيل المثال نجد أن رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) استعملت تقنية النجمات الثلاث () التي تشي بنقله زمنية ما في سياق السرد. فعندما كان الراوي يتحدث عن زيارة مصطفى لـه في وقت الظهيرة وأنه دعاه للعشاء في بيته بعد يومين , نجد أن السرد ينتقل من لحظة السرد إلى لحظة أخرى : (... دعاني للعشاء في بيته بعد يومين , ولما أوصلته للباب , قال لي وهو يودعني , والطيف الساحر أكثر وضوحاً حول عينيه : جدك يعرف السر ولم يمهلني حتى أسأله أي سر يعرفه جدي ؟ جدي ليست له أسرار ولكنه مضى مبتعدا ً بخطوات نشيطة متحفزة رأسه يميل قليلا ً إلى اليسار
ذهبت للعشاء فوجدت محجوبا ً والعمدة .... )(33) , فالراوي هنا اجتزأ يومين من زمن الحكاية وانتقل إلى لحظة زمنية أخرى بوساطة تقنية النجمات الثلاث التي هي بمثابة الدليل الإشاري على هذه النقلة , ولولا هذه الوسيلة الإشارية الفاصلة بين زمني السرد , لبقي سياق السرد متقطعا ً وغير متتابع , ولأختلط نظام الأحداث على المروي لـه والقارئ الضمني على حد ٍ سواء , وفي مكان آخر كان الراوي يتحدث عن حضوره اجتماع لجنة المشروع الزراعي ثم ينتقل إلى لحظة زمنية لاحقة مستعملاً التقنية نفسها ( النجمات الثلاث ) :( لم يكن ثمة أدنى شك في أن الرجل من عجينة أخرى , وأنه أحقهم برئاسة اللجنة , لكن ربما لأنه ليس من أهل البلد لم ينتخبوه.
بعد هذا بنحو أسبوع حدث شيء أذهلني ... )(34), فهذه النجمات المرسومة , الوسيلة الإشارية الفاصلة بين زمني السرد , أدت وظيفة محورية لدى القارئ الضمني, حيث أرشدته إلى الانتقال إلى موقف سردي آخر , فالاهتمام بالقارئ الضمني يعني الاهتمام بالمروي لـه الذي تعد أهم استعمالاته الإسهام في تأسيس الإطار السردي والتوسط بين الراوي والقارئ وتحديد سماته .
رواية ( الرهينة ) استعلمت أيضاً تقنية النجمات الثلاث وسيلة أشارية ضمن سياقها السردي للإيحاء بانتقال السرد من لحظة زمنية إلى أخرى , وان كانت هذه النقلة لا توحي بانتقال في زمن السرد بقدر ما توحي بانتقال في سياقه بحسب ما يرتئيه الباحث , فعلى سبيل المثال عندما كان ( الرهينة ) يروي عن حلقة الدرس الجماعي الذي كان يتلقاه في القلعة على يد الفقيه ثم ينتقل في سياقه السردي , للحديث عن بعض الرهائن العائدين إلى القلعة , مستعملا ً تقنيات النجمات الثلاث :( .. يقوم غاضبا ً لردّنا الجماعي الذي كان يعتبره وقحاً أو وقاحة ً .. ونصيح بنشيدنا المعتاد : غفر الله لك يا سيدنا .. ولوالديك مع والدينا .. الخ .
كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار .... ) (35), فسياق السرد هنا انتقل من موقف سردي إلى موقف سردي آخر بوساطة تقنية النجمات الثلاث التي وضعت فاصلاً إشارياً بين الموقفين , التي من خلالها يبقى حبل التواصل ممدودا ً ومتتابعا ً بين السرد والقارئ الضمني بشكل طبيعي دون إحساس القارئ بانحلال الاستمرارية السردية . وكذلك عندما كان الرهينة يروي عن مشاهدات الدويدار عبادي في حمام القصر , ثم ينتقل إلى سياق سردي آخر :
( بدأ يشوقني بحكايات لمشاهدات عاشها داخل ذلك الحمام وعن النساء .. الكبيرات والصغيرات والعوانس منهن بالذات .. وكيف يغمرهن الفرح بمقدمه لخدمتهن .
كان استطبل الخيل واسعا ً ...)(36) , فهذه النجمات المرسومة ما بين الموقفين السردين من شأنها أن تنبه القارئ إلى أن هناك تحولا ً في سياق السرد حتى لا يتوهم أن هناك خللا ً واضطرابا ً في نظام الأحداث , ولعل هذه هي أبرز وظائف القارئ الضمني في الخطاب السردي , إذ يعمل على استمرارية السرد وانتظامه .
أما في ( الرجع البعيد ) فقد ظهرت تقنية الخطوط المتقطعة ( ـــ ـــ ـــ ـــ ) , إلى جانب تقنية النجمات الثلاث , لتقوم بالمهمة الفنية نفسها التي تقوم بها تقنية النجمات , فقد استعملت الرواية الخطوط المتقطعة (ـــ ـــ ـــ ـــ ) وسيلةً إشارية يستدل بها القارئ على وجود تحول ما في سياق السرد وزمنه , فعندما كان عبد الكريم يحكي مأساته بفقد صديقه فؤاد , نلاحظ أن السرد توقف عند موقف معين , ثم استئنف في موقف آخر بعد أن وضعت بين الموقفين مجموعة من الخطوط المتقطعة (ـــ ـــ ـــ ـــ ) :
( لم أعلم وأنا جالس على تراب الرصيف فارغ الذراعين , هل بكيت من أجل تلك العينين الذاهبتين إلى الأبد , أم جزعا ً من أيام الشك المريع المقبلة ؟
ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ ـــ
فوجئ حسين برؤيتي جالسا ً في زاوية من الباص .... )(37) , فهذه الخطوط المتقطعة تعني الانتقال من موقف لآخر وهي وسيلة فنية يستدل بها القارئ على هذا الانتقال , كما استعملت الرواية تقنية النجمات أيضاً ، ولكن بصورة أقل من استعمالها للخطوط المتقطعة , من ذلك مثلاً عندما كان عبد الكريم يحكي عن نفسه وكيف أنه لم يستطع النوم في تلك الليلة :( ... أنا وأصوات نفسي المكتومة والصباح الذي لا يشرق .
óóó
أصرت والدتي أن تجلب لي فنجان قهوة إلى الطابق الأعلى ..) (38), لا شك هنا أن رسم النجمات الثلاث وسيلةً إشارية أدت وظيفتها الفنية في لفت انتباه القارئ إلى التحول في مسار السرد والانتقال من لحظة سردية إلى أخرى , فالمروي له والقارئ الضمني المتموضعان داخل البنية السردية , يسهمان بفعالية في تحديد مسار السرد وتحولاته , وما هذه الإشارات المرسومة إلا شكل من أشكال الممارسة الفنية لوظائفهما في الخطاب السردي .
وهناك أيضاً وسيلة إشارية أخرى , وهي تقنية النقاط المتتابعة ( . . . ) التي تجيء للتعبير عن أشياء محذوفة أو مسكوت عنها داخل الأسطر , وفي هذه الحالة تشغل البياض بين الكلمات والجمل نقط متتابعة قد تنحصر في نقطتين وقد تصبح ثلاث نقط أو أكثر , مما يمكن ملاحظته منذ الصفحات الأولى من بنية السرد الروائي وحتى نهايتها (39) , وقد تعامل الخطاب الروائي في النماذج المختارة مع هذه التقنية بشكل واضح لغرض إشراك القارئ والمروي له على حد سواء في تأسيس
الإطار السردي .
ففي ( موسم الهجرة إلى الشمال ) نجد حضور هذه التقنية على امتداد بنية الرواية , نقرأ على سبيل المثال عندما كان البطل يحدث نفسه عن مصطفى في مونولوج مسموع :
( هل أحدث أبي ؟ هل أقول لمحجوب ؟ لعل الرجل قتل أحدا ً في مكان ما أو فرّ من السجن ؟ لعله . . . ولكن أية أسرار في هذا البلد ؟ ) (40), وكذلك عندما كان مصطفى يروى للراوي الأول حكايته : ( إنها قصة طويلة , لكنني لن أقول لك كل شيء , وبعض التفاصيل لن تهمك كثيراً وبعضها . . . . . المهم أنني كما ترى ولدت في الخرطوم ) (41), وأيضاً : عندما كانت بنت مجذوب تحكي للراوي الأول حكاية ود الريس وزوجته :( هذا كلام لن يعجبك , خصوصاً إذا . . . . وأطرقت برهة . . )(42).
فأسلوب قطع الدلالة هنا ووضع النقاط مكان الفراغ , يحدث هزة ً لدى المروي لـه والقارئ , حيث يشعر بتوقف مفاجئ للسرد , ولكن انقطاع الدلالة هنا والتعويض عنه بالنقاط المتتابعة يهدف إلى إشراك المروي له في عملية تأسيس الإطار السردي , وإكمال الدلالة على وفق رؤيته ووجهة نظره .
وهكذا فإن الوسائل الإشارية على اختلاف أشكالها التي تضمنها الخطاب السردي الروائي كانت تصب اهتمامها بالمروي لـه والقارئ للتأكيد على حضورهما ومشاركتهما في تأسيس الإطار السردي والتوسط بين الراوي والقارئ الحقيقي .
لكن .. ما تجدر الإشارة إليه أن استخدام الوسائل الإشارية في النص الأدبي هي أحد إنجازات حركة الحداثة التي أسهمت في تأسيس شعرية القصيدة الجديدة (43) .
هــوامش :
(1) ينظر : الصوت الآخر : الجوهر الحواري للخطاب الأدبي : فاضل ثامر : 129
(2) المصدر نفســه : 130 . وينظر مصدره : الأسلوب السرد ونحو الخطاب المباشر وغير المباشر : آن بانفليد , ت : بشير القمري, مج آفاق عربية , ع8 , 9 , 1988 , 94 . وينظر: السرد في السيرة الذاتية العربية الحديثة: 79 .
(3) المصدر نفســه : 130
(4) ينظر : الصوت الأخر : 130-131
(5) ينظر : نفسه : 133 , ينظر : السردية العربية : 13 . وينظر مصدرهما : عودة الى خطاب الحكاية: 58. وينظر: تحليل الخطاب الروائي في أدب عبد الخالق الركابي : 131 .
(6) ينظر : السردية العربية : 14
(7) ينظر : الصوت الآخر : 138
(8) ينظر المروي له : الشكل – الموقع والوظيفة : ص 43
(9) ينظر : الصوت الآخر : ص 137 , وينظر السردية العربية : ص 14
(10) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 7
(11) نفســـه : ص 6
(12) الرهينة : ص 22
(13) الرهينة : ص 23
(14) الرجع البعيد : ص : 37 - 38
(15) نفسه : ص 13
(16) نفسه : ص 15
(17) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 23
(18) نفســــه : ص 49
(19) الرهينة : ص 82
(20) نفســه : ص 85
(21) الرجع البعيد : ص 29
(22) (1) الرجع البعيد : ص 56
(23) (2) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 141
(24) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 21 – 22
(25) نفسه : ص 5
(26) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 12 – 13
(27) الرجع البعيد : ص 39
(28) نفســه : ص 70
(29) الرجع البعيد : ص 69
(30) نفسه : ص 71
(31) ينظر : تقنيات السرد في النظرية والتطبيق : ص 86
(32) ينظر : بنية النص السردي : د . حميد لحمداني : ص 58 , المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر – بيروت ط2 , 1993
(33) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 15
(34) نفســـه : ص 16
(35) الرهينة : ص 5
(36) الرجع البعيد : ص 33
(37) نفســه : ص 165
(38) ينظر : بنية النص السردي : د. حميد لحمداني : ص 58
(39) نفســـه : ص 9
(40) موسم الهجرة إلى الشمال : ص 20
(41) نفســـه : ص 23
(42) نفســه : ص 126
(43) ينظر : جدلية الحداثة في شعر عبد الله البردوني – احمد عزي صغير ، رسالة ماجستير – كلية التربية – ابن رشد – جامعة بغداد – 2001 : 186
تعليق